وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ
_________________
(١) بعد أنْ ذَكَرَ الطحاوي ﵀ محبة صحابة رسول الله ﷺ، وأنَّنَا نتولاهم جميعًا، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم أتى إلى مسألةٍ عظيمة فارَقَ فيها جَمْعُ أهل السنة من عَدَاهم من الخوارج والرافضة وأشباههم في مسألة: الخلافة، ومن الأحق بالخلافة، ومن الأفضل، وترتيب هؤلاء على ما جاء في النصوص وعلى ما قَرَّرَهُ الصحابة والأئمة من بعدهم. فقال (وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) ويعني بذلك أنَّ الخلافة يُثبِتُهَا أهل السنة لأبي بكر دون غيره استحقاقًا للخلافة أو تقديمًا له أو تفضيلًا، كما عليه الرافضة وبعض الفئات الأخرى. وهذا في الأصل كما ذكرت لكم قبل ذلك صار من العقيدة لأنَّهُ في أمر الخلافة التي بسببها وبسبب البحث في الخلافة افترقت الأمة إلى فِرَقٍ كثيرة. فأولُ خلافٍ وَقَعَ في الأمة بعد رسول الله ﷺ هو من الذي يلي المسلمين بعده ﷺ؟ فوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار ولم يَطُلْ، وأجمع المسلمون في وقتٍ قصير على استحقاق أبي بكر للخلافة كما سيأتي بيانه. ويمكن أن نتحدث عن هذا في عدة مسائل.
[ ٦٣٥ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ خلافة أبي بكر الصديق ﵁ أَجْمَعَ عليها أهل السنة والجماعة؛ بل وغيُرهُم من الخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والمتكلمين وسائر الفرق عدا الرّافضة ومن نحا نحوهم.
فخلافة أبي بكر الصديق وأنَّهُ هو المستحق للخلافة بعد رسول الله ﷺ أمرٌ أجْمَعَ عليه هؤلاء، واختلفوا في مأخَذِ الخلافة وأحقية أبي بكر بالخلافة:
هل لأنَّ خلافته ثبتت بالنص الجلي؟
أو أنها ثبتت بالنص الخفي؟
أو أنها ثبتت بالاختيار واتفاق واختيار الصحابة؟
على ثلاثة أقوال:
١- القول الأول: أنَّ خلافة أبو بكر الصديق ﵁ ثبتت بالنص الجلي، ويعنون بالنص الجلي أنَّ النبي ﷺ أرشد إلى خلافته وأَوْضَحَ أنَّهُ الأحق بعبارات مختلفة وأدلةٍ متنوعة بدلالات قولية وفعلية يحصل من مجموعها التنصيص على أنَّ الذي يلي الناس بعده ﷺ هو أبو بكر.
وهذا القول هو الذي عليه جماعة كثيرة من أهل الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه الحنابلة وطائفة كبيرة من الشافعية، وهو اختيار أيضًا ابن حزم وجماعة من الظاهرية.
وهو الذي حرَّرَهُ المحققون أيضًا كشيخ الإسلام ابن تيمية وكغيره فإنه قال:
والتحقيق أنَّ النبي ﷺ دلَّ على خلافة أبي بكرٍ الصديق بدلالات كثيرة من قوله وفِعْلِهْ ﷺ وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.
٢- القول الثاني: أنَّ خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الخَفِيْ، يعني بالدليل الخفي والإشارة، فهذا هو الذي ذهب إليه الحسن البصري، فقال حينما سئل: هل كانت ولاية أبي بكر بالنص عليه؟
فقال (لقد كان أبو بكر الصديق اتقى لله من أن يَتَوَسَّدَ عليها)، يعني الخلافة.
وذهب إلى هذا أيضًا جماعة من أهل الحديث بأنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة والدليل، ويعنون بذلك ما أرشد إليه ﷺ من تقديم أبي بكر في أمر الدنيا وفي أمر الدين في الصلاة وفي صحبته له وفي بيان فضله وعدم تقديم غيره عليه؛ يعني في الفضل.
