دين الإسلام واحد، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، وتعلمه ميسور، وهو دين وسط في كل شيء، وما حاد أحد عن طريقته إلا ضل وزاغت به الأهواء، وتقطعت به السبل، وأسلمته نفسه وهواه إلى إفراط أو تفريط في أي جانب من الجوانب؛ في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو غيرها.
[ ١٠٩ / ١ ]
الإسلام هو دين الله وهو واحد في الأرض والسماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًَا﴾ [المائدة:٣]، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس)].
سيذكر المؤلف ﵀ بعض الأحاديث الدالة على أن دين الله هو الإسلام، ومعنى ذلك، لكن قبل أن نقرأ الشرح أحب أن أشير إلى شبهة حدثت في هذا العصر، بل أصبحت الآن ليست مجرد شبهة بقدر ما تكون أصلًا من أصول الباطل، التي يروج لها كثير من المبطلين، وهي دعوى: أن الديانات السماوية يجب ألا يكون بينها فرق في العصر الحاضر، وأن أهل الديانات يجب أن يعترف بعضهم لبعض بصحة دياناتهم جميعًا، ورفعوا دعوى وحدة الأديان، ودعوى وحدة الديانات الإبراهيمية، ودعاوى كثيرة، كلها تدور على اعتبار أن كل الديانات الكتابية اليهودية والنصرانية والإسلام تمثل دينًا واحدًا صحيحًا، لا فرق بين أصوله وفروعه، وهذا باطل.
وسيأتي من خلال الشرح أن المقصود بأن دين الله واحد: أن الله بعث جميع الرسل بالتوحيد، وهذا حق، وأن الله بعث جميع الرسل بالشرائع، وهذا حق، لكن مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن الأديان السابقة حرفت، بما فيها ديانات أهل الكتاب اليهودية والنصرانية، حرفت وبدلت، ثم نسخت من عند الله ﷿، وأن النبي ﷺ جاء لجميع الأمم، بما في ذلك اليهود والنصارى، ويجب أن يؤمنوا به، وأما الديانات السابقة بما فيها دين موسى وعيسى، اشتملت على وجوب الخضوع لدين النبي ﷺ الذي جاء به، والديانات الكتابية اشتملت على ضرورة أن يكون الإسلام هو ما جاء به محمد ﷺ، هذا أمر.
والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أخبر عن اليهود بخصوصهم، وغيرهم من باب أولى، أنه لا يستقيم لليهود ولا للنصارى دين حتى يؤمنوا به ﷺ، فقال في الحديث الصحيح: (والله لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار) فهو ﷺ أقسم بذلك: (والله)، وفي بعض الروايات بدون القسم، لكن المهم أن الحديث صحيح ورد في مسلم وفي غيره، فعلى هذا لا يصح أن يقال أن الديانات الإبراهيمية واحدة؛ لأنها حرفت وبدلت، ثم أن الله ﷿ ألزم باتباع محمد ﷺ، ومحمد ﷺ جاء بشريعة غير الشرائع الأولى، هي أكمل وأوفى وأوفر وأصفى وأسمى وأسلم، ولم يدخلها التحريف ولا التبديل، وقد تكفل الله بحفظها إلى قيام الساعة، وأمر الله جميع الأمم، بل أمر الله الجن والإنس بأن يؤمنوا بما جاء به النبي ﷺ.
وأشير إلى المسائل الخطيرة الواردة على الأمة، وهي دعاوى: أن من مات من أهل الكتاب فمصيره إلى الجنة، وأن من صدق بالنبي ﷺ وقال بأنه رسول وإن لم يتبعه فهو مؤمن وهو مسلم إلى آخرها من الدعاوى التي بدأت تروج الآن، وقد كانت تروج في السابق، لكن في السابق كان عند المسلمين من حصانة العقيدة وقوة الإيمان والفقه في دين الله ﷿عامة وخاصة- ما يجعلهم لا يقبلون هذه الدعاوى، ولكن في العصر الحاضر عندما اختلفت الثقافات، وكثرت مصادر التلقي عند الناس، وتزعم المثقفون بغير فقه في دين الله الدعوة إلى الله ﷿، وبدءوا يتكلمون باسم الدين، كثر هذا الهرج، وبدأ الخوض، ووقع كثير من المسلمين في هذه الشبهات، حتى إنها أحيانًا تصدر هذه الإشكالات من طلاب العلم، كما يثار الآن مسألة الكافر واليهودي والنصراني إذا مات، وعندما مات بعض أعلام الكفار كأحد اليهود وأحد النصارى، خاض الناس خوضًا عجيبًا يدل على جهلهم ببدهيات الدين، وحتى قال بعضهم: إنه يحكم على هؤلاء بالإسلام، وبعضهم يقول: نتورع بأن نقول: هم كفار وأنهم من أهل النار إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على أن مسألة العقيدة بدأت تهتز في قلوب الناس اهتزازًا عظيمًا، يخشى منه أن يقع بعض الناس في ردة وهو لا يشعر، نسأل الله العافية.
