من عقيدة أهل السنة سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﵊، ومعرفة فضلهم وقدرهم، وأنه لم يكن ولن يكون مثلهم، مع تفاوتهم في المرتبة، وتفضيلهم للخلفاء الأربعة.
[ ٢٠ / ١ ]
انتفاع الميت بعمل الحي، والخلاف في بعض الأعمال
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله تعالى طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحين، والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] .
قوله ﵀: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] .
هذه المسألة صلتها بكتب الفروع ألصق منها بكتب الاعتقاد، لكن ذكرها المؤلف ﵀ ردًا على من قال بأنه لا ينتفع الأموات من عمل الأحياء بشيء، وهذا تكذيب لما أجمعت عليه الأمة من وصول نفع بعض الأعمال إلى الأموات؛ فإن الأمة أجمعت على أن الدعاء ينتفع به المدعو له حيًا أو ميتًا وهو ليس من سعيه ولا من عمله إنما من عمل غيره، وقد وقع الخلاف في بعض الأعمال هل ينتفع بها الأموات أو لا، كالصدقات وأشباهها.
فذكر المؤلف لهذه المسألة في كتب الاعتقاد لبيان ما يعتقده أهل السنة والجماعة من انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم، ردًا على من نفى ذلك مطلقًا من القدرية وغيرهم، حيث قالوا: لا ينتفع الإنسان بعمل غيره مطلقًا.
وهذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من ثبوت أصل الانتفاع، أما تفاصيل الانتفاع فإن في ذلك خلافًا بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن الميت لا ينتفع بغير الدعاء، وأما العمل فإنه لا ينتفع منه الميت بل هو لصاحبه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها نفي ملك الإنسان لعمل غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة الفروعية أن الإنسان ينتفع بعمل غيره دعاءً وصلاة وزكاة وحجًا، وغير ذلك من أعمال البر، وليس في الآية ما يدل على امتناع النفع، وقد جاء ما يدل على انتفاع الإنسان بصدقة غيره وبحجه وبصومه، وكذلك بقية العبادات لعدم المانع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المسائل كلها سئل فأجاب بالانتفاع والجواز، فدل على أن كل أعمال البر كذلك، فإنه ينتفع بها الميت وتصل إليه، وأما آية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فإنها لا تدل على عدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إنما تدل على أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه، ثم إذا ملك سعي نفسه فإن له أن يتصرف فيه بما شاء كهبته لغيره، فالآية ليس فيها قطع انتفاع الإنسان بعمل غيره، بل فيها أنه لا يملك إلا سعي نفسه ملكًا وانتفاعًا، فإذا وهب ملكه ونفعه لغيره فذلك له، ولا يمنع من ذلك، ودلت الأدلة على جواز هذا.
وقوله: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات] خص الأموات بالانتفاع مع أن الانتفاع في الدعاء يكون كذلك للأحياء؛ لأن الغالب في ذلك أن يكون للأموات، ولأن الصدقات تكون في الغالب للأموات، والسؤال الذي وجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورد عن الصدقة للميت، وكذلك الحج، وكذلك الصوم، فالنصوص وردت في الأموات، ولا يمنع أن ينتفع الأحياء من ذلك، لكن ذكر ذلك لأنه محل الخلاف، ثم إن الخلاف في الأحياء أشد بين أهل العلم، فمن العلماء من يرى أن الحي لا ينتفع بعمل غيره مطلقًا، وإن كان يجيز أن ينتفع الميت بذلك، والصحيح أن كل عمل صالح يفعله الإنسان ويهديه إلى حي أو ميت فإنه يصل إليه، وليس في النصوص ما يدل على المنع، وأما قول النبي ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) فهذا ليس فيه دليل على ما ذهب إليه بعض العلماء من أن العمل لا يصل إلى الميت، وهو مذهب بعض العلماء من المتقدمين وغيرهم، ومن أهل السنة وغيرهم؛ لأن الحديث فيه انقطاع عمل الإنسان نفسه، وليس فيه قطع انتفاعه بعمل غيره، بل في الحديث ما يشير إلى انتفاعه بعمل غيره في قوله: (أو ولد صالح يدعو له)، فدل ذلك على أنه ينتفع بعمل غيره، لكن هل يوجه الناس إلى إهداء الأعمال وإهداء ثوابها إلى الأموات؟
الجواب
لا، فالأصل في العمل أن يكون للإنسان ماعدا الدعاء؛ فإن الدعاء ينتفع منه الطرفان، فينتفع منه الداعي وينتفع منه المدعو له؛ ولذلك وجه النبي ﷺ إلى الدعاء في قوله: (أو ولد صالح يدعو له)، أما العمل من الحج أو العمرة أو الصدقة فالأولى بها الإنسان نفسه، ولا يعني هذا أنه لا يجوز الوهب، بل يجوز لكن الجواز غير الأفضل الذي يوجه إليه الناس، فالذي يوجه إليه الناس أن يعملوا لأنفسهم، وأن يدعوا لغيرهم، كما قال النبي ﷺ: (أو ولد صالح يدعو له) .
