الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد تواترت فيها الأدلة، وهي أنواع، منها الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا ﷺ، وهي الشفاعة في أهل المحشر لفصل القضاء، ومنها الشفاعة في أهل المعاصي ألا يدخلوا النار، والشفاعة فيمن تساوت حسناتهم وسيئاتهم، والشفاعة لرفع درجات أهل الجنة، وفي تخفيف العذاب عن بعض أهل النار، والشفاعة في أهل الكبائر وغير ذلك مما ورد في النصوص الصحيحة الصريحة، وهناك شفاعات غير جائزة في الدنيا، كسؤال الله تعالى بجاه النبي، أو بحقه أو بحق غيره، وكذلك التوسل به أو بغيره من الأمور التي لا تجوز في الدعاء أبدًا.
[ ٤٨ / ١ ]
الشفاعة
قال رحمه الله تعالى: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].
الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع.
النوع الأول: الشفاعة الأولى، وهي العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد جاءت أحاديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين.
منها: عن أبي هريرة ﵁، قال: (أتي رسول الله ﷺ بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى: فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال: هكذا هو، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي ﷿، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد.
والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه أنهم لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، في مأتى الرب ﷾ لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار.
وكان مقصود السلف - في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم، فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث.
وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمدا ﷺ، فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رسول الله ﷺ، فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني، في خلقك، فاقض بينهم، فيقول ﷾
[ ٤٨ / ٢ ]
بيان معنى الشفاعة
الكلام عن الشفاعة يحتاج إلى شيء من التقعيد والعنصرة، وسأشير إلى بعض ذلك.
فأما ما يتعلق بتعريف الشفاعة فإنا نحتاج إلى شيء من ذكر معاني الشفاعة اللغوية لكي يتحدد المعنى الشرعي بشكل أدق.
فالشفاعة في اللغة: من الشفع، وأحيانًا يقال: الشفع، وهو ضد الوتر، والشفع هو الزوج من العدد أو من الأشياء، فالواحد وتر وما انضاف إليه يعد شفعًا، ومن معاني الشفاعة: الزيادة والانضمام والإضافة والاقتران والمعاونة والمساعدة.
والشافع هو المعين، والمُشفِّع هو الآذن بالشفاعة، أو الذي يطلب منه الشافع الحاجة، أو ما يشفع به، والمُشَفَّع هو الذي يؤذن له بأن يشفع أو تطلب منه الشفاعة، بمعنى أن يشفع عند غيره، وكذلك الذي يؤذن له بالشفاعة، أما المشَفَّع فهو الآذن الذي تطلب منه الحاجة التي هي موضوع الشفاعة.
[ ٤٨ / ٣ ]
أنواع الشفاعة
والشفاعة من حيث تفصيلاتها أنواع كثيرة، فهي من حيث الحكم مثبتة ومنفية، ومن حيث الزمان شفاعة دنيوية وشفاعة أخروية، فلها تفصيلات كثيرة سأتحدث عنها بعد قليل.
[ ٤٨ / ٤ ]
أنواع الشفاعة من حيث الإثبات والنفي
أما من حيث الحكم فهي مثبتة ومنفية، والمقصود بذلك ما يحدث من الشفاعات، وإلا فالشفاعة الشرعية التي ورد بها الشرع كلها مثبتة، بمعنى أنها مقبولة إذا توافرت شروطها، والشفاعة المعنية في الكتاب والسنة هي الشفاعة التي توافرت شروطها، وهي المثبتة، وهي التي تكون يوم القيامة لمن يأذن الله لهم، وتكون لمن يرضى بأن تكون لهم الشفاعة، كما سيأتي تفصيله.
أما الشفاعة المنفية فهي المردودة، وهي الشفاعات البدعية التي يفعلها الكفار والمشركون وأهل البدع، لكنها لا تنطبق عليها الشروط الشرعية، كالاستشفاع بالحي فيما يتعلق بمصير الإنسان يوم القيامة، فإن الأحياء لا يستطيعون أن يشفعوا في الحياة الدنيا فيما يتعلق بمصير الإنسان يوم القيامة، إنما تكون يوم القيامة لمن يأذن الله له.
ومن الشفاعات الممنوعة المردودة الاستشفاع بالأموات فيما يتعلق بمصائر العباد يوم القيامة، ونحو ذلك مما سيأتي ذكر شيء من أصنافه.
