من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر وفتنته، وسؤال منكر ونكير، والبعث وما يتبعه من العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب، وقد بين العلماء أدلة هذا كله من الكتاب والسنة.
[ ١٨ / ١ ]
تابع الإيمان بعذاب القبر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره: عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران] .
قال المؤلف ﵀: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا) هذه معطوفة على قوله: (ونؤمن بملك الموت)، وهذا المقطع من هذه الرسالة فيه ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيما يتعلق باليوم الآخر، وتقدم لنا أن اليوم الآخر هو كل ما أخبر الله ﷾ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، ومن أول ما يكون بعد الموت ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العذاب والنعيم الذي يكون للناس في قبورهم، فإن الناس في قبورهم معذبون أو منعمون، يقول ﵀: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا) أي: نؤمن بعذاب القبر، (لمن كان له أهلًا) أي: لمن كان له مستحقًا، واكتفى بذكر عذاب القبر؛ لأنه محل إنكار من أنكر من المعتزلة وأشباههم الذين أنكروا عذاب القبر، وعذاب القبر ثابت ثبوتًا لا مرية فيه، وقد دلت الأدلة على عذاب القبر ونعيمه، أما الكتاب ففيه من الأدلة ما تقدم ذكر بعضها، ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٥-٤٦]، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، فالعرض قبل قيام الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، وأما السنة فإن الأحاديث في عذاب القبر متواترة لا ينكرها إلا منكر، فأدلة ثبوت عذاب القبر في السنة مستفيضة قد بلغت حد التواتر، واشتهر ذلك عن الصحابة اشتهارًا لا يمكن إنكاره، ففي كلامهم ما يدل على إيمانهم بأن القبر محل للعذاب والنعيم مما لا يمكن دفعه؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة ﵃) فقول المؤلف ﵀: (وعن الصحابة ﵃) ليس فيه أن ثبوت ذلك إنما كان عن طريق الصحابة؛ لأن الصحابة ﵃ كسائر الأمة يتلقون عن النبي ﷺ، وليس قولهم حجة لكن إجماعهم حجة، وليس قول أحدهم حجة إلا من جعل النبي ﷺ قوله متبعًا، وجعل له سنة متبعة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، فإن لهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم، لكن قوله ﵀: (وعن الصحابة) أي: أن هذا الأمر تلقي عن الصحابة تلقيًا مستفيضًا حتى صار مجمعًا عليه عندهم، فهو كما لو قال: على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وأجمعت عليه الأمة، فإنه قد أجمع الصحابة ﵃ على نعيم القبر وعذابه، ومن ينكره إنما ينكره بعقله، وليس له دليل وليس له مستند يعتمد عليه في نفي العذاب والنعيم في القبر.
واعلم أن العذاب والنعيم في القبر غالبه على الروح، وقد ينال البدن من ذلك شيء، ودليل أن البدن يناله من التعذيب والتنعيم شيء ما جاء في ضمة القبر، وهو أن القبر ينضم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه، فدل ذلك على أن البدن يناله مما ذكر في القبر من نعيم وعذاب، وهذه الضمة كتبها الله على كل أحد، (لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ)، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ١٨ / ٢ ]
عذاب القبر قسمان
العذاب في القبر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عذاب دائم لا انقطاع له، وهذا عذاب أهل الكفر والشرك، وقد يكون لبعض أهل المعاصي ممن عظمت ذنوبهم واشتدت خطاياهم، أما دليل دوامه فقول الله جل وعلا: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٥-٤٦]، إلى متى؟ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، فدل ذلك على أن هذا العرض وهذا العذاب مستمر بهم، ويدل له أيضًا حديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي ﷺ مر بقبرين ثم قال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه -وفي رواية: لا يستتر- من البول)، وهذا فيه عقوبة أهل المعاصي؛ لأنه إنما ذكر معصيتين، ولو كان عندهما كفر لاستقل بالذكر، ولما كانت هذه المعاصي موجبة لهذا العذاب الدائم، لكن الذي يظهر أنهما قبرا رجلين مسلمين، وعلى كل حال الشاهد في الحديث أن النبي ﷺ أخذ جريدة رطبة فوضعها في القبر، ثم لما سئل عن ذلك قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)، فدل ذلك على استمرار العذاب، وأن ما جرى ببركة وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الجريدة الرطبة هو مجرد تخفيف لا رفع.
القسم الثاني: عذاب منقطع، وهو الذي يكون لأهل السيئات والمعاصي، فيعذبون بقدر ما يكون معهم من السيئات.
