شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التمائم
جاء الإسلام يبين للناس أن الله هو النافع الضار، المعطي المانع، ونهى عن كل فعل يتنافى مع ذلك، ومن الأفعال والاعتقادات التي تنافي ذلك وتعد من أفعال الجاهلية: تعليق التمائم، فبين الإسلام أنها شرك مع الله تعالى، ومن يكون شركًا أكبر أو أصغر، لذا فليحذر المسلم من هذه الاعتقادات الباطلة.
[ ٧ / ١ ]
التمائم والمعوذات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم كتاب (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) للإمام الشوكاني رحمه الله تعالى.
[ ٧ / ٢ ]
تعريف التميمة
التميمة لغة هي: التعويذة أو التحويطة كما يقول العوام، وتعلق في الرقبة أو في العضد أو في الكعب أو في المعصم، وهم يستخدمونها -سواء اعتقدوا أو لم يعتقدوا- لدفع الضر أو العين، أو لاستجلاب الخير.
[ ٧ / ٣ ]
حكم التميمة
التميمة من أفعال الجاهلية، وهي شرك، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (من تعلق تميمة فقد أشرك).
وأيضًا: قال ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فالحديث الأول متكلم في إسناده، والحديث الثاني صحيح.
وأيضًا: حديث عمران بن حصين كما في مسند أحمد وغيره أن النبي ﷺ رأى رجلًا عليه حلقة من صفر في يديه، فقال: (ما هذه؟ قال: من الواهنة).
أي: أنني أستشفي بها، (فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، وقال: لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا).
و(أبدًا) تدل على التأبيد، ويدل على أنها شرك أكبر ليس شركًا أصغر.
وأيضًا: قول النبي ﷺ في حديث رويفع: (يا رويفع! ستطول بك الحياة)، والشاهد من الحديث أنه قال له: (فمن تقلد وترًا فأنبئه -قال: أو أبلغه- أني منه بريء) فقد تبرأ النبي ﷺ منه، ولا يتبرأ النبي ﷺ إلا من صاحب الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر.
وأيضًا قوله ﷺ: (فمن تعلق ودعة فلا أودع الله له، أو فلا ودع الله له)، أي: ما ودعه الله جل وعلا وما جعله في سرور (ومن تعلق تميمة فلا أتم الله له) أي: من تعلق هذه التميمة لا أتم الله له خيرًا لا دنيا ولا آخرة.
فهذه الأدلة كلها تبين لنا حكم التمائم، وأن التميمة لا تجوز، وأنها من الشرك بمكان، لقول النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
فسماها شركًا ونحن سنسميها كما سماها النبي ﷺ.
[ ٧ / ٤ ]
حكم من تعلق تميمة
القول في حكمه على التفصيل: القسم الأول: من تعلق تميمة واعتقد أن لها التأثير المطلق، وأنها تنفع وتضر من دون الله جل في علاه، فقد كفر كفرًا أكبر، وهو الشرك المراد به في قول النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
أي: شرك أكبر، ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها: القاعدة: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر وأشرك؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق؛ فهو مكذب لله ﷿ القائل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
وهو بلسان حاله يقول: كأن الله له سمي يؤثر في الكون بدون الله جل في علاة.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
وهو قد جعل كفؤًا لله يؤثر تأثيره، أو يفعل كفعل الله جل في علاه.
وهو مكذب لله جل في علاه القائل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].
وهم ينفون ذلك ويرون أن هذه التمائم تؤثر من دون الله جل في علاه، وكأنها تشارك الله في الكون، وقد قال النبي ﷺ كما عند الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله -جل في علاه- لك)، وهو كذب بذلك، وضرب بكلام الله ورسوله عرض الحائط.
القسم الثاني: شرك أصغر: وهو الذي يعتقد اعتقادًا صحيحًا سديدًا في أن الله هو الخالق للكون، وأن الله هو القادر على كل شيء، ولا أحد يشاركه في هذه القدرة، فهذا اعتقاد سديد، لكنه قد اتخذ التميمة سببًا لدفع العين والحسد، وذلك كما يفعل بعض الناس في ذبح الذبائح لدفع العين ودفع الحسد، وهذا النوع من الذبح ممنوع لا يجوز.