[ ٢٠ / ٢ ]
إجابة الله تعالى لكل داع وسائل
ثم قال ﵀: [والله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات] .
الله جل وعلا هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وما من داع يدعو الله جل وعلا إلا وهو موعود بالخير، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، فأمر الله جل وعلا بالدعاء، ووعد بالإجابة، وهذا وجه قول المؤلف ﵀: [والله يستجيب الدعوات]، لكن تنبه إلى أنه لا يلزم من الاستجابة حصول ما دعوت به، فالله جل وعلا عليم خبير، والله ﷾ يعلم ما يصلح العبد، فقد يدعو العبد بما يرى صلاحه فيه، ويكون صلاحه في عدم حصول المطلوب، فيكون من الخير والبر والفضل والإحسان من رب العالمين إلى هذا العبد ألا يحقق له المطلوب، حتى وإن كان يظن أنه خير، ويعتقد أنه صلاح له، فالله عليم خبير لا يقدم لعبده إلا ما يصلحه.
ولذلك فما من داع يدعو إلا ويجد الثواب والأجر من رب العالمين هذا أولًا، أما تحصيل مطلوبه وتحقيق دعائه وطلبه فإن هذا ليس بلازم؛ فإن الله ﷾ قد يجيبه إلى ما دعا ويعطيه ما سأل، وقد يمنعه ذلك، لكن إن منعه ذلك فإنه لا يخلو من أمرين: إما أن يدفع عنه من السوء نظير ما دعا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، ولاشك إنه إن ادخرها له في الآخرة فهو أعظم إحسانًا؛ لأن الإنسان في الآخرة أحوج ما يكون إلى الخير، وأحوج ما يكون إلى ما ينفعه؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، وألا يظن بربه إلا الخير أجيب أم لم يجب، أعطي أم لم يعط؛ فإن الله ﷾ إذا عامله العبد بهذا كان الله جل وعلا إليه سريعًا في الخيرات، قريبًا في تحقيق المطالب، فمن تمام التسليم لرب العالمين أن يسلم العبد لله ﷿، وأن يفوض إليه جل وعلا الاختيار في تحقيق الطلب أو عدم تحقيقه، ولا يمنع هذا من أن يلح العبد في دعائه وسؤاله وضراعته وتكرار المسألة؛ فإن الله ﷾ أكثر من العبد، فقد قال النبي ﷺ: (ما من داع يدعو الله ﷿ إلا كان له إحدى ثلاث خصال: فإما أن يعطيه ما سأله، وإما أن يدفع عنه من الشر نظير ما سأل، وإما أن يدخرها له في الآخرة، قال الصحابة: إذن نكثر يا رسول الله! قال النبي ﷺ: الله أكثر)، أي: أكثر من العبد، فشأن الله تعالى يختلف، وشأن الله أعظم، فهو يتعرض لعباده بالمسألة، فهو جل وعلا الغني الكريم، وهو المتفضل المحسن على عباده، ولا حاجة به إلى أحد، وهو القيوم الصمد الذي تنزل به الحوائج ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨]، ومع ذلك ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة يقول: (هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)، وانظر إلى هذا التدرج، حيث