شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التوسل
من أعظم القربات والطاعات لله ﷿: التوسل، فهو عبادة لا تنبغي ولا تصرف إلا له ﵎، والتوسل منه ما هو مشروع، كالتوسل بالله ﷿، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، والتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الصالحين، ومنه ما هو غير مشروع، كالتوسل بقبر من القبور، أو بذاوت الصالحين، أو بجاه النبي ﷺ، أو بدعاء الأموات، ونحو ذلك.
[ ٤ / ١ ]
معنى التوسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن العلماء قد تحدثوا عن حكم التوسل بالمخلوق، وقبل أن نذكر ذلك لابد من معرفة معنى التوسل وأنواعه.
فالتوسل لغة: هو الطريقة التي يتوصل بها الإنسان المكلف إلى مراد الله جل في علاه، أو هو الأقوال والأفعال التي يتوصل بها المكلف إلى مراد الله جل في علاه، قال الله في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة:٣٥].
والوسيلة بالمعنى العام: هي الطريقة من القول والفعل التي توصل الإنسان إلى مراد الله جل في علاه.
أما التوسل بالمعنى الخاص: فهو الطرق التي يتخذها العبد من الأقوال والأفعال التي يقدمها بين يدي دعائه؛ ليستجاب.
والتوسل عند علمائنا ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
وإذا قسم العلماء التوسل إلى مشروع وممنوع، فإن المنع لا يمكن أن يأتي من هوى، ولا من كيس إنسان، ولا من عند نفسه، إنما يكون من الشرع؛ لأن التوسل قربة من القربات، وعبادة من العبادات، والدليل على أن التوسل عبادة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥].
وإذا قلنا: إن التوسل عبادة، فلنا أن نقول: هناك توسل ممنوع، وتوسل مشروع، ومن صرف التوسل لله فهو على التوحيد، ومن صرفه لغير الله فهو على الشرك.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على أن التوسل عبادة من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه، وإذا كانت عبادة فإن الأصل في العبادات التوقيف، والله ﷿ لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه ينزل تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله في هذه الآية بأن نبتغي إليه الوسيلة، فأمر بما يحب، وما أحبه ينزل تحت مسمى العبادة، سواء كانت نافلة أو كانت فريضة واجبة، وهذا هو وجه الدلالة من الآية.
إذًا التوسل عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
[ ٤ / ٢ ]
أنواع التوسل
قال العلماء: التوسل توسلان: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
[ ٤ / ٣ ]
التوسل المشروع
التوسل المشروع: هو ما كان بالله، والتوسل بالله يتفرع عليه توسل بذات الله، وتوسل بأسمائه الحسنى، وتوسل بصفات الله الكاملة، وتوسل بأفعال الله.
[ ٤ / ٤ ]
التوسل بالله
القسم الأول: التوسل بالله جل في علاه، ويندرج تحته التوسل بذات الله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال جل في علاه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وقد بينت السنة أن النبي ﷺ كان يتوسل بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، قولًا وفعلًا وتقريرًا.
أما بالقول: فكان النبي ﷺ يتوسل إلى ربه ويقول (اللهم أني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتبك، أو استأثرت به في علم الغيب عند) ثم يأتي بالدعاء، وهذا من الأدب الجم مع الله، فالإنسان قبل أن يدعو الله يقدم بين يدي دعائه ثناءً على الله، ولذلك فإن النبي ﷺ لما رأى رجلًا يطلب من ربه دون أن يتأدب، ويتقدم بين يدي دعائه بالثناء على الله والتوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبالصلاة على النبي ﷺ قال: (عجل هذا) فحري ألا تجاب دعوته؛ لأنه تعجل ولم يأت بالآداب التي لا بد أن يتأدب بها بين يدي دعائه.
وأما من تقريره ﷺ: ففي الحديث: (أنه مر على رجل فرآه يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد) فأقره على ذلك، وقال توضيحًا: (لقد سأل الله باسمه الأعظم -أي: توسل إلى ربه باسمه الأعظم- الذي إذ سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وقد علم المكروب إذا توسل إلى ربه لكشف كربته أن يقول: (الله ربي لا أشرك به شيئًا)، وعلم أصحابه الأفاضل الأماجد الأكارم ذلك، فعلم أبا بكر أن يدعو الله في آخر صلاته ويقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) فهذا أيضًا توسل بأسماء الله جل في علاه.
فهذه كلها أدلة على التوسل بأسماء الله، فالأول: خاص، وهو قوله: (بكل اسم هو لك)، فالتوسل أولًا بالله ثم بمجموع أسمائه.
والثاني: توسل باسم من أسماء الله، تقريره ﷺ لمن قال: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت).
أما التوسل بصفات الله سبحانه: ففي الصحيح عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: -متوسلًا بصفات الله-: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وأيضًا ورد بسند صحيح أنه ﷺ عندما طلب من ربه طلبًا وأبى عليه قال: (أعوذ بوجهك)، وفي بعض الروايات: (أعوذ بوجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض)، وكان كثيرًا ما يقول: (برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وهذه الأدلة فيها توسل بصفات الله جل في علاه، فقوله: (أعوذ بكلمات الله) فيه توسل بكلمات الله، وكلمات الله صفة من صفاته.