فصاحب التميمة اتخذ سببًا لم يشرعه الله جل في علاه، فنزل تحت قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] وقال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالتشريع والأسباب والمسببات كلها في يد الله جل في علاه، فإذا شرع الإنسان سببًا لم يشرعه الله فكأنه أشرك بقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فهذا من الأثر.
وأما من النظر: فلأن الشرك الأصغر ذريعة إلى الشرك الأكبر، وهذه قاعدة قعدها علماؤنا فقالوا: إن كل عمل يصل بالإنسان إلى الشرك الأكبر فهو شرك أصغر.
فلو وضع المرء الحظاظة أو الحذوة لدفع العين، وقدر الله أنه دفع العين، ففي المرة الأولى سيقول: هي سبب، لكن في المرات الأخرى إذا أراد الله أن يختبره، بحيث أنه كلما وضع الحذوة دفع العين، وكلما أنزلها أصيب بالعين، فإنه سيعتقد في الحذوة ويقول: هي التي تؤثر، وهي التي تدفع العين، فصارت عند ذلك ذريعة للشرك الأكبر.
فالتمائم كثيرة جدًا، وهي من أفعال الجاهلية، وقد استقاها أهل الحضر الآن، وأخذوا نفس أفعال الجاهلية؛ لكن سموها بغير اسمها، ومن هذه التعويذات أو التمائم التي تعد من أفعال الجاهلية: العقر، وهو: خيط ملون تربطه المرأة في وسطها.
وسبب ذلك نقول: إن المرأة لا ترضى أن تكون امرأة أخرى زوجة لزوجها، فهذه من الأنانية، بحيث أنها ترى أختها تزني فتتركها تزني، ولا تريد أن زوجها يعفها إن كان قادرًا، فهذه امرأة كانت مدرسة للقرآن ومتقنة للأسانيد والقراءات، فجاء زوجها فقال: التعدد سنة، والأصل في النكاح التعدد، وقد رزقني الله القوة البدنية والقوة المادية، ولن أترك امرأة أرملة تنظر للغير أو للحرام، فأريد أن أعفها، فلما تزوجها ماذا حدث من الداعية القرآنية صاحبة الأسانيد؟! ذهبت إلى العمارة التي يسكن فيها زوجها مع الزوجة الثانية، فجاءت بأوراق صغيرة، وكتبت فلانة بنت فلان الغشاشة الخداعة على كل بيت في هذه العمارة؛ لتفضح المرأة الثانية، فامرأة مثل هذه انظروا ماذا فعلت؟! أما غيرها ماذا ستفعل؟ ستذهب إلى أهل الجاهلية وتقول: لا بد أن يطلقها، وربما قد تذهب إلى الساحرة فتقول لها عليها من الله ما تستحق: نجعلها لا تنجب.
قالت: قد أنجبت له الولد والذكر والأنثى.
قالت: فماذا نفعل؟ فالمرأة قد نظرنا في عائلتها فرأيناها خصبة، وممكن أن تنجب، قالت: خذي هذه العقيرة حتى لا تنجب، فأخذتها، وهذا كثير في العوام، وأنا لا أتكلم عن الخيالات في غرار الوسط الملتزم، ولذا كانوا في الجاهلية يعتقدون أنه إذا ربطتها في وسطها دون أن تشعر المرأة الثانية -أي: الضرة- على أنه يمنع الحبل، وتسمى عند أهل الجاهلية بالعقر أي: تجعلها عاقرًا، فهذه حالة من الحالات التي يستخدمها أهل الجاهلية ويعتقدون فيها اعتقادًا تامًا.
أيضًا: كعب الأرنب، فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون فيه، فإذا وضع على صدر الولد أو وضع على البيت فإنه يدفع العين والحسد، ولا يمكن أن يكون معيونًا ولا يحسد هذا المرء الذي علق كعب الأرنب.
كذلك: ناب الضبع، فكانوا يرون أن نابه أيضًا يدفع العين.
أيضًا: يعتقدون في الصدف الذي يسمى الودع، فيرون أن الودع يستجلب الحظ، ولذلك النبي ﷺ قال: (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) وسياق الحديث لغة يصح خبرًا ويصح إنشاء، فيصح خبرًا، أي: يخبر الله أن من تعلق ودعة فإن الله لا يجعله يعيش في سرور ولا دعة، ويصح أيضًا، وكأن النبي ﷺ يدعو عليه ويقول: من تعلق ودعة اللهم لا تجعله يعيش في دعة ولا في سرور، والاثنان سواء، لأنه لو كان خبرًا فقد أوقعه الله كونًا، ولو كان شرعًا فإن دعاء النبي مستجاب لا يرد.
