قال ﵀ بعد ذلك (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا)
_________________
(١) يريد العلامة الطحاوي ﵀ وأجزل له المثوبة بهذه الجملة من هذه العقيدة النافعة بأنَّ: - أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح يَرَونَ الجماعة حقًا أَحَقَّهُ الله - ﷿ - وأَحَقَّهُ رسوله ﷺ ثابت وخلافه باطل. - وأنهم يرون الجماعة صوابًا في الالتزام بها وفي التمسك بها وفي الحال والمآل وفي الدنيا والآخرة. - وأنَّ خلاف الجماعة والتمسك بها أنه باطل وغلط وضلال. وقابلها بقوله (والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا) يعني يرى أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح يرون الفرقة بأنواعها زيغًا عن الصراط، وزيغًا وبُعْدًَا عما أمر الله - ﷿ - به من الاعتصام بحبله والإتباع لرسوله ﷺ، ويرونها أيضًا عذابًا يعني عُقَوبَةً تُعَاقَبُ بها الأمة -كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وسبب إيراد هذه الجملة في العقائد أمران:
(٢) الأمر الأول: أنَّ أعظم ما حصل به الزيغ والدَّمْ في الأمة وإضعاف الأمة والبدع والمحدثات والشرك وجميع الموبقات بأنواعها إنما حصل من جَرَّاءِ ترك الجماعة والأخذ بالفُرْقَةْ أو استحسان الفُرْقَةْ.
(٣) الأمرالثاني: أنَّ الفِرَقْ الضالة رأت الفُرْقَةْ خيرًا وطلبتها ورَأَتْ الجماعة ضعفًا فنبذتها. ومخالفتهم وترك سبيلهم هو سِمَةُ الفِرْقَةِ الناجية الذين قال فيهم النبي ﷺ: «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» (١) . إذا تبيَّنَ ذلك فهاهنا مسائل:
(٤) سبق ذكره (٥)
[ ٧١٥ ]
[المسألة الأولى]:
في قوله (نَرَى)، كلمة (نَرَى) في هذا الموطن يُرادَ بها الاعتقاد، يعني ونعتقدُ، وليست مذكورةً لأجل أنَّ المسألة اجتهادية، كما يعبر الفقهاء (أرى كذا، وأرى أنَّ الأظهر كذا) فيما سبيله الاجتهاد.
فكلمة (نَرَى) في كتب أهل السنة، في كتب العقائد إذا جاءت بصيغة الجمع فإنه يُرَادُ بها ما قَرَّرَهُ أئمة أهل السنة والجماعة في عقائدهم دون خلافٍ بينهم.
[ ٧١٦ ]
[المسألة الثانية]:
الجماعة جاء ذِكْرُهَا في حديث الافتراق وفي أحاديث أُخَرْ كقوله ﷺ: «الجماعة رحمة والفُرْقَةْ عذاب»، وكقوله «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنًا من كان» (١) وكذلك قوله في حديث الافتراق «إنَّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة»، وفي رواية قال: «هي ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢) .
فكلمة (الجَمَاعَةَ) جاءت في عدد من الأحاديث نَصًَّا، وجاءت في القرآن مَعْنَىً في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، وفي قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني جميعًا دون تفريق، و﴿السِّلْمِ﴾ في الآية يعني الإسلام.
﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كافة.
﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨]، بأن تُفَرِّقُوا بين أمرٍ وأمرٍ من أمور الإسلام، فيجب الدخول فيه كافة، وألَّا يقول المسلم إذا أسلم (أنا أدخل في بعض الإسلام ولا أدخل في بعض، أو ألتزم ببعضٍ ولا ألتزم ببعض أو أُقِرُّ ببعضٍ ولا أُقِرُّ ببعض)، ونحو ذلك.
و(الجَمَاعَةَ) في هذا الموطن اختلف السلف في تفسيرها على عدة أقوال -يعني الآية والحديث وفي غيرهما أيضًا من كلام السلف-.
والذي يجمع كلام السلف كما أوضحته لكم في غير موضع: أَنَّ الجماعة نوعان:
- جماعَةٌ في الدين.
- وجماعَةُ في الأبدان والدنيا.
وأنَّ النصوص تشمل هذا وهذا، وأَنَّ من فَسَّرَ من السلف (الجَمَاعَةَ) بجماعة الدين فإنه -يعني من الصحابة والتابعين - تَفْسيرٌ للشيء ببعض أفراده، كما هو عادة السلف، ومن فَسَّرَهَا بأنها جماعة الأبدان والاجتماع على الإمام وولي الأمر فإنَّهُ يعني بها فردًا أو بعض أفراد الجماعة.
