وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ، مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلَالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَآءٌ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءُ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.
_________________
(١) هذه هي الجملة الأخيرة من هذه العقيدة المباركة، عقيدة أبي جعفر الطحاوي ﵀ حيث بَيَّنَ فيها أصول الاعتقاد في الله - ﷿ - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وبيَّنَ فيها تفاصيل الكلام على مسائل كثيرة تدخل تحت أركان الإيمان الستة، وذَكَرَ فيها كعادة من ألَّف في عقائد السلف ما يتصل بذلك من الكلام في الصحابة وما وقع من الفتن والكلام في من الأحق بالخلافة، والكلام في العشرة المبشرين بالجنّة، وما أشبه ذلك من المسائل المتصلة بمسائل الإيمان، وكذلك ذكر عِدَّةَ مسائل تتعلق بالقول في أهل العلم، وأننا لا نذكر أهل العلم سواءٌ أكانوا من أهل الحديث والأثر أو من أهل الفقه والنظر إلا بالخير ومن ذَكَرَهُم بغير الخير فهو على غير السبيل، وما شابه ذلك من المسائل. وهذه المسائل التي ذَكَرَهَا حقّ، ويُقِرُّها عامَّة الأئمة إلا فيما استُثْنِي مما وافق فيه أبا حنيفة ﵀ في بعض مسائل الإيمان ونحوه، مما لاحظنا عليه ولاحظ عليه العلماء من قبل وبعض الألفاظ التي تجنُّبُهَا أولى، كما مرّ معنا في مواضعه. فلما ذَكَرَ ذلك كله قال (فَهَذَا دينُنًا واعْتِقَادُنًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَنَحْنُ بُرَآءُ إلى الله مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وبَيَّنَّاهُ) . ولا شك أَنَّ أبواب الاعتقاد متعلقة بالقلب، فالقلب أشد ما يكون في التغير، وأشد ما يكون في التقلُّب، ولهذا كان من دعائه ﷺ أنَّهُ كان يقول «يا مقلّب القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك» (١)، «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» (٢)، ونحو ذلك مما ورد في الآثار. فالقلب يَتَقَلَّبْ سريعًا وأكثر شيء يتقَلَّبُ فيه القلب قول القلب وعمل القلب واعتقاد القلب؛ لأنَّ هذه مبناها على العلم، والعلم ينفع ويذهب، فكلما ترك شيئًا من العلم كلما أثَّرَ ذلك على القلب، فإذا ترك مسائل العقيدة أَثَّرَ ذلك على عقيدة القلب إما أَثَّرَ بنقص العلم وهذا له أثر في اليقين والاعتقاد الحق، أو أَثَّرَ بوجود الشبهة مع عدم العلم أو ضعف العلم. والشيطان أفرح ما يكون من الإنسان أن يَتَغَيَّرَ قلبه، لأنه إذا تغير قلبه فإنَّ الجوارح تتغير كما قال ﷺ «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٣)، ففساد القلب يكون بالشبهات وبالشهوات، فإذا عَرَضَت الشُبُهَاتْ وتَمَكَّنَتْ، وسبب تمكنها نقص العلم فإنَّ القلب يفسد، وأعظم ما تعرض الشبهات في مسائل العقيدة. لهذا ما زال الأئمة وأهل العلم والنَّصَحَة للأمة حق النصيحة لأئمة المسلمين ولعامّتِهِم مازالوا يوصون بالاهتمام بالتوحيد والعقيدة؛ لأنَّهُ أقرب ما يكون تغَيُّرْ القلب في العقيدة لأنهها تُنْسَى، وقد تبقى المُجْمَلَات لكن التفصيلات تُنْسَى، ثُمَّ تأتي ذنوب القلب شيئًا فشيئًا وتقع الشُّبْهَة وتقع المِريَة ويقع الرَّيْبْ في القلب، ثمّ يُضِرُّ الإنسان بنفسه شيئًا فشيئا. لهذا من أعظم الأدعية التي علمنا إياها ربنا - ﷿ - الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥]، والهداية للصراط طلب بأنْ يُهْدَى إلى الصراط، والصراط هو الإسلام والقرآن والسنة، والإسلام والإيمان والقرآن والسنة له تفاصيل، تفاصيل مختلفة، الإسلام شيء يتعلق بالقلب وشيء يتعلّق بالجوارح والعمل، والإيمان يتعلَّقْ بالقلب، والقرآن ثَمَّ أشياء كثيرة فيه آيات التوحيد وفي الغيبيات، هذه كلها عقائد والسنة كذلك.
(٢) مسلم (٦٩٢١)
(٣) الترمذي (٢١٤٠)
(٤) سبق ذكره (٣٤٥)
[ ٧٤٤ ]
فإذًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في الحقيقة لمن أَحْسَنَ هذا الطلب وطلبه بحق وتضرّع إلى الله - ﷿ - به، رغبةً في تحقيق هذا المراد الأعظم هو عدم رضًا عن النفس؛ لأنَّ النفس لابد أن يكون فيها نقص عن تمام الهداية للصراط المستقيم، فلا دعاء الإنسان أحوج إليه من هذا الدعاء، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولهذا كان من لطف الله - ﷿ - بعباده أن جَعَلَ هذا الدعاء هو أوَّل دعاء في القرآن وأوَّل سؤال في القرآن، وهو أوَّل سؤال واجبٍ أيضًا في الصلاة، يعني أوَّل سؤال في الصلاة واجب -دعاء الاستفتاح ليس بواجب-، هو الهداية للصراط، وهذا من أعظم الأدعية لأنَّ القلب يتقلب، والإيمان يتغيّر، والإسلام يتغير في العبد وهذا كله بحكم ضعف العلم وزيادته وضعف التطبيق وزيادته.