[ ٤٨ / ٥ ]
أنواع الشفاعة من حيث الجواز والمنع في الدنيا والآخرة
أما من حيث أحكامها في الدنيا والآخرة؛ فللشفاعات في الدنيا أحكام، وللشفاعات في الآخرة أحكام.
أما الشفاعات في الدنيا فمنها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع.
فأما الجائز منها فأوله ما يتعلق بشفاعة الناس في دنياهم فيما يتعلق بنفع بعضهم لبعض بما يقدرون عليه، ومنه ما يسمى عند الناس بالوساطة، فهذا أمر جائز إذا لم يكن فيه ظلم ولا تجاوز لحدود الشرع، ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام، فإذا وافق الشرع فهو جائز، بل إنه من أبواب الحسبة، ومن الأمور التي يلتمس فيها الأجر من الله ﷿؛ لأنها نفع للناس ونفع الناس من أعظم أبواب الخير.
وهذه المسألة تسمى شفاعة تجوزًا، ولا تدخل في الشفاعة الشرعية المعنية بالكتاب والسنة، فليست من الشفاعة الدينية التي تتعلق بمصائر العباد يوم القيامة، أو بأمورهم الغيبية.
أما الشفاعة الشرعية المتعلقة بمصائر العباد فإن منها ما هو جائز، ومن صوره الاستشفاع بدعاء النبي ﷺ في الحياة، وهذا يدخل في التوسل، فهو إلى معنى التوسل أقرب، لكن تجوز بعض أهل العلم في تسميته شفاعة، كما أن أهل الأهواء سموه شفاعة وأدخلوا فيه شفاعة الآخرة، بمعنى أنهم خلطوا بين الشفاعة الجائزة في الدنيا وتوسعوا فيها حتى أدخلوا فيها الشفاعات الممنوعة في الدنيا والممنوعة في الآخرة، فمن هنا سمي هذا النوع من التوسل شفاعة، أي: التوسل بالنبي ﷺ في الحياة، والمقصود به التوسل بدعائه، وقد يسمي بعض الناس التبرك بذات النبي ﷺ توسلًا أو شفاعة، وهذا فيه تجوز، وفيه أيضًا خروج عن الحد الشرعي لمعنى الشفاعة ومعنى التوسل، وفرق بين التوسل والتبرك، فبينهما وجوه اقتران ووجوه اختلاف، لكن التبرك بمعناه الواسع الذي يفهم عند الناس الآن يدخل فيه كثير من الصور التي تعمل اليوم، وأما التبرك الشرعي فأكثر الصور التي تعمل الآن لا تدخل فيه، فالمهم أن النبي ﷺ يجوز الاستشفاع به في حياته، بمعنى: طلب الدعاء منه، وهذا حدث كثيرًا من النبي ﷺ، ومن ذلك دعاؤه للأعمى، ودعاؤه ﷺ لكثير من الصحابة، ودعاؤه لأمته، ودعاؤه لأصناف من الخلق.
ومسألة التبرك سيأتي الكلام عنها، وبمناسبتها نقول: إن النبي ﷺ يشرع التبرك بذاته وبأشيائه المباشرة في حياته، لكن بعد مماته لا يجوز التبرك بما انقطع من آثاره، وآثاره كلها انقطعت.
الصورة الثانية من الشفاعات الشرعية الجائزة في الدنيا: الاستشفاع بدعاء الرجل الصالح أو نحوه، بمعنى أنه يجوز أن تقول لغيرك: ادع الله لي، لكن بشرط ألا يكون ذلك على جهة الاعتماد على دعائه، وأن يكون لمناسبة، بمعنى أن لا يكثر منه الإنسان، فإذا أكثر منه اتكل على غير الله، وترك السبب المباشر، وهو اتخاذ الوسيلة إلى الله ﷿ بعبادته ودعائه التي هي أوجب الواجبات على كل أحد، لكن إذا جاء لذلك مناسبة فإنه يشرع للإنسان أن يطلب من غيره من الصالحين ومن المؤمنين ومن المسلمين أن يدعوا له إذا اقتضى الحال ذلك، كأن يكون المقام مقام ضرورة، أو لمكان فاضل أو لزمان فاضل أو نحو ذلك.