قال رحمه الله تعالى: [ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عامٌّ في كل زمان؛ ولكن الشرائع تتنوع كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًَا﴾ [المائدة:٤٨].
فدين الإسلام هو ما شرعه الله ﷾ لعباده على ألسنة رسله، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يُمْكِنُ كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو
[ ١٠٩ / ٢ ]
ظهور دين الإسلام وسهولة تعلمه
قال رحمه الله تعالى: [فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد، ثم يولي في وقته].
في هذا إشارة إلى أن أصول الإسلام وقواعد الدين وأركانه وواجباته سهلة التعلم، وليس المقصود هنا تعلم شرائع الدين وأحكامه وفوائده على التفصيل، لا؛ لأنه لا يدرك ذلك أكثر الناس، بل يحتاج إلى التبحر في العلم، ولذلك كلف الله ﷿ طائفة من المؤمنين لتعلم دينه ﷾، لكن إدراك الإجماليات سهل على الجميع، كلف الله به الجميع، لم يعذر أحدًا في أن يخل بمعرفة إجماليات الدين بحسب مداركه وبحسب فهمه.
قال رحمه الله تعالى: [واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كـ ضمام بن ثعلبة، والنجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لا يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينتشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: (قل: آمنت بالله، ثم استقم).
وأما من شرع دينًا لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ، ولا عن غيره من المرسلين؛ إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق].
يعني: أن كل من شرع شيئًا وزعم أنه من الدين، سواء كان في العقيدة، أو في العبادة، أو في الأحكام، أو الأعياد أو نحو ذلك من التشريعات؛ فإنها تدخل في مفهوم الدين، بعض الناس قد لا يفهم من الدين إلا العقيدة، وبعض الناس قد لا يفهم من الدين إلا العقيدة والعبادة، لكن الصحيح أن كل من شرع دينًا، حتى وإن كان في أمور الأحكام البسيطة أو في مفردات الأحكام، فإنه يدخل في مفهوم مَنْ شرع دينًا، ما دام ادعى أنه من عند الله وليس من عند الله، ولذلك سمي هؤلاء الذين خالفوا في العقيدة: أهل بدع، والذين خالفوا في العبادة: أهل بدع، والذين شرعوا أحكامًا من دون شرع الله ﷿: أهل بدع، والذين شرعوا أعيادًا من دون الأعياد الشرعية: أهل بدع وهكذا.
[ ١٠٩ / ٣ ]
دين الإسلام بين الغلو والتقصير
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (بين الغلو والتقصير) قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًَا طَيِّبًَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:٨٧ - ٨٨].
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ، سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وفي غير الصحيحين: (سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها).
وذُكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة ﵃ في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧].
يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل، وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فنزلت فيهم، فبعث النبي ﷺ إليهم فقال: (إن لأنفسكم عليكم حقًا، وإن لأعينكم حقًا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا، فقالوا: اللهم سلَّمنا واتبعنا ما أنزلت)].
[ ١٠٩ / ٤ ]
دين الإسلام بين التشبيه والتعطيل
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين التشبيه والتعطيل): تقدم أن الله ﷾ يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا يُنفى عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس به رسوله ﷺ، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى].
التعطيل يشمل تعطيل الجهمية ومن سلك مسلكهم، وهو إنكار أسماء الله وصفاته، وتعطيل المعتزلة وهو إنكار صفات الله ﷿ أو بعضها، ويشمل أيضًا التأويل؛ لأن التأويل هو نوع من التعطيل، التأويل لمعاني وحقائق أسماء الله وصفاته الواردة في ألفاظ الكتاب والسنة إلى معان وحقائق أخرى متوهمة، هذا التعطيل، ولكنه تعطيل بحيلة الاشتباه والمجاز ونحو ذلك، ويشمل ذلك تأويل الأشاعرة والماتريدية ومن سلك سبيلهم، فهو نوع من التعطيل.
قال رحمه الله تعالى: [ونظير هذا القول قوله فيما تقدم: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زَلَّ ولم يصب التنزيه).
وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ردٌّ على المشبهة، وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ردٌّ على المعطلة].
[ ١٠٩ / ٥ ]
دين الإسلام بين الجبر والقدر
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين الجبر والقدر): تقدم الكلام أيضًا على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش، وحركات الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعبد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى].