لهذا أحسَنَ العَلَّامة أبو جعفر الطحاوي ﵀ حين دعا بهذا الدعاء في خاتمة هذه الرسالة والعقيدة الطيبة، فقال (نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ)، وهذا يُبَيِّنْ مقام هذا السؤال عند هؤلاء العلماء الربّانيين لأنهم يسألون الله الثبات على الإيمان الذي شَرَحَ في هذه العقيدة أركانها، وبَيَّنَهَا ومع ذلك هو أشد ما يكون حاجة إلى الثبات على الإيمان وإلى الخَتْمِ له في حياته به لشدة معرفته بأنَّ هذا الإيمان يُسْلَبْ سواءٌ أكان سَلْبًَا كاملًا أم سلب بعض كماله أو بعض التفاصيل فيه أو بعض أجزائه.
فدعا بهذا الدعاء المتضمن الثبات على الإيمان، والذي تَضَمَّنَ أيضًا العصمة من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة.
وهل مثل هذا العالم الذي عَلِمَ أحوال هذه الفرق الضالة من المُشَبِّهَة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية ومن نحا نحوهم والمرجئة والخوارج والرافضة وأشباه هؤلاء، هل من عَلِمَ هذا العلم الواسع يخشى على نفسه؟
نعم، من عَلِمْ خَشِيَ وهذا هو الواقع لأنَّ الشيطان حريص ولأن الإنسان ضعيف جدًاّ.
فلما كان الأمر كذلك كان واجبًا على العبد وجوب وسائل أن يحرص على أمرين:
١- الأمر الأول: العلم النافع بالعقيدة الصحيحة والتوحيد بدلائله من الكتاب والسنة، وأن يكون ذلك ظاهرًا في قلبه لا شُبْهَةَ عنده فيه مُسْتَحْضِرًَا له، مُرَاجِعًَا له في كل حال، حتى يسلم قلبه من أن يكون فيه فجوة يدخل منها شيطان.
٢- الأمر الثاني: لا بُدَّ من إستغاثته بالله وسؤاله لمولاه أن لا يُزيغَ قلبه بعد إذ هداه.
هذه مسألة عظيمة، وسؤال جليل، وإنما يَعْرِفُ شدة الخطر من علم حَقَّ الله - ﷿ - وما له من الأسماء والصفات وعلم أثر هذه الأسماء والصفات في ملكوت الله - ﷿ -، فكم تَقَلَّبْ قلب أحد وكم ضَلَّ فلان وخُذِلْ فلان، وكم ضل من إنسان وكم زاغ من قلب إلخ
فنسأل الله - ﷿ - بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُثَبِّتَنَا على الإيمان وأن يختم لنا ولوالدين ولأحبابنا به، وأن يعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتَفَرِّقَة والمذاهب الرَّدِيَّة إنه سبحانه جواد كريم.
والأهواء المختلفة هذه منها ما هو كفري ومنها ما هو دون ذلك.
وإمام الحنفاء ابراهيم ﵇ دعا بتلك الدعوات الصالحة التي قال فيها ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كًثِرًا مِنَ النَّاسْ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦]، فَجَعَلَ الأصنام المُضلة لكثيرٍ من الناس لما يقع في القلوب منها أو من أوليائها من الشبهة، فسأل ربه أن يُجَنِّبَهُ وأن يُجَنِّبَ بنيه عبادة الأصنام.
وهذا يدلّ على عظم خوف الخليل إبراهيم ﵇ من هذا الزَّيْغْ وهو الكامل وهو الخليل وهو المجْتَبَى عند ربه - ﷿ -.
ولذلك تحفظون كلمة إبراهيم التيمي، من التابعين ﵀ عند تفسير هذه الآية كما رواه ابن جرير وغيره، حين تلا هذه الآية قال (ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم) (١) .
وهذا يدل على أنَّ الناصح حقًاّ لنفسه وللأُمَّةْ ولأئمة المسلمين وعامّتهم حقًا، من نصح حقًاّ، فإنه يوصيهم بالاهتمام بتوحيد الله - ﷿ - الذي هو حقّ الله على العبيد وبتصفية القلب من أدران العقائد الفاسدة؛ لأنَّهُ بصلاح القلب وبسلامة عقيدته يُبارِكُ الله - ﷻ - في قليل العمل، فإنَّ في العمل القليل يُبَارَكْ ويزيد ويضاعفه الله - ﷿ - إذا سلِمَ القلب وسلمت العقيدة فإنَّ الله يبارك، أما إذا كان العمل كثيرا والعقيدة فاسدة فإن هذا ليس بشيء.
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/٤٦٠)
[ ٧٤٥ ]
ومن محاسن كلام أبي الدرداء الذي ذَكَرَهُ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه "فضل الإسلام": أنَّ أبا الدرداء ﵁ كان يقول (يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يَغْبِنُونَ سَهَرْ الحمقى وصومهم؟ ولمثقالُ ذَرَّةِ من بر مع تقوى ويقين)، (بِرْ) يعني في الأعمال الظاهرة مع تقوى لله - ﷿ - وخوف ويقين في اعتقاده ويقين فيما ضَمَّهُ قلبه، قال (ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين، أعظم من أمثال الجبال عبادة من المغترين) (١) . وهذا هو الواقع ومن تَأَمَّلَ الكتاب والسنة وَجَدَ ذلك صحيحًا.
فنسأل الله العصمة من الأهواء المختلفة وأن لا يُزيغَ قلوبنا بعد إذ هداها.