يبدأ بالدعاء الذي يشمل كل سائل، سواء أكان يدعوه بسؤال، أم بغير سؤال، ثم ما هو أخف (هل من سائل فأعطيه)، ثم ما هو أخف في المسألة: (هل من مستغفر فأغفر له)، وهذا كله لبيان سعة الفضل، وعظيم المن، وعظيم العناية من رب العالمين بعباده، فالله ﷾ يجيب الدعوات ويقضي الحاجات، لكن ذلك وفق ما تقتضيه رحمته وحكمته، فقد يكون من الحكمة والرحمة أن يمنع الله جل وعلا العبد ما سأل، لا بخلًا منه؛ فالله جل وعلا يده سحاء بالخير، ينفق في الليل والنهار، لا تغيض النفقة ما في يده، فإذا منعك فإنه لا يمنعك بخلًا فهو الغني الحميد، إنما يمنعك إصلاحًا وتربيةً، فإذا عامل العبد ربه بهذا فإنه سينشرح صدره لما يقع من إجابة أو عدمها، ثم يعلم أن ربه ﷾ المقدم المؤخر الذي لا يقدم له إلا الخير، ولا يمنع عنه إلا الشر.
قال ﵀: [ويملك كل شيء ولا يملكه شيء] .
وهذا كالجواب على من دعا فلم يعط، وقطع شبهة البخل التي اتهم بها اليهود رب العالمين، وهو جل وعلا الغني الحميد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، فالمنع ليس لأنه لا يملك ما تسأل، إنما المنع لحكمة ورحمة، وليس فقط لحكمة إنما أيضًا لرحمة بالعبد؛ فإن الله يرحم العبد بمنعه، كما أنك ترحم الصغير -ولله المثل الأعلى- بمنعه من الرضاع، وهو يبكي ويصيح يريد الرضاع، لكن ترى أن مصلحته في منعه من الرضاع، فتمنعه لأنه إن شب على الرضاع لن تنفطم نفسه، بل سيبقى على هذا الذي لا يقيم بدنه، فإن الرضاع في السنتين الأوليين يقوم به البدن، لكن بعد ذلك إذا استقل بالرضاع واستمر عليه لا يمكن أن يقوم بدنه بالحليب، فكان من الرحمة أن تمنعه هذا، فذلك حال العبد مع ربه، بل الشأن أعظم، فالله جل وعلا أرحم بعبده من الوالد بولده.
[ ٢٠ / ٣ ]
نعوت كمال للرب ﷻ
يقول ﵀: [ويملك كل شيء] والأدلة على ملك الله ﷿ كثيرة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والآيات في ذكر ملك الله جل وعلا لكل شيء كثيرة.
قال: [ولا يملكه شيء] ولا إشكال في أنه لا يملكه شيء ﷾، بل هو المالك لكل شيء.
قال: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] .
هذا أيضًا فيه الرد على من قال: دعوت فلم يستجب لي.
فيترك الدعاء ويستحسر، كما قال النبي ﷺ: (يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم)، فقوله: (يستجاب) أي: يحصل له جواب سؤاله إما بتحقيق المطلوب أو بغير ذلك مما جاءت به النصوص من أوجه الإجابة، فإن من دفع عنه الشر نظير ما دعا فقد أجيب، ومن ادخر له أجر ما دعا فقد أجيب، فالداعي لا يرجع من رب العالمين إلا بخير، فهو الحيي الكريم الذي يستحيي أن يرد يدي عبده صفرًا -أي: خاليًا من الخير- بل لابد أن يرجع بخير.
