للناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: الأول: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، وهذا هو قول السلف أصحاب المنهج الحق، ومن عداهم قولهم إما باطل محض أو لا يخلو من باطل، ومن هؤلاء القائلون بأن الكلام اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزءَ مسماه، بل هو مدلول مسماه، ومنهم القائلون بأنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز، ومنهم القائلون بأنه مشترك بين اللفظ والمعنى، ويعنون بذلك أن كلمة (كلام) قد تطلق على اللفظ فقط أو على المعنى فقط.
[ ٢٩ / ١ ]
ما عليه أكثر متأخري الحنفية من كون الكلام معنى واحدًا والعبارات مخلوقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد].
الضمير يرجع إلى كلام الله ﷿، ولا يزال الشارح في سياق الحديث عن كلام الله ﷿، والرد على الذين أنكروا الكلام، ومن أجل أن نربط اللاحق بالسابق أذكر بهذه المسألة بإيجاز، فالشارح هنا يقرر مذهب السلف في الإنكار على الذين تكلموا في كلام الله تعالى بغير الحق، وهم صنفان: الصنف الأول: الذين أنكروا كلام الله مطلقًا وقالوا بأن القرآن مخلوق، وهم المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم من بعض أهل الكلام.
الصنف الثاني: الذين قالوا بأن كلام الله تعالى معنى قائم بالنفس، وفصلوا كلام الله تعالى عن مشيئته، وقالوا بأن الكلام لا علاقة له بالمشيئة، وهذا فرع عن قول الكلابية، أي: قول الأحناف، وهو قول الماتريدية، عبر عنهم بالحنفية هنا؛ لأن الماتريدية أغلبهم أحناف، والأحناف أغلبهم ماتريدية، والأشاعرة وطوائف من المتكلمين قولهم يتشابه وإن اختلف تعبيرهم، فكل قولهم امتداد لقول الكلابية الذين قالوا في كلام الله تعالى بأنه معنى قائم بالنفس، وأنكروا أن يكون لله كلام يتجدد أو أن الله تعالى يتكلم متى شاء، فأنكروا تعلق الكلام بالمشيئة، وبناء على ذلك أيضًا أنكروا أفعال الله الاختيارية مطلقًا، أو تعلق أفعال الله تعالى الاختيارية بالمشيئة، وهو قول لزم إنكار المشيئة، حيث قالوا بأن الله لا يفعل الكلام متى شاء، إنما كلامه معنى واحد، تعالى الله عما يزعمون، فإن عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإن عبر عنه بالعربية صار قرآنًا إلى آخره.
فالشارح يرد على هذه الفئة، يرد على الذين أنكروا أن يكون الله ﷿ يتكلم متى شاء، وأن الكلام متعلق بالمشيئة، وأنكروا أفعال الله الاختيارية تبعًا لذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزي والتبعض في الحاصل في الدلالات، لا في المدلول، وهذه العبارات مخلوقة، وسميت (كلام الله) لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام، قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازًا].
على هذا يكون قولهم في كلام الله تعالى مبنيًا على خمس قواعد كلها تفرعت عن الأصل الأول، وهو إنكار أفعال الله الاختيارية.
فالقاعدة الأولى عندهم -وقد وافقوا فيها الجهمية والمعتزلة- قولهم: إنه معنى واحد.
والثانية: أن التعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض في الدلالات لا في المدلول.
والثالثة: أن هذه العبارات مخلوقة.
أي: عبارات القرآن، وهذا مؤداه قول الجهمية، لا يختلفون فيه عن قول الجهمية.
والرابعة: قولهم: إن كلام الله سمي بذلك لدلالته على كلام الله، وليس لأنه كلامه بذاته، بل لتأديه به، وفرعوا عن هذا أنه إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، ثم اختلفت العبارات لا الكلام، أي: أن الكلام أصله واحد.
وقولهم: (اختلفت العبارات) دليل على أنهم يرون العبارة مخلوقة وأن الكلام هو صفة الله، فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المبدأ ووافقوهم في النهاية.
الخامسة: قولهم: (وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازًا) وهذا كلام خطير؛ لأن المجاز غير الحقيقة، والمجاز يمكن أن يفسر بأكثر من تفسير، أما الحقيقة فلا تفسير لها إلا تفسير واحد، ومن هنا وقعوا فيما وقع فيه الجهمية من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
[ ٢٩ / ٢ ]
فساد القول بأن كلام الله تعالى معنى واحد وأن ما أنزله إنما هو تعبير عنه
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام فاسد؛ فإن لازِمَه أن معنى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]].
لأنهم حينما زعموا أن كلام الله معنى واحد، وأن التعبيرات عنه مخلوقة؛ يكون معنى ذلك أن الأمر والنهي قبل التعبير شيء واحد، والواجب والمحرم شيء واحد لا فرق بينهما؛ لأن التفريق إنما جاء في التعبير فيما بعد على ألسنة الأنبياء، وليس من كلام الله ﷿، وهذا يؤدي إلى القول الباطل.
قال رحمه الله تعالى: [ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١]، وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده وعلم أنه مخالف لكلام السلف.
والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧].
ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب قراءة القرآن.
بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف كما قال أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: المكتوب في المصحف كلام الله؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ونحو ذلك.
وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه خط فلان الكاتب، وهذه المعاني الثلاثة مغايرة لمعنى قول القائل: فيه كلام الله.
ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب.
وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم يهتد له فهو ضال أيضًا، ولو أن إنسانًا وجد في ورقة مكتوبًا: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) من خط كاتب معروف؛ لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا (كل شيء) حقيقة، وهذا حبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى.
والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ َ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، وقال ﷺ: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وتارة يذكر ويراد به المقروء: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقال ﷺ: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين، فالحقائق لها وجود عيني، وذهني، ولفظي، ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة، وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان.
والفرق بين كونه في زبر الأولين وبين كونه في رق منشور أو لوح محفوظ أو في كتاب مكنون واضح: فقوله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمدًا مكتوب عندهم، إذ القرآن أنزله الله على محمد ﷺ، لم ينزله على غيره أصلًا، ولهذا قال: في الزبر، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن (الزبر) جمع (زبور)، والزبر هو الكتابة والجمع.
فقوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد ويبين كمال بيان القُرْآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: ذكره، بخلاف قوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] أو: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] أو: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨]؛ لأن العامل في الظرف إما أن يكون من الأفعال العامة مثل الكون والاستقرار والح
[ ٢٩ / ٣ ]
ذكر الأقوال فيما يتناوله مسمى الكلام عند الإطلاق
قال رحمه الله تعالى: [وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن معًا، وهذا قول السلف.
الثاني: أنه اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم.
الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية].
هذه الأقوال الثلاثة كلها أقوال المتكلمين، أعني الثاني والثالث والرابع، وربما يشتبه الرابع مع الأول، فكأنهما بمعنى واحد، لكن بينهما شيء من الفروق، وهذه الفروق لا تتبين إلا من خلال اللوازم التي تلزم على كل قول.
فالقول الأول هو قول أهل السنة، بل قول جمهور أهل العلم وغالب أهل اللغة من غير المتكلمين، وهو أن كلمة الكلام إذا أطلقت تشمل اللفظ والمعنى جميعًا، وهذا أمر بدهي عند العقلاء قبل أن يأتي تشقيق العلوم والتفلسف فيها، ولو ترك الناس على بديهاتهم دون أن تدخل عليهم شبهات لما فهموا إلا ذلك، وهو أن الكلام يشمل اللفظ والمعنى، وأنه ما من كلام مفيد إلا وله معنى، وما من معنى مفيد يعبر عنه الناطق والمتكلم إلا ويكون التعبير عنه بلفظ.
والإشارة قد يعبر بها، لكن الإشارة تنوب عن الكلام إذا عدم الكلام أو عدمت آلته، وهذا أمر شاذ، وإلا فالأصل في الكلام أنه يشمل اللفظ والمعنى.
والقول الرابع الذي أشار إليه يختلف قليلًا عن القول الأول؛ لأن الذين قالوا به قالوا: إن الكلام مشترك بين اللفظ والمعنى، فقولهم: (مشترك) يعنون به أن كلمة (كلام) قد تطلق على اللفظ فقط وقد تطلق على المعنى فقط، وقد تطلق عليهما.
وهذا القول لجئوا إليه ليخرجوا عن إثبات الكلام لله ﷿ بحرف وصوت، فقالوا: نعم قد يطلق الكلام على اللفظ والمعنى، ولكنَّه أيضًا قد يطلق على اللفظ فقط، وقد يطلق على المعنى فقط.
وأهل السنة والجمهور من أهل العلم وأهل اللغة يقولون: الكلام إذا أطلق فلا بد أن يشمل اللفظ والمعنى، إلا إذا كان هناك ما يقيد، أو كان هناك قرينة، كأن يكون المعبر أخرص، فإنا نعرف أن إشارته ليست كلامًا إنما أراد معنى معينًا، فهذه قرينة، أو كان اللفظ يدل على إطلاق الكلام على أحد الأمرين: اللفظ أو المعنى، أما إذا أطلقت كلمة كلام فإنها تشمل اللفظ والمعنى، ولا يجوز أن تكون مشتركة بمعنى أنها قد تخص بأحد الأمرين بغير قرينة وبغير شاهد.
قال رحمه الله تعالى: [ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن].
يقصد أبا الحسن الأشعري، وربما يكون هناك في الاسم تصحيف وتحريف، والله أعلم؛ لأنه نقل مثل هذا القول عن أبي الحسين الطبري، لكن روي عن الأشعري وليس هو المشهور عنه، فربما قاله في بعض مراحل حياته، أما المشهور عنه في الكتب الأخيرة فهو أنه ينفي هذا القول، بل إنه ساق في (المقالات) قول من قالوا بأن صفات الله مجازية -ومنها الكلام- بما يشبه الإنكار له ولم يؤيده، مع أنه إذا كان يؤيد الرأي فهو يقول به.
فعلى كل حال يمكن أن يكون هذا قولًا للأشعري، لكنَّه قول مغمور وليس هو المشهور عنه.
قال رحمه الله تعالى: [ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائمًا بغير المتكلم، بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، وهذا مبسوط في موضعه].
