وقوله: «ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفُرقة زيغًا وعذابًا».
من منهج أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، والحذر من التفرق في الدين؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالاجتماع، ونهاهم عن الافتراق، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة].
لهذا قال الطحاوي: «ونرى الجماعة حقًّا وصوابًّا»، الجماعة؛ الاجتماع على الحق، نراه حقًّا وصوابًا، ونرى أن الفُرقةَ شر وعذاب وزيغ عن الصراط؛ فإن الناس إذا تفرقوا تنافروا، وتعادَوا، وساءت أحوالهم الدينية والدنيوية، وبغى بعضهم على بعض، وكما دل القرآن على ذلك، دلت سنة النبي ﷺ، فقد استفاضت الأحاديث في لزوم الجماعة، والتحذير من الفُرقة، ولكن قد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستفترق، فالفرقة واقعة؛ وإخباره بوقوع الشيء لا يدل على أنه صواب؛ بل هو ﷺ يخبر به إخبار المحذِّر، ولهذا قال ﷺ: «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا
[ ٤٨٠ ]
رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي»، وفي لفظ: «وهي الجماعة» (^١).
فنبه النبي ﷺ إلى أن سائر الفِرق متعرضة للعذاب، وأن الناجي فرقةٌ واحدة، ولهذا عُرف أهل السنة ب «الفِرقة الناجية» أخذا من هذا الحديث.
فيجب على أهل السنة أن يحذروا من مشابهة أهل البدع الذين خالفوا الكتاب، وتفرقوا في دينهم، وابتدعوا ما لم يشرع الله من البدع الاعتقادية أو العملية.
فالخير في الاجتماع على الحق، والشر في التفرق في الدين؛ لأن التفرق اتباع للهوى، ولهذا يعرف أهل البدع بأهل الأهواء؛ لأن كل فرقة متبعة لهواها الذي أصَّله شيوخها ومتبوعوها، فكل فرقة لها إمام تقلِّدُه دينَها.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أن الاختلاف الواقع بين الناس نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد؛ فاختلاف التنوع في الحقيقة ليس من الاختلاف، ولهذا اسمه تنوع.
ولكن المختلفين اختلاف تنوع إنما يُؤتَوْن من بغي بعضهم على بعض، والواجب في المختلفين اختلاف التنوع، أن يُقِرَّ بعضهم بعضًا؛ كالاختلاف في القراءات، وأنواع الأذان، والاستفتاحات والتشهدات، وما أشبه ذلك؛ لأنهم مصيبون جميعًا.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٣٢٢.
[ ٤٨١ ]
وأما اختلاف التضاد، فقد يكون الصواب في أحد الجانبين، وقد يكونون جميعًا على الباطل، كاختلاف ملل الكفر، وأهل البدع، فكلهم مخطئ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة]، فالمختلفون اختلاف تضاد قد يكونون مذمومين كلهم، كاختلاف أهل الباطل في باطلهم، وقد يكون أحد المختلفين محمودًا والآخر مذمومًا، كالاختلاف بين المخطئ والمصيب، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالاختلاف بين المؤمنين والكفار اختلاف تضاد، والحق والصواب في جانب المؤمنين.
وأما اختلاف التضاد الذي يكون بين علماء الأمة؛ فالحق أن المصيب من المجتهدين واحد، لكن المخطئ مأجور على اجتهاده كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر» (^١)، فكلهم محمود؛ المصيب منهم والمخطئ؛ لأنهم مجتهدون، طالبون للحق، محمودون على اجتهادهم، ولكنَّ الله تعالى يوفق من شاء للصواب، كما ذكر الله ﷾ عن النبيين داود وسليمان ﵉ فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء]، فشهد لهما جميعًا، بالحكم والعلم» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) ملخص من كلام شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٤٩ - ١٥٥.
[ ٤٨٢ ]