منتهى علم الكلام هو الاضطراب والحيرة والتردد، وهذا هو حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، وقد عرف هذا الأمر حق معرفته كبار علماء أهل الكلام كالآمدي والغزالي، ومن الفلاسفة ابن رشد وغيره، وهذا من أقوى ما يدل على بطلان هذا العلم وفساده.
[ ٣٩ / ١ ]
وصف حال أهل الكلام
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكًا زائغًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا)].
هذا الوصف وصف حال أهل الكلام، الذين تكلموا في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وفي قضايا الغيب والأخبار الغيبية والسمعيات وأمور العقيدة التوقيفية بمجرد عقولهم وقواعدهم الفلسفية والعقلية، ولم يلتزموا أدب الكتاب والسنة في التسليم لله تعالى، والتسليم لرسوله ﷺ، ولم يلتزموا ما أمر الله به من ترك الجدل والمراء في أمور الغيب.
فخاضوا فصار خوضهم كلامًا، بمعنى: أنه ليس بوحي ولا بحق ولا بسنة، إنما هو كلام، فسموا بأهل الكلام، وهذا وصف حالهم، أي: وصف أوضاعهم الخاصة، وصف نفوسهم واضطراب عقولهم كما سيأتي تفصيله.
قال رحمه الله تعالى: [يتذبذب: يضطرب ويتردد.
وهذه الحالة التي وصفها الشيخ -رحمه الله تعالى- حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال والشك].
[ ٣٩ / ٢ ]
الرد على شبهة المتكلمين في الجمع بين ما ورد في الكتاب والسنة ومقررات العقول
قبل أن يأتي بالأمثلة نقف عند هذه المسألة وقفة يسيرة حول إشارته إلى أن شبهة المتكلمين الذي خاضوا في أمور العقيدة وأمور الغيب أنهم أرادوا أن يجمعوا بين ما ورد في الكتاب والسنة، وبين مقررات العقول، زعمًا منهم بأنه ما دام الكتاب والسنة لا يعارضان العقول؛ فلابد من الجمع فيما يظهر التعارض بينهما فيه.
وهذا أمر مبني على تصور فاسد أصلًا، وسيأتي سبب هذا التصور الفاسد في ذكر حالهم، فهو مبني على قولهم بأن هناك من مقررات العقول ما يتعارض مع ما ورد في الكتاب والسنة، وأنه لابد من الجمع بين هذا التعارض، فلما أرادوا الجمع ما جعلوا الكتاب والسنة هما الحكم، إنما جعلوا مقررات العقول هي المحتكم، فما وافقها أخذوا به بزعمهم وظنهم، وما خالفها من الكتاب والسنة أولوه.
مع أن الأصل -كما سبق- أنه لا يتوهم أبدًا، ويستحيل في ضوء الفطر والعقول السليمة أن يكون هناك تعارض بين ما جاء في الكتاب والسنة وبين العقول السليمة والفطر المستقيمة؛ لأن هذا من أمر الله وخبره، وهذا من خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض خلق الله مع أمره وخبره أبدًا.
إذًا: قد يرد التعارض، بمعنى أنه قد يظن ظان أن هناك تعارضًا، فإذا ورد فإنما هو شبهة في ذهن المتوهم، وهذه الشبه تحتاج إلى دفع، وأسلوب دفعها ليس الجمع بين الكتاب والسنة وبين أوهام البشر، بل رد كل ما يرد عن البشر إلى الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب السنة أخذنا به، وما لم يوافقهما رددناه، وما أشكل علينا توقفنا فيه، على أن نسلم بأن ما جاء في الكتاب والسنة حق، وأن سبب الإشكال هو قصور عقولنا عن إدراك معاني الكتاب والسنة.
إذًا: لا يمكن أن هناك تعارض، وإذا تصور أحد من الناس أن هناك تعارضًا بين الكتاب والسنة وبين ما في ذهنه وعقله أو ما يسمعه ويقرؤه؛ فإنما هذا توهم في ذهنه وفي عقله القاصر لا في الوحي، ولا يمكن أن يكون الوحي محكومًا عليه أبدًا بقصور البشر وزبالة أذهانهم؛ لأن الله ﷿ كامل، وكلامه كامل، والوحي جاء من الله، وهو معصوم، والنبي ﷺ معصوم فيما يقول، والمعصوم لا يمكن أن يتطرق إلى ذهنه الخطأ والنسيان والسهو، فضلًا عن ضعف الرأي أو القول بما يتعارض مع العقول.
إذًا: فالمتهم هو عقل البشر المحدود قطعًا، ولا يمكن أن يرد النقص أو التقصير في كلام الله تعالى ولا كلام رسوله ﷺ.