[ ٢٩ / ٤ ]
موافقة أبي الحسن الأشعري لابن كلاب في مسألة كلام الله وغيرها
القول بأن الكلام قائم بالمتكلم بخلاف كلام الله تعالى فإنه لا يقوم به من المسائل التي بقيت عند الأشعري بعد رجوعه إلى السنة، وخالف فيها أهل السنة وتابع فيها ابن كلاب الذي تأول الصفات وأنكر ما يسمونه قيام الأفعال بالله، فهو ومن نحا نحوه يزعمون بأن اعتبار الكلام من الله ﷿ بحرف وصوت يعني قيام الأفعال به، كما أن النزول من قيام الأفعال به، ونحو ذلك، فهم يؤولون هذه الصفات أو ينكرونها، فعلى هذا تكون أقوال الكلابية ثلاثة، وهي أقوال أهل الكلام؛ لأن الكلابية هي أصل أهل الكلام، لكنهم توسعوا بعدها توسعًا عظيمًا، حتى أدخلوا على مذهبهم بعض أصول الجهمية والمعتزلة، فأقوال الكلابية ثلاثة: الثالث والرابع بترتيب المؤلف، وثالثها هذا القول المروي عن أبي الحسن، وأبو الحسن كلابي، وهذا أيضًا مما ينبغي أن يفهم؛ كما سيأتي في مسائل كثيرة في بقية مباحث الطحاوية، فـ أبو الحسن ﵀ كلابي يوافق ابن كلاب في مسألة كلام الله تعالى على الخصوص، وفي إنكار قيام الأفعال أو تأويل أفعال الله ﷿ أو الصفات الفعلية، وهذا ما انحرفت به الكلابية عن مذهب أهل الحديث، هذه المسألة بالذات هي التي انحرفت بها الكلابية عن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة، وصارت بذلك فرقة متكلمة، وأبو الحسن الأشعري في هذه المسألة كلابي، وإن كان يوافق سائر أصول أهل السنة والجماعة كـ ابن كلاب نفسه، فـ ابن كلاب -وهو عبد الله بن سعيد القطان - يوافق أهل السنة في سائر الأصول، لكن يخالفهم في هذه المسألة فقط، ليس في غيرها، وكذلك أبو الحسن الأشعري يوافق أهل السنة في سائر الأصول، لكن يخالفهم في هذه المسألة، وهذا الباب والمنفذ هو الذي دخل من خلاله المتكلمون فيما بعد، كـ الجويني في مرحلته الأولى في حياته، والرازي في مرحلة حياته الأولى ومن جاء بعدهما.
[ ٢٩ / ٥ ]
ضلال المتكلمين في انتهاج رد خبر الآحاد في الاعتقاد واستدلالهم بشعر للأخطل النصراني
قال رحمه الله تعالى: [وأما من قال: إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فاستدلال فاسد].
الذين قالوا: إنه معنى واحد هم من ورثة الكلابية، وهم أهل الكلام.
قال رحمه الله تعالى: [ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به.
فكيف وهذا البيت قد قيل: إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه؟! وقيل: إنما قال: (إن البيان لفي الفؤاد)، وهذا أقرب إلى الصحة].
مسألة متعلقة بمنهج الاستدلال عند المتكلمين، وأشار إليها هنا الشارح إشارة طيبة وجيدة تحتاج إلى وقفة يسيرة.
فهؤلاء المتكلمون لا يستدلون بحديث الآحاد في مسائل العقيدة، وإن كانت أحاديث الآحاد أصلًا في كثير من مسائل الدين، بل أصل كثير من مسائل الدين القطعية التي عمل بها المسلمون إلى يومنا هذا، سواء كانت اعتقادية أو عملية، كثير منها ثبت بأحاديث الآحاد، بل من ذلك ما هو من قواعد الدين الكبرى، مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) هذا حديث آحاد، ومع ذلك أجمعت الأمة على العمل به وأنه قاعدة من قواعد الشرع، وهكذا كثير من مسائل الاعتقاد ومسائل الأحكام القطعية، وأهل الكلام يقولون: لا نستدل في العقيدة بحديث الآحاد، والشارح يقول: سبحان الله! إذا جئناكم بحديث صحيح في الصحيحين في أمر العقيدة نستدل به على ما يقوله أهل السنة والجماعة ويخالف أصولكم؛ قلتم: هذا حديث آحاد لا نأخذ به، ثم تأتون لنا ببيت لشاعر نصراني عبر عن عقيدته بكلام لا يفهم، أو يفهم منه غير ما يطابق قول أهل السنة والجماعة، ثم إنه كلام لم يثبت، وهو قول آحاد، لم ينسبه إلى نبي معصوم ولم ينسبه إلى إمام ثقة، فكيف تقولون بأن هذا دليل على قولكم بأن الكلام هو ما في الفؤاد، وهو معنى واحد، وتأتون لنا بكلام شاعر ليس بحجة في الدين؟! فحينما تركوا السنة الثابتة بطريق الآحاد جاءوا ليستدلوا بأمثال هذا، بل استدلوا لكثير من أصولهم بالشعر، مثل نفيهم للاستواء، فقد استدلوا له بقول القائل: استوى بشر على العراق، وهذا كلام لا ندري لمن نسب، وسواء كان لمجهول أو لمعلوم؛ فهو ليس بكلام إمام هدى فضلًا عن أن يكون عن رسول الله ﷺ، فهم في الوقت الذي يردون فيه حديث الآحاد الصحيح يأخذون بأشعار وأقوال لا أصل لها، أو أن أصلها لا يعتمد عليه، فهو هنا يريد أن يستدل على فساد منهجهم في هذه الأمور.
[ ٢٩ / ٦ ]
خطأ استدلال المتكلمين ببيت الأخطل في مسألة الكلام
قال رحمه الله تعالى: [وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به؛ فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى ﵇ نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت، أي: شيء من الإله بشيء من الناس! أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟! وأيضا: فمعناه غير صحيح؛ إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلمًا؛ لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به ولم يسمع منه، والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة.
وهنا معنى عجيب، وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت، فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وإنما النظم المسموع مخلوق، فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ﵇، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه!].