وهذه الجملة إلى آخره فيها مسائل:
_________________
(١) حلية الأولياء (١/٢١١)
[ ٧٤٦ ]
[المسألة الأولى]:
عِظَمِ شأن الدعاء، وخاصَّة إذا ذُكِرَ في المذاهب الرَّدِيَّة وذُكِرَ الاعتقاد الحق فإنَّ الواجب على المسلم أن لا يَأمَنْ، بل الواجب عليه أن يخاف ويحذر ويعمل بأسباب الحَذَرْ، وأن يَتَقَرَّبْ إلى الله - ﷿ - بالدعاء العظيم لأنَّ الله - ﷻ - يجيب من سأله ويُعْطِي من دعاه سبحانه.
فهذا الأصل يدخل تحت ما مَرَّ الكلام عليه من منفعة الدعاء وإجابة الله - ﷿ - للدعاء وقضاء الحاجات.
[ ٧٤٧ ]
[المسألة الثانية]:
ذَكَرَ هنا الثبات على الإيمان، والثبات على الإيمان نوعان:
- ثباتٌ على أصله.
- وثباتٌ على كماله.
والعبد محتاجٌ إلى هذا وهذا، وأهل العلم بالله - ﷿ - يسألون الله سبحانه ويُلِحُّونَ في السؤال أن يُثَبَّتُونَ على كمال الإيمان وأن يُغْفَرَ لهم ما فيهم من نقص.
فقوله هنا (أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ) يعني على كماله، وكمال الاعتقاد وكمال العمل.
[ ٧٤٨ ]
[المسألة الثالثة]:
قوله هنا (وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ)،ِ الخاتمة من أعظم وسائل النجاة إذا أَحْسَنَهَا الله - ﷿ -.
فمن حَسُنَتْ خاتمته فهو إلى الجنة إن شاء الله ومن ساءت خاتمته فهو على خطر.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح «أنَّ العبد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» (١)، فالخاتمة هي المقصود، أن يُختَم للعبد بما يحب الله - ﷿ - ويرضاه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن حُسْنَ الخاتمة منوطٌ بمعرفتها، يعني إحسان العبد خاتمته منوطٌ بمعرفتها، أن يعرف متى تنتهي حياته حتى يستعد.
وإذا كان ذلك محالًا أن يعلم متى سيموت ومتى سينتهي فإنَّ الواجب حينئذ أن يَحْذَرَ صباح مساء وليلًا ونهارًا، أن من سوء الخاتمة.
هذا هو عمل الأكياس وعمل الصالحين جعلنا الله - ﷿ - منهم وغَفَرَ لنا ذنوبنا، أنهم يستعدون للخاتمة.
الاستعداد للخاتمة من وسائل النجاة، وهما استعدادان:
- استعدادٌ في صلاح القلب.
- واستعدادٌ في صلاح العمل.
والاستعداد في صلاح القلب هو بالعلم النافع الذي يُورِثْ في القلب العلم بالله - ﷿ - ومعرفته وأسمائه وصفاته وبيقين في ذلك.
ثم العمل الصالح، يعني يمتثل الأمر ويجتنب ما نَهَى الله عنه، أونهى عنه رسوله ﷺ وأن يستغفر من الذنوب والخطايا.
_________________
(١) سبق ذكره (٢٢٣)
[ ٧٤٩ ]
[المسألة الرابعة]:
عَبَّرَ هنا بالعِصْمَة في قوله (وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ) والعِصْمَة كلمة لم يكن لها استعمال شائع عند السلف ولم تَأتِ بهذا المعنى في الكتاب ولا في السنة.
لهذا العِصْمَة في الحقيقة تحتاج إلى تفصيل لأنها بهذا المعنى -يعني العِصْمَة من الذنوب، العِصْمَة من البدع-، فيها حق وفيها باطل.
وسبب ذلك أنَّ العِصْمَة معناها أن يُعْصَمَ من الذنب، والذنْبُ قد يكون في العقيدة فيكون بدعَةً، وقد يكون في العبادة تقصيرًا أو زيادةً فيكون ما بين الإثم في البِدَعْ أو في ترك الواجبات.
ولهذا وجب أن تُفسَّر العِصْمَة في هذا الموضع وفي كُلُّ موضعٍ استعملها فيه أهل العلم، أن تُفَسَّرْ بالمعنى الصحيح لأنها مجملة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ يُنَزَّهْ عن جنس الذنب، وقد يكون الذنب ذنب قلب، وقد يكون الذنب ذنب عمل جوارح.
والعِصْمَة تُوهَب كما قال هنا (نسأل الله العِصْمَة) لأنَّ العِصْمَة يَهَبُهَا الله - ﷿ -.
وإذا كانت معناها عدم الوُقوع في الذنوب المُخِلَّة، فهي إنّما وَهَبَهَا الله - ﷿ - لرسوله ﷺ، أمّا الأُمَّة فلم تُوهَبْ هذا النوع وهو أنه يُعْصَمُ مُطْلَقًَا من كل ذنب: ذنب اعتقاد ذنب قول أو ذنب عمل.
وإذا كانت توهب فالعِصْمَة ليست لله - ﷿ -، أو يقال (الله معصومٌ عن كذا)، أو كما قال بعضهم (العِصْمَة لله ولرسوله ﷺ) .
فالعِصْمَة لله مُلْكًَا، هو الذي يملكها لكنه لا يوصَفُ بها، يملكها مُلْكْ كما يَمْلِكُ سائر ما في الملكوت من أعيانٍ وغيرها، فهو الذي يُعْطِي العصمة ويهبها لمن شاء من أنبيائه.