٣- القول الثالث: أنها ثبتت بالاختيار ويُعْنَى بذلك اختيار المسلمين له ﵁ في سقيفة بني ساعدة، وإلا فعند هؤلاء لم يكن ثمَّ نص وإلا لاحتجوا به عند الخلاف.
وهذا ذهب إليه أيضًا كثير من أهل الحديث وطائفة من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو مذهب المعتزلة الأشاعرة والماتريدية وأهل الكلام فإنَّهُم يرون أنها إنما ثبتت بالاختيار.
* والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أنها ثبتت بالنص الجلي الذي لا يحتَمِلُ غَيْرَهُ.
ويدلّ على هذا عدد من الأدلة:
& الدليل الأول: هو أنَّ أبا بكر ﵁ هو أفضل الأمة حين مات رسول الله ﷺ، والصحابة جميعًا لم يكن أحد منهم يُقَدِّمُ أحدًا من الصحابة على أبي بكر في الفضل.
ومعلومٌ أنَّ فضله ﵁ كان بنص القرآن ونص السنة على تقديمه على غيره في الفضل وأنه اخْتُصَّ بالنبي ﷺ في القرآن في قوله ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وفي قوله «هل أنتم تاركي لي صاحبي» (١) وفي قوله «لو اتخذت خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» (٢) وفي قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٣) -وهو دليل لمسألةٍ تأتي- ونحو ذلك من الأدلة التي فيها بيانُ فضله.
والمسلمون لمَّا مات النبي ﷺ لم بكن أحدٌ منهم يُقَدِّم أحدًا في الفضل في أبي بكر، ومعلومٌ أنَّ الإمامة تكون للأفضل.
والفضل له شُعَبْ منها الفضل في الدين، والفضل في العلم، والفضل في التقوى، ونحو ذلك، وكذلك أن يكون قرشيًا في إمامة الاختيار وهذه كلها كانت موجودة في أبي بكر الصديق ﵁.
فالتنصيص على أنَّ أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بمجموع أدلة كثيرة بالتنصيص على فضله وأنَّهُ أفضل وعلى اختصاصه بالنبي ﷺ يدلُّ على أنَّ الأفضل هو الأحق بالخلافة.
هذا تنصيص على أنّ أبا بكر هو الذي توجد فيه شروط الخلافة.
& الدليل الثاني: أنَّ النبي ﷺ لمَّا مرض مرضه الأخير أمَرَ الناس أن يُقَدِّمُوا أبا بكر فقال «مروا أبا بكر فليصلي بالناس» (٤) قد قال بعض الصحابة: إذا ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا. يعني أنَّ تقديمه في الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة دليل؛ بل هي نَصٌّ على أنَّهُ هو الأحق بالتقدم في الإمامة العظمى.
_________________
(١) البخاري (٣٦٦١)
(٢) سبق ذكره ص (٩٩)
(٣) الترمذي (٣٦٦٢) / ابن ماجه (٩٧)
(٤) البخاري (٦٦٤) / مسلم (٩٦٧)
[ ٦٣٦ ]
& الدليل الثالث: أنَّ النبي ﷺ أمَرَ الصحابة أن يأتوا بكتابْ ليَكْتُبَ لهم، فقال «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» (١) ثم إنه لما دَعَا بذلك الكتاب قال «إيتوني بكتابٍ أعهد إليكم عهدًا لا تختلفوا بعده» قال عمر ﵁ (عندنا كتاب ربنا وما أظنُّ رسول الله ﷺ إلا غلب عليه الوَجَعْ) (٢) .
