خص الله ﷾ دعوة النبي ﷺ بكثير من الخصائص والمميزات عن غيرها من دعوات الأنبياء، من أهمها: أنها خاتمة الرسالات، وأنها عامة للجن والإنس، ومن أعظم ما خص الله تعالى به دعوة النبي ﵊: القرآن العظيم، وهو كلام الله رب العالمين.
[ ٦ / ١ ]
خصائص دعوة النبي ﷺ
[ ٦ / ٢ ]
دعوة النبي خاتمة الدعوات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء] .
قال المؤلف ﵀ في تكملة ما يتعلق بتقرير رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وكل دعوى النبوة)، أي: وكل ادعاء للنبوة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فغي وهوى، فوصفها المؤلف ﵀ بوصفين: (غي وهوى)، والغي: هو الجهل عن اعتقاد فاسد، فادعاء النبوة بعد نبوة النبي ﷺ جهل ناشئ عن اعتقاد فاسد، وهو أنه تجوز النبوة بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقول المؤلف: (وهوى) أي: واتباع للهوى وهو ما تشتهيه النفس وتميل إليه، فالهوى: مأخوذ من هوى يهوى إذا مال إلى الشيء والتذ به وانجذب إليه، فكل من ادعى النبوة بعد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعواه لا تخرج عن هذين: - عن كونها جهلًا ناشئًا عن اعتقاد فاسد، أو اتباعًا للهوى.
[ ٦ / ٣ ]
دعوة النبي عامة للإنس والجن
لقد بيّن النبي ﷺ أنه مبعوث إلى الناس كافة؛ وهذا يوجب على كل أحد يبلغه خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتبعه وينقاد له، ويشهد له بالرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومما يدل على عموم رسالة النبي ﷺ: أن الله أمره بمخاطبة اليهود والنصارى، وهم بقية من الأمم السابقة الذين معهم كتب، وخاطبهم ﷺ وأمرهم بالاستجابة إليه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] .
فكل من لم يأت بما أمر به النبي ﷺ من الإقرار له بالرسالة فهو كافر بالله العظيم، وما يدعيه أهل الكتاب من أن رسالة النبي ﷺ خاصة بالعرب أو بالأميين فهو كذب وضلال، وهذا في الحقيقة طعن وتكذيب للنبي ﷺ، فأهل الكتاب الذين يقولون: نحن نؤمن بالنبي محمد ﷺ لكنه خاص بالعرب، هؤلاء كاذبون مكذبون للنبي ﷺ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر -وهو لا ينطق عن الهوى- بعموم رسالته، وإنما نحتاج إلى تقرير هذا حتى نرد على الذين يقولون في هذه الأزمان المتأخرة: اليهود على حق والنصارى على حق، ويسوون بين أهل الإسلام وغيرهم من أهل الكتاب ولا سواء؛ فهؤلاء يؤمنون بالله الواحد القهار الذي لا إله غيره، ويصدقون النبي ﷺ بالرسالة وبما جاء به، وأولئك يكذبونه في الأصلين، فهم يشركون بالله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ويكذبون النبي ﷺ حيث قالوا: إنه إنما بعث للعرب خاصة وليس لعموم الناس.
وأما عموم رسالة النبي ﷺ للجن، فذلك مستفاد من سورة الجن، فإن سورة الجن الدلالة فيها ظاهرة في مواضع عديدة على أن النبي ﷺ مبعوث إليهم، ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره الله جل وعلا في سورة الأحقاف حيث قال ﷾: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، أي: قضيت قراءة القرآن وقضي سماعه ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، منذرين بأي شيء؟ بما سمعوه وتلقوه عن النبي ﷺ، ثم قالوا لما ولوا إلى قومهم منذرين وبينوا وجه الإنذار: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠]، وهذا يدل على أنهم كانوا متعبدين لله، أو أن منهم من كان يعبد الله بشريعة موسى ﵊: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣٠-٣١]، فهذا فيه وجوب اتباع ما جاء عن النبي ﷺ، ووجوب الانقياد لما سمعوه من القرآن العظيم.