ثم هذا التعذيب الذي يكون في القبر -نسأل الله السلامة منه- يخفف به عن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فلا يؤاخذون بسيئاتهم يوم القيامة، ويكون ما نالهم من عذاب القبر مكفرًا لهم، حاطًا لسيئاتهم وخطاياهم، كما أن التنعيم والتعذيب في القبر متفاوت تفاوتًا عظيمًا لا يدرك حده؛ وذلك بتفاوت أعمال الناس في الصلاح والفساد.
[ ١٨ / ٣ ]
سؤال منكر ونكير في القبر
ثم قال ﵀: [وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه]، نؤمن بسؤال منكر ونكير، وهذه هي الفتنة التي تكون لأهل القبور، وهي فتنة عظيمة ليست بالسهولة كسهولة قراءتها ومطالعتها وسماعها، إنما هي فتنة عظيمة؛ ولذلك كان من السؤال المتردد: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر)، ففتنة القبر ما يكون من سؤال منكر ونكير، والدلالة على هذا السؤال جاء في السنة مستفيضًا متواترًا، فلا سبيل لإنكاره، ومن ينكر عذاب القبر ينكر السؤال، وسؤال منكر ونكير بين المؤلف ﵀ أنه يكون عن ربه ودينه ونبيه، فالسؤال والفتنة مدارها على هذه الأشياء الثلاثة: يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه.
وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه الفتنة هل هي لكل الأمم أو لهذه الأمة؟ والظاهر أنها لكل الأمم، فكل أمة تسأل عن نبيها.
واختلفوا في الأنبياء، هل تنالهم هذه الفتنة أم لا؟ والصحيح أنهم لا يسألون؛ لأنهم هم المسئول عنهم.
واختلفوا فيمن لم يكلف كالصغار والمجانين، هل يسألون أو لا؟ على قولين لأهل العلم، والمراد أنه وقع الخلاف في بعض الناس، ولكن ثبوتها للمكلفين من غير الأنبياء والشهداء أمر متفق عليه.
ومما اختلف فيه أهل العلم تسمية الملكين، فالمؤلف ﵀ ذكر اسمين لملكين كريمين (منكر ونكير)، وقد اختلف العلماء في ثبوت هذه التسمية مع اتفاقهم على الفتنة، وأن الذي يتولاها ملكان، والأمر في هذا سهل، فمن العلماء من قال: إنه لم يثبت حديث يستند إليه في تسمية الملكين، فنؤمن بأنهما ملكان تجري على أيديهما الفتنة دون تعيين لاسميهما، والصحيح أن هذين الاسمين ثابتان كما في الترمذي وفي صحيح ابن حبان بسندٍ لا بأس به، فهذه التسمية ثابتة لهذين الملكين منكر ونكير، ولا غرابة في هذين الاسمين، فهذان الاسمان لا يتضمنان قدحًا في الملكين، وسميا منكرًا ونكيرًا باعتبار ما يفزع الإنسان في قبره، فلهما من المنظر، ولهما من المخبر في السؤال؛ ما ينكره الإنسان، ويزعج قلبه، ويفزعه؛ فلذلك سميا بهذين الاسمين، وليس قدحًا لهما، ولا يتضمن هذا الاسم ذمًا لهذين الملكين الكريمين.
وقوله ﵀: (وسؤال منكر ونكير في قبره)، كقوله في عذاب القبر، ولا يختص هذا بعذاب القبر، ولكن لما كان غالب ما يجري من العذاب وسؤال منكر ونكير في القبور التي هي مدافن الموتى؛ أضيف العذاب والسؤال إليها، لكن من لم يدفن أو من احترق أو أكلته السباع أو غرق في البحار هل يجري له ما ذكر؟
الجواب
نعم، يجري له ما ذكر من العذاب إن كان مستحقًا للعذاب، ومن النعيم إن كان مستحقًا للنعيم، ويجري له ما ذكر من سؤال منكر ونكير.