فهم يعتقدون في الودع أنه يدفع العين ويستجلب الحظ، وأهل الجاهلية المعاصرة اليوم يعتقدون ذلك في المعصم، وكان في الجاهلية اسمه: الواهمة، لكن الآن غيروا المسميات وسموها حظاظة، وهي التي تأتي لهم بالحظ.
وأيضًا: انتشر كثيرًا جدًا تعليق حذاء الحصان في البيوت، وكذلك: (أبو كف) كما يقولون: (خمسة وخميسة)، فتراها معلقة على رأس الطفل، وفي رقبة الطفلة، وفي السيارة، وبجانبها عين، وكأنه يعتقد أن (الخمسة والخميسة) سترد العين الحسود.
وأيضًا: الخرز الزرقاء، وهي مشهورة جدًا بين العوام.
وأيضًا: حذاء الطفل الصغير، وهذه أيضًا من التمائم أو التعاليق التي تستعمل في حاضرنا.
والخلاصة: أن هذه التمائم والتعاليق بأنواعها كلها شرك أكبر أو شرك أصغر، وبقي نوع واحد من أنواع التمائم والتعاليق، ألا وهو: التعاليق أو التمائم بكتاب الله جل في علاه، أو بالقرآن، وهذه مسألة مهمة جدًا، فبعض الناس بعدما تحذره من التمائم الشركية يقول: أنا سأعمل بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (من تعلق شيئًا وكل إليه)، وأنا تعلقت بكتاب الله، وكتاب الله هو كلام الله، فإذًا الله لا يضيعني، فلما نظر بعض الفقهاء هذه النظرة جعل المسألة فيها نوع من الجواز ونوع من المنع.
[ ٧ / ٥ ]
حكم تعليق التمائم المكتوب فيها آيات وأذكار
النوع الأخير من التمائم وهي: التعاليق من كلام الله جل في علاه، من القرآن أو من الأحاديث النبوية أو من الأذكار التي علمها النبي ﷺ لأصحابه الكرام.
اختلف العلماء في هذا النوع من التعاليق على قولين: قال بعضهم: يجوز للإنسان أن يعلق المصحف حفظًا للسيارة، أو يأتي بتعليقة لأولاده فيها الأذكار، فيجعلها في الرقبة، أو يأتي للمرأة أو للطفلة الصغيرة فتعلق أوراق مكتوب فيها آيات قرآنية مثل آية الكرسي، أو تُعلق التعاليق في البيت، فتدخل البيت وتجد آية الكرسي معلقة على الحائط.
وهذه التعاليق قال بجوازها بعض العلماء، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، والذي يستدل بأن النبي ﷺ علمه كلمات: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر عباده وغضبه وعقابه)، فكان يتعلم هذه الكلمات ويقولها صباحًا ومساءً.
ويعلم أطفاله الصغار أن يذكروها، فإن كانوا من الصغر بمكان، ولم يستطيعوا أن يذكروها كتبها لهم في ورقة وعلقها على صدورهم حفظًا لهم.
قالوا: وهذا فعل لـ عبد الله بن عمرو بن العاص ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فأصبح إجماعًا سكوتيًا.
أيضًا قالوا: إن عائشة الصديقة بنت الصديق فقيهة النساء، هذه المرأة التي عندها ثلث العلم قالت: يجوز للمرء أن يعلق ذلك ما دام البلاء قد نزل؛ لأن التعليق فيمن لم ينزل.
أيضًا ممن قال بالجواز أحمد بن حنبل، وقوله هذا ينفع كثيرًا أصحاب المحلات الذين يعلقون التعاليق التي فيها آيات القرآن.
ودليل أحمد: حديث النبي ﷺ الذي في المسند: (من تعلق شيئًا وكل إليه) أي: تركه الله جل وعلا له، فيقول: أنا وكلت لكلام الله فقد وكلت إلى ذات الله جل في علاه، والحافظ هو الله جل في علاه، والنافع الضار هو الله جل في علاه.
ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهما من فحول أهل العلم.
القول الثاني: قول جماهير الصحابة وجماهير أهل السنة والجماعة، وهي رواية أيضًا عن أحمد قالوا: لا يجوز تعليق آيات القرآن، لا على الحائط، ولا على الصدور، ولا لدفع الحسد.