ومن صوره التي هي أعم من ذلك كله الاستشفاع بالحي فيما يقدر عليه، وبعض هذه الأمور تدخل في باب الشفاعة، وبعضها يدخل في باب الوسيلة أو التوسل، وبعضها يدخل في باب الحوائج العادية التي ليست من أمور العبادة.
وعلى هذا فالاستشفاع بالنبي ﷺ بعد وفاته انقطع، والاستشفاع بالمسلمين وبالمؤمنين وبالرجال الصالحين بعد وفاتهم -أو فيما لا يقدرون عليه- ممنوع، وكذلك الاستشفاع بأي أحد من الخلق حيًا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه، فهو من الشفاعة الممنوعة.
ويدخل في الشفاعات الممنوعة في الدنيا الاستشفاع بالأحجار والأشجار وغيرها، فإنها لا تشفع في الدنيا ولا في الآخرة، حتى الذين يعلقون الاستشفاع بهذه الأشياء على الآخرة -بمعنى أنهم يقولون: نستشفع بها الآن لتشفع لنا يوم القيامة- فإنهم بذلك يقعون في الشرك.
أما الشفاعة في الآخرة فإن منها الجائز، ومنها الممنوع.
أما الشفاعة الجائزة فهي التي تتوافر شروطها كما ورد في كتب أهل السنة، وهي: أولًا: أن تكون الشفاعة عند الله ﷿، وهو سبحانه الذي يشفع عنده الشافعون.
ثانيًا: أن تكون الشفاعة بعد إذن الله ﷿، كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
ثالثًا: رضا الله ﷿ عن الشافع وعن المشفوع له، وعلى هذا فالكافر لا يشفع؛ لأن من لا يرضى الله عنه لا يشفع، وكذلك الكافر لا يُشفع له ولا يأذن الله بالشفاعة له؛ لأن الله ﷿ بعدما وصف الكافرين بصفاتهم الرئيسة، وهي أنهم لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يؤمنون باليوم الآخر؛ قال سبحانه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، والمقصود أن الشافعين الذين تتوهم شفاعتهم لا يشفعون لهم، وكذلك الذين ﵃ لا تنفع شفاعتهم لهؤلاء الكافرين، ولذلك ل
[ ٤٨ / ٦ ]
أنواع الشفاعة من حيث الإطلاق والتقييد
وأما الشفاعة من حيث الأنواع فمنها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد: فالشفاعة المطلقة هي ما ثبت من أن جميع الأنبياء، وكذلك طوائف من المؤمنين، وكذلك جميع الرسل والملائكة يشفعون لطوائف من أهل التوحيد غير مسمين، ولا يعرف أحد منهم بعينه.
والشفاعة المقيدة منها ما قيد بالنوع ومنها ما قيد بالشخص، أما الشفاعة المقيدة بالنوع فشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وأما الشفاعة المقيدة بالأشخاص فإنا لا نعرف منها إلا ما ورد من شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه من العذاب.
وكذلك بالنسبة للشافعين، فمنهم شفعاء غير معينين، ومنهم شفعاء معينون بوصف، فمثلًا: ورد أن الأنبياء جميعًا يشفعون وأن الرسل يشفعون وأن الملائكة يشفعون دون تحديد لأحد بعينه، وورد أن المؤمنين يشفعون دون أن يحدد أحد منهم بعينه، لكن ورد في بعض النصوص أن طائفة من المؤمنين لهم شفاعة خاصة، وكذلك ورد أن نوعًا من أبناء المسلمين يشفعون، وهم الأطفال الذين يموتون قبل سن البلوغ إذا احتسبهم أهلهم، فإنهم يشفعون، كذلك وردت بعض الشفاعات المقيدة المخصصة مثل شفاعة القرآن، وشفاعة الصيام، ونحو ذلك من الشفاعات التي لا يجوز إثباتها إلا لمن ثبتت له أو لما ثبتت له، أما ما يدعيه أهل الأهواء وأهل البدع من إطلاق الشفاعة وصرفها لمن يهوون فهذا باطل، وأكثره يدخل في أنواع الشرك، فما كان منه صرفًا للدعاء لغير الله ﷿ وطلب النفع من غيره فهو شرك، وما كان منه يدخل في التبرك فهو على درجات، وما كان منه يدخل في التوسل فهو على درجات، منه ما هو شرك، ومنه ما هو بدعة مغلظة، ومنه ما هو دون ذلك، والله أعلم.