والدليل على أن الكلمات صفة من صفاته: هو أنه أضافها إليه، والمضاف لله نوعان: إضافة معاني، وإضافة أعيان، فإضافة الأعيان تكون إضافة تشريف: كبيت الله، وناقة الله، وعيسى روح الله، فهذه إضافة أعيان، فعيسى ليس صفة من صفات الله، وكذلك الكعبة والناقة ليستا من صفات الله، وإنما أضيفت لله إضافة تشريف.
والنوع الثاني: إضافة معاني: ككلام الله، وعزة الله، ورحمة الله، فالرحمة والعزة والكلام ليست أعيانًا قائمة بذاتها، والرسول ﷺ استعاذ بكلمات الله، فأضافها إلى الله، وهذا يدل على أنها صفة من صفاته جل في علاه، وهي من صفات الكمال.
وقوله: (أعوذ بوجهك) فيه استعاذة بوجه الله الذي هو صفة من صفاته.
ومن توسله ﷺ بصفات الله قوله: (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث) فيتوسل بصفة من صفات الله، وهي الرحمة، واستغاث بصفة من صفات الله جل وعلا، وعلم أصحابه ذلك أيضًا.
وكان النبي ﷺ يقول: (أعوذ بوجهك الكريم) فأضاف الوجه إلى الله، وهذه إضافة صفة للموصوف، فقد توسل بصفة من صفات الله.
ومن التوسل المشروع بالله جل في علاه: التوسل بأفعال الله: فإذا رأى العبد فعلًا من أفعال الله فله أن يتوسل به؛ ليستجاب دعاؤه، فيقول مثلًا: اللهم بنجاتك لنوح، نجني من المهلكات، فقد نادى نوح ربه جل في علاه فاستجاب له.
ومن التوسل بأفعال الله أن يقول العبد بين يدي دعائه -كما في الحديث-: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أي: كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم فارحم محمدًا وآل محمد، والصلاة هنا: الثناء، كأننا نقول في دعائنا وصلاتنا: اللهم كما أثنيت على إبراهيم في الملأ الأعلى، وأثنيت على آل إبراهيم في الملأ الأعلى، فأثن على محمد ﷺ في الملأ الأعلى، وهذا توسل بأفعال الله جل في علاه، وهو توسل مشروع.
[ ٤ / ٥ ]
توسل العبد بأعماله الصالحة وأقواله وأحواله
القسم الثاني: توسل العبد بأقواله وأفعاله وأحواله، فهذه ثلاثة أمور، مثال ذلك: أن يتوسل المرء بإيمانه بربه جل في علاه، كما قال الله تعالى مخبرًا عن الحواريين أنهم توسلوا بأفعالهم الصالحة، ومنها الإيمان فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]، فتوسلوا بالإيمان بما أنزل الله جل في علاه، وتوسلوا بفعل آخر، وهو اتباع الرسول، وليس بالإيمان فقط، وفي هذا دلالة على أن اتباع أي نبي هو من الأعمال الصالحة، بل من القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه، ومن الواجبات المفروضة، فقدم الحواريون بين يدي دعائهم توسلًا بأقوال وأفعال، كالإيمان بما أنزل الله واتباع الرسول.
وقال الله تعالى عن المؤمنين مبينًا ما فعلوه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، فتوسلوا إلى ربهم بإيمانهم، وهذا من آداب الدعاء، وتوسلوا بالسمع والطاعة، كما في قوله تعالى: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومن التوسل بالأفعال: ما قصه علينا النبي ﷺ كما في صحيح البخاري عن الثلاثة الذين احتجزوا في الغار، وسدت الصخرة عليهم باب الغار، فقام أحدهم وقال: لا نجاة لكم من هذا المأزق إلا أن تتوسلوا إلى الله جل في علاه بأعمالكم الصالحة، فقام الأول يبين لربه جل في علاه، أنه كان بارًا بوالديه، فإن كان هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، -أي: بر الوالدين- ففرج عنا، ففتحت فتحة، فهذا دلالة على أنه توسل وتقدم بين يدي دعائه بالأعمال الصالحة، والثاني توسل بالبذل بإخلاص، وبالكف عن حرمات الله جل في علاه، خوفًا وفرقًا من الله جلا في علاه، وذلك عندما قعد من المرأة مقعد الزوج من زوجه، فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فارتاع وفزع فرقًا من الله جلا في علاه، ثم قام عنها وأعطاها المال، فتوسل بهذا العمل الصالح، وقال: إن كان ذلك العمل خالصًا لوجهك ففرج عنا، ففرج الله عنهم، والثالث كان أمينًا، وكان عنده أجرة لأجير، فبناها له وكثرها، وأعطاها إياه، ففرج الله عنهم بتوسلهم الصحيح، وهذا أيضًا توسل بالأعمال الصالحة.
