س١/ما الفرق بين قيام الحجة وبين فهم الحجة؟ وهل من لم يفهم الحجة يُعاقَبْ على ما لم يَفْهَمْهُ، أفدني؟
ج/ ذكرنا الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة في أَجْوِبَةْ أسئلة، وكذلك فَصَّلْنَاهُ في كشف الشبهات، فأنا أريد الأخ السائل أنه يرجع إلى شرح كشف الشبهات ليستفيد أولًا ثُمَّ ينظر إلى هذا الموضوع. (١)
وخلاصة الكلام أنَّ فهم الحجة ليس بشرط، وأما قيام الحجة فهو شرطٌ في التكفير ووقوع العذاب.
وفهم الحجة -يعني الذي ليس بشرط- يراد منه أن يفهم أنَّ هذه الحجة أرجح مما عنده من الحُجَجْ.
المهم أن يَفْهَمَ الحُجَّةْ ودِلالة الحجة من كلام الله؟ وكلام رسوله ﷺ وأن تُزَالَ أو يُبيَّنْ له بطلان الشبهة التي عنده.
وليس من شرط قيام الحجة أن يفهم الحجة كفهم أبي بكر وعمر والصحابة الذين نَوَّرَ الله قلوبهم، ولا من نَوَّرَ الله قلبه ممن تبعهم بإحسان؛ لأنه لو قيل بِفَهْمِ الحُجَّةْ هنا، صار لا يكفر إلا من عاند.
يعلم أنَّ هَذِهِ الحُجَّةْ ويَفْهَمْ الحُجَّةْ ويفهم أنها صحيحة ويفهم أنها راجحة ومع ذلك لا يستجيب فهذا يعني أنه معاند، والله؟ بَيَّنَ في القرآن أنَّ منهم من لم يفقه أصلًا قوله كقوله؟ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ يعني أن يفهموه فهم الحجة كما فهمها من أراد الله؟ هدايته.
وهناك قسم آخر من فهم الحجة، الذي هو فهم اللسان.
فهم اللسان هذا لا بد منه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، فلا بُدَّ أن يَفْهَمَ وجه الحجة باللّسان الذي يتكلم به.
لكن ليس بلازم أن يفهم أَنَّ حجته هذه أرجح من الحُجَّةْ التي عنده، أو أنها أقوى من الشبهة التي عنده ونحو ذلك، المهم أن تُوَضَّحْ بشروطها الكاملة.
وهذه يقوم بها العلماء فتختلف مسألة قيام الحجة وفهم الحجة بحسب نوع الشبهة التي تَعرِضْ، فمثلًا مسائل الإستغاثة بالله؟ وحده وأن الإستغاثة بغيره شرك أكبر ليست في قيام الحجة وفي مسألة فهمها مثل مسألة طلب الشفاعة من النبي ﷺ، فهذه مسألة ربما حَصَلْ فيها نوع اشتباه عند من لم يعلم، وتلك واضحة بيّنة.
فإذًا مسألة قيام الحجة تختلف بإختلاف نوع قيام الحجة وكيف تُقَام الحجة وبِمَ تقام وتختلف بما يُبَيِّنُ المسألة إلى آخره.
س٢/ هل يجوز أن يُدعى بقول القائل: يا مجيب دعوة نوح أجب دعائي.
ج/ هو سَأَلَ الله؟ وتعرّض لذلك، فلا بأس.
س٣/ وهل يجوز نحو ذلك بقول القائل: يا مجيب دعوة إبليس أجب دعائي؟
ج/ هذا خلاف الأدب، فكونه ما يدعو إلا بهذا، هذا يدل على سوء أو على جهل؛ لأنه عليه أن يتعرض بما يناسب أنه يجيبه في الدعاء، ودعوة إبليس أُجِيْبَتْ امتحان وبلاء له لِيَعْظُمَ إثمه وإضلاله للخلق فيكون أعظم في عذابه هذا من الاعتداء في الدعاء ومن عدم الأدب مع الله؟.
س٤/ هل القول أنَّ العمل شرط في صحة الإيمان صحيح، وإذا كان غير صحيح نرجو ذكر السبب، وكذلك القول إن العمل شرط في كمال الإيمان؟
ج/ ينبغي إيضاح مسألة وأنا أوضحتها لكم عدة مرّات وفي شرح الطحاوية أيضًا فَصَّلْنَا الكلام فيها، في الواسطية.
كلمة (شرط) لا يُدْخِلُهَا أهل السنة في الكلام على مُسَمَّى الإيمان.
الإيمان له حقيقة، وحقيقته التي يقوم عليها هي أركانه وليست شروطه.
الشرط يسبق المشروط، أما الأركان فهي ما تقوم عليه حقيقة الشيء.
فإذا لم قامت الأركان فما قامت حقيقة الإيمان.
فالإيمان قول وعمل: قول اللسان، تصديق الجنان، عمل الأركان. هذه أَرْكَانٌ للإيمان (القول والعمل والإعتقاد) وليست شروطًا؛ لأنَّ الشروط خارجة عن المسمى، والسلف أجمعوا على أنَّ مُسَمَّى الإيمان: الإعتقاد والقول والعمل. وبه تميَّزُوا عن باقي الفرق الأخرى.