ودليلهم على ذلك عموم قول النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، فجعل التمائم كلها شرك، وذلك بوجه العموم في الحديث، وهو دلالة على تحريم عموم التمائم، سواء من القرآن، أو من غير القرآن، فقد وصفها ووسمها الله بأنها من الشرك بمكان.
واستدلوا أيضًا بالنظر فقالوا: إباحة تعليق الآيات القرآنية من باب الوسائل التي تؤدي إلى الاعتقاد في القرآن أنه ينفع ويضر، وهو سبب شرعي.
والقرآن صفة من صفات الله، ولا يصح أن يقول الإنسان: أنها تنفع وتضر، ولا يصح للمرء أن يقول: يا رحمة الله! ارحميني، ولا أن يقول: يا كرم الله! أكرمني، يا رزق الله! ارزقني؛ لأن الرحمة والكرم والقدرة والعزة كل هذه صفات من صفات الله، وصفات الله لا تنفع ولا تضر، والذي ينفع ويضر هي ذات الله جل في علاه، الذات المقدسة، فمن اعتقد في القرآن أنه ينفع ويضر فقد اعتقد اعتقادًا شركيًا.
والقاعدة تنص على أنه لا يصح أن يعتقد في صفة من الصفات ما لا يعتقد إلا في ذات الله جل في علاه.
فإذًا: نقول: تعليق القرآن مع اختبار الله في وجود الشفاء هذه وسيلة إلى أن يعتقد في القرآن أنه ينفع ويضر بذاته، وهذا اعتقاد شركي، وهو وسيلة للشرك الأكبر.
والراجح من القولين هو قول الجمهور، ولا يصح البتة ما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، ولا يصح تعليق الآيات القرآنية، لا على الحائط، ولا على السيارة، ولا على رقبة الطفل، ولا على رقبة المرأة، ولا على باب البيت.
ولذا فلا يجوز بحال من الأحوال تعليق آيات القرآن، والأدلة على ذلك كثيرة منها -كما قلت سابقًا- عموم قول النبي ﷺ: (إن التمائم شرك)، أي: كل التمائم شرك.
أيضًا: أن تعليق القرآن تؤدي إلى مفاسد تأباها الشريعة، منها: أنك لو علقت آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية على رقبة الطفل، ثم دخل الخلاء أو دخل الحمام، فإنه سيمتهن كلام الله جل في علاه، ويدخل تحت ذلك الخاتم أو السلسلة المكتوب عليها آيات الله، وهذا بالإجماع ممنوع شرعًا.
ومن المفاسد أيضًا: أنك لو علقت هذه التمائم، أو علقت المصحف على السيارة كما يفعل كثير من الإخوة، فيأخذ المصحف الصغير ويعلقه ويقول: أنا أتبرك بكلام الله، والتبرك بكلام الله صحيح، فيصبح المصحف بعد ذلك لا للتلاوة، ولكن لدفع العين وللزينة، ودور القرآن في الحياة الذي هو التلاوة والتدبر قد مُنع بسبب هذه التعاليق، فهذه مفاسد ترجح القول الثاني.
ونرد على المخالف وهم أصحاب القول الأول، فنقول: بالنسبة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص فإن سنده مختلف فيه، وعلى هذا فلا حجة لـ شيخ الإسلام بهذا الحديث.
وأما قول عائشة فهو اجتهاد منها، وهو اجتهاد مصادم لقول النبي ﷺ: (إن التمائم شرك).
ونقول لـ عائشة: ما قلنا للشافعي وما قلنا لـ أبى حنيفة، وما قلنا لـ مالك، وما قال بعضهم لبعض، من أنه لا اجتهاد مع النص.
فالاجتهاد هذا اجتهاد فاسد لا يصح العمل به؛ لورود النص بالمنع، قال ابن عبد البر: لا حجة لأحد مع رسول الله ﷺ، وفي ذلك: تعارض حظر مع المبيح، والقاعدة عند المحدثين أن يقدم الحظر على المبيح للاحتياط في العبادات؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف.
ونخلص من ذلك: أن التمائم كلها حرام وكلها شرك، منها ما هو من الشرك الأكبر، ومنها ما هو من الشرك الأصغر.