على أي حال هذا وجه من وجوه الشبه بين المتكلمين وأهل الكتاب أو الأمم الأخرى، وإلا فسيأتي من خلال درس الفرق والأهواء ربط كثير من أصول المتكلمين -سواء الفرق الأولى كالرافضة، والذين جاءوا فيما بعد كالقدرية والمعتزلة والجهمية، والذين ورثوهم كالكلابية والأشاعرة والماتريدية- التي خالفوا فيها السنة بالديانات والملل والمذاهب الأخرى بقرائن ودلائل قوية، فمنها ما يوجد له أصل عند اليهود، ومنها ما يوجد له أصل عند النصارى، ومنها ما يوجد له أصل عند الفلاسفة من اليونان والصابئة، وهذا كثير جدًا، بل أحيانًا تجد كلمات المتكلمين بمصطلحاتها عند الفلاسفة بمصطلحاتها، فأحيانًا لا يترجمون الكلمة، بل يأتون بها كما هي عند فلاسفة اليونان، وكما هي عند فلاسفة الصابئة، إضافة إلى شَبَهٍ لبعض أصول المجوس وبعض أصول الديانات الهندية، هذا كله -إن شاء الله- سيأتي من خلال درس الفرق، أي: ربط أصول الفرق المنحرفة بأصول الأمم الضالة، وليس ذلك على سبيل التكلف، إنما هو مصداق لقول الصادق المصدوق ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة -وفي رواية: شبرًا بشبر وذراعًا بذراع- حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم) وفي رواية: (لدخلتموه).
إذًا: كوننا نربط أصول المخالفين لأهل السنة والجماعة بالديانات الأخرى ليس ذلك على سبيل التكلف والتمحل، إنما على سبيل تحقيق ما أخبر به النبي ﷺ وبقرائن واضحة، وسيأتي لهذا إن شاء الله مزيد تفصيل.
[ ٢٩ / ٧ ]
ردود على من اعتقد أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس
قال رحمه الله تعالى: [ويرد قول من قال بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله ﷺ: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)، واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته، واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام].
هنا يناقش القائلين بأن كلام الله تعالى معنى قائم في النفس، وأن هذه الحروف والأصوات التي هي القرآن الكريم الذي بين أيدينا تعبير عن كلام الله عبر به مخلوق، وأحيانًا يقولون: هذا المخلوق أصوات وحروف خلقها الله في الكون، فتمثلت أصواتًا سمعها النبي ﷺ أو جبريل، وأحيانًا يقولون: هو معنى ألقاه الله إلى جبريل فعبر عنه وألقاه إلى محمد ﷺ، وأحيانًا يقولون بأنه معنى ألقي في قلب النبي ﷺ فعبر عنه، وكل هذه المعاني باطلة، بل القرآن هو كلام الله ﷿ أنزله الله على رسوله ﷺ، وأنزله بالوحي المباشر للنبي ﷺ، وسمعه النبي ﷺ أيضًا من جبريل.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضًا ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب].
هذا المفهوم لم يكن محل نقاش عند السلف في القرون الثلاثة الفاضلة إطلاقًا، بل كان من المسلمات؛ لأنهم يفقهون معاني الألفاظ بالعربية، وقد تلقى هذا المعنى وهذا المفهوم عن النبي ﷺ الصحابة، وتلقاه التابعون عن الصحابة، إلى أن جاء المتكلمون الذين تأثروا بالفلسفة، فالفلاسفة مذاهبهم في كلام الله ﷿ كثيرة، لكن منها اعتقاد أن كل ما يصدر عن الله ﷿ معان، ومن ذلك كلامه أو ما يعبر عنه بكلامه، وأكثر الفلاسفة لا يؤمنون بالكتب المنزلة، لكن هناك من أتباع الأنبياء من تأثر بالفلاسفة فأخذ بمفهوماتهم حول تفسير الظواهر من حولهم، تفسير ظواهر الحياة، ومن ذلك تفسير الكتب المنزلة على أنها معان أو معقولات تصدر عن مخلوقات، هذا غاية ما عند الفلاسفة، وهذا التصور انتقل إلى المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، فقالوا بأن كلام الله معنى وليس بكلام حقيقي بحرف وصوت، وفرعوا على هذه الفلسفة أشياء كثيرة، ثم انتقلت في منتصف القرن الثالث إلى الكلابية، فأخذوا بها وقالوا بأن كلام الله معنى قائم بالنفس، أو نحو هذا، لما قامت الفرق الكلامية التي توسعت في الكلام -وهي الماتريدية ومتكلمة الأشاعرة وسائر المتكلمين الآخرين الذي قد لا ينتسبون إلى فرقة- قال أغلبهم بهذه المقولة، وما ذلك إلا استجابة لشبهات الفلاسفة ومن تأثر بهم، وهو الآن يرد عليهم بمقتضى اللغة وبمقتضى فهم السلف، وبمقتضى الأحاديث والنصوص الصريحة في تحديد معنى الكلام، وببيان مفهوم الكلام عند السلف، سواء الكلام مطلقًا، أو الكلام المخصص من الأفراد، أو كلام الله ﷿ عمومًا، أو كلام الله بالقرآن على وجه الخصوص.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضًا في السنن أن معاذًا ﵁ قال: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!).
فبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر.
ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر؛ فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك].
[ ٢٩ / ٨ ]
اعتقاد أن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى لازمه القول بخلق القرآن
قال رحمه الله تعالى: [ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه ﷾ يشير إلى ما في نفسه أو هذا إلى المتلو المسموع؟! ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع، إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا متلو ولا مسموع].
القرآن -كما هو معروف وكما جاء في النصوص- تكلم به الله ﷿ كما يليق بجلاله، ثم سمعه جبريل ﵇ من الله ﷿ وأسمعه لرسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ سمع القرآن من جبريل بطريقة الوحي المعروفة، فالقرآن ليس منه شيء بإلهام، وليس منه شيء مسموع من غير معرفة المسموع منه، أي: لا يسمع من مجهول، وليس في القرآن شيء جاء عن طريق المنام أو عن طريق التخيل، ولا عن طريق الخرافة، فطرق الوحي الكثيرة كلها لم يرد فيها القرآن إلا بالطريقة التي هي عن جبريل ﵇، وسمعه الرسول ﷺ منه كما سمعه جبريل من الله ﷿.