فإذا كان كذلك تَلَخَّصَ الأمر بأنَّ العِصْمَة الكاملة هي للنبي ﷺ، وأما من عداه من الأمة فلم يُعطَ العِصْمَة الكاملة، ولا بد أن يقع في الذنب يصيبه.
والذنوب كما ذكرنا قسمان:
- ذنوب اعتقاد.
- وذنوب عمل.
@ وذنوب الاعتقاد ليست موجودةً في الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا يَصِحْ أن تقول: عَصَمَ الله الصحابةَ من الخَلَلْ في العقيدة. عَصَمَ الله السلفَ من مجانبة الحق في الاعتقاد.
وهذا هو الواقع لأنهم أجمعوا على مسائل التوحيد والعقيدة، والأمة لا تجتمع على ضلالة.
@ أما العمل فلم يُعْصَمُوا -يعني الذنوب لم يعصموا لهم ذنوب-، والنبي ﷺ عَلَّمَ أبا بكر أن يدعو بقوله (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي) (١) .
حتى صغائر الذّنوب ربما حَصَلَتْ من النبي ﷺ مما لا يقدح في الرسالة، ولهذا قال الله - ﷿ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] .
فإذًا مقصده هنا من الدعاء هذا (أن يَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ) يعني أن يَسْلُكَ الله - ﷿ - به سبيل السلف لأنهم عُصِمُوا من أن يَسْلُكُوا الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ، والآرَاءِ المُتَفَرِّقَةِ، أو المَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ.
فمعنى سؤال العِصْمَة هنا أن يلزم طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين لم تظهر فيهم هذه الأهواء والآراء والمذاهب الردية.
_________________
(١) سبق ذكره (٣٦٩)
[ ٧٥٠ ]
[المسألة الخامسة]:
مَثَّلَ بعد ذلك بأمثلةٍ للأهواء والآراء والمذاهب فقال (مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، الخ)
هذه الفئات يُطْلَقُ عليها أهواء، ويُطْلَقُ عليها فِرَقْ، ويُطْلَقُ عليها أراء، ويُطْلَقُ عليها مذاهب.
فيصح أن تقول المعتزلة من الأهواء كما يستعملها السلف أو يعني أئمة السنة في القرون الأولى، وقد يقولون (الجهمية مذهبٌ رَدِي)، أو (إياك وهذه الأهواء) (١)،، وهو جَمَعَهَا لاستعمال الأئمة في وقته وما قبله لها.
فإذًا المعتزلة أهواء، والجهمية أهواء وآراء ومذاهب.
إذا تَبَيَّنَ ذلك فنفصل الكلام في معنى هذه الفِرَقْ:
١- الفرقة الأولى الْمُشَبِّهَةِ:
ظهرت فرق شَبَّهَتْ الله - ﷿ - في الصفات بخلقه سواءٌ أكانت صفات الذات أو صفات الأفعال، ويُحْكَى هذا عن طائفة كالجَوَارِبِيِّ ونحوه ويقال لهم المُجَسِّمَة كما عند مقاتل بن سليمان ونحوه.
والمقصود بها تشبيه الله - ﷿ - بخلقه، ويريدون بالتشبيه التمثيل، فيقولون: وجه الله كوجه الإنسان، كوجه ابن آدم، ويده كيده، وعيناه كعيني ابن آدم، وأصابعه كأصابعه الخ. ويقولون: إنَّ هذا مقتضى النص، مقتضى النص المشابهة، مقتضى النص المماثلة.
وهؤلاء يقال لهم أيضًا المُجَسِّمَة، وقد ذكرت لكم فيما سبق أنَّ كلمة (التشبيه) فيها بحث، وأنَّ الذي جاء في النصوص هو التمثيل، فهم مُجَسِّمَة مُمَثِّلَة مُشَبِّهَة، تصح هذه الاستعمالات جميعها.
وثَمَّ قسم ثاني من التشبيه لا يدخل في هذه الفئة أو الطائفة أو المذهب، وهو تشبيه المخلوق بالخالق، وأن يُجعَلْ للإنسان صفات مثل صفات الله - ﷿ -.
مثل عيسى ﵇ جَعَلُوهُ إلهًا وجعلوا له صفات، تُخْتَصُّ به كصفات الله، ومثل الذين عبدوا الأولياء والموتى، جعلوا لهم التَّصَرُّفْ في الربوبية، وجعلوا لبعضهم ربع العالم، ولبعضهم سبع العالم، ولبعضهم جزءًا من أربعين جزءًا من العالم، حتى إنَّ بعضهم أَلَّفْ في أَنَّ في بلدة كذا أربعين من الأولياء الصّالحين هم الذين بيدهم تصريف أمورها من الأموات، وثَمَّ رسائل كثيرة في ذِكْرِ هذا الأمر.
وهؤلاء الذين شَبَّهُوا المخلوق بالخالق في التصرف في الربوبية، -يعني في الملك- جعلوه بتفويض الله له نعم، لكنهم جعلوا التَّصَرُّفَ له.
وهم على أربع فئات:
- منهم من جَعَلَهُ لواحد وهو المُسَمَّى عندهم الغوث الأكبر أو القطب الأعظم أو نحو ذلك.
- ومنهم من جَعَلَ التصرف في الأرض بهذا الملكوت لأربعة من الأولياء، ويختلفون في تحديد الأربعة.
- ومنهم من جعله لسبعة.
- ومنهم من جعله لأربعين.