وأما التوسل بالأحوال: فكأن تكون في مأزق شديد أو في كربة، فتقول اللهم أنت أعلم بحالي وما أنا فيه من مأزق، اللهم فرج عني، وقد فعل أبوا الأنبياء ذلك عندما أضرموا النار وألقوه فيها، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكأنه يقول: الله جل وعلا أعلم بحالي وهو حسبي وكفيلي، فتوسل بحاله، وهذا ما جاء في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، قال (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم حينما ألقوه في النار، وقالها أصحاب محمد حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، فهؤلاء توسلوا بأحوالهم، وأيوب وزكريا وغير هؤلاء توسلوا بأحوالهم كذلك، قال الله تعالى واصفًا كيف كان يتوسل أيوب بحاله لربه فيقول: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، فاستجاب الله له وقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤].
وتوسل ذي النون فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وتوسل زكريا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨]، ويقول: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤].
فتوسل لله جل وعلا بأحواله.
[ ٤ / ٦ ]
التوسل بدعاء الصالحين
القسم الثالث: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا الذي يصح فقط، وهو أن يأتي إلى رجل من الصالحين، فيتوسل إلى الله بدعائه، لعل الله يقبل من هذا الصالح الدعاء الذي يتوسل به، والأدلة على ذلك كثيرة منها: أن النبي ﷺ قال كما في الصحيح: (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قيل: من هم يا رسول الله؟! فقال: هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، -يتوسل بدعاء النبي؛ ليصل إلى هذه الدرجة- فقال: يا رسول الله! ادعو الله أن أكون منهم، فقال: أنت منهم) فهذا توسل بدعاء الصالحين، والشاهد هو قول عكاشة بن محصن: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال النبي ﷺ أنت منهم) وهذا يستدل به علماؤنا على أنه يصح للإنسان أن يتوسل بدعاء الصالحين، وهذا ما يفعله بعض الناس الآن، فإذا سلم أحدهم على الآخر أو ودعه يقول: لا تنسنا من فضل دعائك، وهذا من التوسل بدعاء الصالحين، وإن كان البعض قد يفعل ذلك ولا يعلم ما الدليل على فعله، وهل هو صواب أو خطأ؟ ووجه الدلالة من هذه القصة على جواز التوسل بدعاء الصالحين هو إقرار النبي ﷺ لـ عكاشة، ولو كان التوسل بدعاء الصالحين ممنوعًا لما أقر النبي ﷺ عكاشة، ولكنه أقره، بل قال له: (أنت منهم).
ففي هذه القصة دليل على أنه يصح للإنسان أن يتوسل بدعاء الصالحين.
ومن الأدلة على جواز التوسل بدعاء الصالحين: قول النبي ﷺ لـ عمر بن الخطاب عندما ذهب للعمرة: (يا أخي! لا تنسانا من دعائك) وهذا حديث ضعيف، لكن يستأنس به مع هذا الدليل الصحيح، وقد احتج به شيخ الإسلام ﵀.
ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى عن إخوة يوسف عندما ظهر كيدهم لأخيهم، وعلموا أن الله قد رفع يوسف عليهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٧ - ٩٨]، قال العلماء: أخرها إلى السحر لأنه أرجى في القبول.
وفي هذه الآية دلالة على صحة التوسل بدعاء الصالحين، ووجه الدلالة هو أن الله أقر إخوة يوسف على طلبهم، وأقر يعقوب أيضًا على إقراره لهم بالسؤال أن يستغفر لهم.
[ ٤ / ٧ ]
أمثلة على التوسل المشروع من الكتاب والسنة
قال الله تعالى حاكيًا عن امرأة عمران أنها قالت: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، وذكر عن زكريا أنه دخل على مريم وقال ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨]، وأيضًا ذكر الله لنا عن قصة يونس ذا النون أنه لما ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وعلمنا النبي ﷺ أن المرء عندما يحس بوجع في رأسه أو في صدره، أو في أي مكان من جسده أن يضع يده عليه ويقول: (أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر) وكان النبي ﷺ يقول (إذا دخل العبد مكانًا فقال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لا يضره شيء) ولذلك كان القرطبي يقول: كنت أعض بالنواجذ على هذا الذكر، فطلبني الجن فقلت: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، فمروا من أمامي ولم يروني، وهذه المسألة تحتاج إلى يقين بالله جل في علاه.
فهذه الآيات والأحاديث فيها أنواع من التوسل المشروع، فقوله تعالى عن امرأة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥] فيه أنها توسلت بين يدي دعائها بالنذر، فقالت ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥].
والصحيح إن النذر عبادة، وهل هو محمود أو مكروه؟ الصحيح أن أقل درجاته أنه مكروه، وإذا وفى به المسلم فهو محمود.
وهذا النذر كان فيه أدب مع الله، فلم يكن معلقًا، حيث نذرت أن الله إن أعطاها ذكر أو أنثى فإنه لله، فقالت: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران:٣٥].
وكان دعاؤها هو: فتقبل مني، وتوسلها كان بإسمين من أسماء الله: السميع العليم، قالت ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥].
والسميع يتضمن صفة السمع، والعليم يتضمن صفة العلم، وهما من صفات الكمال.
ثم توسلت أيضًا بحالها، وكأنها تقول: بما أنك تسمعني وتعلم بحالي فتقبل مني.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨].