إذًا: فالقرآن بمراحله الثلاث هو كلام الله، لكن المتكلمين خالفوا المعتزلة في بعض المراحل، فالمتكلمون يعترفون بأن النبي ﷺ تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وبعضهم يقول بأن النبي ﷺ سمعه من جبريل بحرف وصوت، لكن ينكرون أن يكون تكلم الله به، ومن هنا يوافقون الجهمية والمعتزلة في المنهاج، لكن يخالفونهم في الطريق الأخيرة وما قبل الأخيرة، ومع ذلك يتردد بعضهم في أن يكون جبريل تكلم به أو نطق به لرسول الله ﷺ بحرف وصوت، فهم مضطربون في ذلك أشد الاضطراب، بل إن بعض المتكلمين يميل إلى أن النبي ﷺ لم يسمعه بحرف وصوت، إنما عبر عنه، وهذه الفئة توافق المعتزلة والجهمية موافقة مطلقة إلا في الألفاظ، وعادة المتكلمين أنهم يحاولون أن يلطفوا ألفاظهم، فلا يأتون بأمور ترد النصوص ردًا صريحًا كما يفعل الجهمية والمعتزلة، إنما يحاولون التلفيق، ويقولون: إن أردنا إلا التوفيق بين السنة وبين المعقولات، وهذه دعوى المنافقين.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه؟! وما في نفس الباري ﷿ لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه.
فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا؛ فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة؛ فإن حكاية الشيء مثله وشبهه، وهذا تصريح بأن صفات الله تعالى محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! ويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف، وليس القرآن إلا سورًا مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ [هود:١٣]، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٣ - ١٤].
ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات، قال ﷺ: (أما إني لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين.
قال الشيخ حافظ الدين النسفي ﵀ في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى.
وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية.
وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن يكون مجنونًا فيداوى، أو زنديقًا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل بنظمه ومعناه].
[ ٢٩ / ٩ ]
أدلة عقلية على بطلان القول بأن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى
هذا معلوم حتى في بديهات العوام، أعني مسألة التفريق بين الكلام والمعنى القائم بالنفس، فلو كان القرآن مجرد معنى لكلام الله تعالى وليس هو كلامه لما صح عند الناس وفي عرفهم أن يقال مثلًا: تعال -يا فلان- أقرأ عليك كلام الله، أو: اقرأ كلام الله؛ لأنه لو كان معنى لقيل: تعال لأقرأ عليك معنى كلام الله، هذه ناحية.
الناحية الأخرى فيما يتعلق بترجمات معاني كتاب الله، فلو كان القرآن ليس بحرف وصوت من كلام الله ﷿ لصح أن نترجم القرآن، لكن عند أهل العلم لا يصح إطلاقًا أن نترجم القرآن بذاته، إنما تترجم معاني القرآن؛ لأن القرآن بذاته هو هذا الذي بين أيدينا بحروفه وأصواته، فلو كان كلامًا مخلوقًا ككلام المخلوقين لصح أن نترجم القرآن، فيجوز لأي إنسان من الناس أن يتكلم بالقرآن بأي لغة، ويقال: هذا هو القرآن، فيقرأ بالانجليزية ويقال: هذا هو القرآن، ويقرأ بالأردية ويقال: هذا هو القرآن، لكن عند جميع أهل العلم لا يصح أن يتلو أحد معنى آية بالأردية ثم يقول: هذه آية من كتاب الله، بل العجم كلهم المسلمون اليوم يقرءون كتاب الله بلفظه العربي، وإذا عبروا عن معانيه بغير العربية قالوا: معاني القرآن، ولا يقولون: هذا القرآن، حتى هؤلاء المبتدعة الذين يقولون هذا القول لا يجرؤ أحد منهم على أن يقول إذا عبر عن معنى بغير العربية من معاني آيات الله: هذا هو القرآن، أو: هذا كلام الله، أو: هذه آية، إنما يقول: هذا معنى آية، أو ترجمة معنى آية، أو ترجمة معنى القرآن ونحو ذلك.
إذًا: هذا أمر معلوم بالضرورة، لكن الأمور قد تشتبه على مثل هؤلاء لتعلقهم بشبهات المتكلمين والفلاسفة.
[ ٢٩ / ١٠ ]
كلام الله ليس كلام البشر ولا يشبه كلامهم
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ومن سمعه وقال: إنه كلام البشر فقد كفر)، لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله، بل قال: إنه كلام محمد أو غيره من الخلق، ملكًا كان أو بشرًا.
وأما إذا أقر أنه كلام الله ثم أوَّل وحَرَّف فقد وافق قول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان، وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) إن شاء الله تعالى].
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا يشبه قول البشر)].
المقصود هنا قول الله ﷿، أي: لا يشبه قول الله تعالى قول البشر، أو لا يشبه كلامه قول البشر.
قال رحمه الله تعالى: [يعني: أنه أشرف وأفصح وأصدق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود:١٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨]، فلما عجزوا -وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة- عن الإتيان بسورة مثله؛ تبين صدق الرسول ﷺ أنه من عند الله.
وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي: باللغة العربية.
فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف، وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقَِّ﴾ [آل عمران:١ - ٣] الآية، ﴿المص﴾ [الأعراف:١] «كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ» [الأعراف: ٢]، قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١]، وكذلك الباقي، ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم].