[ ٤٨ / ٧ ]
حكم الاستشفاع بالنبي ﷺ والتوسل به وبغيره
[ ٤٨ / ٨ ]
حكم الاستشفاع بلفظ (بحق نبيك)
قال رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء؛ ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين].
الشارح هنا ذكر صورة من صور الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره، وكأنه أراد أن تكون هذه الصورة وما يشبهها أمثلة على قاعدة، وهي أن الاستشفاع بالنبي ﷺ أو بغيره قد يقصد به الاستشفاع بذاته، فإذا كان باعتبار ذاته وسيطة عند الله ﷿؛ فهذا لا شك أنه باطل، وإذا كان المقصود به اعتبار ذاته المباركة، فيكون استشفاعًا من باب التبرك، فهذا جائز في حياته ﷺ، وإن كان المقصود بالاستشفاع به الاستشفاع بدعائه وهو حي فهذا حق وجائز، وكذلك غير النبي ﷺ، إلا أن غير النبي ﷺ لا يستشفع بذاته تبركًا، فلا يتبرك بذات غير النبي ﷺ، إنما يتبرك بدعائه بمعنى أن يطلب منه الدعاء فقط.
قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أنه أقسم بغير الله].
هذا إذا كان المقصود القسم، والغالب على أذهان الناس في مثل هذا الإطلاق أن يُقصَد به الإقسام أو الحلف بحق نبيه، لكن قد يراد بكلمة (بحق نبيك) مجرد الاستشفاع بدون إقسام، بحيث لا تكون الباء باء القسم، بل تكون باء السببية، لكن الشارح غلب المدلول اللغوي العام عند الناس لمثل هذه الألفاظ، وهو أنه يقصد به الحلف.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقًا، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق، إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لـ معاذ ﵁ وهو رديفه: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم)، فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سببًا].
وعلى هذا يكون قول القائل: (بحق نبيك) أو (بحق فلان من الصالحين أو غيرهم) فيه نوع من الاعتداء في الدعاء من جانب، كما أنه من التوسل البدعي من جانب آخر.
أما أنه اعتداء في الدعاء فلأنه سأل غير حقه، أما الأمر الثاني فلأن حق الشخص المسئول بحقه كائن له؛ لأن الله ﷿ ضمن حقوق العباد، والله ﷿ ضمن إجابة الدعاء إذا انتفت الموانع؛ ولأن الله ﷾ جعل لكل إنسان عمله، فحق الغير له، فلا يجوز لأحد من الناس أن يسأل الله بحق غيره، لا سيما أن الله ﷿ وعده بأن يفي له بحقه، فالمشروع لكل إنسان أن يسأل بحقه هو، بأن الله وعد السائلين، وهذا الذي يدعوه هو من السائلين، ولأن الله ﷿ جعل حقوق العباد لا تتعداهم، فكل إنسان له عمله وعليه وزره.
فالسؤال بحق الآخرين سوء أدب مع الله ﷿ واعتداء في الدعاء وظلم للآخرين؛ لأن الذي يسأل بحق الغير لم يعرف حقيقة ما وعد الله به العباد، ثم إنه لم يقدر الله حق قدره، ثم إنه اعتدى على حقوق غيره الذين جعلت حقوقهم لهم.
إذًا: لا يجوز، بل لا يشرع، بل من البدعة -وربما يصل إلى الشرك- أن يسأل الإنسان حق غيره أو بحق غيره، أو يعلق إيمانه ورجاءه وطمعه بحق غيره.
[ ٤٨ / ٩ ]
توجيه الحديث الوارد بسؤال العبد ربه بحق ممشاه وحق السائلين عليه
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك)، فهذا حق السائلين، هو أوجبه على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن يثيبهم، ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: (بحق السائلين عليك) وبين قوله: (بحق نبيك) أو نحو ذلك؟ ف
الجواب
أن معنى قوله: بحق السائلين عليك: أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي].