والصوفية الغلاة الذين يَدَّعُونَ هذه الادعاءات الباطلة التي خالفوا بها طريقة السلف أصلًا وفرعًا وسلوكًا، واتَّبَعُوا أهل الضلال والكفر، ألَّفُوا كُتُبًَا كثيرة في هذا الباب في تَصَرُّفِ هؤلاء في الملكوت أو في أرزاق أهل الأرض أو في أحوالها.
والكلام حول الفِرَقْ يطول تأخذونه من المطولات.
٢- الفئة الثانية المعتزلة:
والمعتزلة هم أتباع عمر بن عبيد وواصل بن عطاء اللذيْن كانا من تلامذة الحسن البصري كما هو معلوم، ولما دَخَلُوا في البحث في مسائل الإيمان يعني الأسماء والأحكام، الإيمان والحكم على مرتكب الكبيرة والكلام على الصحابة الذين تقاتلوا، خالف عمرو بن عبيد الحسن، كذلك واصل ابن عطاء فاعْتَزَلَا حلقة الحسن البصري، فسُئِل الحسن البصري عنهم فقال هؤلاء المعتزلة، فبقي الاسم عليهم، فكثر أتْبَاعُهُمَا حتى تَقَعَّدَ مذهبهم وسُمِّيَ بمذهب المعتزلة.
فبنوا ذلك بعد الانعزال وتفصيل المذهب والنقاشات وما حَصَلَ من تطوّر فيه، بنوه على أصولٍ خمسة عندهم، وهي المسماة بالأصول الخمسة عند المعتزلة وهي:
- التوحيد.
- والعدل.
- والوعد والوعيد.
- والمنزلة بين المنزلتين.
- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأُلِّفَتْ فيها المؤلفات لتقعيدها في القرن الثاني الهجري.
وهذه الأصول الخمسة جعلوها أُصُولًَا عقلية، دَلَّ عليها العقل، وأما الدليل النقلي أو السمع، فهو تابعٌ لها، ولهذا جعلوا دليلهم في الغيبيات ودليلهم في الأصول الخمسة، جعلوه دليلًا واحدًا وهو العقل، هوالحجة والنقل مُفَصِّلٌ له أو تابِعْ أو شاهد كما يزعمون.
فهذه الأصول الخمسة تَمَّ تفاصيل لهم فيها تأخذونها من مواطنها.
والمعتزلة فئات وفِرَقْ مُخْتَلِفَة، فيه معتزلة البصرة وهم الأوائل، وثَمَّ معتزلة بغداد وهؤلاء هم الذين قَعَّدُوا مذهب الاعتزال وأَلَّفُوا فيه وأجابوا عن الشُبَهِ عليه.
وهناك من أَلَّفَ في طبقات المعتزلة وفِرَقْ المعتزلة.
والمعتزلة قد يتفقون في المسألة وقد لا يتفقون، ولذلك تجد في بعض المسائل يقال مذهب المعتزلة كذا، لكن إذا بحثت وجد فيه اختلاف، فمن أثبت يكون مصيبًا ومن نفى يكون مصيبًا باعتبار من نقل عنه، وباعتبار مدارس المعتزلة وفرق أهل الاعتزال.
_________________
(١) نهاية الوجه الأول من الشريط الثاني والخمسون
[ ٧٥١ ]
فليسوا فرقة واحدة لكن في تفسير الأصول الخمسة وفي أصولها، أصول التوحيد عندهم، أصول العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الأصول يتفقون، لكن في التفاصيل يختلفون.
٣- الفرقة الثالثة: الجهمية:
والجهمية يُنْسَبُونَ إلى جهم بن صفوان الترمذي وكان عالمًا فقيهًا، يُنْسَبُ إلى الحنفية في الفقه، ولكنه لشدة اعتنائه بالرأي كان يُناظِرُ ويُكْثِر من المناظرة حتى ناظر طائفة من دُهْرِيَّةِ الهند، الدُّهْرِيَّةْ بضم الدال يُنْسَبُونَ إلى القول بالدهر ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٨]، يُنْسَبُ إلى الدَّهْرِ، دُهري بضم الدال على غير [اعتياد] كما قاله المرتضى في كتاب تاج العروس وقاله غيره.
المقصود ناظره قوم من الدُّهْرِيَّةْ يقال لهم السُّنَّمية في الصفات لأنهم لا يؤمنون بوجود الله أصلًا ويريد أن يقنعهم بوجود الله، فجرى منه معهم مناظرة ذكرتها لكم في مكانٍ آخر، فآل به الأمر، نتيجة المناظرة وتوابعها وما حصل -وقد ذكر أصل القصة البخاري في خلق أفعال العباد-، نتج عن ذلك أنَّهُ نفى الصّفات وعطَّلَ الرب - ﷿ - من صفاته وآمن بالوجود المطلق.
فالجهمية في مسائل العقيدة يذهبون في الصفات إلى النَّفْيِ، فينفون عن الله - ﷿ - كلّ الصفات، ويجعلون الصفة الواحدة الموجودة هي صفة الوجود المطلق، ويقولون بِشَرْطِ الإطلاق.
وفي الأسماء يثبتون الأسماء كدِلالات على الذات -أسماء أعلام- ويفسِّرُونَهَا بمخلوقاتٍ منفصلة، فيجعلون الكريم هو الذات التي حصل عنها إكرام فلان -يعني يفسرونها بالكرم الذي خلقه الله-، القوي بالقوة التي خلقها الله، العزيز بالعزّة التي خلقها الله يعني في الإنسان، في المخلوق يعني من حيث هو، ويجعلون تفسير الأسماء في القرآن وفي السنة يفسرونها بمخلوقات منفصلة؛ لأنه لا دِلَالَةَ للأسماء على صفة، لأنهم ينفون الصفات، وإنما يجعلونها دالة على علم لا تفسير لها من حيث العلمية لكن تفسيرها من حيث الصّفة بأنها مخلوقات منفصلة.