ولا ريب أن الجن مخاطبون برسالة النبي ﷺ، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا خلاف بينهم في أن الجن مخاطبون بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٦ / ٤ ]
وصف ما جاء به النبي من الوحي
فرغ المؤلف ﵀ من تقرير هذا الأصل، ثم انتقل إلى تقرير ما يتعلق بالقرآن، لكن المؤلف ﵀ ذكر قبل ذلك شيئًا من أوصاف ما جاء به النبي ﷺ فقال: [بالحق والهدى، وبالنور والضياء]، وهذا وصف مطابق لفظًا ومعنى لما جاء به النبي ﷺ، فإن نبينا ﷺ بعثه الله بالهدى ودين الحق، وبالنور والضياء، الحق في القول والعمل، والهدى في العلم والاعتقاد، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٨]، الهدى: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، فبعث الله ﷿ رسوله بالحق في الأقوال والأعمال، وبالهدى في العلم والاعتقاد، وقد أثبت الله جل وعلا هذا الوصف فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فجعل الله النبي ﷺ هاديًا إلى صراط أثبت له الثبات والاستقرار والاستعلاء والتمكن من الصراط المستقيم، فقال: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، وانظر كيف أتى بحرف (على) الذي يفيد الاستعلاء والتمكن والاستقرار، فرسول الله ﷺ ثبتت قدمه على الصراط المستقيم ثباتًا متمكنًا عاليًا لا زوال له، وكل من سار على طريقه وأخذ بهديه واتبع سنته فإنه موافق له، وله نصيب من هذا الوصف المذكور (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
ثم قال: [وبالنور والضياء]، أي: ما جاء به النبي ﷺ نور وضياء، ولا ريب أن ما جاء به نور وضياء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢]، من أهم وأخص ما جاء به النبي ﷺ: إخراج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور، فالله ﷿ أخرج أهل الإيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به من الهدى والنور أخرجهم من ظلمات الجهالات والتعاسات والشقاء في الدنيا إلى نور السعادة والعلم والعبادة في الدنيا قبل الآخرة.
أما الآخرة فإنها نور ولا إشكال فيه؛ لأن أهل الإيمان يأتون تضيء لهم أعمالهم على قدر استمساكهم بهدي النبي ﷺ، فبقدر ما مع الإنسان من هدي النبي ﷺ عقدًا وعملًا بقدر ما يكون له من النور يوم القيامة.
وما الفرق بين النور والضياء؟ أما من حيث دلالة المعنى فالمعنى متقارب، لكن الفرق بين النور والضياء: أن النور: نور لا حرارة فيه، وأما الضياء: فإنه نور مع حرارة، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:٥]، هل بينهما فرق؟ نعم بينهما فرق؛ الشمس إضاءة ونور مع حرارة، والقمر نور لا حرارة فيه، وهكذا ما جاء به النبي ﷺ، فمنه ما هو نور لا حرارة فيه، ومنه ما فيه حرارة، لكنها حرارة تعقب سعادة ولذة وطمأنينة.
[ ٦ / ٥ ]
تقرير أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق
قال المؤلف بعد هذا في تقرير ما جاء عن أهل السنة والجماعة في مسائل القرآن: [وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية؛ فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]؛ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر] .
[ ٦ / ٦ ]
صفة الكلام من دلائل ألوهيته ﷾
هذا الكلام من أنفس ما في هذه العقيدة من تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الصفة العظيمة صفة الكلام لله رب العالمين، والكلام صفة ذاتية للرب جل وعلا يثبتها أهل السنة والجماعة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل، ولما كانت صفة دل عليها العقل، أثبتها مثبتة الصفات، وإذا رأيتم في كلام العلماء: (مثبتة الصفات)؛ فالمراد بهم: من يثبتون بعض الصفات وينكرون بعضها كالأشاعرة والكلابية والماتريدية وأشباههم، فهؤلاء يثبتون شيئًا من الصفات وينكرون شيئًا.
فمثبتة الصفات يثبتون لله ﷿ صفة الكلام؛ لأنها صفة كمال لله دل عليها العقل، والكلام صفة ذاتية؛ فلم يزل ولا يزال الله جل وعلا يتكلم أزلًا وأبدًا كيف شاء جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩]، فهو ﷾ متكلم، ومن عطل الله جل وعلا عن هذه الصفة وقال: إنه لا يتكلم.
فقد افترى إثمًا عظيمًا على الرب جل وعلا، وأثبت له نقصًا كبيرًا، فإن من دلائل ألوهية الله ﷿ واستحقاقه العبادة: أنه ﷾ متكلم.
