[ثم قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ)]
_________________
(١) يعني أنَّ القَدَرْ -وهو تقدير الأشياء- هذا سِرْ إذْ هو تصرُّف الرب ﷻ في ملكوته، وتصرف الرب ﷻ في ملكوته مما يختص به الله ﷻ فلم يُطْلِع عليه أحدًا ولم يطَّلِع أحد على ذلك، حتى أكرمُ عباده من الملائكة لا يدرون ما مصيرهم، لا يدرون ماذا يقضي الله في السماء، لا يدرون ما مصير أهل الأرض إلى غير ذلك، وكذلك أنبياء الله لا يدرون ولا يدرون عن الغيب ولا متى يموتون، إلى آخر ذلك. المقصود أنّ القَدَرْ -وهو كما سيأتي تعريفه تقدير الله للأشياء- أنَّ هذا مما اختص الله - ﷿ - به، فلا أحد يعلم ما القَدَرْ، وما الذي قُدِّرْ، وما الذي كُتِبْ، وما الذي جعله الله - ﷿ - مكتوبًا في اللوح المحفوظ أو مكتوبًا في صحف الملائكة، هذا عِلْمُهُ عند الله - ﷿ -، وهو من مفاتح الغيب العظيمة التي قال الله فيها ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] . والقَدَرْ معنى كونه سرًا أنّه لا يمكن أن يُطَّلَعَ عليه إذ هو سرٌّ عند الله - ﷿ -، والله سبحانه لم يُطْلِع على ذلك أحدًا فمعنى ذلك أنّه لن يَطَّلِعَ أحد على ذلك ولو خاض فيه. ومبنى القدر على صفات الله - ﷿ -: - مبنى القدر على العلم. - مبنى القدر على عموم المشيئة. - مبنى القدر على عموم الخلق. - مبنى القدر على حكمة الله - ﷿ -. [] وعموم مشيئته، وإلى أي شيء تَتَوَجَهْ لا يعلمها العبد، وعموم خلقه - ﷿ - من أشياء إذا توجّه الشيء لا يعلمه العبد إلا بعد أن يقع، وحكمة الله لا يعلمها العبد. إذًا فصارت أنحاء القدر الأربعة لا يعلمها العبد، فكيف إذًا يمكن له أن يخوض في القَدَرْ؟ فصار الأمر إذًا إلى الاستسلام. وهذا هو الذي أراده الطحاوي فيما قال، قال (وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ) يعني في القدر المبني على الأربعة أشياء التي ذكرتُ لك (التَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ) . إذا تبين هذا فيمكن أن نُجْمِلْ أو نُقَسِّم الكلام على القدر في مسائل كثيرة، نذكر منها ما يناسب الوقت بعض الأشياء. قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ) نقول إنه تحتها مسائل، هي مسائل بحث القدر جميعًا يمكن أن نجعلها في هذا الموضع.
[ ٢٢٩ ]
[المسألة الأولى]:
القَدَرْ يمكن أن يُعرَّف بأنه: تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، وعلمه الأوّل بكل شيء، وكتابته لذلك -يعني للمقادير- في اللوح المحفوظ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعموم خلق الله للأشياء كلها.
هذا لا ينطبق عليه حد التعاريف عند أهل التعاريف؛ لكن هذا يعُمْ ويَضُمْ كل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة.
[ ٢٣٠ ]
[المسألة الثانية]:
الإيمان بالقدر إيمانٌ بما دَلَّ القرآن والسنة عليه مما يتصل بالقدر، وذلك إيمانٌ بأربع مراتب:
- المرتبة الأولى: العلم.
- المرتبة الثانية: الكتابة.
- المرتبة الثالثة: عموم المشيئة.
- المرتبة الرابعة: خلق الله - ﷿ - للأشياء كلها.
@ أما المرتبة الأولى العلم: فأدلتها كثيرة ذكرنا لكم بعضًا منها.
@ المرتبة الثانية الكتابة: الكتابة ثَمَّ أدلة كثيرة عليها منها قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، وفي قوله تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣]، ودلّ عليه قول النبي ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) .
ومعنى الكتابة أنّ الله سبحانه كَتَبَ كلَّ شيء في اللوح المحفوظ، سواء ما يتعلق بالمكلفين أو ما يتعلق بغير المكلَّفين وذلك لعموم قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] يعني ما في السماء والأرض.
