قال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)
_________________
(١) يعني أنّه سبحانه يميت من شاء أنْ يُمِيتَهُ، ويُفْقِدَ من شاء أن يُفقده الحياة، لا لخوف من هذا الذي أفقده الحياة أن يعتدي على مقام الربّ - ﷿ -؛ ولكن لحكمته سبحانه. فهو الذي أحيا وأمات، وهو الذي أفقر وأغنى سبحانه لحكمته البالغة العظيمة. فهو فيما يُحيي لم يُحيِ لحاجة، وفيما أمات سبحانه ما أمات لمخافة؛ بل هو سبحانه الذي يحيي ويميت لحكمة بالغة. فقال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) والمخلوق البشر أو غير البشر يعتدي بالإماتة على من يخاف من شره. وهذا دليل النَّقص في المخلوق؛ لأنه لمَّا لم يكن دافعًا عن نفسه إلا بهذا الفعل صارت في المخلوق هذا من صفات النقص في أنه يميت لمخافته. وهذا لا يدخل فيه معنى مشروعية الجهاد لأنَّ هذا لمعنىً آخر لا يتعلق بالمخلوق، بل يتعلق بحق الله - ﷿ - وإقامة دينه وإعلاء كلمته. فهذا معنى قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) . وأنه سبحانه (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) باعث الخلق بعد موتهم سواءٌ في ذلك بَعْثُ المكلَّفين أو بَعْثُ غير المكلَّفين بلا مشقة تلحقه سبحانه، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وهذا لكمال صفات الرب - ﷿ -. إذا تبين لك ذلك، فإنَّ في هذه الجملة من كلامه مسائل أعني قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) فيها مسائل:
[ ٥٥ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ (مُمِيتٌ) اسم فاعل من (أمات) المتعدي.
والاسم للرب - ﷿ - المميت، هو سبحانه المحيي المميت.
والمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي.
المميت اسم كمال مع قرينه المحيي، فهو سبحانه الموصوف بكونه أحيا وأمات - ﷿ -.
[ ٥٦ ]
[المسألة الثانية]:
معنى (مُمِيتٌ) أي خَلَقَ الموت، فيمن شاء سبحانه، يعني جعل من شاء مِنْ خَلْقِهِ ميِّتًا بعد أن كان حيا.
والموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود.
وهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فجعل الموت مخلوقا وتَسَلَّطَ عليه الخلق، وهذا يدل على أنه موجود، (خَلَقَ الْمَوْتَ) وخَلْقُهُ يدل على أنه صفة وُجودية.
وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار (١)، فهذا يدل على أنَّ الموت موجود وله صفة الوجود.
وهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنَّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة.
فالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت.
هذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.
وقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا.
وهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إنَّ بعضها المنتسبين لمنهج السلف ظنَّ أنَّ هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات فيها هذا التعريف.
وهذا هو تعريف أهل الكلام والفلاسفة يقولون: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا.
ويجيبون عن الآية في قوله ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.
وهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض.
وهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أنَّ الموت حياة أخرى.
ولهذا نقول لمن مات إنه في الحياة البرزخية وليس في عدمٍ.
فحياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده.
وحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة.
لذلك تنتثر أجزاؤه في التراب ويذهب.
وأما الروح وهي داخلة في جملة تسمية الإنسان إنسانا، أما الروح فهي مخلوقة للبقاء لا للعدم.
لهذا إذا قيل ماتَ يعني صار جسمه للعدم أو صار جسمه للفناء، وأما روحه فهي للبقاء، لكن لها حياة تخصُّها.
والجسد عند أهل السنة في القبر له تَعَلُّقْ بالروح؛ فإنَّ الحياة البرزخية للروح عند أهل السنة، والجسد تبع لها؛ تبع للروح، ليست الحياة للروح فقط؛ بل هي للروح والجسد تابع.
عكس الحياة الدنيا؛ فإن الحياة فيك الآن للجسد والروح تبع، فيألم الجسد فتألم الروح، وهكذا يسعد الجسد فتسعد الروح إلى غير ذلك من التفصيل.
وأما بعد الحياة البرزخية يعني بعد الموت، فإنَّ الموت حالة، صفة وُجِدَتْ أدَّت إلى انفصال الروح عن البدن، فصارت الروح بالموت لها حياة تخصُّها، وصار البدن بالموت له صفة تخصه، وبين هذا وهذا تَعَلُّقْ.
يدلُّكَ هذا على صحة ما اختاره أئمة أهل السنة بما دلتهم عليه الأحاديث وظاهر القرآن من أنَّ الموت صفة توجد وليس عدمًا محضًا، بل هو موجود له خصائصه.
والموت في الآية مخلوق ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ .
وقولهم إنَّ الموت والحياة هنا تَسَلَّط عليها الفعل (خلق) فيكون بمعنى التقدير، نقول هذا غير مستقيم لأنه علَّلَ ذلك بعده بقوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وحُسْنُ العمل إنما يكون بعد الوجود، ولهذا قدَّمَ الموت على الحياة؛ لأنّ الموت يكون بعده الجزاء على حُسن العمل، ولِما جاء في السنة من الأدلة.
_________________
(١) لما رواه الشيخان: البخاري (٤٧٣٠) / مسلم (٧٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي؟ قال (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِى يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ) .
[ ٥٧ ]
[المسألة الثالثة]:
أنّ الموت متعلِّق - يعني إماتة الرب - ﷿ - - متعلقة بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فكل شيء كُتب عليه الموت، فلا بد أن يموت، (كُلُّ شَيْءٍ) يعني مما حَلَّتْهُ الحياة بالروح فلا بد أن يفنى.
وهناك ما اسْتُثْنِيَ مما يموت وذلك في قوله - ﷿ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] .
والاستثناء هنا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال ترجعون إليها في التفسير:
منها أن يكون المستثنى أرواح الشهداء؛ لأنَّ الشهداء أحياء بنص الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩-١٧٠] الآيات في آل عمران.
وهذا هو أظهر الأقوال؛ أنَّ المُسْتَثْنَى أرواح الشهداء، فيكون عموم قوله - ﷿ - ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ على ظاهره في أنه سَيَهْلِكُ كل شيء إلا الرب - ﷿ -.
وهذا قد جاء في تفسير قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٤-١٦]؛ لأنّ الرب - ﷿ - إذا أمات الملائكة المقربين نادى (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ثم أجاب نفسه العَلِيَّةْ بقوله ﷻ (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ثم قال ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] .
وهذا يدلّ على أنَّ المخلوقات جميعًا ضعيفة محتاجة إلى ربها.
فكل من استحضر صفة الموت الذي سيحل به وسيحل أيضا بغيره من المخلوقات، فإنه يظهر له عِظَمْ الرب - ﷿ - الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنه ﷾ هو المحيي المميت، وأنه هو - ﷿ - هو الواحد الأحد الغني الكامل في صفاته ونعوت جلاله وعظمته.
وأمّا قول الطحاوي (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) فهذا فيه صفة البعث لله - ﷿ - وفي موضعه سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر مسائل البعث والنشور بتفصيلاتها.
[ ٥٨ ]