في هذه الآية توسل بصفة السمع في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]، وفيها أيضًا أن زكريا نظر فوجد عند مريم ﵍ ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، وهذا فعل من أفعال الله، فلا يستطيع أن يفعل ذلك إلا هو، وما دام الله يفعل ذلك وهو في حيز البشر مستحيل، فإن زكريا ﵇ دعا الله وتوسل إليه بفعله المستحيل -وهو الرزق الذي أنزله على مريم- أن يرزقه الولد، وهو كبير السن وامرأته يائسة، كما رزق مريم من ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء، وهذا توسل بأفعال الله جل في علاه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فيه أن يونس ﵇ توسل إلى الله بخمسة أنواع من التوسل المشروع: النوع الأول: توسل إلى الله بحاله ضمنًا فهو في الظلمات الثلاث، فكأنه يتضرع بحاله إلى ربه أن ينقذه مما هو فيه.
الثاني: توسل بأعماله الصالحة، وهو أنه قال: لا إله إلا أنت، فأقر بتوحيد الله، والإقرار بالتوحيد من أفضل الأعمال الصالحة التي يتوسل بها العبد إلى ربه، ولذلك قال العلماء: أفضل ثناء على الله بما هو أهل له: توحيده، بأن يقول العبد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
الثالث: توسل بحاله، وهو الإقرار بالظلم.
الرابع: توسل بقوله: (سبحانك)، وهذا أيضًا من الأعمال الصالحة؛ لأن التسبيح تنزيه الله عن كل نقص.
الخامس: توسل بذات الله جل في علاه بأسماء الله الحسنى، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وإن كان توسله بالأسماء الحسنى ليس ظاهرًا، إلا أنه عندما قال: (لا إله) أثبت اسم الإله، والإله إذا انفرد يدخل معه الرب، فكأنه توسل بربوبية الله جل في علاه.
ومن التوسل أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل -وهذا دأب الصالحين- استفتح صلاته فقال: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، اهدني لما اختلف فيه من الحق، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) ففي قوله: (اللهم رب) توسل بذات الله أو بربوبيته جلا في علاه، وكأنه يقول: اللهم إني أقررت بأنك رب، أو بأنك الرب الخالق الرازق المدبر، وتقدر على كل شيء بقولك كن فيكون.
وقوله: (إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) توسل بفعل الله، وهو هدايته جل وعلا لأوليائه إلى الصراط المستقيم، فكأنه يقول: كما فعلت بأوليائك كذلك فافعل بي، (وهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك).
ومن التوسل: التوسل باسم الله الأعظم، وهو الله.
[ ٤ / ٨ ]
التوسل الممنوع
[ ٤ / ٩ ]
التوسل الشركي
التوسل الممنوع هو: ما منعه الشرع؛ لأن التوسل عبادة، فصرفها لغير الله شرك، ولم يبحه الشرع، وإنما بين حرمته، وهو على قسمين: الأول: شرك محض، وإنما سمي توسلًا من باب التجور، وهذا التوسل أو الشرك هو الذي يذهب فيه المكلف إلى ميت أو قبر من قبور الصالحين، أو قبور الأنبياء، كقبر النبي محمد ﷺ أو قبر موسى أو قبر صحابة رسول الله ﷺ، فيسألهم تفريج الكربات وسد الخلات وإعطاء الحاجات، ويسألهم نزول المطر وشفاء المريض وغير ذلك، وهذا نوع من أنواع الشرك المحض، وهو واقع مشاهد نشاهده دائمًا فيمن يذهبون إلى إبراهيم عبد الباعث، ويقفون عند قبره، ويسألونه إنزال المطر أو تفريج الكربات، وبعضهم يحجون للـ بدوي، ويتركون الحج إلى بيت الله الحرام، فينفقون أموالًا طائلة، ويذهبون بالملايين إلى البدوي يسألونه تفريج الكربات وسد الحاجات، أو إنزال الخيرات، وهذا من الشرك، وإذا سألتهم أو خاصمتهم ونازلتهم على ما يفعلون، يقولون بما قال مشركوا العرب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
فمن هنا سمي هذا الفعل توسلًا؛ لأنهم قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله، وليست هذه العبادة قصدًا لهم، بل هي لله، لكن لا بد لنا من حاجب يدخلنا عليه، فهذا الحاجب يصرفون له هذه العبادة ليدخلهم على الله، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وهذا التوسل المحض شرك أكبر يخرج من الملة، فهو شرك من وجهين: الوجه الأول: شرك في الإلهية.
الوجه الثاني: شرك في الربوبية أي: أنهم كفروا من وجهين: أما الشرك في الإلهية: فلأنه صرف عبادة لا تكون إلا لله لغير الله، وهذه العبادة هي الدعاء.
والدليل على أن الدعاء عبادة: حديث النبي ﷺ: (الدعاء هو العبادة)، وقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فوجه الدلالة: أنه سبحانه سمى الدعاء عبادة وأمر به، ولا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه سبحانه عبادة، والقاعدة: أن كل عبادة ثبتت بالشرع فصرفها لله توحيد خالص، وصرفها لغير الله شرك، فمن دعا البدوي أو الجيلاني أو إبراهيم عبد الباعث أو أبي الدرداء أو المرسي أبي العباس فقد صرف الدعاء لغير الله فأشرك في الإلهية.