لهذا قال بعض أهل العلم ينفون الأسماء والصفات، الجهمية ينفون الأسماء والصفات، وهذا صحيح باعتبار الحقيقة.
وطائفة يقولون لا، لا ينكرون الأسماء باعتبار أنهم يثبتون شيئًا من الأسماء على طريقتهم لأنَّ عندهم الأسماء دلالات على ذات بدون صفة في الاسم، وإنما هو مثل ما تقول مثلًا (ماء سلسبيل) أو تقول في السيف حسام ومهند وسيف إلخ للدلالة على شيء واحد بدون صفة، أما صفة أنه يحكم فلا، أما صفة أنه صُنِعَ في الهند فلا، أما صفة أنه كذا فلا.
فهم يجعلونها من جهة الدلالة على الذات واحدة ومن جهة الدلالة على الصفات أنها لا تدل على صفة.
ولهذا في الآيات يفسرون الأسماء في الآيات بالمخلوقات المنفصلة، يعني أثر الصفة في المخلوق ويجعلونه مخلوقًا.
أما في الإيمان فالجهمية مرجئة، وهم أشد فِرَقْ الإرجاء لأنهم قالوا يكفي في الإيمان المعرفة فقط.
ففرعون عندهم مؤمن وإبليس عندهم مؤمن.
ولم يكفر فرعون عندهم بعدم الإيمان وإنما بمخالفة الأمر، وإبليس لم يكفر بعدم الإيمان؛ بل بمخالفة الأمر، وهكذا، وهذا القول مشهور عنهم في أنه يَثْبُتُ الإيمان بالمعرفة.
وفي القدر هم جبرية يرون أنَّ الإنسان في أفعاله هو كالريشة في مهب الريح لا اختيار له البتة، هو مُجْبَرٌ على كل شيء، وأنه يُفْعَلُ به ولا يَفْعَلُ شيئًا.
وفي الغيبيات يُنْكِرُونَ كل ما لا يوافق العقل من أمور الغيب.
وفي الآخرة يُنْكِرُونَ دوام الجنة والنار.
يقولون الجنة لا تدوم والنار لا تدوم لأنَّ دوام الجنة والنار ظلم، فتفنى الجنة وتفنى النار معًا.
بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون بفناء النار والجنة كدار نعيم وعذاب، لكن التَّلَذُّذُ والألم يبقى، فيستمر التلذذ ويستمر الألم ولا تستمر الدار.
فيه أقوالٌ مختلفة نسأل الله - ﷿ - السلامة منها ومما جَرَّ إليها.
المقصود فيه مباحث ترجعون إليها في مواطنها.
٤- الفرقة الرابعة: الجبرية:
والجبرية مذهبٌ منسوبٌ إلى القول بالجبر.
والجبر هو أنَّ الله أجبر الإنسان المكلف على أفعاله.
والجبرية قسمان:
- جبرية غلاة.
- وجبرية متوسطة أو غير غلاة.
@ أما الجبرية الغلاة فهم الجهمية وغلاة الصوفية الذين ينفون أصل الاختيار، ويقولون أنَّ الإنسان كالريشة في مهب الريح.
@ وأما الجبرية غير غلاة فهم الذين يُثبتون الجبر باطنًا والاختيار ظاهرًا، يقولون:
هو مجبورٌ في الباطن ومختارٌ في الظاهر، هؤلاء الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
وقد مَرَّ مَعَنَا البحث في هذه المسألة وأنهم اخترعوا لفظ الكسب وجعلوه مَخْرَجًَا للعلاقة ما بين جبر الباطن واختيار الظاهر مما ابتدعوه وأحدثوه.
وذكرت لكم أنَّ الكسب على ثلاثة إطلاقات:
فيه كسب عند أهل السنة وكسب عند الجبرية وكسب عند القدرية ترجعون له في مكانه.
٥- الفرقة الخامسة: القدرية:
[ ٧٥٢ ]
القدرية يُنْسَبُونَ إلى القَدَرْ لا لإثباته ولكن لنفيه، وهي نِسْبَةٌ إلى من لا يُثبت.
نَسَبُوهُمْ إلى القَدَرْ لأنهم لا يُثبتونه.
والذين ينفون القَدَرْ أقسام متنوعة يجمعهم أنّهم ينفون مرتبةً من مراتب القَدَرْ.
وأشهر المسائل التي نُفِيَ فيها القَدَرْ مسألتان:
- المسألة الأولى: العلم السابق وقد نفته طائفة.
- المسألة الثانية: عموم خلق الله - ﷿ - في الأشياء ومشيئته الشاملة لكل شيء فقد نفته طائفة.
@ أما الذين نفوا العلم فهم القدرية الغلاة الذين خرجوا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وردَّ عليهم الصحابة وتبرؤوا منهم، وأخبروا بأنهم ليس لهم في الإيمان ولا في الإسلام نصيب.
وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِموا وإن أنكروه كفروا)؛ لأنهم ينكرون علم الله السابق ويقولون إن الأمر أُنُفْ يعني مُستَأنَفْ، لا يعلم الله الأشياء عندهم إلا بعد وقوعها، لا يعلم الأشياء قبل أن تقع. أعاذنا الله منهم.
@ أما القدرية الذين نفوا مرتبة عموم المشيئة وعموم خلق الله للأفعال فهؤلاء طائفة كبيرة، أصَّلَ مذهبهم أهل الاعتزال: المعتزلة، حتى صار عند الكثير أنَّ المراد بالقدرية النفاة: المعتزلة.