لهذا إدخال كلمة شرط تدل على عدم فهم حقيقة مَعْنَى الركن وحقيقة معنى الشرط.
قبل أن يُبْحَثْ هل هو شرط كمال أو شرط صحة، هذا ليس بحثًا صحيحًا لأنه:
- عندنا أنَّ العمل ركن في الإيمان.
- عند الخوارج العمل شرطٌ في صحة الإيمان.
- وعند المعتزلة أنه شرط في الصحة.
عندنا ليست كذلك؛ بل العمل ركن من الأركان.
إذا نظرت إلى أنواع الحكم التكليفي والحكم الوضعي وماهِيَّةْ المُسَمَّيَات التي تدل على الأسماء بَانَ لك أنَّ الركن هو ما يقوم عليه الشيء؛ يعني لا يمكن أن يُتَصَوَّرْالشيء إلا به.
والشرط هو مُصَحِّحٌ للأركان، كيف؟
خذ مثلًا البيع، ما أركان البيع، هل تحفظها؟
هل تحفظ أركانه كذا وكذا حِفْظًَا؟
لا، هي مُتَصَوَّرَة، لأنَّ الركن هو ما تقوم عليه حقيقة الشيء، بدونه لا يمكن أن يقوم هذا الشيء، يعني يقوم مسماه.
في البيع مثلا إذا قيل لك ما أركان البيع، ماذا تقول، أركان البيع ما هي؟
لا بد من بائع، -وإلا فمن الذي يبيع؟ -
ولا بد من مشتري -صحيح؟ -.
ولا بد من مُثْمَنْ -شيء يقع عليه البيع-
_________________
(١) انظر (٣٦٠)
[ ٦٠٣ ]
ولا بد من صيغة تبادل -بعتك، اشتريت- إلخ.
لكن الأخ قال: الثمن، هل الثمن من الأركان؟
يمكن أن يقع البيع -يعني صورة البيع تقع- بلا ثمنٍ موجود، يكون الثمن غير موجود أو يكون إلخ
فالثمن من مقتضيات البيع لكن ليس ركنًا، المهم المُثْمَنْ الذي يقع عليه البيع، السلعة التي تبايعوها.
إذا أتينا للشرط، شروط البيع، شروط البيع إيش؟
هي مُصَحِّحَاتْ هذه الأركان.
يعني مثلًا تقول البائع، إذا قلنا الشرط، الشرط ما معناه عند أهل العلم؟
شَرْطٌ يُصَحِّحُ أن يكون هذا الرّكن شرعيًا.
فالبائع ماشَرْطُهُ ليكون تصَرُّفُهُ شرعيًا؟
أن يكون من أهل التصرّف إلخ
طيب، المُثمَن -السلعة- ما شرط هذا الركن ليكون هذا مالًا يقع عليه المعاملة؟
يقول لك اشترطوا أن يكون معلومًا، أن يكون له مالية، ما يكون محرّم إلخ أن يكون مباح النفع إلخ
إذًا فالشروط خارجة عن حقيقة الشيء وإنما هي لتصحيح الشيء.
خذ مثالًا آخر الصلاة:
حقيقة الصلاة تقع بالأركان، أركان الصلاة هل هي خارجة عنها أو فيها؟
هل فيه ركن للصلاة خاج عنها؟
كلّ الأركان في داخلها إبتداءً من تكبيرة الإحرام وإنتهاءً بالتسليمة، كلها في داخل مسمى الصلاة.
لكن الشروط؟
يقول إستقبال القبلة، نأتي للطهارة قبْل، نجي للبقعة، يعني فيه أشياء قبل، وهناك النية تكون مُسْتَصْحَبَة إلى آخره.
فإذًا في مسألة الإيمان -وأنا أوضحت لكم هذا في ما سبق لكن تأكيدًا عليه-، الذي يتكلم في الإيمان وإذا تكلم عن العمل أتى بكلمة شرط فإنه لم يفهم مذهب السلف لأنَّ الشرط، لا يمكن أن تقول الإيمان قول وعمل وتقول العمل شرط.
كيف يكون الإيمان قول وعمل، ويكون العمل شرط؟
الشرط خارج عن الحقيقة.
فإذًا كانت حقيقة الإيمان قول وعمل، باتفاق السلف، بالإجماع، بإجماع السلف، حتى إن البخاري ﵀ ذكروا عنه أنه لم يرْوِ في كتابه لمن لم يقل الإيمان قول وعمل.
إذا كان الإيمان قول وعمل معناه هذه حقيقة الإيمان، فكيف يُجعل العمل شرط؟
فإذًا جعلنا العمل شرطًا معناه أخرجناه من كونه ركنًا وجعلناه شرطًا للقول أو شرطًا للإعتقاد.
فإما أن نَدْخُلْ في مذهب المرجئة أو ندخل في مذهب الخوارج والمعتزلة.