ولذلك لما احتج إبراهيم ﵇ على قومه في تأليههم من عبد غير الله احتج عليهم بأنهم لا يتكلمون، وذلك في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] كذلك موسى ﵇ احتج على إبطال عبادة العجل من قبل قومه بأنه لا يرجع قولًا، فكل من وصف الله ﷿ بأنه لا يتكلم فقد عطل الله جل وعلا عن صفة من الصفات الموجبة لإفراده بالعبادة ﷾.
[ ٦ / ٧ ]
أثر تعطيل الله عن الكلام على الإيمان
اعلم أن مسألة تعطيل الله جل وعلا عن صفة الكلام لها اتصال بالإيمان بالله، واتصال بالإيمان بالكتب، واتصال بالإيمان بالرسل، ولذلك كان الإخلال بهذه الصفة إخلال في جميع أنواع هذا التوحيد وهذه الأصول؛ الإيمان بالله، وبالكتب، وبالرسل، فإن الكتب كلام الله، والرسل أخبروا عن قول الله، والله جل وعلا متصف بالكلام، فمن قال: إنه لا يتكلم.
فقد كذب الرسل فيما أخبروا به عن رب العالمين ولم يحقق الإيمان بالكتب؛ لأن الكتب كلام الله، وهو يعتقد أن الله جل وعلا لا كلام له.
ثم هو قدح في الإيمان بالله، ونقص في الإيمان به، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: (ومن الإيمان بالله وكتبه ورسله؛ الإيمان بأن القرآن كلام الله؛ منه بدا وإليه يعود)؛ لأن القرآن كلام الله، ومن تمام الإيمان بالكتب وبالرسول الإيمان بأنه يتكلم، ولذلك كان التعطيل لهذه الصفة تعطيل لأنواع من التوحيد، وإخلال بعدة أصول من أصول الإيمان بالله، وبالكتب، وبالرسل.
قال المؤلف ﵀: [وإن القرآن كلام الله]، فلم يناقش المؤلف ﵀ قولهم في صفة الكلام إنما ناقش قولهم في القرآن؛ فقرر ما يعتقده أهل السنة والجماعة في القرآن؛ لأن القرآن أشرف كلام الله ﷿؛ فالقرآن أعظم ما تكلم به الله ﷾؛ فجعل الكلام منصبًا ومتوجهًا إلى هذا الأصل العظيم؛ فإذا ثبت فغيره تابع له.
[ ٦ / ٨ ]
أقسام كلام الله تعالى
كلام الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: - كلام خلقي قدري كوني.
- وكلام شرعي ديني أمري.
والكلام الخلقي القدري الكوني: هو الذي يصدر عنه كل شيء في هذا الكون، ولا حَدَّ له ولا حصر، وهذا الكلام هو الذي قال فيه النبي ﷺ في تعوذه: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر)، فإن كلمات الله التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر هي الكلمات الكونية؛ لأنه لا خروج لأحد عن قدر الله، وكل ما يقع في الكون من خير أو شر فهو بكلمات الله الكونية التي لا يتجاوزها ولا يخرج عنها بر ولا فاجر.
أما الكلام الشرعي الديني الأمري: فهو كلام الله ﷿ الذي كلم به رسله، وأنزل به كتبه كالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور وغير ذلك من الكتب، وأشرفها القرآن ثم يليه التوراة، ولذلك تجد أن القرآن العظيم يذكر التوراة والقرآن كثيرًا، فأشرف الكتب التي أنزلها الله وأشرف كلام الرب جل وعلا هو ما كان في القرآن العظيم وما كان في التوراة، وأشرف ذلك كله ما كان في القرآن: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، والآية تشير إلى ما أنزله الله عز جل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الكلام مما يتعبد به الله ﷾.
أما الكلام القدري الكوني فإنه لازم لكل أحد، ولا يتعبد لله جل وعلا به، يعني بالتزامه وفعله؛ لأنه لا خروج لأحد عليه.
وكلام الله الكوني يقال له أيضًا: الخلقي؛ لأنه الذي يحصل منه الخلق، ويوصف بهذا باعتبار أن الخلق صادر عنه، لا أنه مخلوق، فيسمى بالكلام الكوني القدري الخلقي، فهو مثل القضاء، والحكم، والإرادة الكونية فهي توصف بالخلقية لا لأنها مخلوقة ولكن لأنها تصدر عنها المخلوقات.