وهذا اجتهادٌ من عمر ﵁ حمَلَهُ عليه أنَّهُ ظَنَّ أنَّ النبي ﷺ سيذكر غير أمر الخلافة، غير أمر الوِلاية؛ لأنَّ أمر الولاية الدليل عليه قام بأدلة كثيرة أخرى فلا تحتاج إلى عهدٍ مكتوبٍ خاص يعهد إليهم به، فخَشِيَ أن يقول شيئًا آخر ويكون ذلك فتنةً للناس لأنَّهُ ﷺ في تلك الحال بشر، والناس قد لا يدركون كل شيء.
ولهذا النبي ﷺ أراد الكتابة بالعهد لأبي بكر، وعمر ﵁ مَنَعَ أو رَأَى -كما قال بعض أهل العلم- أنه لا يُجْلَبْ الكتاب لأنَّهُ إن كان تنصيصًا بالولاية فهذا مدلولٌ عليه بغيره.
وقال بعض العلماء: ولا يُحْمَلُ قول عمر ﵁ على أنَّهُ ظَنَّ أنّ النبي ﷺ سيكتب شيئًا آخر، ولكن نَظَرَ في أنَّ الأمر لم يكن على الإيجاب وإنما كان على باب الشفقة والرحمة لهم، وباب الشفقة الرحمة لهم قال هؤلاء لا تلزم فيه الاستجابة وخاصَّةً في مثل مرضه ﷺ.
* والأول هو الأظهر في تحليل قول عمر ﵁.
& الدليل الرابع: أن النبي ﷺ قال «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» .
& الدليل الخامس: أنَّ امرأةً أتت إلى النبي ﷺ في حاجة لها فوعدها موعدةً أخرى، فقالت كأنها تُشِيْرْ: إن لم أجدك -يعني بالموت- قال «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٣) .
والأدلة على هذا كثيرة متنوعة في أنَّ أبا بكر ﵁ كان منصوصًا على استحقاقه للخلافة بعدة أدلة يُؤْخَذُ منها أنَّهُ نصٌ جلي لا يحتمل التأويل.
أما القول الثاني وهو من قال أنها ثبتت بالإشارة، فهذا فيه نظر؛ لأنَّ الإشارة هي الشيءٍ الخفي، وهذه الأدلة ظاهرة في الدلالة.
وأما من قال بالاختيار فلاشك أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ اختاره المسلمون؛ بل أَجْمَعَ عليه السلمون، وقد نقل الحاكم في المستدرك وصححه أنَّ علي بن أبا طالب ذكر إجماع المسلمين على خلافة وولاية أبا بكر (٤)، ونُقِلَ ذلك أيضًا عن طلحة بن عبيد الله وعن الشافعي وعن جماعة حَكَوا الإجماع على اختيار المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁.
وثُبُوتُهَا بالاختيار هذا لاشك فيه لكنه ليس ثبوتًا مستقلًا بل هو تبعٌ لتنصيص النبي ﷺ على أبي بكر في بيان فضله ومنزلته وأنَّهُ هو الأحق بالتقدم في أمر الدين وفي الإمامة العظمى.
_________________
(١) مسلم (٦٣٣٢)
(٢) البخاري (١١٤) / مسلم (٤٣٢٢)
(٣) البخاري (٧٣٦٠) / الترمذي (٣٦٧٦)
(٤) المستدرك (٤٤٢٦)
[ ٦٣٧ ]
[المسألة الثانية]:
خلافة أبي بكرٍ الصديق ﵁ وبيعة أبي بكرٍ الصديق تمت في سقيفة بني ساعدة في القصة المعروفة حيث اختلف المهاجرون والأنصار، ثم آل الأمر إلى أن يكون الخليفة من قريش لقوله ﷺ «الأئمة من قريش الخلافة فيكم» (١) يعني في قريش ثُمَّ قُدِّمَ أبو بكر للأدلة التي ذكرنا، واجتمع المسلمون على بيعة لأبي بكر.
ومنهم من المسلمين مِنَ الصحابة مَنْ حصلت منه البيعة التي هي التزام لهذا الإمام ولهذا الخليفة بالمبايعة اللفظية دون المبايعة بصفقة اليد، وهذا كما حصل من علي ﵁ ومِنْ طلحة بن عبيد الله، فإنهما -وهناك معهم آخرون- لم يبايعوا مباشرة بصفقة اليد وإنما بايعوا لمَّا بايع أهل الحل والعقد.