فقوله: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين] أي: لا غنى للعبد مهما كان حتى لو لم يجب فإنه لا غنى له عن ربه، فيلجأ إليه، ويتوسل إليه، ويتضرع بين يديه، ويسأله ﷾، ولا أعظم ولا أيسر في الوصول إلى رب العالمين وإلى فضله من باب الافتقار إلى الله جل وعلا؛ فإن العبد إذا افتقر إلى الله جل وعلا وأظهر افتقاره إلى ربه وأيقن أنه ما من ذرة في بدنه إلا وهي مفتقرة إلى الله جل وعلى؛ كان ذلك من أسباب الخير له، وقد ذكر ابن القيم ﵀ كلامًا جيدًا في هذا فقال عن نفسه: (أقبلت على الله جل وعلا من أبواب الخيرات والطاعات كلها، فوجدت على الأبواب الزحام- يعني: كثرة من يقبل على الله من هذه الأبواب - فلم أسلم من المزاحمة، فولجت باب الافتقار فوجدت قرب حصول المطلوب مع عدم حصول المزاحمة)، فإن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذا الوصف الذاتي لهم، وهو افتقارهم إلى الله ﷿.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (من رغب في السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية)، فالسعادة الأبدية الدائمة التي لا تنقطع في الدنيا والآخرة في لزوم عتبة العبودية، كما نقل ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولزوم عتبة العبودية تحصل للعبد بكمال الذل لله جل وعلا، وغاية الحب له ﷾، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، لا في ليل ولا في نهار، ولا في يقظة ولا في منام، ولا في صحة ولا في مرض واعتلال، ولا في غنى ولا في افتقار، فالعبد مفتقر إلى الله جل وعلا فقرًا ذاتيًا لا يمكن أن ينفك عنه، لكن الناس يغفلون ويظنون أنهم أغنياء عن الله ﷿ بما مكنهم، والإنسان إذا بلي بداء الاغتناء وشعر أنه غني عن الله ﷿ حصل منه شر عظيم، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧]، يعني: إذا رأى غنى نفسه عن الله، لكن مادام يرى فقر نفسه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يمكن أن يصيبه الطغيان والخروج عن مقتضى العبودية.
يقول ﵀: [ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين] .
الكفر هنا يشمل الكفر الأصغر والكفر الأكبر، لكن الكفر الأكبر يحصل بأن يظن الإنسان ويعتقد أنه لا حاجة به إلى ربه، ولاشك أن هذا كفر، وهو أعظم الكفر؛ لأنه جحد للربوبية؛ لأن من مقتضى الربوبية أن توقن أن كل خير يصل إليك إنما هو من الله جل وعلا، فمن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين.
أي: من أهل الهلاك.
[ ٢٠ / ٤ ]
الصفات الفعلية ثابتة للرب ﷻ
قال ﵀: [والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى] .
هذا فيه إثبات صفات الفعل للرب جل وعلا، وصفات الفعل ثابتة لله ﷾ بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، قال الله جل وعلا في وصف نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، وأما إثبات الفعل فالأدلة عليه كثيرة، فهو يغفر لمن يشاء، ويحب من يشاء، ويغضب جل وعلا، ويعفو، فالأفعال التي أضافها الله ﷾ إليه كثيرة في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]، وقال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، فالآيات التي فيها إثبات صفات الفعل أكثر من أن تحصى، وهذا الذي فيه التصريح بالفعل.
أما ما دل على الفعل فهو كثير جدًا، وكذلك في السنة، فالله جل وعلا موصوف بصفات الفعل، وبعض صفات الفعل هي الصفات التي تتعلق بالمشيئة، فمتى شاء فعل ومتى شاء لم يفعل، ومن ذلك الغضب والرضا، فالغضب صفة كمال لله ﷿ لا نقص فيها، بل هي من كماله ﷾، فإن من الكمال أن يغضب القادر على من يستحق الغضب، وقد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] في حق من قتل مؤمنًا متعمدًا، ومن أدلة إثبات الغضب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وأما الرضا فالآيات فيه كثيرة، منها قوله جل وعلا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] في حق السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان، وقال ﷾: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، والله يغضب ويرضى، والغضب والرضا أنكرهما المئولة المنحرفون عن طريق أهل السنة والجماعة بجميع أصنافهم من أهل الكلام، فأنكرها المعتزلة، وأنكرها الأشاعرة، فأولوا الغضب والرضا إما بإرادة الثواب والعقاب وإما بالثواب والعقاب نفسه، فمثبتة الصفات من أشاعرة ونحوهم قالوا: الغضب والرضا هو إرادة الإثابة وإرادة العقوبة.
