وقوله: «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم».
أي: أن أهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة والأخبار من كرامات الأولياء، وما صح عن الثقات في ذلك من رواياتهم.
والكرامات: يراد بها الأمر الخارق للعادة، والله تعالى يكرم أولياءه بأنواع الكرامات، ومن ذلك خوارق العادات، فيجري الله على يد من شاء من أوليائه بعض الأمور الخارقة للسنن الكونية والعادة التي أجراها الله في هذا الوجود؛ فإن هذا الوجود يجري على السنن، وهذا بالنسبة لكرامات الأولياء، وكذلك بالنسبة لمعجزات الأنبياء حسب الاصطلاح المشهور.
ومعنى المعجزة في اللغة يعم كل خارق سواء كان على يد نبيٍّ أو على يد وليٍّ، فكل خارق؛ فهو معجز لمن لم يجره الله على يده، مما لا يدخل في قدرة العبد بحكم العادة.
ولكن خوارق الأنبياء وهي دلائل على نبوتهم ورسالاتهم اسمها الشرعي: البينات والآيات والبراهين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في مواضع: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويقول تعالى في شأن موسى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢].
[ ٤٦٣ ]
ولكن في اصطلاح المتكلمين خوارق الأنبياء يسمونها معجزات، حتى إن المعتزلة يقولون: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، فقصروا ما تثبت به النبوة على المعجزة، وهي الأمر الخارق للعادات، ونتج عن قولهم ذلك - مع بطلانه وتقدم تفنيده (^١) - نفي كرامات الأولياء، فقالوا: لا يجوز خرق العادة إلا لنبي؛ لأنه لو خرقت العادة لغير نبي لالتبس على الناس أمر النبي بالولي، فلا يحصل التمييز.
وأجيب عن هذه الشبهة: بأن الولي الذي تحصل على يديه الكرامة، وهي: الأمر الخارق للعادات لا يدعي النبوة إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا، ولم يكن ما جرى على يده كرامة؛ بل هو مَخْرَقة وفتنة.
فلهذا كان من المسائل التي ينبه عليها أنها من مذهب أهل السنة: إثبات كرامات الأولياء، والمقصود: إثبات جنس الكرامات؛ لأنه ليس كل ما يذكر يكون ثابتًا، ويجب التسليم به.
فما يُروى ويُذكر من كرامات الأولياء منها ما هو ثابت في القرآن أو في السنة أو في أخبار صحيحة، ومنه ما يروى ولم تتحقق صحته ولا كذبه؛ فهذا لا يلزم التصديق به، كما لا يجوز نفيه بغير حجة.
ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما في قصة مريم وولادتها لعيسى ﵇؛ فإن ولادتها لعيسى بلا أب خارقٌ للعادات.
ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما جاء في قصة أصحاب الكهف حيث بقوا في كهفهم مدة طويلة، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
_________________
(١) ص ١٠٤.
[ ٤٦٤ ]
ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ٢٥﴾ [الكهف]، بقوا في كهفهم يقلبهم ربهم: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨]، وعاشوا هذه المدة الطويلة، بلا طعام ولا شراب، وبعد ذلك يستيقظون ويتحدثون ولم يشعروا بما جرى لهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
وجِماع صفات الكمال: الغنى والعلم والقدرة، ويستشهد لهذا بأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ألا يدعي شيئًا منها إلا ما أعطاه الله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهكذا قال نوح لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١].
فأول الرسل وآخرهم تبرؤوا من دعوى هذه الأمور إلا ما أعطاهم الله منها، والمقصود من ذكر هذا المعنى: بيان أن خوارق العادات مدارها على هذه الثلاث: إما أن ترجع إلى القدرة والتأثير، أو العلم، أو الغنى.
وتسمى الخوارق العلمية المتعلقة بالعلم: الخوارق الكشفية؛ لأن خرق العادة بعِلْمِ أمرٍ مستورٍ هو كشف لغائب.