[ ٢٩ / ١١ ]
ما تذرع به أهل الكلام من إثبات الإعجاز في معنى القرآن دون لفظه لنفي تكلم الله به
قال رحمه الله تعالى: [ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبرائيل منه].
يشير إلى أن كثيرًا من أهل الكلام يزعمون أن القرآن إنما هو معجز من حيث معناه، من حيث إنه معنى قائم بنفس الله ﷿، لا من حيث إنه هذا الكلام الذي هو بلسان عربي مبين؛ لأنهم يقولون: لو كان التحدي لمجرد كونه بالعربية لما أعجز العرب ذلك، إنما أعجزهم لأن التحدي متعلق بالمعنى القائم بنفس الله ﷿ كما يعبرون هم، فلذلك يجعلون الإعجاز فيما يتعلق بأصل الكلام عندهم، وهو أنه المعنى القائم بالنفس، أي: بنفس الله ﷿، وهذا باطل؛ فإن الإعجاز ينصرف إلى القرآن كله بمعانيه وحروفه وكلماته، وليس إلى جزء من هذا فقط، كأن يقال بأنه معجز بحروفه وكلماته دون معانيه، أو بمعانيه دون حروفه وكلماته، فإن هذا باطل؛ فالقرآن معجز من حيث هو كلام الله، ومن حيث كونه بلسان عربي مبين، ومن حيث حروفه ومعانيه، فهو معجز من جميع هذه الوجوه.
قال رحمه الله تعالى: [كما يتذرعون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إلى نفي الصفات، وفي الآية ما يرد عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، كما أن في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨] ما يرد على من ينفي الحرف؛ فإنه قال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ) ولم يقل: (فأتوا بحرف أو بكلمة) وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات].
هذا دليل على أن القرآن معجز بحروفه ومعانيه.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك.
والله أعلم].
[ ٢٩ / ١٢ ]
ما يثبت لله من الصفات لا يعني وصف الله بمعنى من معاني البشر
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، ومن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر): لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة منه بدا نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر، نفيًا للتشبيه عقيب الإثبات.
يعني: أنه تعالى وإن وصف بأنه متكلم، لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلمًا؛ فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا].
[ ٢٩ / ١٣ ]
معنى التعطيل والتشبيه وذكر مواقف الفرق من صفات الله تعالى
هنا يحسن الوقوف عند مسألة مفهوم التعطيل، وكذلك مفهوم التشبيه؛ لأن الكلام في هذه المسألة بعد تفصيل الرد على الذين أنكروا كلام الله ﷿ وقفة جيدة من الشارح ومن صاحب الأصل الطحاوي؛ لأنه بعد الكلام في إثبات كلام الله ﷿، وأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وتقرير مذهب السلف ثم الرد على المنكرين؛ يحسن أن ينبه على ما يمكن أن يخطر ببال بعض الناس، أو ما يمكن أن يثيره أهل الشبهات من المؤولة والمعطلة في مسألة الإثبات، وهو قولهم بأنه إذا أثبتنا أن لله كلامًا أثبتنا مشابهته -بزعمهم- للخلق، والله ﷿ ليس كمثله شيء، إذًا: هذا تشبيه.
ومن أجل أن تتجلى هذه المسألة ويوضح الأمر فيها عرج الشارح على مسألة التعطيل والتشبيه ليبين المقارنة بينهما، ويبين أن المنهج الوسط والمنهج الحق هو الإثبات مع نفي التشبيه من غير تعطيل.
فالإثبات: إثبات صفات الله تعالى، ومنها صفة الكلام التي كثر الكلام فيها من قبل.
ثم أيضًا نفي التشبيه من غير تعطيل، ولذلك يحسن أن نبين هنا معنى التعطيل بإيجاز، ومعنى التشبيه والتمثيل بإيجاز: فمواقف الناس تجاه الصفات عمومًا تنقسم إلى أربعة مواقف رئيسة إلى يومنا هذا، وكل مواقف الفرق في الصفات لا تعدو هذه المواقف الأربعة:
[ ٢٩ / ١٤ ]
موقف السلف وأتباعهم من صفات الله تعالى
الأول: الإثبات من غير تمثيل ومن غير تعطيل.
وهذا هو المذهب الحق مذهب السلف، على قاعدة قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفي للمشابهة والمماثلة، وقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) إثبات لصفات الله ﷿.
هذا هو الموقف الحق الذي عليه سلف الأمة وتابعوهم بإحسان إلى يومنا هذا.
[ ٢٩ / ١٥ ]
موقف المعطلة
الموقف الثاني: التعطيل.
والتعطيل يقصد به نفي أسماء الله وصفاته، أو نفي صفاته فقط، أو نفي أفعال الله تعالى وهي من الصفات، فهذا كله تعطيل، فمن نفى أسماء الله ﷿ وصفاته فهو معطل، ومن نفى الصفات فهو معطل، ومن نفى الأفعال فهو معطل.
أما الأسماء فمعلومة، وأما الصفات فكالسمع والبصر والنزول والمجيء وغيرها، وأما الأفعال فتدخل في الصفات الفعلية، كالنزول والمجيء.
فمن نفى هذه الصفات أو بعضها فهو معطل لما نفاه، ومعنى التعطيل: تفريغ الموصوف من الصفات، وتفريغ الموصوف من الصفات يؤدي إلى إنكاره هو؛ لأن كل موجود موصوف، ولو لم يكن من معاني الموجود إلا أن يكون موجودًا -إذ الوجود صفة- لكانت هذه الصفة كافية لإثبات الصفة للموصوف.
فإذا قال قائل بنفي الصفات؛ فإن هذا يؤدي إلى أن يقول بوجود موجود غير موصوف، وهذا يستحيل عقلًا وشرعًا.