وأما المعتزلة فأولوا الغضب والرضا بالثواب والعقاب نفسه؛ لأنهم لا يثبتون صفة الإرادة للرب جل وعلا.
[ ٢٠ / ٥ ]
أهل السنة وأصحاب رسول الله ﷺ
قال ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] .
يقول ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ] .
أي: أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ.
والمحبة هنا محبة قلبية، فنحبهم محبة قلبية لأنهم الذين نقلوا إلينا الخير، ولأنهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن الله اصطفاهم وخصهم بهذه الخاصية والميزة، حيث جعلهم أصحاب رسوله، وجعلهم حملة الشرع، ونحبهم لما جرى منهم من الخير للأمة؛ فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنشر هذا الدين، فما من خير وصلنا إلا من طريقهم ﵃.
وقول المؤلف ﵀: [أصحاب رسول الله] أصحاب: جمع صاحب، والصحبة تثبت لكل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو ساعة من نهار، لكن اعلم أن المحبة المذكورة في قوله: [ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم] محبة لوصف وهو الصحبة، فكل من تحقق فيه هذا الوصف يزداد نصيبًا من المحبة بقدر ازدياد هذا الوصف فيه؛ لأن كل الأعمال والأحكام، والأدلة المعلقة على أوصاف تزداد وتستقر وتثبت بزيادة هذا الوصف، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ ليست كمحبتنا لـ بلال، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ أعظم لتحقق الصحبة فيه أكثر من غيره، فمن صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهرًا محبتنا له أعظم ممن صحبه يومًا، ومن صحبه يومًا محبتنا له أعظم ممن صحبه ساعة، فتزداد المحبة بازدياد الوصف وهو الصحبة، ثم الصحبة تعم كل من صحب النبي ﷺ قليلًا أو كثيرًا، فليست خاصة بطول المدة، بل هي عامة لكل من صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم؛ لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في كتابه ثناءً بالغًا في مواضع عديدة، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وقال الله جل وعلا في ثنائه عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، ثم ذكر من وصفهم ما يوجب محبتهم، كذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فأثبت الله جل وعلا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الرضا مطلقًا، وأما تابعوهم فإن الرضا مقيد بالإحسان، وتأمل الآية، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، فما قيد الرضا عنهم بإحسان، فكفاهم فضلًا سابقتهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل الرضا عن التابع مقيدًا بالإحسان، وأما المهاجرون والأنصار فإنه قد أثبت لهم الرضا، ويكفي في فضلهم أن الله جل وعلا اطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم)، وقول النبي ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة)، ففضلهم ﵃ ظاهر؛ ولذلك استحقوا ما استحقوه من المحبة، وقول المؤلف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ] يرد على جميع المنحرفين في صحابة النبي ﷺ بزيادة أو نقص، بغلو أو جفاء، فإن أصحاب النبي ﷺ وقع الناس فيهم في إفراط وتفريط، وغلو وجفاء؛ ولذلك قال في ضبط وتحرير عقيدة أهل السنة والجماعة: [ولا نفرط في حب أحد منهم] ردًا على الرافضة الذين غلوا في محبة علي حتى ألهوه، أو ألهه بعضهم، وقوله: [ولا نتبرأ من أحد منهم] أيضًا رد على الرافضة الذين تبرءوا من أبي بكر وعمر ﵄، ومن عقائدهم أنه لا ولاء إلا ببراء، فلا ولاء لـ علي وآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، وأهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله بلا استثناء، مع التفاوت في المحبة على ما فصلنا وذكرنا في السابق، لكن المحبة ثابتة للجميع، بخلاف الرافضة الذين سبوا أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، وبخلاف النواصب الذين ناصبوا عليًا العداء، فإن النواصب من الخوارج وممن ناصر بني أمية سبوا عليًا رضي الله وقدحوا فيه.