[ ١٨ / ٤ ]
القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
ثم قال ﵀: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)، هذا فيه انقسام الناس في القبور إلى منعم ومعذب، القبر هو مدفن الموتى، والروضة تطلق في لغة العرب على ما كثر ماؤه، وحسنت خضرته واتسع مكانه، فالمكان الفسيح المتسع الذي يكثر ماؤه وخضرته يسمى في كلام العرب روضة، والقبر لا إشكال أنه منزل من منازل الآخرة، يكون فيه من التنعيم ما يصدق عليه أنه روضة من رياض الجنة؛ لأنه إذا مات الإنسان ودفن يرى مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ويرى مقعده من النار إن كان من أهل النار؛ فلذلك ما يكون في القبر من التنعيم هو شيء مما وعده أهل الإيمان؛ لأنه يعرض له مكانه من الجنة، وليس في هذا أن الجنة تكون في القبر، لا، لكنه يعرض له ما يكون في الجنة من النعيم، ثم إن الروح ليست ملازمة للبدن، بل هي في الجنة إن كانت من أرواح المؤمنين، وفي سجين إن كانت من أرواح أهل الجحيم، أعوذ بالله من الخسران! وقوله: (أو حفرة من حفر النار) النار فيها حفر؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٠٣]، فالنار فيها حفر، وهذا يدل على أنها ليست مستوية، بل فيها من التنكيل والتنغيص وسوء المآل ما الله به عليم، فإن الطريق في الدنيا الذي فيه حفر يعافه الإنسان ويتجنبه لما فيه من المضار والمشاق، فكيف إذا كانت هذه الحفر تلتهب على أهلها؟ نعوذ بالله من الخسران! والإنسان إذا نظر إلى ما أخبر الله ورسوله مما يكون بعد الموت من النعيم والعذاب؛ حمله ذلك على الاستكثار من الطاعات، والتخفف من السيئات؛ لأنه لابد أن يرد هذا المورد، فهذا المورد كل سيرده، ولكن نسأل الله أن يكون ورودًا مستقيمًا، وصدورًا إلى جنة عدن.
[ ١٨ / ٥ ]
الإيمان بالبعث وما بعده
ثم قال ﵀: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان) .
نؤمن أي: نعتقد مقرين منقادين قابلين ما جاءت به النصوص من الخبر بالبعث، والبعث هو الإحياء بعد الإماتة، وهذا البعث لا ينكره مؤمن، بل من أنكره فهو كافر، وقد أقام الله جل وعلا من الأدلة في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل عليه دلالة واضحة، وكل من أنكر البعث فإنه كافر بالله رب العالمين، وهذه العقائد ليست لتمييز عقائد أهل الإسلام عن أهل الكفر، فلماذا ذكر المؤلف ﵀ البعث في جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة؟ ذكر ذلك ليرد على المنحرفين من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام الذين يقولون: إن البعث ليس بعثًا للأجساد، إنما هو بعث للأرواح فقط، وأما بعث الأجساد فليس كائنًا ولا واقعًا.
إذًا: ذكر البعث في جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة ليرد على من أنكر بعث الأجساد، وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن ما أخبرت به الملائكة إنما هو تخييل، يعني وهم وخيال ليس له حقيقة، قالوا: والبعث لا يكون للأبدان إنما يكون للأرواح، وعلى هذا ابن سيناء ومن سار في طريقه من المتفلسفة المنتسبين للإسلام، فإنهم ينكرون ما أخبرت به الرسل من بعث الأرواح والأبدان، وأنه تعاد الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وهذا يدل على البعث للجسد والروح، وبهذا البعث يكتمل اقتران الأرواح بالأبدان؛ لأن اقتران الأرواح بالأبدان متفاوت؛ ففي الدنيا الحكم للبدن والروح تابع، وفي البرزخ الحكم للروح والبدن تابع، وفي الآخرة يكتمل اقتران الروح بالبدن، فما يكون من نعيم للبدن ينال الروح منه نفس النصيب، وكذلك العكس، لكمال الاقتران بين الأرواح والأبدان يوم القيامة.
هذا البعث ما حكمته؟ ما غايته؟ ما المراد منه؟ هو ما ذكره ﵀ بقوله: (وجزاء الأعمال يوم القيامة) أي: ونؤمن بجزاء الأعمال يوم القيامة؛ لأن البعث ليس لمجرد البعث، بل هو ليلقى الإنسان مقابل عمله، فقول المؤلف ﵀: (جزاء الأعمال)، جزاء في اللغة هو الغنى والكفاية، وهو ما يكون مقابل العمل، وقوله ﵀: [الأعمال] جمع عمل، والعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢]، فالعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، والغالب في العمل أن يكون مقترنًا بنية خلافًا للفعل، فالفعل قد لا يكون بنية؛ ولذلك لم يذكر الله جل وعلا في كتابه الإثابة على الأفعال إنما الإثابة للأعمال، والعمل يصدق على القول وعلى الفعل، وعلى العمل الضار والعمل النافع، وعلى عمل الجوارح، كل هذا يصدق عليه أنه عمل، وجزاء الأعمال أي: ثوابها، ومقابلها الإساءة بمثلها، وذلك يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وسمي يوم القيامة بهذا الاسم؛ لأنه تقوم فيه الأبدان لرب العالمين، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، وأيضًا سمي بيوم القيامة لأنه يقوم فيه الأشهاد، فالأشهاد يقومون ويشهدون، ولأنه تقام فيه الموازين، فيوزن فيها الأعمال والعمال كما سيأتي.