وفي الحقيقة القدرية لفظٌ يصح إطلاقه على كل من لم يؤمن بالقدر على ما جاء في الكتاب والسنة بِنَفْيٍ لشيء منه.
ولهذا يدخل في القدرية من اعترض على القَدَرْ، أو على أفعال الله - ﷿ - أو على الحكمة وقد قال فيه ابن تيمية في تائيته القدرية:
وَيُدْعَى خُصُومُ الله يَوْمَ مَعَادِهِم ****** إِلى النَّارِ طُرًّا مَعْشَرَ الْقَدَرِيَةِ
يعني يا معشر القدرية هَلُمُّوا إلى النار جميعًا،
سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ****** به الله أو ماروا به للشريعة
فجعل نفي شيء من القَدَرْ يَدْخُلُ صاحبه في القَدَرِيَّة، وجعل أيضًا المخاصمة والمجادلة كحال المشركين، القدرية الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، هؤلاء يدخلون في القدرية لأنهم نفوا حكمة الله - ﷿ - التي هي أساسٌ في القول بالقَدَرِ كما جاء في القرآن وسنة النبي العدنان ﷺ.
ثَمَّ بحوث أخرى أيضًا تُأخذ من كتبهم.
قال (وَغَيْرِهم) لأنَّ الفِرَقْ كثيرة والمذاهب الرَّدِيَّةْ والأهواء والآراء مختلفة.
وليشمل أيضًا ما ظهر في زمانه وما قبله وما سيظهر أيضًا في الأزمنة الأخرى.
فممن لم يذكرهم: الخوارج والشيعة الغلاة والمرجئة الغلاة قد يدخلون مع هؤلاء في شيءٍ من الأقوال.
ويدخل أيضًا العقلانيون في ذلك الزمان وما بعده، ويدخل غلاة المتصوفة، ويدخل الذين ابتدعوا طرقًا بين هذا وهذا.
لهذا أوصلهم النبي ﷺ إلى اثنتين وسبعين فرقة.
[ ٧٥٣ ]
[المسألة السادسة]:
في قول الطحاوي (مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ)، قال (خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ)، هذا مما يُؤكد لك أنَّ قصده بالثبات على الإيمان والعصمة من الأهواء هي موافقة الجماعة، وهي الجماعة الأولى جماعة الصحابة، وجماعة التابعين الذين لم يُفَرِّقُوا بين ما أنزل الله - ﷿ - على رسوله؛ بل آمنوا به جميعًا، وحملوا المتشابه على المحكم ولم يبتدعوا دينًا لم يأذن به الله - ﷿ -.
فمخالفة السنة والجماعة:
- قد تكون مخالفةً كبيرةً جدًا توصِلُ صاحبها إلى الكفر والعياذ بالله كحال الجهمية ومن نحا نحوهم، والمشبهة المجسمة.
- وقد تكون المخالفة أقل من ذلك فتوصِلُ صاحبها إلى ما دون الكفر.
- وقد تكون بِدَعًَا مُغَلَّظَة وقد تكون بِدَعًَا خفيفة.
فكل مخالفة للسنة والجماعة على النحو الذي أوضحنا في معنى السنة والجماعة في مكان سابق، هذا مذهبٌ ردي ولا شك؛ لكن صاحبه يكون ذنبه بقدر ما خالف.
فمن خالف السنة والجماعة فإنه لا بد أن يكون حليفًا للضلالة، ولهذا قال بعدها (وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ) .
فلا يمكن للإنسان أن يكون مخالفًا للجماعة وعلى مذهبٍ رديٍ في الاعتقاد ولا يقال إنه ضال.
الله - ﷿ - وصف المرأة إذا أخطأت أو لم تدرك تمام الحقيقة في الشهادة بأنها تَضِلْ، فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، لأنها لم تصل إلى الحق والصواب الواقع، فكيف بحال بهؤلاء فلا شك أنهم ضُلاَّلْ.
وأرى أنَّ بعض الناس يستنكف في ذكر بعض مسائل العقائد والتوحيد أن يصف المخالف للسنة والجماعة بأنه ضال؛ بل هو ضال لأنه ضلّ الطريق، وقد يكون ضلاله كبيرًا جدًا وقد يكون قليلًا لكنه ضلّ السبيل لأنه خالف السنة والجماعة وحالف الضلالة كما ذكر المؤلف ﵀.
[ ٧٥٤ ]
[المسألة السابعة]:
أعلن المصنف ﵀ براءته منهم فقال (وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلاَّلٌ وأَرْدِيَاءُ)، (ونَحْنُ مِنْهُم بَرَآءٌ أو بَرَاء)، وهذا هو الواجب على المسلم أن يتبرأ جُمْلَةً وتفصيلا، أن يتبرأ من القول ومن المذاهب الردية ومن أصحابها.
لأنَّ هذا عقيدة، لأنَّ ذلك اهتداء بهدي إبراهيم الخليل ﵇ إذ قال الله - ﷿ - في شأنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، يعني من المرسلين.
﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾، يعني لأقوامهم.
﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤]، فأعلن البراءة منهم ومما عَبَدُوا، يعني من العبادة ومن العابدين، أي من العبادة ومن الذين عُبِدُوا ومن العابدين.
وهذا هو الواجب أنَّ المرء يتبرّأ ولا يقول أتبرأ من العمل دون صاحب العمل، فإنَّ هذا لا أصل له؛ بل نتبرّأ من العمل ومن صاحبه الذي عَمِلَ بالبدع والضلالات أو بالشركيات، فلا مكان للتفريق ما بين العمل وبين صاحب العمل.