فالجماعة نوعان:
١ - أولًا: جماعةٌ في الدين: وهي الأساس الأعظم لما أنزل الله - ﷿ - به كتبه وأرسل به رسله، فإنَّ الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل أن يجتمع الناس في دينهم، وهو توحيد الله - ﷿ -، عبادته وحده دون ما سواه والبراءة من الشرك وأهله، وطاعة رسوله الذي أرسله على الرسل صلوات الله وسلامه.
وهذا هو الذي جاء في نحو قوله - ﷻ - في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] يعني واجتمعوا عليه، وهو المذكور في قوله ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣] .
وهذا الاجتماع في الدين هو أَعْظَمُ أَمْرٍ لأجله بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَتْ الكتب، وهو الذي من أجله يجاهد المجاهد ويدعو الدَّاعِي، وهو الذي من أجله آتى الله - ﷿ - الرسل الآيات والبينات، أن يجتمعوا لأجل تحقيق الدين، لأجل ألا يفترق الناس في الالتزام بما يُرْضِي الله - ﷿ - فيما يستحقه في العبادة والطاعة له ولرسوله ﷺ.
فيدخل هنا في الاجتماع: الاجتماع في ملازمة الإسلام، والالتزام به، وألا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض، وأن يُدْخَلَ في الإسلام كافَّةْ دون تفريقٍ ما بين مسألة ومسألة -يعني من حيث الاعتقاد والإقرار والإذعان والالتزام-.
٢ - ثانيًا: جماعة الأبدان: يعني اجتماع الأبدان والدنيا بملازمة طاعة من وَلَّاهُ الله - ﷿ - الأمر، والسمع والطاعة في غير معصية الله - ﷿ -.
وهذا النوع وسيلة لتحقيق الأوَّلْ، فالأمْرُ به والنهي عن الخروج عن الولاة والأمْرْ بالاجتماع فيما أَحَبَّ الإنسان وكَرِهْ، كما جاء في الحديث «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره» (٣)، هذا به يتحقق الاجتماع في الدين.
والتفريط في الأول أو في بعضه يُعَاقِبُ الله - ﷿ - به بالفرقة في الثاني أو بعضه -كما سيأتي بالبحث في الفُرْقَة-، وكذلك التفريط في الثاني وهو: السمع والطاعة لولاة الأمور في غير المعصية والاجتماع وعدم الخروج، التفريط في الثاني يُنْتِجُ التفريط في الأول أو في بعضه.
ولهذا ما مِنْ فُرْقَةٍ في الأبدان حصلت في الأمة إلا وكان معها وبعدها من الافتراق في العقائد ونفوذ البدع والمُحْدَثَات ما لا يدخل في حُسْبَان.
فالأمران مترابطان، والجماعة مطلوبَةٌ في هذا وهذا ومأمورٌ بها، وجماعة الدِّين واجتماع الناس في دينهم حقٌ وصواب، وإحداث المحدَثَات باطل وغلط وضلال، وكذلك الاجتماع في الأبدان والدنيا حقٌ وصواب وخلافه بالفُرْقَةْ والخروج باطلٌ وزيغٌ وضلال.
_________________
(١) سبق ذكره مع ما قبله (٤٨٧)
(٢) سبق ذكره (٣٤٤)
(٣) سبق ذكره (٤٨١)
[ ٧١٧ ]
[المسألة الثالثة]:
جماعة الدين حصل فيها الافتراق أو حصل فيها الخلل ووقعت الفُرْقَة قبل الافتراق في الأبدان أو قبل اختلال جماعة الأبدان، وذلك حين نشأت الخوارج في عهد عثمان ﵁، وحدث منهم ما حدث حتى آل الأمر إلى قتل عثمان ثم بعد ذلك وقعت الفُرْقَة واخْتَلَّتْ الجماعة.
وهذا يؤخذ منه أنَّ من دعا إلى الدين والاجتماع عليه وتحقيق التوحيد ونبذ البدع ووسائل الشّرك والبدع وإحلال الحلال وتحريم الحرام والأمر بما أوجب الله - ﷿ - والنهي عن ضد ذلك أنَّ هذا في الحقيقة يدعو إلى الاجتماع في الأبدان، لأنّه إذا اجتمع الناس في دينهم آل الأمر إلى اجتماعهم في أبدانهم، والمسائل مرتَبِطٌ بعضها ببعض.
لهذا كان من اللَّوازِمْ على كل من يطلب معرفة منهج السلف والأئمة وأهل الحديث أن ينظر إلى التلازم العظيم ما بين الجماعة الأولى والجماعة الثانية أو الاجتماع الأول والاجتماع الثاني.