[ ١٨ / ٦ ]
العرض يوم القيامة
ثم قال: (والعرض)، أي: ونؤمن بالعرض، والعرض هنا فسره بعض العلماء بالعرض على رب العالمين كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨]، فالناس يعرضون على الله جل وعلا، بل الخلق كلهم يعرضون ويحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم بما يشاء، وقيل: العرض هنا هو ما يكون لأهل الإيمان من عرض أعمالهم عليهم دون محاسبتهم عليها، فيعرض على المؤمن ما يكون من عمله، ولا يؤاخذ على السيئة، بل يقرر بما كان منه من عمل دون مؤاخذة، ومنه قول النبي ﷺ: (من نوقش الحساب عذب)، فقالت عائشة ﵂ مستشكلة لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]: كيف هذا وقد قلت: من نوقش الحساب عذب؟ فقال لها النبي ﷺ (إنما ذلك العرض)، يعني: يعرض عليه عمله الصالح فيسر به، ويعرض عليه عمله السيء الذي لم يتب منه، أما ما تاب منه فإن التوبة تهدم ما كان قبلها، وهذا من فضل الله ورحمته أنه إذا وقع الإنسان في سيئة ثم تاب منها لم تعرض عليه، وكأنه لم يفعلها وتمحى من كتابه، ففضل الله واسع، لكن مالم يتب منه من الذنوب يعرض عليه، والعرض عرض خفي، ليس عرضًا معلنًا، بل يدنيه الله جل وعلا -كما في صحيح مسلم- ويضع عليه كنفه أي: ستره، ويقرره بذنوبه ثم يقول: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، وهذا فضل الله، نسأل الله من فضله! ويقابل هذا حال الكافر الذي يشاد بعمله، يشاد أي: يعلن وينادى بعمله السيئ على رءوس الخلائق، فالعرض يحتمل هذا، ويحتمل هذا.
[ ١٨ / ٧ ]
الحساب
ثم قال: [والحساب]، يعني: ونؤمن بالحساب، والحساب مأخوذ من المحاسبة، والمحاسبة أصلها مأخوذ من العد والإحصاء، والمراد بالمحاسبة ما يكون من المناقشة وما يكون من العرض، فإن العرض يطلق عليه حساب كما قال الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، فإذا قلنا: نؤمن بالعرض أي: العرض الذي يكون لجميع الخلائق على رب العالمين، كما قال الله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عرض الخلق على الله ﷿ فيكون الحساب هنا شاملًا لنوعين: الحساب الذي هو الموازنة بين الحسنات والسيئات، والحساب الذي هو العرض للسيئات دون المؤاخذة بها، والحساب الذي بمعنى الموازنة لا يكون إلا لأهل الإسلام، أما أهل الكفر فإنه لا توزن حسناتهم، بمعنى أنها لا توزن أعمالهم كموازنة الأعمال التي فيها حسن وسيئ؛ لأنه لا حسنات لهم قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وإنما الحساب المضاف إلى أهل الكفر حساب العرض لأعمالهم السيئة، وتوبيخهم عليها، وتقريعهم بها، هذا الذي يكون من الحساب للكفار، أما حساب الموازنة بين الحسنات والسيئات فلا يكون لأهل الكفر؛ لأنه لا حسنات لهم فتوزن بل قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والحساب بمعنى الموازنة بين الحسنات والسيئات يكون لأهل الإسلام، ونؤمن أيضًا بالعرض الذي يكون لأهل الإحسان، وكذا عرض التوبيخ والتقريع الذي يكون لأهل الكفر.
[ ١٨ / ٨ ]
قراءة الكتاب
ثم قال ﵀: [وقراءة الكتاب] أي: نؤمن بقراءة الكتاب، فكل إنسان يقرأ كتابه يوم القيامة، قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤]، وقد ذكر الله جل وعلا انقسام الناس في قراءة الكتاب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥]، لما فيه من السوء والعذاب الذي يسوءه يوم القيامة، نسأل الله السلامة! فنؤمن بقراءة الكتاب بدلالة الكتاب والسنة على ذلك.