هذه العبارة هي تعليل لجواز مثل هذا الدعاء حتى ولو لم يثبت النص، فالحديث الذي أورده ضعفه الكثير من أهل العلم، وعلى هذا لا يعد الاستدلال به على سبيل الجزم والقطع، إنما يستأنس به، ولكن إذا رجعنا إلى قواعد الشرع في مسألة الدعاء والتوسل والشفاعة وجدنا أن الإنسان إذا سأل ربه بحق السائلين على اعتبار أنه هو من السائلين، وأنه سأل ربه فعلًا؛ يكون هذا التوسل مشروعًا؛ لأنه تعلق بالوسيلة التي شرعها الله، وهي الدعاء لله ﷿ وما وعد الله به الداعي.
فالسؤال بحق السائلين قد يجوز، لكن فيه نوع التواء؛ لأن الإنسان يجب أن يثق بوعد ربه ﷿، وإذا عمل عملًا صالحًا فإنها وسيلة إلى الله، فعليه أن يدعوه بالأدعية المأثورة، والله ﷿ علام الغيوب، يعرف أن هذا الإنسان له رصيد من الطاعات وله رصيد من فعل الخير، فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف في الدعاء بحيث يتعلق بمثل هذه العبارة (بحق السائلين)، هذا إذا كانت ما ثبتت شرعًا، أما إذا ثبتت فلا بد من قبولها، لكن يظهر -والله أعلم- أنها لم تثبت أو أنها ضعيفة، وعلى هذا فتكون جائزة، لكن الأولى أن الإنسان ينصرف إلى الأساليب الواضحة في الدعاء وإلى الأدعية المأثورة.
قال رحمه الله تعالى: [بخلاف قوله: (بحق فلان)، فإن فلانًا وإن كان له حق على الله بوعده الصادق؛ فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟!].
اعتبر هذا التوسل من الاعتداء في الدعاء؛ لأنه توسل بحق الغير، وكأنه ما وثق بوعد الله له، هذا من ناحية.
والناحية الأخرى أن من يفعل هذا يجهل الأصل الشرعي المعلوم، وهو أن لكل إنسان عملًا، ولا أحد ينفع غيره.
فهذا السؤال نوع من الاعتداء؛ لأنه اعتداء على حق الآخرين، وفيه نوع من عدم الثقة بالله ﷿، وذلك كله اعتداء.
[ ٤٨ / ١٠ ]
السؤال بحق الغير اعتداء في الدعاء وابتداع
قال رحمه الله تعالى: [وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة].
قوله هذا يقصد به ما ضربه مثلًا قبل، وهو (بحق فلان) أو (بحق النبي ﷺ) أو نحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة ﵃، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية، والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع].
العبادات بخلاف الأحكام، فالأحكام الأصل فيها السعة والأصل فيها الاجتهاد والإباحة، فأمور الحلال والحرام الأصل فيها الإباحة، لكن العبادات مبناها على التوقيف، أي: موقوفة على ما ورد في الشرع.
فلا يأتي المبتدع ويقول: إن العبادات قربات، والله ﷿ أمرنا بالتقرب إليه بكل ما هو من القربات، فأنا سأصلي صلاة أخرى، أو سأقول من الدعاء ما شئت إلى آخره.
نقول: لا، العبادات مبناها على التوحيد، أي: لا نعبد الله ﷿ إلا بما شرع.
ولا يجوز التوسع في باب العبادات والأدعية في أصولها لا في ألفاظها، فالألفاظ إذا كانت صحيحة فهذا أمر آخر، لكن القصد في أصول الدعاء وفي العبادات لا يجوز الخروج عما ورد في الشرع.
[ ٤٨ / ١١ ]
امتناع الإقسام على الله تعالى بحق فلان في الدعاء والسؤال
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضًا؛ لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو: بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه].
هذا الأثر ضعيف، لكن القصد أنه هنا سأل الله بواسطة أمر آخر، وهو معقد العز من العرش، وهذه العبارة أيضًا فيها غموض من حيث المقصود، فما المقصود بمعقد العز؟ هذا أمر اختلف فيه أهل العلم، فيبقى من الأمور المجهولة، فمثل هذه العبارات الغامضة لا ينبغي أن يعول عليها.
الناحية الأخرى: أن فيه إشارة إلى تعليق الدعاء بسبب وسيط، وهذا مما لا ينبغي من الإنسان ولا يجوز.
[ ٤٨ / ١٢ ]
حكم التوسل بالجاه
قال رحمه الله تعالى: [وتارة يقول: (بجاه فلان عندك)، أو يقول: (نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك) ومراده: لأن فلانًا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا.