والتوازن فيما بينهما هو سبيل أهل العلم، فإنَّ الناس في هذين الأمرين على ثلاثة أنحاء:
@ الفئة الأولى: منهم من قَدَّمَ تحقيق المطالب الدينية ورَعَاهُ حتى ولو حصل خلل في الاجتماع في الأبدان- يعني بحسب اعتقادهم -.
وهذا هو طريقة من ضل في هذا الباب وغلا من الخوارج والمعتزلة، ومن رَأَى رأيًا يشابه ما قاله الخوارج والمعتزلة ونحوهما.
@ الفئة الثانية: من تساهلت فرَأَتْ المحافظة على الجماعة في الأبدان والدنيا سبيلًا لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة الواجبة وإعلان الحق بضوابطه الشرعية في أمر الجماعة، فَتَرَكُوا إنكار المنكر من الشرك والبدع تَسَاهُلًَا وضَعْفًَا.
@ الفئة الثالثة: هم الراسخون في العلم ومن تَوَلَّاهُ الله - ﷿ - بتوفيقه، فإنهم أخذوا بهذا وهذا، فدعوا إلى الاجتماع في الدين وتحقيق ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنشر العلم النافع والدعوة إلى ذلك وبالنصيحة بطرقها الشرعية، ولم يروا ذلك مُخَالِفًَا لما أوجب الله - ﷿ - من الاجتماع في الأبدان والدنيا، فوازنوا بين هذا وهذا وأَجْرَوا الحكمة في هذا وهذا.
ولا شك أَنَّ أحوال الناس تختلف في مثل هذه المقامات ما بين مقام الأمن ومقام الخوف ومقام الفتنة ومقام الاستقرار.
والراسخون في العلم ومن تبعهم يضعون لكل شيءٍ موضعه، فلا يتركون الأمر والنهي والدعوة والنصيحة لأجل تَوَهُّم أَنَّ هذا يُفَرِّقْ، ولا يأمرون مع مَظِنَّةِ وجود الفرقة.
ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أَنَّ الآمر والناهي إذا ظَنَّ أنه ستحدث مفسدة لأمره ونهيه أكبر مما أَمَرَ به ونَهَى، فإنه لا يُنْكِرْ، وقال: يأثم إذا أنكر) .
لأنَّ الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
وهذا بخلاف التَّوَهُّمْ، لأنَّ التَّوَهُّمْ غير الظن الراجح، غير ما يعلمه أهل العلم مما ستُحْدِثُهُ الأمور.
التَّوَهُّمْ هذا راجع للخوف، فمن الناس من يخاف أن يقول لفلان: اتق الله في كذا وكذا أو صلّ الصلاة، يَتَوَهَّمْ أَنَّ كل شيءٍ سيؤثر على النفوس وأنَّ كل شيء سَيغَيِّرْ، الخ.
وهذه حيلة وطريقة مَنْ تَرَكَ ما أوجب الله - ﷿ -، وهي طريقة بني إسرائيل التي ذم الله - ﷿ - الناس عليها.
لهذا يجب في هذه المسائل أن يؤخذ بطريقة أئمة الإسلام الراسخين في العلم ممن رَعَوا هذا وهذا، وأَنَّ الاجتماع في الدين هو الأصل الذي يجب أن يُدْعَى إليه، وأنَّ الاجتماع في الأبدان والدنيا أنَّ هذا أصل عظيم يجب المحافظة عليه، والموازنة بين هذا وهذا إنما يدركه أهل العلم الراسخون.
وما ضلت الخوارج - يعني في أصلها- إلا لأجل أنهم رأوا أنَّ تحقيق ما يَظُنُّونْ من الشريعة يحصل بقتل عثمان وبجمع الناس على ما يرون، ثم حصل من المعتزلة ما حصل، الخ، فحَصَلَ الفساد والشرّ بسبب التفريط في الموازنة والوسط في هاتين المسألتين العظيمتين.
[ ٧١٨ ]
[المسألة الرابعة]:
في قوله (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا) معنى (حَقًَّا) يعني أَنَّهُ واجبٌ وثابتٌ.
والحق إمَّا أن يَنُصَّ الله - ﷿ - على أنَّهُ الحق أو يُعْلَمْ بما نَصَّ الله - ﷿ - عليه.
و(الجَمَاعَةَ) علمنا ذلك بدلالة ما نَصَّ الله - ﷿ - عليه.
(وَصَوَابًا) يعني أَنَّ من سلك غير طريقها فهو على غير السبيل، وأَنَّ من أراد الصراط المستقيم فهذا هو الصواب وهو ملازمة الجماعة.
[ ٧١٩ ]