[ ١٨ / ٩ ]
الثواب والعقاب
قال: [والثواب والعقاب]، وهذا يعقب ما تقدم، فالثواب والعقاب مرتب على العرض والحساب وقراءة الكتاب؛ ولذلك أهل اليمين -نسأل الله أن نكون منهم- إذا أخذوا كتبهم فرحوا بذلك فرحًا عظيمًا حتى أن أحدهم يقول: هاؤم اقرءوا كتابيه، أي: خذوا أو هلموا اقرءوا كتابيه، وهذا -يا إخواني- له نظير في الدنيا، وهو ما يحصله الناس من الشهادات على دراساتهم وأعمالهم، فإذا كانت الشهادة حسنة، والتفوق فيها ظاهر؛ تجده يبرزها عند كل أحد، ويرغب أن يقرأ كتابه، وإذا كانت الأخرى أخفاها وسترها نسأل الله فوز الآخرة! قوله: (والثواب والعقاب) أي: يوم القيامة، ويكمل الثواب والعقاب بالاستقرار في الجنة أو النار.
[ ١٨ / ١٠ ]
الصراط
ثم قال ﵀: (والصراط والميزان) أي: نؤمن بالصراط والميزان، والصراط ككتاب، فعال بمعنى مفعول، وهو ما ضربه الله جل وعلا من الجسر على جهنم، فالصراط هو الجسر المضروب على متن جهنم، يعني ظهرها، ومن هنا نعلم أن المرور على الصراط لا يلزم منه دخول النار، بل هو ورود كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، لكن الورود لا يلزم منه الدخول، وهذا الصراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر، وورد في وصفه أنه مدحضة مزلة، والأصل في الصراط أنه الطريق المستقيم، وعلى كل حال هو جسر على متن جهنم، لا تضر دقته وحدته أهل الإيمان كما أنه لا ينفع سعته -إذا قيل بسعته- أهل العصيان؛ لأن الناس سيرهم في ذلك الموقف وفي هذا الاجتياز على حسب الأعمال ليس على حسب سعة الطريق وضيقه، والناس متفاوتون في اجتيازهم هذا الصراط، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تخطفه الكلاليب، نسأل الله السلامة والعافية! وهذا التفاوت العظيم في السير هو لتفاوت الناس في سيرهم إلى الله جل وعلا في هذه الدنيا، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع والعمل الصالح بقدر ما يحصل له من السرعة، فمطايا الناس يوم القيامة أعمالهم، (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، فمن أخره عمله لن ينفعه شيء، وإنما ذكر النسب لأن النسب يكون معه يوم القيامة، فإنه ينسب إلى أبيه حتى في القيامة، أما المال والمنصب والجاه فكله يزول، فذكر النسب في حديث: (من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، لأن النسب باق مع الإنسان حتى وهو في النار نسأل الله السلامة والعافية! بمعنى أنه ينسب إلى أبيه، فهذا الذي بقي معه يوم القيامة، وهو أن نسبته إلى قبيلته أو إلى أهله أو إلى أبيه أو إلى عشيرته ما تنفعه يوم القيامة إذا لم يكن له عمل صالح يجوز به.
[ ١٨ / ١١ ]
الميزان
ثم قال: (والميزان) أي: ونؤمن بالميزان، والميزان اختلف العلماء ﵏ هل هو واحد أو متعدد؟ وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان يزن الله به الأعمال، ودلت الأدلة أنه توزن السجلات، وأنه يوزن العمال، فالوزن ورد أنه للعمل وهذا هو الأصل، وورد أنه للسجلات الحاوية للأعمال، وورد أنه للعاملين كما قال النبي ﷺ في ابن مسعود لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد)، وهذا الثقل ثقل الأعمال، وأما الكفار فقال الله جل وعلا عنهم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، فيأتي الرجل العظيم من أهل الكفر لا يزن عند الله شيئًا؛ لأن الوزن في حقيقته للعمل، وقد أنكر الميزان المعتزلة وأشباههم حيث قالوا: الميزان كناية عن العدل، فالمراد بالميزان عندهم في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، العدل، وهم في هذا كاذبون محرفون للقرآن.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
[ ١٨ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ١٨ / ١٣ ]
القياس على الفضائل
السؤال
هل يقاس على ما ورد من الفضائل؟
الجواب
الفضل الخاص ما يلزم منه التعليل والقياس، ومسألة الفضائل والأجور ليست مما يدخل في القياس، فإذا قلنا: إن الشهيد لا يفتن في القبر للأدلة على ذلك، لا يلزم منه أنه لا يفتن الصدِّيق، بل النص ورد في الشهيد، وهذا فضل خاص، والفضائل وأجور الأعمال ليست محل قياس لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ١٤ ]