وهذا أيضًا محذور؛ فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه].
السؤال بالجاه أعظم وأكبر ذرائع أهل البدع قديمًا وحديثًا إلى الشرك والبدعيات، فتعلقهم بجاه الغير من أعظم الذرائع التي يتعلقون بها ويتذرعون بها إلى أفعالهم الشركية والبدعية، وذلك أنهم زعموا -كما زعم المشركون قديمًا- أن عندهم من التقصير والذنوب ما يجعلهم لا يجرءون على أن يدعوا الله مباشرة، وهذه شبهة من شبه الشيطان، فزعموا أن هؤلاء الصالحين والأنبياء والملائكة لهم جاه عظيم، فجعلوا هذا الجاه هو الوسيلة أو الوسيط، وزعموا أنه يدخل في الوسيلة المشروعة، مع أنه هو الشرك بعينه، فالسؤال بجاه فلان معناه أنه يتخذ هذا الجاه وسيطًا بينه وبين ربه، والوسيط هو الشريك وهو الند، وهو الواسطة التي ادعاها المشركون، وعدهم الله بها من المشركين، بل عدهم الله من أعظم الناس شركًا.
فالسؤال بالجاه هو تعلق بالغير، ولو لم يتعلق بشخصه، فالتعلق بالجاه كالتعلق بالشخص لا فرق بينهما، إلا أن التعلق بالجاه أكثر التباسًا، فبعض أهل البدع قد لا يجرؤ على أن يجعل ذات فلان أو شخص فلان هو الوسيط بينه وبين ربه فيشرك به، إنما يجعل الجاه وسيطًا، والجاه أمر معنوي.
وهذا أيضًا نوع من الشرك فيه غموض وفيه التباس، فلذلك صار أعظم ذرائع المشركين وأهل البدع الذين يدعون الإسلام في عصرنا هذا وقبله.
قال رحمه الله تعالى: [وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عمر ﵁ لما خرجوا يستسقون: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) معناه: بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك؛ إذ لو كان ذلك مرادًا لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس].
هذه الحجة حجة قوية وقاطعة، وتسد باب الاستدلال على أهل الأهواء الذين زعموا أن قصة استشفاع الصحابة بـ العباس دليل على جواز الاستشفاع بالذوات أو دعاء الذوات ودعاء الأشخاص من دون الله والتعلق بهم.
وهذه الحجة التي ذكرها الشارح هي أن الصحابة لو كان مقصودهم الاستشفاع بذات العباس لكانت ذات النبي ﷺ أقرب إليهم؛ لأن النبي ﷺ في ذاته قريب إليهم، فهو مدفون بين ظهرانيهم، ولذا لما اضطروا إلى الاستشفاع استشفعوا بـ العباس، ثم إنهم حينما استشفعوا عرفنا الصورة التي استشفعوا بها، فالصورة العملية التي استشفعوا بها عرفناها قطعًا من خلال الرواية الثابتة ومن خلال إجماع الصحابة على الفعل، وهي: أن الصحابة ﵃ طلبوا الدعاء من هؤلاء الأشخاص، ولا يقصدون التمسح بذوات هؤلاء الأشخاص كـ العباس أو غيره، إنما طلبوا الدعاء، وهذا أمر معلوم بالروايات القاطعة الدالة على أنهم حينما اجتمعوا دعوا الله وطلبوا من العباس أن يدعو وهم يؤمنون بعده.
فهذه الصورة في الاستشفاع بالأحياء فيما يقدرون عليه، أو بدعائهم، وكل الصور التي وردت عن السلف -سواء في عهد الصحابة أو بعدهم- ترجع إلى هذه الصورة، لم يرد عن السلف من الصحابة ومن بعدهم أنهم استشفعوا بالذوات.
[ ٤٨ / ١٣ ]
حكم التوسل والاستشفاع باتباع الرسول وتصديقه
قال رحمه الله تعالى: [وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وبسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم، ونحو ذلك.
فهذا من أحسن ما يكون من الدعاء والتوسل والاستشفاع].
الاستشفاع الذي هو اتخاذ الوسيلة عند الله ﷿بمعنى عبادته سبحانه- أعظم الواجبات، وهو الغاية من خلق الخلق، فعبادة الله ﷿ هي أعظم ما يستشفع به، بل هي الوسيلة التي ذكرها الله ﷿، وهي توحيد الله وعبادة الله، وهي تصديق رسول الله ﷺ واتباع شرعه، وهي الإيمان بمعناه الشرعي الصحيح الذي يشمل الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، هذه هي الوسيلة الصحيحة، وهي التي يستشفع بها ويتوسل بها إلى الله ﷿.