وهل يتصور موجود لا يوصف؟! هل يتصور ذلك عقلًا؟! وهل يتصور موجود بلا اسم، لو لم يكن من اسم الموجود إلا كلمة (موجود) لكفى، وهذا ما رد به السلف على الجهمية لما قالوا: لا نعرف من أسماء الله وصفاته ولا نقر إلا بأنه موجود فقط، فقالوا لهم: كلمة (موجود) اسم، والوجود صفة، إذًاَ: سميتموه ووصفتموه، فما دمتم قد قلتم بالتسمية والصفة؛ فأطلقوا جميع الأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه، وأطلقها على نفسه، ولذلك وقعوا في حيرة؛ إذ مؤدى قولهم نفي وجود الله تعالى بالضرورة، وهذا يسمى تعطيلًا، والتعطيل جزئي وكلي، فالتعطيل الكلي هو نفي الأسماء والصفات والأفعال، والتعطيل الجزئي هو نفي بعض هذه الأمور.
[ ٢٩ / ١٦ ]
موقف المؤولة
الموقف الثالث: التأويل، وهو فرع عن التعطيل، لكنه أخف، لا من حيث النتيجة، بل أخف من حيث الإجراء والاستدلال والاستنتاج والتلقي فقط، فالمؤول يقر بالنصوص، والمعطل لا يقر بالنصوص، ولو أقر بألفاظها فإنه لا يقر بدلالاتها، فالمعطل حتى ولو أقر بألفاظ أسماء الله ﷿؛ فهو لا يقر بدلالاتها، فمن هنا يسمى معطلًا، أما المؤول فهو يقر بالنصوص، لكنه يحرف دلالاتها عن معانيها المفهومة أو المتبادرة أو عن معانيها الحقيقية المطلقة على الموصوف، فالتأويل فرع عن التعطيل، لكنه أخف منه من حيث البداية ومن حيث الاستدلال، ومن حيث الاعتراف بالأدلة والنصوص، لكن من حيث المؤدى يؤدي إلى ما يؤدي إليه التعطيل في النهاية.
[ ٢٩ / ١٧ ]
موقف المشبهة
الموقف الرابع: التشبيه، والوصف الحقيقي الشرعي له: التمثيل؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فبعض أهل العلم يسمي التمثيل التشبيه؛ لأن أهل الأهواء أطلقوا هذه الكلمة فاشتهرت، والتشبيه هو اعتقاد أن الله ﷿ مثل خلقه، أو اعتقاد أن بعض الخلق مثل الله، تعالى الله عما يزعمون، كل هذا تمثيل، وكله موجود في الفرق، فالتمثيل والتشبيه في الغالب هو اعتقاد أن الله ﷿ مثل خلقه في جميع الخصائص أو في بعض الخصائص، سواء أكانت صفات أم أسماء أم ذاتًا أم أفعالًا، فاعتقاد أن الله ﷿ مثل خلقه هذا تشبيه وتجسيم، وهو كفر، سواء في جميع الخصائص وفي بعض الخصائص، من اعتقد أن الله ﷿ مثل خلقه -سواء فصل أو لم يفصل، وسواء جعل ذلك في جميع الخصائص والصفات أو في بعضها- فإنه بذلك يكون كافرًا، وهذا التشبيه انقرض -تقريبًا- إلا في حالات نادرة، كما انقرض التشيع الأول إلا في حالات نادرة، فالتشبيه وجد في فرق من الروافض الأوائل كالجواليقية والهشامية والداودية والبيانية والمغيرية وغيرها، كل هؤلاء كانوا مشبهة وكلهم روافض، لكن الروافض بعد عراكهم مع الفرق تحولوا إلى معطلة، فتركوا التجسيم وانقلبوا إلى التعطيل، فما وفقوا وسددوا إلى الاعتدال والوسط، فلما تجادلوا هم وخصومهم الذين يعتقدون التعطيل رجعوا إلى التعطيل ولم يوفقوا للسنة، فتركوا التشبيه والتجسيم وصاروا معطلة.
الرافضة وجميع الفرق المجسمة الأولى، ينسب التجسيم إلى الكرامية، لكنَّه الآن لا يوجد، كما لا توجد أيضًا لبعض الفرق التي انقرضت، فالآن لا يوجد إلا نزعات فردية، فلا نعرف التجسيم إلا في نزعات فردية.
[ ٢٩ / ١٨ ]
معنى أن المعطل يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا
أما قوله بأن المعطل يعبد عدمًا؛ فكما أشرت إليه سابقًا؛ لأن التعطيل يؤدي للنفي، أي نفي أسماء الله وصفاته وأفعاله أو بعضها، ومن نفى هذه الأمور فقد عطل النصوص عن معانيها، وجعل نصوص الكتاب والسنة ليس لها معان، وهذا يسمى تعطيلًا، ومن جرد الذات الإلهية من الصفات أو من الأسماء أو من الأفعال أو من بعضها؛ فكأنه في تجريده عطل الموصوف عن صفته، وعطل المسمى عن اسمه، أو عطل فعل الله ﷿ عن فاعله، والله ﷿ فعال لما يريد.
إذًا: فالتعطيل معناه النفي، ومعناه التجريد، ومعناه رفع المعنى، ومعناه اعتقاد أن الألفاظ والنصوص ليس لها معان، أي: تعطيلها من معانيها، وتعطيل الموصوف من صفاته، والمسمى من أسمائه، والفاعل من فعله.