وأما الشرك في الربوبية: فإن ذهب وسأله تفريج الكربات، وقال: مدد يا بدوي! والمدد طلب العون من غير الله، فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، والذين كسروا ما يتعلق بذلك القبر فقد أخطؤا؛ لأن هذا العمل ينزل تحت المصالح والمفاسد، فعندما قام البعض بالتكسير جاء المنتصرون للقبر وجددوا البناء بالحديد، وكتبوا عليها: مدد يا بدوي! وقد قعد شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك قاعدة وهي: أنه من أنزل المخلوق منزلة الخالق، أو الخالق منزلة المخلوق فقد كفر، فالمكلف إذا فعل ذلك فقد أنزل المخلوق منزلة الخالق من وجهين: الوجه الأول: أنزله منزلة الخالق؛ لأنه صرف له عبادة لا تكون إلا للخالق.
الوجه الثاني: أنزله منزلة الخالق؛ لأنه اعتقد فيه أنه يحرك الكون من دون الله جل في علاه، أو يستطيع أن يفرج الكربات من دون الله جل في علاه، فهذا اعتقاد شركي.
إذًا: القسم الأول من التوسل الممنوع هو الشرك، أو التوسل الشركي الذي يخرج به صاحبه من الملة، وإطلاق التوسل عليه تجوزًا.
[ ٤ / ١٠ ]
التوسل البدعي
الثاني: التوسل البدعي: وهو التوسل بذوات الصالحين، أو بجاه الصالحين، ويستدل أصحابه بقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، فلهم المكانة الراقية والعالية عند ربهم بقول الله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
ومن ذلك التوسل بجاه النبي على أنه هو أكرم خلق الله على الله، قال الله تعالى يقسم بحياة النبي: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
وقالوا أيضًا: إن مكانة النبي عند ربه لعظيمة، وله جاه عظيم، فعندما يكون الناس في كرب شديد يذهبون يتوسلون بشفاعة النبي ﷺ وبجاهه، فترى الداعي منهم يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك عندك أن ترزقني، أو تشفي مريضي، وهذا له وجه، فقد قال بهذا القول العز بن عبد السلام، بل نقل عنه الشوكاني أنه قال: لا توسل يجوز إلا بجاه النبي ﷺ، أي: أنه لغى حتى التوسل المشروع، ثم قال: هذا إن صح الخبر، وهذا ينم عن فحولة العالم الرباني سلطان العلماء، فلا يستنير إلا بضوء الآثار، ويعلق كلامه على تصحيح الخبر، والخبر هو ما جاء عن عثمان بن حنيف أن النبي ﷺ (جاءه رجل ضرير وقال للنبي ﷺ: ادع الله لي أن يشفيني، فقال له النبي ﷺ: إن شئت صبرت ولك الجنة -كما في حديث المرأة المصروعة- وإن شئت دعوت الله لك، قال: ادع الله لي، فقال له النبي ﷺ: اذهب فتوضأ، ثم صل، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك، وأسألك بنبيك يا محمد يا نبي الرحمة! إني أتوجه بك إلى الله جل في علاه، ثم قال: اللهم شفعه في وشفعني فيه) وكل هذا محتمل، لكنهم استدلوا بأنه ﷺ صرح بذلك في لفظ آخر للحديث فقال: (فإن كانت لك حاجة فأت مثل ذلك) قالوا: وهذه دلالة واضحة، وفيها تصريح بجواز التوسل بجاه النبي ﷺ حيًا أو ميتًا.
ووجه الدلالة هو عموم قول النبي ﷺ: (فإن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك) بمعنى: إذا عرضت لك الحاجة سواء كنت حيًا أو ميتًا فافعل ما أمرتك به، واستدلوا على ذلك أيضًا بزيادة في بعض الأحاديث: أن الراوي نفسه الذي قال هذا الحديث استدل به على التوسل بجاه النبي ﷺ، وذلك في خلافة عثمان، قالوا: فهذا دليلنا على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ.
[ ٤ / ١١ ]
حكم التوسل بجاه النبي
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن التوسل بجاه النبي ﷺ توسل بدعي؛ وذلك لما يأتي: أولًا: من جهة الأثر، فنحن نتعبد الله بقال الله وقال الرسول، فأتونا بأثر عن الله ورسوله بأنه يجوز للإنسان أن يقول: اللهم بجاه النبي أعطني كذا، فإذا لم يجدوا فالأصل في العبادات التوقيف، يقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وإذا كان التوسل عبادة فلا يمكن أن يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه إلا بأثر، ولا أثر عندكم، فإن قلتم: هذا زعم باطل، فهذا الأثر عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا ضريرًا الحديث) قلنا: هذا دليل محتمل، قالوا: إن هناك زيادة في الحديث قد نصح الراوي بها رجلًا أعمى في خلافة عثمان أن يدعو بمثل ذلك، قلنا: الحديث إن صح فسمعًا وطاعة، وأول من يتوسل بجاه النبي نحن؛ لأننا تعبدنا الله بالآثار، وندور مع شرعنا حيث دار، لكن لنا معكم وقفات في هذا الحديث: الأولى: أن هذه الزيادة في الحديث التي ذكرتموها ضعيفة، وإن كان أصل الحديث صحيحًا، ولكن قوله: (فإن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك) فقد أجمع المحدثون على أنه ضعيف، ولم يصححه أحد من أهل العلم، والأحكام والتعبدات فرع عن التصحيح، فلا حجة لكم فيه.