وهذه المعاني ترجع إلى كل الخوارق سواء كانت على يد أنبياء أو أولياء، فمثلًا: عصا موسى ترجع إلى القدرة والتأثير، وكذلك فلق البحر يرجع للقدرة والتأثير.
[ ٤٦٥ ]
ما ذكر الله عن أصحاب الكهف يرجع إلى الغنى؛ لأن الله أغناهم عن الطعام والشراب تلك المدة الطويلة، وكلما يخبر به الأنبياء من أمور غائبة هو من الخوارق العلمية، وهكذا دلائل نبوة محمد ﷺ راجعة إلى هذه، فقد أخبر ﷺ بأمور مستقبلة غائبة لا تزال تظهر بين حين وآخر، فهي من أعلام نبوته ﷺ.
وذكر شيخ الإسلام: أن «عدم الخوارق علمًا وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه» (^١)، لذا لا يستدل بعدم حصول كرامة على عدم الولاية، كما لا يستدل بحصول خارق على الولاية؛ بل ضابطها: الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس].
فإن الخوارق قد تجري في الظاهر على يدي الكهان والسحرة، وهي: مخاريق، وأكاذيب، ولهذا جاء عن بعض السلف أنه قال: «لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٢٣.
(٢) قاله أبو يزيد البسطامي. حلية الأولياء ١٠/ ٤٠، ونحوه عن الإمامين الليث بن سعد والشافعي كما في آداب الشافعي ومناقبه ص ١٨٤، وانظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٤٦٦، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٧٣.
[ ٤٦٦ ]
فلا تغترَّ بمن حصل له شيء من ذلك حتى تعرض حاله وعمله على الكتاب والسنة؛ فإن الشياطين قد تحمل أولياءها حتى يظن أنه يسير في الماء أو يطير في الهوى، وإنما حمله الشيطان ووضع له ما يسير عليه في الماء.
والكرامة قد تكون لحاجة العبد، فيخرق الله العادة لحاجته، وقد تكون لإقامة الحجة، وكل كرامة وخارق للعادة على يدي ولي؛ فإنه دليل على نبوة مَنْ هذا الولي تابع لشريعته.
ومن خوارق العادات التي جرت على يد بعض الأنبياء - وتسمى: المعجزات - ما جرى لخليل الله إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار فصارت عليه بردًا وسلامًا، حين قال الله لها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء]، فهل استحالت النار وصارت روضة بحيث لو دخلها غيره لم تضره؟ لا؛ بل هي على إبراهيم ﵇ فقط.
وهذا دليل على نبوته ﷺ، فخرق العادة لإبراهيم هو للحاجة والحجة، للحاجة؛ لأنه ألقي فيها، فهو محتاج إلى أن ينجيه الله من النار، فنجاه الله منها، ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، وللحجة؛ لأن هذا دليل على صدق نبوته حيث نجاه الله من النار.
وقد يدعي بعض الدجاجلة أنه يدخل النار ولا تحرقه! وحدث هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية فتحداهم في مناظرة كبيرة بحضور الأمراء والعلماء والعامة وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى
[ ٤٦٧ ]
مغربها: أي شيء فعلوه في النار؛ فأنا أصنع مثل ما تصنعون! ومَن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؛ فقلت: لأن لهم حيلًا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق»؛ فبهتوا ولم يفعلوا، فقال الناس: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف]» (^١).
ولعل هذا القدر مما يتعلق بالكرامات يكفي، وتقدم أنه: إنما يجب الإيمان بجنس الكرامات، ويجب الإيمان بما صح؛ مما جاء في القرآن أو جاء في السنة أو في أخبار صحيحة.
وقد نقل الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع (^٢) كلامًا كثيرًا، وكلامه قد غَرَفَه من بحر شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه شرح غالب العقيدة الطحاوية بكلام الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيء من كلام غيرهما ﵏ جميعًا -.
* * *
_________________
(١) انظر أحداث القصة وتفصيلها في: مجموع الفتاوى ١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥.
(٢) ص ٧٤٢ - ٧٥٤.
[ ٤٦٨ ]