إذًا: المعطل يعبد عدمًا؛ لأنه إذا زعم أنه يعبد الله، ثم قال بنفي الأسماء والصفات فكأنه يعبد غير موجود؛ لأنه يقال له: إذا كنت تعبد الله ﷿ وتقول: إن الله موجود، فالموجود مسمى وموصوف، وهذا مقتضى الكمال، وإذا قلت: لا؛ فإنك تعبد عدمًا، لذلك لما سئل الجهم بن صفوان رأس المعطلة عن ربه تحير وبقي أربعين يومًا لا يدري ماذا يفعل؛ لأنه تشرب أقوال الفلاسفة من قبل حينما حاورهم، فوقعت في قلبه، فلما سألوه ما اهتدى للفقه في الدين وما عرف العلم الشرعي كما قال السلف فيه، فقد قالوا في وصفه بأنه لم يطلب العلم، فنظرًا لأنه ليس عنده علم شرعي يعصمه كانت عنده الخلفيات الفلسفية، فأراد أن يطبقها، فما وجد معنى لمعاني النصوص على أساس القواعد الفلسفية، فما خرج من عزلته بعد أربعين يومًا إلا وهو حائر، حتى قيل: أنه لا يصلي، ولما قيل له: لماذا لا تصلي؟ قال: لم أدن بدين حتى أصلي، فإذا دنت بدين صليت، فلما خرج قال: هذا هو في الهواء، هو في كل شيء! بمعنى أنه جرد الله ﷿ من وجوده الذاتي، وجرد الله من أسمائه وصفاته، وزعم أن هذا الكون هو الله.
إذًا: فهذا يعبد عدمًا أو يعبد صنمًا، بمعنى أنه قلب المسألة، فحينما عطل جعل هذه المخلوقات هي الله أو حل فيها الله، فمن هنا جعل صفة المخلوقات هي صفة الله، وهذا هو التشبيه بعينه.
أما قوله بأن المشبه يعبد صنمًا؛ فنظرًا لأن التشبيه يؤدي إلى عبادة غير الله ﷿ حينما يتوهم الممثل أن ربه الذي يعبده مثل المخلوق، والله ﷿ ليس كذلك، فهو حين زعم أن الله مثل الخلق تصور لربه صورة مثل صورة المخلوق، فلما تصورها صار يعبد هذه الصورة، فهو يعبد صنمًا من حيث يشعر أو لا يشعر.
[ ٢٩ / ١٩ ]
وجه كون التعطيل شرًا من التشبيه
قال رحمه الله تعالى: [ويأتي في كلام الشيخ: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه).
وكذا قوله: (وهو بين التشبيه والتعطيل)، أي: دين الإسلام، ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه لما سأذكره إن شاء الله تعالى].
قوله: [ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه] هذا من وجوه: الوجه الأول: أن التعطيل مصادمة صريحة للنصوص، ومصادمة صريحة للعقول، فمن زعم أن ربه ليس له ذات ولا أسماء ولا صفات؛ فقد صادم نصوص القرآن والسنة مصادمة مباشرة، ورد الوحي ردًا صريحًا لا تأول فيه ولا شبهة.
والوجه الثاني أن التعطيل موهم ملبس؛ لأن المعطل يأتي إلى سذج الناس وقليلي العلم ويقول لهم: إني لا أفهم من هذه الصفة أو هذا الاسم إلا ما أعرفه في المخلوقات، وهذا لا يليق بالله ﷿، وإذا حكمت بأني لا أفهم من ذلك إلا ما أعرفه في المخلوق فسأقع قطعًا في التشبيه، ودفعًا للتشبيه ننفي المعنى إطلاقًا ونقول: هذه الألفاظ ليس لها معان، إنما هي مجرد ضبط لمفاهيم الناس أو مخاطبتهم بظاهر غير الباطن، أو بمعنى غير المعنى الحقيقي إلى آخره، فالتعطيل موهم، بمعنى أنه تنطلي شبهاته على بعض الناس، خاصة الأذكياء الذين ليس عندهم علم شرعي، أما العوام فالغالب أنهم في هذه الأمور على الفطرة ويسلمون من التعمق في هذه الأمور ولا يدركونها، ومن الخير لهم أن لا يدركوها، لكن بعض الأذكياء تنطلي عليهم هذه الشبهات إذا لم يكن عندهم فقه في الدين، فيأتي المعطل ويلبس، فإذا لبس وقعت شبهاته في قلوب الناس، فوقعوا في التعطيل أو التأويل، ومن هنا تكون الفتنة بالتعطيل أكثر، وهذا هو السبب الذي جعل التعطيل والتأويل يبقى إلى يومنا هذا والتشبيه ينقطع؛ لأن التشبيه لا يصادم النصوص مصادمة، إنما هو خطأ في فهم النصوص، فالمشبه لا ينكر أن الله ﷿ له أسماء وصفات، بل يثبتها، لكن يثبتها على وجه مغلوط مبالغة في الإثبات، وذلك عدم فقه لنصوص التنزيه لله ﷿، وعدم فهم لما في قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فهذا فهم ناتج عن قصور وليس ناتجًا عن إلحاد قلب وعن سوء نية أو عن تلبيس، فلذلك التشبيه لم يستمر، لأنه يصطدم بالعقول اصطدامًا مباشرًا، لكنه لا يصطدم بالنصوص، إنما بعد بيان النصوص يتبين لأدنى من عنده علم أن التشبيه مرفوض بالبداهة وبالفطرة بعكس التعطيل، فإنه وإن كان مرفوضًا بالبداهة وبالفطرة، لكن فيه شبهات تنطوي على ضعاف الفقه وضعاف العلم.
قال رحمه الله تعالى: [وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهًا، بل صفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.
وقوله: (فمن أبصر هذا اعتبر).
أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار].
[ ٢٩ / ٢٠ ]