ثم نقول من باب التسليم جدلًا: إن صح الحديث فله توجيه آخر، وهو: أن النبي ﷺ قال: (إن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك)، المقصود منه: إن كانت لك حاجة فتعال إلي ادعو لك، وخذ هذا الدعاء وسيلة؛ ليقضي الله حاجتك، فإن قالوا: من أين أتيتم بهذا الفهم؟ قلنا: أتينا به من الأثر ومن فعل الأصحاب، أما من الأثر: فإن الراوي وهو يروي الحديث قال: إن الرجل قال: يا رسول الله! ادع الله لي، وهذا ليس توسلًا محضًا بذات النبي، بل هو صريح في طلب الدعاء منه ﷺ، فقوله في صدر الحديث: يا محمد ﷺ! يا نبي الرحمة! أتوسل بدعائك، وقوله: ادع الله لي، يبين لنا أنه توسل بدعاء النبي، ثم قال الرجل بعدما انتهى من الصلاة: (اللهم شفعه في وشفعني فيه) وهذه الزيادة ثابتة، ومعناها: تقبل دعائه في، واقبل توسلي بدعاء النبي ﷺ لي، وهذا توسل ظاهر بدعاء النبي ﷺ، فرد الله عليه بصره.
الثانية: من فعل الأصحاب، فإن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لما جاءه قومه وقالوا: هلك المال وجاع العيال، فتذكر عمر الأيام الخوالي وبكى، وكأنه يقول: أين أنا من رسول الله عندما دخل عليه رجل وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وجاع العيال؟ وقال -وكأنه يتوسل بدعاء النبي ﷺ-: ادع الله أن أن يغيثنا، فقال النبي ﷺ: (اللهم أغثنا، فما نزل النبي ﷺ من على المنبر، إلا والمطر يتحادر من على لحيته) فذهب عمر إلى العباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك، واليوم نتوسل إليك بعم نبينا، أو بعم نبيك فاسقنا، -فتوسل بدعاء العباس، وهذا ظاهر وجلي بفضل الله ﷾- فقام عمر على مجمع ومحفل من الصحابة وقال: يا عباس! قم فادع الله أن يسقينا، والمعنى: نتوسل بدعائك لقرابتك من النبي ﷺ، فسقاهم الله جل في علاه، وكان عمر فقيهًا عالمًا محدثًا، وكان الصحابة أعلم بكل صغير وكبير، ودقيق وجليل عن النبي ﷺ، فعلمهم وتربوا على مائدته، فلو كان من الجواز بمكان أن يذهبوا إلى قبر النبي فيتوسلوا بجاهه لفعلوا، فلما امتنعوا من ذلك مع وجود الحاجة إليه دل على أنه لا يجوز التوسل به ﷺ، وهناك قاعدة قعدها العلماء، فقالوا: إذا وجد المقتضي وانتفى المانع، ولم تحدث العبادة فهي حرام باطلة، فالمقتضي هنا موجود وهو الجدب وهلاك المال وجوع العيال، والمانع منتفي، فليس هناك ما يمنعهم أن يذهبوا إلى الحجرة الكريمة، ويقولوا: اللهم إنا نتوسل إليك بجاه النبي أن تسقنا، ولم يفعل عمر ولا الصحابة ذلك، وأجمعوا إجماعًا سكوتيًا على فعل عمر وذهابه إلى العباس يستسق بدعائه، فدل ذلك على أن هذا إجماع من الصحابة، وأنه لا يجوز بحال من الأحوال التوسل بجاه النبي ﷺ.
وأما قول العز بن عبد السلام بجواز التوسل بجاه النبي ﷺ، فإنه قد علق الجواز على صحة الخبر، وإذا كان الخبر فيه هذه الزيادة التي لم تصح فلا حجة فيه.
إذًا: التوسل البدعي هو أن يتوسل بشيء أجنبي عن الدعاء، كجاه النبي ﷺ، وهذا التوسل لا يجوز، ولا ينفع صاحبه بشيء.
[ ٤ / ١٢ ]
التوسل بدعاء الأموات
النوع الأخير: وهو التوسل الشركي المتوسط، فالشرك طرفان ووسط: فالطرف الأول: شرك أكبر مخرج من الملة، والطرف الثاني: مختلف فيه، والخلاف فيه غير سائغ؛ لأنه لا دليل عليه، وهو التوسل بجاه النبي ﷺ، والوسط هو: التوسل بدعاء الأموات، وهو شرك أصغر، وأما أن يذهب الإنسان إلى الميت فيقول: يا بدوي! فرج كربتي وسد خلتي، أو مدد يا بدوي! فهذا حرام، من النوع الأول، أي: التوسل الشركي.