[ ٢٠ / ٦ ]
حب أهل السنة لصحابته ﷺ
يقول ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ] .
أي: أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ.
والمحبة هنا محبة قلبية، فنحبهم محبة قلبية لأنهم الذين نقلوا إلينا الخير، ولأنهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن الله اصطفاهم وخصهم بهذه الخاصية والميزة، حيث جعلهم أصحاب رسوله، وجعلهم حملة الشرع، ونحبهم لما جرى منهم من الخير للأمة؛ فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنشر هذا الدين، فما من خير وصلنا إلا من طريقهم ﵃.
وقول المؤلف ﵀: [أصحاب رسول الله] أصحاب: جمع صاحب.
والصحبة تثبت لكل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك ولو ساعة من نهار، لكن اعلم أن المحبة المذكورة في قوله: [ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم] محبة لوصف وهو الصحبة، فكل من تحقق فيه هذا الوصف يزداد نصيبًا من المحبة بقدر ازدياد هذا الوصف فيه؛ لأن كل الأعمال والأحكام، والأدلة المعلقة على أوصاف تزداد وتستقر وتثبت بزيادة هذا الوصف، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ ليست كمحبتنا لـ بلال، فمحبتنا لـ أبي بكر ﵁ أعظم لتحقق الصحبة فيه أكثر من غيره، فمن صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهرًا محبتنا له أعظم ممن صحبه يومًا، ومن صحبه يومًا محبتنا له أعظم ممن صحبه ساعة، فتزداد المحبة بازدياد الوصف وهو الصحبة، ثم الصحبة تعم كل من صحب النبي ﷺ قليلًا أو كثيرًا، فليست خاصة بطول المدة، بل هي عامة لكل من صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم؛ لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في كتابه ثناءً بالغًا في مواضع عديدة، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وقال الله جل وعلا في ثنائه عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، ثم ذكر من وصفهم ما يوجب محبتهم، كذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فأثبت الله جل وعلا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الرضا مطلقًا، وأما تابعوهم فإن الرضا مقيد بالإحسان، وتأمل الآية، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، فما قيد الرضا عنهم بإحسان، فكفاهم فضلًا سابقتهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل الرضا عن التابع مقيدًا بالإحسان، وأما المهاجرون والأنصار فإنه قد أثبت لهم الرضا، ويكفي في فضلهم أن الله جل وعلا اطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم)، وقول النبي ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة)، ففضلهم ﵃ ظاهر، ولذلك استحقوا ما استحقوه من المحبة، وقول المؤلف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ] يرد على جميع المنحرفين في صحابة النبي ﷺ، المنحرفين بزيادة أو نقص، بغلو أو جفاء، فإن أصحاب النبي ﷺ وقع الناس فيهم في إفراط وتفريط، وغلو وجفاء، ولذلك في ضبط وتحرير عقيدة أهل السنة والجماعة قال: [ولا نفرط في حب أحد منهم] ردًا على الرافضة الذين غلوا في محبة علي حتى ألهوه، أو ألهه بعضهم، وقوله: [ولا نتبرأ من أحد منهم] أيضًا رد على الرافضة الذين تبرأوا من أبي بكر وعمر ﵄، ومن عقائدهم أنه لا ولاء إلا ببراء، فلا ولاء لـ علي وآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، وأهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله بلا استثناء، مع التفاوت في المحبة على ما فصلنا وذكرنا في السابق، لكن المحبة ثابتة للجميع، بخلاف الرافضة الذين سبوا أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، وبخلاف النواصب الذين ناصبوا عليًا العداء، فإن النواصب من الخوارج وممن ناصر بني أمبة سبوا عليًا رضي الله وقدحوا فيه.