ومعلومٌ أنَّ المبايعة قسمان:
- بيعة لأهل الحل والعقد ومن استطاع من المسلمين أن يبايع بصفقة اليد والعهد.
- والبقية يبايعون بيعةً شرعية باللسان أو باعتقاد القلب بالتزام طاعة هذا الخليفة وهذا الإمام.
وعلي ﵁ ومن معه قال طائفة: إنهم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر أو بعد بضعة أشهر أو ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل وأنَّهُم لم يكونوا يرتضون تلك البيعة الأولى.
وهذا غلطْ كبيرْ بل عليٌ ﵁ قد بايع ولكنه لم يَقْدَمْ على أبي بكر حتى تُوُفِّيَتْ فاطمة، وكذلك طلحة بن عبيد الله تأخر في إعطاء أبي بكر الصديق ثمرة القلب وصفقة اليد في البيعة.
وهذا التأخر له أسباب من أهمها:
١- السبب الأول: أنَّ عليًا وطلحة من العشرة ومن المُقَدَّمِين وقد أُخِّرُوا أو لم يُدْعَوا أو لم يأتوا إلى الشورى -السقيفة- وفي اجتماع الأمر، فرأوا أنهم لمَّا لم يكن لهم الأمر في الشورى أنهم حينئذ ليسوا من أهل الحل والعقد فلا يلزم أن يستعجلوا في إعطاء البيعة بصفقة اليد.
٢- السبب الثاني: أنَّ عليًا ﵁ رَاعَى فاطمة فيما كان في شأنها -إن صَحَّتْ الحكاية- فيما كان في نفسها في تأخير بعض الميراث، وأبو بكر ﵁ أخَذَ بقول النبي - ﷺ - «إنا لا نُورَثْ ما تركناه صدقة» (٢) وكان عليٌ ﵁ يُراعي حال فاطمة لأنها بنت رسول الله ﷺ وكان ﷺ يقول في شأنها «إنما أنت بضعَةٌ مني يؤذيني ما يؤذيك» (٣)، فَتَأَخَّرَ عليٌ لسبب ليس براجع إلى أحقية أبي بكر بالخلافة ولا إلى أحقيته بالبيعة بل إلى مسألةٍ يرى أنَّهَا الأفضل في مراعاته لفاطمة أو لأنه لم يكن من أهل الشورى فلا تلزمه المبادرة مع حصول بيعته لأبي بكر، حيث ذكر هُوَ أنَّ المسلمين والصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر.
٣- السبب الثالث: أَنَّ التأخر قد يحصل، والتأخر أو التقدم ليس أمرًا قادحًا في استحقاق أبي بكر للخلافة ولا إلى إجماع الناس عليه؛ لأنَّ التأخر -كما ذكرتُ لك- مَرَدُّهُ إلى ترك الأفضل من البَيعتَينْ وهو بيعة اليد، فإذا حصلت البيعة الواجبة وهي بيعة الاعتقاد، بيعة الالتزام بمبايعة المسلمين وارتضائهم، حصل القصد الشرعي، والأمر الثاني يمكن أن يكون له أكثر من سبب فلا يُجعَلْ قادحًا لا من جهةٍ علمية ولا من جهة أيضًا عملية.
لهذا من نَقَلَ أَنَّ عليًا ﵁ أو طلحة أو نحو ذلك لم يكونوا يرتضون خلافة أبي بكر أو أنَّهُم جاملوا لمَّا رأوا الأمر استقر وأنَّ عليًا كان الأحق ونحو ذلك، هذه كلها أقوال هي من أقوال أهل الرِّفْضْ والبدع الوخيمة.