وإذا سلمنا بهذا المبدأ -وهو مقتضى الإسلام، ومقتضى التسليم والإيمان- فإنا سنحكم بأن كل كلام جاء في هذه الأمور بغير ما ورد في ألفاظ الكتاب والسنة إنما هو باطل قطعًا، وإن التبس فيه الحق بالباطل فهذا الالتباس يفصل فيه، فيرد الحق إلى الكتاب والسنة، والباطل يرد على أهله، ويرد على صاحبه.
[ ٣٩ / ٣ ]
عظات وعبر من أقوال وأحوال الفلاسفة وعلماء الكلام
[ ٣٩ / ٤ ]
مقولة ابن رشد فيما قيل في الإلهيات
قال رحمه الله تعالى: [كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه: (تهافت التهافت): ومن الذي قال في الإلهيات شيئًا يعتد به؟!].
قول ابن رشد هذا في الحقيقة قاعدة عظيمة، قال بها رجل عاش الفلسفة دهرًا من عمره، بل إنه بذل مهجته وخلاصة عمره ووقته في خدمة الفلسفة والدفاع عنها، حتى إنه رد على الغزالي الذي يسمى بالحجة، رد عليه حينما كتب كتابه المشهور: (تهافت الفلاسفة)، فرد ابن رشد عليه بتهافت التهافت؛ انتصارًا للفلسفة ولأهلها وأصحابها، وانتهى به المطاف إلى إعلان إن الفلسفة لا فائدة فيها البتة، بل إنه نفى أن يكون هناك من قول الفلاسفة كله ما يعتد به على الإطلاق، لذلك قال هذه الكلمة العظيمة التي لو قيلت من خصوم الفلاسفة لقيل بأنها مبالغة، ولقيل بأنها تهور وحكم قاس.
لكن قالها فيلسوف عاش الفلسفة وانتصر لها، وكتب فيها وعرفها عن جدارة عند المتخصصين، وأخيرًا يعلن الإفلاس ويقول قوله هذا، بل إنه ألف كتابًا عظيمًا في الرد على المتكلمين، وهذا الكتاب موجود، ويعتبر أعظم رد على المتكلمين، حتى أفاد منه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ونقلا عنه كثيرًا، مع أنَّه فيه ما فيه، لكنه نظرًا لأنه مارس الفلسفة وعايشها، ثم مارس علم الكلام وعايشه؛ رد على هؤلاء وهؤلاء، وانتصر للحق، وإن كان لم يوفق في كثير من الأمور، لكنه أجاد في إقامة الحجة العقلية على المتكلمين والفلاسفة ورد عليهم، ونسف أصولهم بمعاولهم التي بنوا بها تلك الأصول؛ وذلك في كتابه المشهور: (الكشف عن مناهج الأدلة)، وهذا الكتاب مطبوع وموجود، ويعتبر في رده على المتكلمين أعظم رد عرف إلى يومنا هذا بعد رد شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقول في عبارته المشهورة: ومن الذي قال في الإلهيات شيئًا يعتد به؟! بمعنى: أن كل ما قيل في الإلهيات غير ما في الكتاب والسنة لا يعتد به، وهذا حق، والإلهيات هي تعبير عن أمور العقيدة التي تتعلق بالله ﷿ في ذاته سبحانه، وأفعاله وصفاته وأسمائه، ومن الإلهيات: الأخبار الإلهية الأخرى التي وردت فيها أمور الغيب.
وابن رشد هذا ﵀ حسنت حاله في آخر حياته، وانكب على الفقه، وطلب العلم الشرعي، وأجاد فيه وأفاد وصنف، وكان يكتب فيه مصنفات جيدة ومفيدة إلى يومنا هذا، ومن أهمها (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الفقه في المذاهب، وفي ترجيح الأقوال، وهو من أحسن الكتب التي يقرؤها طلاب العلم اليوم.
[ ٣٩ / ٥ ]
حيرة الآمدي في المسائل الكبار
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر].
الآمدي من أعقل أهل زمانه بأمور المتكلمين، وأفضلهم في علم الكلام، وله أيضًا إسهام جيد في العلوم الأخرى، خاصة في أصول الفقه، له إسهام جيد، وغالب المتكلمين الذين كانوا من الفقهاء كانوا فيما يتعلق بالعلوم الشرعية ممن أجادوا وأفادوا، ولهم إسهام طيب، مع أن عليهم أخطاء وملاحظات، لكن اجتهاداتهم في الغالب توافق اجتهادات الأئمة، كـ الجويني أبي المعالي وابن رشد والآمدي وغيرهم.
كل منهم له إسهام في العلوم الشرعية، لكن حينما أخذوا نفس المقاييس والموازين العقلية التي اجتهدوا بها في نصوص الشرع وطبقوها على نصوص العقيدة أخطئوا وابتدعوا ووقعوا فيما وقعوا فيه.