إذا كان كذلك، فهل البراءة من العمل ومن صاحبه هل هي في حكمٍ واحد؟
الجواب أنها ليست في حكمٍ واحد، البراءة من العمل -العمل الكفري الشرك في نفسه- واجبٌ، فمن لم يتبرّأ فإنه لم يُوَحِّد.
فهو داخلٌ في معنى الشهادتين -يعني إذا دخلنا في الشرك-.
الولاء والبراء في نفس العمل هذا داخلٌ في حقيقة التوحيد، ولاءٌ للتوحيد وبراءٌ من الشرك، ولاءٌ للتوحيد كفعل وعقيدة وبراءٌ من الشرك كفعل وعقيدة.
أما موالاة أهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك فهي واجبٌ لكن ليس تركها كفرًا إلا بشروطٍ وتفاصيل.
ولهذا يذكر العلماء في التوحيد وفي غيره أنَّ البراءة متلازمة.
البراءة ملازمة لمعنى التّوحيد، لمعنى الشهادة لله - ﷿ - بالوحدانية.
فهكذا البراءة من أهل البدع ملازمة للسنة، فكما أنَّ البراءة من الشرك ملازمة لكلمة التوحيد.
ليست ملازمة، يعني هي من معنى كلمة التوحيد، فكذلك البراءة من البدع ملازمة للسنة.
فلا يُتصوَّرْ من جهة الحق أن يكون مواليًا للسنة وهو ليس مُتَبَرِئًا من أهل البدع إلا إذا كان لم يفهم السنة أو أنَّ عنده هوى تفريق.
فمن والى السنة فلا بد عليه أنه يتبرأ من البدعة، ومن والى أهل السنة فلا بد أن يتبرأ من أهل البدعة.
لكن إذا حصل هذا التَّبَرُؤُ عقيدةً فهل يلزم منه أن يُظْهَر في كل حال؟
لا، إظهاره بحسب المصلحة الشرعية.
قد يُظْهَرْ ويكون إعلان للبراءة ظاهرًا في التبرؤ من الأشخاص.
وقد يُؤَخّر بحسب ظهور السنة وخفائها وما يُنْظَرْ في ذلك من المصالح.
[ ٧٥٥ ]
[المسألة الثامنة]:
قال في آخرها (وَبِالله العِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ)، وذكرنا لكم ما في العِصْمَة من البحث سابقًا وأنَّ الله - ﷿ - لم يعطِ العِصْمَة لأحد بعد الأنبياء، الأنبياء هم المعصومون وأما سائر البشر فهم على خطر في قلوبهم وفي أعمالهم.
(وَبِالله َالتَّوْفِيقُ) التوفيق هو الهداية إلى طريق الرشاد والإعانة على سلوك هذا الطريق جملةً وتفصيلًا.
رحم الله أبا جعفرٍ الطحاوي رحمةً واسعة وجزاه خيرا، فكم انتفع بكتابه هذا وبعقيدته الناس.
ونسأل الله - ﷿ - أن يغفر لنا وله زلَلَنَا وخَطَأَنَا وجدنا وهزلنا.
اللهم إنا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك مما لا نعلم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا واغفر لنا ذنوبنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا.
اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعلنا سالكين لسبيل السلف الصالحين، ومستمسكين بطريق السنة والجماعة. ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وأعنا على ذلك ووفقنا إليه.
وكم استفدنا من هذا الكتاب من فوائد، ولا شك أنَّ طالب العلم لا يستغني عن مطالعة المختصرات ومعرفة شروحها مهما ظن أنَّ المسائل واضحة عنده، فَثَمَّ مسائل في هذا الكتاب كما ترون ما مررنا عليها لا في الواسطية ولا في لمعة الاعتقاد، ثَمَّ مسائل جديدة فيه لم تكن في غيره، فطالب العلم بتكراره لقراءة كتب العلم ولشرحها استماعًا أو أداءً فإنه ما بين معلومة يُؤَكِدُهَا ويثبتها، وما بين شيء جديد يستفيده.
وفي الختام أرجوا وآمل لي ولكم أن نصبر على طريق العلم لأنه في الحقيقة من أراد نجاة نفسه فإنه لا نجاة إلا بالعلم والعمل الصالح، وأنَّ أعظم ما تكون به النجاة العلم بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة، لأنَّ هذا فيه قساءُ القلب وسلامته من الأهواء والشبهات المضلة.
فأنا أوصي نفسي وإياكم بالتأكيد على ذلك ومطالعة هذه الكتب ونشر العلم بحسب ما تستطيعون، يعني المرء ينشره بحسب ما يستطيع في بيته مع زملائه، بل في أي مقام، ينشره بحسب ما يستطيع، والناس محتاجون إلى طلبة العلم أعظم حاجة.
والحمد لله أن هيَّأ لكم من العلم النافع ومن سُبُلِ تحصيله وجود العلماء وسهولة الكتب ووفرة الأمن والصحة وعدم الشواغل التي تشغل الإنسان في أموره العامة، يعني في الأمن وما يُشْغِلْ القلوب والعقول ما يهيئ لنا أن نطلب العلم وأن نبذل فيه، فلا ندري ربما يأتي في وقت قد لا يتمكن الإنسان من أن يطلبه على هذا الوجه، أو أن يتعلم على هذا الوجه.
لهذا احرصوا واغتنموا فراغكم قبل شغلكم، وتفقهوا قبل أن تسوّدوا.
وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.
[ ٧٥٦ ]