هذا فيه إشارة إلى مذهبين متفاضلين كلاهما في القدر، والحقيقة كل الأمر يرجع إلى القول في القدر، فمن أصول الجهمية الكبرى القول بالجبر، ويقصدون بالجبر أن الإنسان مجبور على أفعاله، ليس له فيها أي إرادة ولا حرية ولا تكليف، حتى يسقطون التكليف عن العباد، ومذهب الجهمية انتقل بعد القرن الثالث وما بعده إلى أكثر طرق الصوفية، وهو عند بعض أهل الأهواء، وبعض النزعات العقلانية ونحوها.
ومذهب القدرية الأولى قضية معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ثم قضية المعتزلة، والكلام كله يتعلق بالقدر، لكن سمي هذا بالجبر؛ لأنه يلغي اعتبار قدرة الإنسان، ويقول بأنه مجبور على الفعل، أما قول القدرية فهم يزعمون أن الإنسان مقدر أفعاله، أو أنه خالق أفعاله أو بعض أفعاله، بعضهم قد يقول: إن الإنسان يقدِّر جميع الأفعال، وبعضهم يقول: إن الإنسان هو الذي أوجد أفعال الشر، ولم يكن لله ﷿ فيها تقدير، وهذا ما عليه متأخرة المعتزلة وليس كلهم، لكن عليه عموم المعتزلة.
[ ١٠٩ / ٦ ]
دين الإسلام بين الأمن والإياس
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين الأمن والإياس): تقدم الكلام أيضًا على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفًا من عذاب ربه، راجيًا رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة].
يعني: الأمن من عقوبة الله ﷿ ومن بطشه وعذابه، أما الأمن المطلق فهو بمعنى ألا يخاف الإنسان من ذنوبه، وأنه بإمكانه أن يرتكب المعاصي ثم يطمئن على مصيره، فهذا الأمن الذي لا يجوز، وهو الذي قالت به الجبرية السابقة؛ لأن القول بالأمن نتيجة للقول بالجبر، والإرجاء الغالي نتيجة للقول بالجبر، فعلى هذا الآمنون من مكر الله ﷿ ومن بطشه وعقابه وعذابه هم غلاة الجهمية، وعلى هذا المذهب غلاة الصوفية كذلك، وأيضًا غلاة المرجئة عمومًا في كل زمان، والإرجاء قد يكون مذهبًا، وقد يكون مسلكًا شخصيًا أو رأيًا فرديًا، وقد يوجد الإرجاء في أفراد لا يعرفون عقيدة المرجئة كعقيدة مفلسفة أو مقننة، لكنهم تميل طبائعهم إلى الإرجاء الغالي، فيهلكون بالأمن من مكر الله ﷿ ومن عذابه وعقابه.
إذًا: الأمن المطلق هو نتيجة للقول بالإرجاء الغالي، ومن هنا زعم هؤلاء الأمن من مكر الله مطلقًا، فزعموا أنهم من أهل الجنة مطلقًا، وأنه لا يدخل النار أحد، وكذلك الإياس عكس ذلك، فالإياس هو مذهب الخوارج؛ لأنهم متنطعة ومتشددة، ويميلون إلى اليأس من رحمة الله ﷿، ولذلك يضيقون على أنفسهم وعلى الناس، ثم قرن هذا المذهب بصنف النساك والعباد الأوائل، وأغلبهم امتداد للخوارج، الخوارج أينما واجهتهم الأمة انقسموا إلى قسمين: قسم قاتل بالسيف فهلك أو أهْلَك، وقسم مال إلى العزلة والعبادة، لكنه بقي على التنطع والتشدد، وهؤلاء غلاة العباد الذين حصل منهم الصعق عند قراءة القرآن، وحصل منهم شيء من اليأس من رحمة الله ﷿، وتيئيس الناس من الرحمة، ثم صار مذهبًا في العباد والنساك فيما بعد، ولا يزال مذهبًا فرديًا عند كثير من الناس، لكن الأصل فيه أنه موجود عند الخوارج والطوائف الغالية في الدين دائمًا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٠٩ / ٧ ]
الأسئلة
[ ١٠٩ / ٨ ]
حكم من يقول: إن العقيدة يمكن دراستها في دقائق
السؤال
ما رأيك فيمن يقول: إن العقيدة يمكن دراستها في دقائق؟
الجواب
هذا كلام مجمل، إذا كان المقصود بدراسة العقيدة في دقائق، يعني: استعراض مجملات الدين، كما كان النبي ﷺ يقول لبعض الصحابة، كما مر قبل قليل في الدرس، فهذا يمكن أن يحمل على أنه صحيح في الجملة، فالعقيدة في الجملة هي مجملات الدين، وقواعد الدين العامة، ويمكن أن يقول الإنسان: إن من جماع العقيدة أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وكل هذا صحيح.
وهذه يتم إفهامها وإبلاغها للناس في أقل من دقيقتين.
إذًا: هذا الكلام مجمل، قد يصح من وجه، ولا يصح من وجه آخر.
[ ١٠٩ / ٩ ]