[ ٢٠ / ٧ ]
بغض أهل السنة لمن يبغض الصحابة
يقول: [ونبغض من يبغضهم] ولا إشكال في هذا؛ فإن من حقهم ﵃ بغض من أبغضهم، وكراهة من كرههم، وبغير الخير يذكرهم، كالرافضة وأشباههم.
قال: [ولا نذكرهم إلا بالخير] وهذا فيه قاعدة فيما يتعلق بالصحابة، وهي أنا لا نذكرهم إلا بالخير، ومن جملة هذا ألا نتكلم فيما شجر بينهم من الخلاف، فإن ذكر ما شجر بينهم من الخلاف يفضي إلى الوقيعة في بعضهم، وإلى إيغار الصدور عليهم ﵃، وإلى نزول مقامهم ومكانتهم، فقوله: [ولا نذكرهم إلا بخير] يشمل حفظ اللسان من الكلام فيهم، والكلام فيما وقع منهم من أخطاء، والكلام فيما وقع فيهم من شجار وخلاف؛ فإنهم ﵃ إما معذورون فيما ثبت، وإما مجتهدون متأولون، وأما غالب ما ينقل فهو كما قال شيخ الإسلام ﵀: كذب، ومنه ما زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
يعني: صرف عن الوجه الذي جرى عليه.
فإن من أصول أهل السنة والجماعة سلامة ألسنتهم وقلوبهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن تمام السلامة ألا نذكرهم إلا بخير، وقد وقع الكلام في الصحابة منذ العهد الأول، فإن عائشة ﵂ نقل إليها أن أقوامًا يتكلمون في أصحاب النبي ﷺ حتى في أبي بكر، فقالت: (لا عجب؛ فإنه قد انقطع عملهم بالموت، وأحب الله وصل عملهم بعد موتهم) وذلك بمن يقع فيهم؛ فإن الإنسان إذا وقع فيه بغير حق كان ذلك حطًا لسيئاته، ورفعًا لدرجاته، ولابد من هذا.
يقول ﵀: [وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] قوله: (حبهم دين) أي: عبادة يتعبد الإنسان بها لله ﷿.
(وإيمان وإحسان) أي: من خلال الإيمان وأعماله، ومن خلال الإحسان الذي يجازى به أهل الإحسان، فإن إحسان الصحابة إلينا من أعظم الإحسان، حيث إنهم نقلوا لنا الأخبار، وحفظوا لنا سنة المختار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونصروا دين رب العالمين، (وبغضهم -أي: بغض الصحابة بالجملة -كفر ونفاق طغيان) فهو كفر لأنه قدح في الشريعة، وتكذيب للقرآن، ونفاق وطغيان؛ لأنه إنما وقع من أهل النفاق، فإن أول ما جرى هذا كان من المنافقين المندسين في صفوف أهل الإسلام الداعين إلى البدعة والفرقة والشر كـ عبد الله بن أبي بن سلول، والطغيان: تجاوز الحق.
وبعد أن فرغ مما يجب لمجموعهم انتقل إلى ما يتعلق ببعض أفرادهم.
[ ٢٠ / ٨ ]
إثبات أهل السنة لخلافة الأربعة والمفاضلة بينهم
قال ﵀: [ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لـ أبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁، ثم لـ عثمان بن عفان، ثم لـ علي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون] .
يقول ﵀: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لـ أبي بكر الصديق) .