لكن لزم علينا كطلبة علم إذا أغلقنا على الناس بابًا أن نفتح لهم بابًا آخر تأسيًا بالنبي ﷺ، فهو عندما أغلق الباب على بلال لما جاءه بالتمر الجنيب قال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: أوه عين الربا، لا تفعل، فأغلق عليه الباب، ثم بعد أن أغلق عليه الباب أسقط في يد بلال.
ثم قال له: (بع الجمع الرديء بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) فنقول: أغلقنا هذا الباب من دفع الضر والعين والحسد، إذًا: فما الباب الذي سنفتحه لهؤلاء؟ نقول: هذه الأبواب هي الأسباب الشرعية التي شرعها الله، فلك أن تدفع العين بأسباب شرعية، وللإجمال دون التفصيل أقول: الأسباب للاستشفاء ودفع العين، وطلب النفع، ودفع الضر سببان: سبب شرعي، وسبب قدري، إذ أننا دائمًا ندور مع شرعنا حول القدر وحول الشرع.
فأما السبب القدري: فهو السبب المجرب، وذلك كالعملية الجراحية، وهو الذي خلقه الله فجربته أنت فعلمت أنه دواء ناجعًا لهذا المرض، فلك أن تقول: استشف لهذا المرض، أي: خذ سببًا للشفاء.
وأما السبب الشرعي في الاستشفاء، كدفع الضر وجلب النفع فهو نوعان: سبب شرعي حسي، وسبب شرعي معنوي.
فأما المعنوي: فهو طلب الرقية بالاستشفاء بالقرآن، كأن يقرأ عليك، أو تقول الأذكار التي وردت عن النبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، وقال النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص: (ضع يدك على الذي تتألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) سبع مرات.
أيضًا: أن تأخذ بريقك وتضرب على الأرض وتقول: (باسم الله تربة أرضنا وبريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا).
وأيضًا: تضع يدك على فمك وتقرأ المعوذات وتنفث ثم تمسح على كل جسدك، فهذا هو السبب الشرعي المعنوي.
وأما السبب الشرعي الحسي فهو: ما أنزله الله جل في علاه، وبين شرعًا أنه من الشفاء بمكان، كحبة البركة.
ومن الأسباب الشرعية كذلك: العسل، فقد جاء في الصحيح أو صح عن نبينا أن رجلًا جاء يشكو إلى رسول الله ﷺ أن أخاه يشتكي بطنه، فقال له النبي ﷺ: (اسقه عسلًا) فجاء في المرة الثانية فقال: ازداد الوجع عليه، فقال له النبي ﷺ: (اسقه عسلًا) فازداد الوجع مضاعفًا على الرجل، فقال: يا رسول الله! قلت: اسقيه عسلًا واشتد الوجع بأخي، قال: (اسقه عسلًا) انظروا إلى اليقين بالله، اللهم ارزقنا هذا اليقين فيك يا رب العالمين! وكذلك من الأسباب الشرعية الحسية: الحجامة.
أيضًا: ماء زمزم، فقد قال النبي ﷺ: (ماء زمزم لما شرب له).
فهذا على العموم، وعندنا دليل خاص بالاستشفاء، قال النبي ﷺ: (ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم).
فإذا أغلقنا هذه الأبواب فلا بد أن نفتح لهم أبوابًا أخرى، فإذا أراد أن يستشفي بالذات من العين فلا يعلق الآيات القرآنية، ولكن يقرأ القرآن، فيقرأ المعوذتين، فإن النبي ﷺ عندما أنزل الله عليه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]-أي: يقتلونك حسدًا- حرسه الله وحفظه بالمعوذبتين، وكان دائمًا ما يتعوذ بهما.
وقد ذكر ابن القيم أن رجلًا كان مشهورًا بالعين، وكان إذا نظر إلى الجمل أنزله القدر، وإذا نظر إلى الرجل أنزله القبر، واشتهرت عينه بذلك، فكان يستأجر، فجاء رجل حاسد لرجل آخر غنيًا فقال له: لك أجرة كذا على أن تفعل، قال: ما أفعل؟ قال: أن تحسد أبقار هذا الرجل، قال: ائتني بهذه الأبقار، قال: ستمر الآن، فأخذه على مشرفة عالية، فقال: اجلس حتى تمر، فمروا بأبقارهم، فقال له: الآن، قال: وما ذاك؟ قال: الآن تنظر تعين البقر، فالبقر يمر، قال: لا أرى بقرًا، قال: هناك، قال: أين؟ فالرجل اجتهد حتى بين له المكان
[ ٧ / ٦ ]