هذه مقدمة موجزة فيما يتعلق بصفة الكلام لله ﷿، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية البحث فيما يتعلق بالقرآن في الدرس القادم.
[ ٦ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٦ / ١٠ ]
سبب كثرة ذكر بني إسرائيل في القرآن
السؤال
أمة بني إسرائيل كثيرًا ما ذكرت في القرآن، لماذا؟
الجواب
لأنها أعظم الأمم بعد أمة النبي ﷺ، فإن النبي صلى لله عليه وسلم كما في حديث المعراج ذكر بأن الأمم عرضت عليه بأنبيائها؛ فلما رأى بني إسرائيل ظن أنهم أمته لكثرتهم.
[ ٦ / ١١ ]
ما جاء به النبي من وحي فيه نور وضياء
السؤال
هل ما جاء به النبي ﷺ من الوحي نور بلا حرارة في الترغيب، والضياء بالحرارة في الترهيب والوعيد؟
الجواب
يمكن أن يقال هذا، ويمكن أن يقال: إن الضياء باعتبار ما في العبادات من مشقة كالصيام في أيام الحر فإنه ضياء لما فيه من مشقة وهي حرارة، وقد جاء الحديث بذلك؛ فوصف الصوم بأنه ضياء والصبر أيضًا؛ لأن فيه حرارة ومشقة.
[ ٦ / ١٢ ]
مسئولية الأمة في تبليغ دين الله
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]؛ فإذا كان الرسول ﷺ مرسل إلى جميع الناس فمن يبلغ هؤلاء الناس بدينه الذي بعثه الله به؟ وهل الأمة مسئولة عن إبلاغ دينه كل في ثغرٍ يدعو بما يعلم؟
الجواب
بعثة النبي ﷺ لا إشكال أنها لجميع الناس، والواجب على جميع الأمة أن تبلغ دين الله ﷿ كل حسب طاقته وحسب استطاعته، كما قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] .
والصحيح أن كل من لم تبلغه الحجة ولم تبلغه رسالة النبي ﷺ، ومن كانت هذه حاله فإن الله يمتحنه يوم القيامة، مثلهم مثل المجانين والصغار الذين ماتوا من أطفال أهل الشرك، فهؤلاء يمتحنهم الله ﷿؛ فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن امتنعوا دخلوا النار، واعلم أن الله حكم عدل لا يدخل النار إلا من استحقها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] .
[ ٦ / ١٣ ]
صفة الكلام صفة ذاتية فعلية
السؤال
هل صفة الكلام ذاتية فعلية؟
الجواب
نعم هي صفة ذاتية فعلية، لكن الأصل فيها أنها صفة ذاتية، وهي فعلية باعتبار الأفراد وسيأتي إن شاء الله مزيد تقرير لهذا.
[ ٦ / ١٤ ]
نفي التقارب المدعى بين اليهود والنصارى والمسلمين
السؤال
ما صحة دعوى التقريب بين الأديان الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام؟
الجواب
هؤلاء غلطوا غلطًا عظيمًا، كيف يتقارب من يقول: إن معنى: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ومن يقول: عزير ابن الله والمسيح ابن الله؟ كيف ويتقارب من يقول: بأن محمدًا ﷺ مبعوث إلى عامة الجنِّ وكافة الورى، ومن يقول: إنه ما بعث فقط إلا للأميين العرب ولم يبعث لغيرهم؟ لا يمكن التقارب بين هؤلاء، تقريبهم إلينا بأن ندعوهم إلى الإسلام، وهذا لا بأس به وهو مأمور به، أما أن نتقرب نحن أو نقرب منهم.
فهذا لا إشكال فيه أنه من أعظم الفتن.
ثم الأمر واضح في خطاب بني إسرائيل وأهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران:٦٤]، يعني: مستوية ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، فنحن لا نجادلهم ولا نحاورهم ولا نناقشهم إلا على هذا الأصل الأول.
أما الدخول معهم في مناقشات أخرى قبل تقرير هذا الأصل ويدعى أن هذا هو التقارب؛ فهذا غلط.
والله تعالى أعلم.
[ ٦ / ١٥ ]