أبو بكر ﵁ هو عبد الله بن أبي قحافة، وهو خير الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وثبتت له الخلافة بإجماع المسلمين، وقد اختلف العلماء في خلافة أبي بكر ﵁ هل كانت بالنص الجلي أم بالنص الخفي أم بالاختيار؟ ولكن من تأمل وجد من النصوص ما يدل على أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنها ليست نصوصًا صريحة، بل هي نصوص بمجموعها تدل على أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ بعهد من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أجمعت الأمة على فضله وتقدمه، وأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبو بكر ورد له من الفضائل والخصائص ما لم يشاركه فيه غيره، بخلاف الفضائل التي ثبتت في غيره، فإنها فضائل يشارك المفضل فيها غيره، لاسيما ما يذكره الرافضة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁، فإن الفضائل الثابتة لـ علي ﵁ ليست من الأمور التي يختص بها دون غيره، بخلاف أكثر فضائل أبي بكر، وهذه المسألة مفيدة، وهي: أن الفضائل التي ثبتت لـ أبي بكر غالبها خاصة به لا يشاركه فيها غيره، وكذلك عمر ﵁، لكن نصيب أبي بكر ﵁ من ذلك أكبر وأعظم وأكثر، فالخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق.
يقول المؤلف: [أولًا لـ أبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة] .
لا إشكال في هذا؛ فهو خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁) وله من الفضائل والخصائص ما لم يشاركه فيه غيره، لكن فضائل أبي بكر أعظم وأجل، ثم قال: (ثم لـ عثمان ﵁، ثم لـ علي ﵁] .
وترتيب هؤلاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة، هكذا استقر الأمر عند أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر وعمر، وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄، وقد اشتهر بين الصحابة تقديم عثمان بعدهما، كما ذكر ذلك عبد الله بن عمر في المفاضلة، ولم يذكر بعد عثمان أحدًا، وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁كما جاء في صحيح البخاري- سأله ابنه محمد بن حنفية عن أفضل الأمة بعد نبيها فقال: أو لا تعلم؟ -إنكارًا لهذا السؤال- قال: لا.
قال: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر.
قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.
يقول محمد بن حنفية: قلت: ثم أنت خشية أن يقول: عثمان فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين ففضل أبي بكر ﵁ وفضل عمر وتقديمهما على سائر الأمة مما حصل عليه الإجماع وما وقع الخلاف فيه، والذي وقع فيه الخلاف هو المفاضلة بين عثمان وعلي، لكن الخلاف في المفاضلة لا في الخلافة، بل الخلافة بعد عمر لـ عثمان ﵁، وقد نقل عن بعض السلف: أن من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار قدموا عثمان ﵁ في الخلافة، وهو دليل على تقديمه في الفضل؛ لأنهم أجمعوا على الأفضل، والأفضل هو عثمان ﵁، لكن ما انتهت المفاضلة، بل يحتدم فيها الخلاف، وقد ورد فيها الخلاف، فالعلماء منهم من فضل عثمان وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، واستقر عليه الأمر، ومنهم من توقف في التفضيل بينهما، ومنهم من قدم عليًا ﵃، ومنهم من فضل أبا بكر وتوقف بعد ذلك، ومسألة التفضيل لا تضليل فيها على الصحيح من أقوال أهل العلم، أما مسألة الخلافة فإن من شك أو طعن في خلافة هؤلاء أو في ترتيب هذه الخلافة فهو أضل من حمار أهله، كذا قال الإمام أحمد ﵀، ونقل ذلك شيخ الإسلام ﵀.
قال: (وهم الخلفاء الراشدون)، أي: هم الذين قال النبي ﷺ فيهم (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .
قال: [والأئمة المهتدون] ولو أنه قال المهديون لكان أوفق؛ لما وصفهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصف الرشد والهداية هل هو وصف واحد أو وصفان؟
الجواب
وصفان، فالرشد ضد الغي، والهداية ضد الضلال، والغي يكون في العلم، والرشد يكون في العمل، والهدى يكون في العلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]، فأثبت له الهداية وأثبت له الرشد؛ لأن نفي الضلال إثبات للهدى، ونفي الغي إثبات للرشد؛ لأن الذي يقابل الرشد الغي، والذي يقابل الهدى الضلال.
[ ٢٠ / ٩ ]