لكنه في هذا النوع المتوسط من أنواع التوسل أصبح يقول: يا بدوي إن روحك طيبة، وأنت الآن عند ربك، وولي من أولياء الله الصالحين، فادع الله أن يغفر لي زلاتي، وأن يرزقني الولد، وأن يشفي مرضاي، فهذا لم يصرف العبادة لغير الله، ولم يقع في الشرك الأكبر، ولا اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، ففر من الأمرين: من صرف العبادة لغير الله فلم يقع في الشرك الأكبر، وفر أيضًا: من الاعتقاد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله؛ لأنه لا يعتقد أن البدوي يستطيع أنه يشفي مريضه أو يغفر زلاته، ولكن يقول: إن البدوي يسمعني، فأنا أقول له -وهو رجل صالح- ادع الله لي.
ودليلهم على جواز مثل ذلك ما يأتي: أولًا: أن الأولياء الذي قد ماتوا لهم مكانة عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
وقال النبي ﷺ عن الله في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).
ثانيًا: أن النبي ﷺ أثبت لنا أن الأموات يسمعون، فالميت يسمعنا ويرد علينا السلام، فيذهب إلى الله بروحه فيدعو الله لنا، والدليل على أن الأموات يسمعون قول النبي ﷺ: (يا أبا جهل! هل وجدت ما وعد الله حقًا؟ يا فلان هل وجدت ما وعد الله حقًا؟ فقال له عمر: يا رسول الله! هم أموات أيسمعون؟ قال: هم أسمع منكم اليوم).
ومن الأدلة على أن الأموات يسمعون كذلك: أن النبي ﷺ قال: (من سلم أو صلى علي رد الله علي روحي فأسلم، أو أرد ﵇) فهذه دلالة على أنه ﷺ يسمع وهو ميت.
ومن الأدلة أيضًا: قول النبي ﷺ (وإن الميت ليسمع قرع نعالهم) وقد قال: عمرو بن العاص عند موته: فقفوا عند قبري مقدار ذبح جزور حتى استأنس بكم.
فقالوا: هذه أدلة على أن الأموات الصالحين يسمعوننا، فنحن طلبنا منهم أن يدعوا لنا قياسًا على طلب الدعاء من الأحياء، فـ عكاشة بن محصن قال: للنبي ﷺ: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فإذا كان النبي ﷺ وهو حي يسمع ويدعو فيجوز أن نسأله هو وغيره من الأموات أن يدعو لنا، ونقول: ادع الله لنا يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، أي: قالوا: يا رسول الله! استغفر لنا، فاستدلوا بالأثر والنظر، وقالوا: هذه أدلة على جواز سؤال الدعاء من الأموات.
[ ٤ / ١٣ ]
مذهب أهل السنة في التوسل بدعاء الأموات ومناقشة رأي المجيزين
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن التوسل بدعاء الأموات شرك، والدليل على ذلك أن عمر استسقى بدعاء العباس ولم يستسق بالميت، وهذا فيه دلالة على عدم الجواز، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
إذًا: فالتوسل بدعاء الأموات لا يصح لأدلة منها: أنه لو كان جائزًا لعلمه النبي ﷺ أصحابه؛ لأن أبا ذر نظر إلى طائر يطير في السماء فقال: هذا الطائر يقلب جناحيه، ولنا في تقليب الجناح علم من رسول الله ﷺ، فما ترك النبي ﷺ شيئًا إلا علمنا إياه، فلو كان التوسل بدعاء الأموات جائزًا لعلمنا رسول الله ﷺ إياه، فلما لم يعلمنا ذلك ولم يرد أثر ولا نظر ولا قياس ولا فعل من النبي ﷺ دل ذلك على أنه لا يصح، وقد علمنا النبي ﷺ بديلًا عن التوسل بدعاء الأموات وهو التوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأحياء، ولم يرد عنه التوسل بدعاء الأموات، ولما بين لنا جواز التوسل بدعاء الأحياء، وسكت عن دعاء الأموات دل على أنه غير مشروع.
وهذا هو الدليل على عدم جواز طلب الدعاء من الأموات، فإن لم يستطيعوا الجواب عليه فلابد من الرد على أدلتهم التي استدلوا بها على جواز ذلك، فقد قالوا بجواز دعاء الأموات لأمرين: الأمر الأول: أن لهم جاهًا عند الله جل في علاه.
الأمر الثاني: أنهم يسمعون من يسألهم.
والجواب على الأمر الأول هو: أننا نقر على أن للأموات الصالحين وجاهة عند الله، وهذه الوجاهة لا تنفعكم وإنما تنفعهم هم، فتوسلكم بوجاهتهم عند الله توسل بأجنبي.
وأما الجواب على الأمر الثاني فهو: أن الأموات لا يسمعون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فنفى الله جل وعلا أن أهل القبور يسمعون، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل:٨٠]، فنفى سبحانه سماع الموتى، فإن قالوا: أنتم نفيتم ونحن اثبتنا النفي، والقاعدة تقول: إن المثبت يقدم على النافي، فنحن أثبتنا أن النبي ﷺ قال: (يسمعون قرع النعال) قلنا: اتفقنا معكم على هذا السماع، لكن هذا السماع سماع خاص وليس بعام؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: يسمعون أحوالكم وكلامكم، وإنما قال: (يسمعون قرع نعالكم)، وقال: يسمعون السلام فقط، فهذا دليل خاص، ودليلنا عام، فلا نحمل العام على الخاص، وإنما يبقى العام على عمومه ويعمل به في عمومه، إلا في حالة واحدة خاصة، والأصل: أن الموتى لا يسمعون بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠].