والكتابة هذه المقصود بها الكتابة في اللوح المحفوظ؛ كتابة مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ.
ومن هذه الكتابة ثَمَّ أنواع من الكتابة تفصيلية لها: منها الكتابة العُمْرية، والكتابة السنوية، والكتابة اليومية، وأشباه ذلك مما دلت عليه الأدلة في القرآن والسنة.
@ المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة: ويُعْنَى بها أنَّ ما شاء الله - ﷿ - كان، لا تُرَدُّ مشيئة الله - ﷿ -، وأنَّ الذي لا يشاؤه الله سبحانه ولو شاءه العبد ورَغِبَ فيه فإنه لا يقع، ودليلها قوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] .
والمشيئة مرتبطة بالكون؛ يعني أنَّ المشيئة كونية، فإذا شاء الله أن يقع هذا الشيء في هذا الوقت على هذه الصفة فإنّه يقع على ما شاءه الله - ﷿ - وأراده كونًا.
والمشيئة تساوي الإرادة الكونية.
ولهذا يُبْحَثْ هنا في مرتبة المشيئة الفرق ما بين المشيئة والإرادة.
وأهل السنة على أنّ مشيئة الله - ﷿ - هي إرادته الكونية، وأنّ الإرادة منقسمة إلى: إرادة شرعية دينية وإلى إرادة كونية، وأنَّ الله سبحانه قد يشاء الشيء كونًا؛ يعني يريده كونًا فيقع ولا يريده دينًا وشريعة.
فيجتمع إذًا في بعض الحالات إرادة وعدم إرادة، فيكون الفعل المعيّن مُرَادْ وغير مُرَادْ.
شاءه الله فوقع وأراده فوقع؛ ولكن لم يُرِدْهُ سبحانه دينًا وشريعة، وهذا فيما يَكرهه الله ولا يرضاه دينًا مثل كفر الكافر، معصية العاصي، ضلال الضال إلى آخره.
فإنّ الله سبحانه شاء الكفر من الكافر؛ لأنّه ما دام وَقَعَ فإنه قد شاءه وأراده كونًا؛ لأنه لا يحصل في ملكوته إلا ما أراده - ﷿ - كونًا؛ ولكن لم يرضه لم يُرِدْهُ دينًا؛ لأنَّ الله نهى في كتابه وعلى ألسنة رسله عن الكفر والفساد وبيَّن أنه لا يرضى ذلك ولا يحبه، كما قال ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] .
وهذه هي المسألة المعروفة لدى كثير منكم بالفرق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي لها مزيد بيان عند ذكر الرد على المخالفين في القدر إن شاء الله تعالى.
@ المرتبة الرّابعة مرتبة عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء: وأنَّ الله سبحانه خالق كل شيء، وأنَّ طاعة المطيع خَلَقَهَا الله ومعصية العاصي خَلَقَهَا الله وأنَّ صلاة المصلي خَلَقَهَا الله كما خلق ذاته؛ يعني ذات المصلي فإنه يخلق أعمالهم.
وهذه يُسْتَدَلُّ لها بقول الله سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وبنحو قوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، ونحو ذلك من الآيات.
وفي خصوص عموم خلق الله للعمل يُستدل بقوله ﷾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وفي هذه الآية دليل على أنَّ عمل العامل خَلَقَهُ الله.
وذلك أنَّ كلمة ﴿مَا﴾ في الآية ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيها وجهان:
١- الوجه الأول: أنها مصدرية بمعنى أنّها تُقَدَّرْ مع ما بَعْدَهَا بمصدر؛ يعني يكون سبك الآية (والله خلقكم وعملكم)، وهذا الوجه هو؟الأصح فيها.
٢- الوجه الثاني: أنَّ ﴿مَا﴾ هنا موصولة بمعنى الذي فيكون المعنى (والله خلقكم والذي تعملونه) .
* وهي على كلٍ من الوجهين دالة على المراد في عموم خلق الله - ﷿ - للعبد.
ووضوح الدليل الأول يعني في كونها مصدرية، وقد يكون ثَمَّ بعض الاعتراض على الاستدلال بالوجه الثاني.
_________________
(١) سبق ذكره (٦١)
[ ٢٣١ ]