ولا يصح في هذا شيء عن صحابي أصلًا في أنه يقدم نفسه لا في الفضل ولا في الخلافة على أبي بكر ﵁؛ بل المسلمون تبعٌ لأبي بكر ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) البخاري (٣٥٠١) / مسلم (٤٨٠٧)
(٢) البخاري (٤٢٤٠) / مسلم (٤٦٧٩)
(٣) البخاري (٣٧١٤) / مسلم (٦٤٦١)
[ ٦٣٨ ]
[المسألة الثالثة]:
خلافة أبو بكر الصديق طَعَنَ فيها الرّافضة، فلم يقتصروا على ذلك بل طعنوا في أبي بكر الصديق.
وطعنهم في الخلافة يريدون منها أنَّ أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة واغتصبا الولاية، وكان الأحق بها علي ﵁.
ويستدلون لذلك بقول النبي ﷺ لِعَلِيٍ في حديث غدير قم المعروف أنه ﷺ قال لِعَلِي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنَّهُ لا نبي بعدي» (١) ومنزلة هارون من موسى أنَّهُ قال له ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]، وهذا الحديث وقد رواه مسلم في الصحيح -حديث غدير قم المعروف- حديثٌ صحيح.
و«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لا تدُلُّ على استحقاقه للخلافة مُطْلَقًَا، وإنّما على استحقاقه للولاية في تلك السَّفرة التي سافرها النبي ﷺ، فهو لمَّا ذهب فإنَّ عليًا صار منه بتلك المثابة وطَمَّنَّ خاطره وشرح صدره بهذه المنزلة إذ لم يرافقه ﷺ، وهذا شيءٌ مؤقت لا يدل على التقديم في كل حال []
لمَّا حَجَّ أبو بكر بالناس عام تسعٍ من الهجرة كان هو أمير الحج، وعلي ﵁ كان معه ليقرأ على الناس أول سورة براءة، ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ [براءة:١-٢] الآيات.
وسبب إرسال علي ﵁ مع أبي بكر أنَّهُ كان من عادة العرب أنها لا تقبل الأمر الجلل إلا من الرجل نفسه أو من ذي قرابَةٍ منه يقول بقوله، فَرِغِبَ ﷺ في أن لا يحدث اختلاف في هذا الأمر وأن يُعْلِنْ البراءة من المشركين في أن لا يحج بعد العام مشرك، أن يُعْلِنَهَا أقرب الناس من رسول الله ﷺ وهو علي ين أبي طالب ابن عمه وزوج بنته ﵁.
وهذا يدل على أنَّهُ كان مع أبي بكر تابعًا، وكان أبو بكر ﵁ هو الأمير.
وما ذكروه من قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» إنما هذا في شيءٍ مؤقت لا يدل على منزلةٍ عامة.
ولهذا علي ﵁ كان في الستة نفر الذين عهد إليهم عمر ﵁ باختيار الخليفة، فكان من اختيارهم أن يختاروا عثمان ﵁ خليفةً للمسلمين، ولهم في ذلك -يعني للرافضة في ذلك - أقوال في القدح من أبي بكر وفي القدح من عمر وعثمان معروفة عاملهم الله بما يستحقون.
[المسالة الرابعة]:
قال (تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ) وهذا هو الذي ذكرت لك في أول الكلام من أنَّ تقديم أبي بكر لأجل تَفْضِيلِهِ، فهو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عمر هو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عثمان هو الأفضل وهو المُقَدَّم، ثم علي هو الأفضل وهو المُقَدَّم، ﵃ أجمعين.
فإثبات الخلافة فيها إثبات الفضيلة، وأيضًا المسألة تنعكس، إثبات فضل أبي بكر على جميع الأمة فيه إثبات الخلافة له ﵁ وتقديم أبي بكر على جميع الأمة في الفضل هو تقديمٌ لأبي بكر على جميع الأمة في استحقاقه في الولاية والخلافة.
_________________
(١) البخاري (٣٧٠٦) / مسلم (٦٣٧٠)
[ ٦٣٩ ]