فالموتى لا يسمعون إلا في حالة واحدة، بينها وأظهرها النبي ﷺ، وهي: قرع النعال عند الدفن، أو سماع السلام، لكنكم تذهبون وتسألونهم أن يدعوا لكم، وهم لا يسمعون.
وإن سلمنا جدلًا أن الموتى يسمعون كلامكم، فأنتم تذهبون إليهم وتقولون: ادعوا الله لنا، وتذهبون للبدوي وتقولون: ادع الله أن يغفر لنا، فإن ما يقوم به الموتى بزعمكم هو عمل، والنبي ﷺ يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، فبطلت مع ذلك حجتكم.
بقي أمر واحد وهو: قياسهم دعاء الأموات على دعاء الأحياء، واستدلالهم بقول: عكاشة: ادع الله لي يا رسول الله! أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ: أنت منهم) وقياسهم دعاء النبي بعد مماته على دعائه بعد حياته؛ لقول الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤].
فيجاب عليه بالآتي: أولًا: هذا القياس قياس فاسد الإعتبار؛ لأنه صادم النصوص.
ثانيًا: هذا القياس قياس مع الفارق، والفارق هو: أن الحياة البرزخية لا تقاس على الحياة الدنيوية، والله جل وعلا يبين أنه لا يستوي الأحياء والأموات عمومًا، وهذه الحياة البرزخية حياة غيبية لا نعلمها، وأنتم قستم ما علمتم على ما لم تعلموا، فالحياة البرزخية تخالف الحياة الدنيوية، فأصبح قياسكم قياسًا مع الفارق، وهو فاسد الاعتبار لا يصح.
فينبغي على من سمع هذه الأدلة ألا يقول: بالتوسل بدعاء الأموات، ولا بجاه النبي ﷺ، بل التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وبذاته تعالى وأفعاله.
[ ٤ / ١٤ ]
شبهة والرد عليها
حكى الإمام الشوكاني عن بعض العلماء أنهم قالوا: لا توسل لا بالذوات ولا بالأرواح ولا بالأفعال ولا بالإيمان ولا بالأعمال الصالحة، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى أمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الأعراف:١٨٨]، فإذا توسلوا بدعائه فهذا نفع، وهو لا يملك لنفسه نفسًا ولا ضرًا، فمن باب أولى لا يملك لغيره.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩].
فهذه أدلة على أن التوسل بدعاء الأنبياء في حياتهم، وبدعاء الصالحين لا يصح.
والجواب على ذلك بالأدلة التي أثبتت جواز التوسل بدعاء الصالحين، منها قول عكاشة: ادع الله لي يا رسول الله.
ومنها: قول النبي ﷺ لـ عمر في الحديث: (ادع الله لنا يا عمر) وهو حديث ضعيف، ولكن يستأنس به، وفيه إثبات من النبي ﷺ لطلب الدعاء من الأحياء، وما أتوا به من الأدلة نافية، والمثبت يقدم على النافي، وهذا هو الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن دليلنا قطعي، وهو قول عكاشة: ادع الله لي، وقوله ﷺ: (أنت منهم، أو قال: قد دعوت فأنت منهم)، ودليلكم محتمل، وهو قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار:١٩] ووجه الاحتمال: أن هذا في يوم القيامة، ولا ملك يومئذ إلا لله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [غافر:١٦]، فالاستدلال بهذه الآية في غير محل النزاع، والنزاع كله في أمر الدنيا، وهو التوسل بدعاء الصالحين، وهو في الآخرة، والآخرة كلها لله جل في علاه.
أما قول الله تعالى أمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الأعراف:١٨٨]، فهو بيان لحال النبي ﷺ على العموم، فهو لا يملك نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله، وقد أذن الله له بالشفاعة في الآخرة، وأذن له بالدعاء لإخوانه في الدنيا، فالدليل لنا وليس علينا، فنحن نوافق على أن النبي لا يملك نفعًا ولا ضرًا، لا لنفسه ولا لأحد من الناس، إلا إذا مكنه الله، وقد مكنه بالدعاء للصالحين من أصحابه، ومكنه من الشفاعة في الآخرة.
فالخلاصة أن التوسل الصحيح: هو أن يتأدب العبد مع الله؛ حتى يستجيب دعاءه، ويتقدم بين يدي دعائه بأقوال وأفعال كلها عبادات، ويتوسل بذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه، فيقول: يا رحمان! ارحمني، يا رزاق! ارزقني، وأما يا جبار! اغفر لي، فهو خطأ وسوء أدب مع الله؛ لأنه لابد من الإتيان بما يناسب الحال، كأن تقول: يا جبار! انتقم من الظالمين، ولا تقل: يا جبار! ارحمني، بل: يا رحمان! ارحمني، وهذا من الأدب في التوسل بأسماء الله وصفاته.
وأيضًا: التوسل بالأعمال الصالحة، كما فعل أصحاب الغار وغيرهم، وهذا أخر ما تكلم عنه الشوكاني ﵀ في التوسل.
[ ٤ / ١٥ ]