وهذه مسائل مهمة تُبَيِّنُ لك ضرورة الاتصال بعلم أصول الفقه وتعريفات الأشياء حتى يُفْهَمْ معنى اللفظ ودلالته، وهذا كتفصيل للإجمال الذي به غَلَّظْنَا المُحَشِّي للطحاوية على حاشيته. (١)
س٥/ ما الفرق بين المشيئة والإرادة وهل تعلقهما واحد أم ثَمَّ تفريق بين الكوني والشرعي؟
ج/ هذا سؤال جيد ويدل على إدراك العلم إن شاء الله تعالى.
مشيئة الله؟ غير الإرادة من جهة أنَّ الإرادة تنقسم إلى قسمين والمشيئة نوع واحد.
فمشيئة الله؟ في النصوص واحدة، وتُفَسَّر بما يشاؤه كونًَا، يعني بما يريده كونًا، بما يأذن به؟ أن يحدث في ملكوته كونًا.
أما الإرادة فلها قسمان في ألفاظٍ أُخَرْ جاءت في الشريعة مثل الإذن، والكتابة، والقضاء، والأمر إلخ..
فالإرادة منها إرادة كونية، ومنها إرادة شرعية:
الإرادة الكونية -وهي المشيئة-، لا تَعَلُّقَ لها بمحبة الله؟ وبرضاه، يعني يريد كونًا ويشاء كونًا مما شاءه أشياء يحبها؟ ويرضاها، ومما شاءه أيضًا وأراده كونًا أشياء يكرهها الله؟، لكن أَذِنَ بها في ملكه لحكمة.
أما الإرادة الشرعية فهو؟ لا يريد شرعًا، لا يأذن شرعًا إلا بما يُحبُّهُ ويرضاه، فالله ﷾ لا يرضى لعباده الكفر ولذلك لا يريد الكفر شرعًا وإن أراده وشاءه كونًا، وهكذا.
يقول: هل تعلقهما واحد أم ثَمَّ تفريق بين الكوني والشرعي؟
التَّعَلُّقْ مختف لأنَّ الإرادة الكونية تعلقها بما يكون، يعني تعلقها بالحُكْمِ، بالخلق.
والإرادة [الشرعية] (٢) تعلقها بالأمر وبما شَرَعْ.
والله ﷾ فَرَّقَ ما بين الخلق والأمر فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] .
فالخَلْقُ: هذا تعلق المشيئة والإرادة الكونية به.
والأمر تعلق الإرادة الشرعية به.
ولهذا يختلف هذا عن ذاك.
س٧/ هذا سؤال يقول ما الفرق بين الدعاء والمسألة؟
ج/ الدعاء قسمان: دعاء عبادة ودعاء مسألة.
مَعْنَى دُعَاءْ العِبَادَةْ أنَّهُ يَتَعَبَّدُ الله؟ لِيَرْجُوَ ثَوَابَهْ، سُمِّيَتْ العِبَادَةْ دُعَاءً لأنَّ كُلَّ مُتَعَبِّدٍ يَطْلُبُ بعبادته الثواب، فهو طَالِبٌ ضِمْنًَا، من صَلَّى فَهُوَ في عبادة، كُلُّ مَصِلٍ سَائِلْ لأنَّهُ يَسْأَل الثِّوَاب ورِضَا الله؟ عنه إلخ، وإن لم يَقُلْ اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِّيْ، اللَّهُمَّ أَثِبْنِي إلخ.
أمَّا دُعَاءْ المَسْأَلَةْ، وهُوَ السُّؤَالْ: فَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ يَدِيهِ ويَقُولْ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَذَا، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ كَذَا، هذا يُسَمَّى دُعَاءْ المَسْأَلَةْ.
_________________
(١) يقصد شعيب الأرناؤوط.
(٢) قال الشيخ حفظه الله: الكونية.
[ ٦٠٤ ]
والدُّعَاءْ في القرآن، في ما ورد في النصوص في القرآن والسنة تارةً يأتي بمعنى دعاء العبادة وتارةً يَأْتِيْ بِمَعْنَى دُعَاءْ المَسْأَلَةْ وتَارَةً يكون بما يحتمل هذا وذاك.
فمما يحتمل هذا وهذا أو يشمل الأمرين معًا كقوله في الآية التي ذكرتها لكم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] .
ودعاء المسألة كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] دعوا هنا يعني إيش؟ ليس معناها عبدوا، بل معناها سألوا الله مخلصين في سؤالهم والسؤال من الدين.
وما خُصَّ به العبادة كقوله؟: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ﴾ [مريم:٤٨-٤٩]، فقوله هنا في الأولى ﴿تَدْعُونَ﴾ وفي الثانية ﴿يَعْبُدُونَ﴾ دلَّ على أنَّ معنى الدعاء هنا هو العبادة.
فإذًا في النصوص الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء العبادة ودعاء المسألة.
ومعنى دعاء العبادة، يعني العبادات بأنواعها، ودعاء المسألة يعني السؤال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، هذا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهكذا.
وفقكم الله.
[ ٦٠٥ ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وعلى من اهتدى بهداه.