فـ الآمدي واقف في المسائل الكبار، أي: كبار المسائل الكلامية فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته في العلو والفوقية والرؤية، وما يتفرع عن هذه المسائل، وكذلك بعض مقدمات الكلام التي تكلموا فيها، مثل الكلام عن العرض والجوهر والجسم والمباينة والمفاصلة والحدود والغايات، والجهات إلى آخر ذلك.
كل هذه الأمور تعتبر مسائل كبار عند المتكلمين، تقصوا فيها وتكلموا وتبحروا، وكلما تبحروا ازدادوا إفلاسًا وتيهًا، فمنهم من أنقذه الله ورجع، ومنهم من مات على حيرته وأعلن حيرته، ومنهم من هلك ولم يعرف عنه شيء.
[ ٣٩ / ٦ ]
إعراض الغزالي عن الطرق الكلامية واشتغاله بالحديث في آخر حياته
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الغزالي ﵀، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ، فمات والبخاري على صدره].
الغزالي بدأ حياته بالفلسفة، ثم عرج على علم الكلام، ونقد الفلسفة، وزعم أن عند المتكلمين فيما يخالفون فيه الفلاسفة ما ليس عند الفلاسفة، وأنهم أفضل؛ لأنهم أقرب إلى الكتاب والسنة نوعًا ما من الفلاسفة.
ثم بعد تعمقه في علم الكلام وصل إلى الطريق المسدود الذي وقف عنده الآمدي ووقف عنده الجويني ووقف عنده الشهرستاني وغيرهم، فنزع للتصوف، وغرق فيه، ثم إنه لم يصل إلى ما يشفي غليله في التصوف، فخرج من التصوف وأعلن إفلاسه في هذه الأمور كلها، وسلم تسليم العجائز، ولم يهتد إلى تفصيلات عقيدة السلف، لكنه سلم تسليمًا مجملًا بأن السلف هم الذين كانوا على الحق، مع أنه كان في كتبه يقرر المذاهب كلها ولا يذكر عقيدة السلف، حتى إنه مرة من المرات قال: إن الحق لا يعدو أربعة مذاهب، فذكر المذاهب الباطلة كلها إلا مذهب السلف، فذكر الفلسفة وعلم الكلام وذكر التصوف، وذكر مذهبًا رابعًا.
ثم تردد وشك في الصحيح من هذه الأربعة، هل هو طريق الفلاسفة، أم طريق المتكلمين، أم طريق المتصوفة، ثم انتهى إلى أن طريق المتصوفة هي الطريق الصحيحة، وما ذكر طريق السلف أبدًا لا ابتداء ولا انتهاء، وهذا دليل -بل فيه عظة وعبرة- على أن من تنكب الصراط وخرج عن نهج أهل السنة والجماعة قد لا يهتدي إلى السنة ولا يعرفها، حتى وإن مرت عليه أو سمعها لا يفقهها، ولا يفقه قلبه الحق، وهذا مما يدل على أن أهل البدع إذا أصروا على بدعهم يصرفون عن الحق، فيسمعون الحق فلا يعقلونه، وهذا واقع كثير من أهل البدع، بل واقع كل أهل البدع المغلظة الذين يصرون على بدعهم، واقعهم أنهم لا يهتدون إلى الحق، وإن سمعوا بالحق وعقيدة السلف فإنهم يفهمونها معكوسة، يفهمون أنها هي الباطل، فبذلك يكثر لمزهم للسلف وسبهم لهم وتشنيعهم عليهم.
وفي موقف الغزالي عبرة، فإنه حينما رجع عن هذه الأمور كلها ما اهتدى إلى تفاصيل عقيدة السلف، وإن كان سلم تسيلمًا مجملًا، لكنه ما اهتدى إلى التفاصيل، فبقي على ما عليه العوام، فذلك أكب على قراءة كتب السنة، ومن ضمنها صحيح البخاري، حتى قيل: إنه مات ﵀ وصحيح البخاري على صدره، ونرجو أن يكون بذلك -إن شاء الله- قد تاب توبة نصوحًا.
لكن ينبغي أن نأخذ من مثله العبرة بعد تيه طويل وعمر مديد قضاه في متاهات على شهرته وذكائه وقدرته وإسهاماته في العلوم الكثيرة، إلا أنه ما اهتدى يوما ًإلى أن يعرف تفاصيل عقيدة السلف؛ لأن الله ﷿ صرفه عن ذلك باعتناقه لعقائد أهل الكلام.
ومع ذلك فالرجل فيه خير كثير، ونرجو إن يكون -إن شاء الله- قد تاب وحسنت توبته، وله من العلوم ما هو نافع، وله من العلوم ما فيه شيء من الأخطاء والانحرافات كما هو معروف.
[ ٣٩ / ٧ ]