[ ٤٨ / ١٤ ]
صور من التوسل الجائز والتوسل الممنوع
قال رحمه الله تعالى: [فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محبًا له مطيعا لأمره مقتديًا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه].
هنا ذكر ثلاث صور من الصور الكبرى للتوسل: الأولى: التوسل بدعاء الوسيلة وشفاعته يوم القيامة، وهي شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الشافعين الذين يؤذن لهم.
الصورة الثانية: التوسل إلى الله ﷿ بالعبادات المشروعة، وبالأمور الإيمانية، سواء كانت اعتقادًا أم عملًا، فهذه وسيلة مشروعة.
فهنا وسيلتان: وسيلة لكل إنسان، وهي عبادة الله ﷿، ووسيلة وعد الله بها يوم القيامة، وهي شفاعة النبي ﷺ، وهي نوعان: شفاعته العظمى وتسمى الوسيلة، وكذلك شفاعته لأهل الكبائر، وهذا لا تطلب في الدنيا، ولا سبيل إلى معرفتها في الدنيا، إنما تكون يوم القيامة بشروطها.
الصورة الثالثة: التوسل بمحبة السائل واتباعه، يعني: محبة السائل لنبيه ﷺ وبإيمانه به، كأن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بحبي لرسول الله ﷺ، أو باتباعي له، فهذا توسل مشروع؛ لأنه توسل من الشخص بعمله.
وهناك صورة من هذا النوع خفية لم يشر إليها الشارح، وهي أن بعض الناس قد يتوسل إلى الله ﷿ بتقديسه من يقدسه من المخلوقين، ويظن ذلك نوعًا من المحبة، كالذين يقدسون الأولياء أو الذين يقدسون الأئمة، أو الذين يقدسون الأشجار والأحجار، ويزعمون أن ذلك من أعظم الإيمان، فيتوسلون بذلك إلى الله زاعمين أن ذلك من الوسيلة، وهذا نوع من الشرك.
الصورة الرابعة: الإقسام بالمتوسل به، فهو إقسام بغير الله ﷿، وحلف بغير الله لا يجوز.
أما التوسل بذاته فلا يجوز؛ لأن الذات لا تنفع، والإنسان لا ينفعك منه إلا دعاء الرجل الصالح؛ لأن الله ﷿ وعد بإجابة الدعوة حتى وإن كانت بالغيب، لذلك شرع للمسلم أن يدعو لغيره من المسلمين الغائبين والحاضرين الأحياء والأموات.
فهذه من الوسائل المشروعة التي جعلها الله من المنافع العامة بين المسلمين وبين المؤمنين، فالمسلم يدعو لأخيه في ظهر الغيب، ويدعو لمن سلفه، فهذا أمر من الوسيلة المشروعة، لكن تسميته وسيلة لم تكن معتادة عند الناس، فربما يتعلق به وجه ممنوع، وهو الاعتماد على دعاء الغير.
ونرى هذه السمة موجودة عند بعض الناس أو بعض الفرق والفئات، وهي أن كل من لقي منهم أحدًا من المسلمين قال: ادع الله لي.
فهذا قد خرج عن الحد الشرعي في طلب الدعاء من الغير بشروط وضوابط، حيث يؤدي ذلك إلى الاتكال.
قوله: [والتوسل بذاته] أي: بذات الشخص، بذات النبي ﷺ أو غيره.
وقوله: [هو الذي كرهوه] يقصد أبا حنيفة وصاحبيه، وصحيح أن السلف حرموه وجعلوه من البدع المغلظة، بل من الشرك أحيانًا، فالتوسل بالذوات لا يجوز؛ لأن الذوات لا تنفع.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك السؤال بالشيء، قد يراد به التسبب به؛ لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به].
السؤال بالشيء الذي هو العمل الصالح أو نحوه ليس على إطلاقه، فهناك من الأشياء ما لا يجوز السؤال بها، فأمور الغيب هي أشياء، لكن لا يجوز أن تسأل الله بها.
فقوله: [وكذلك السؤال بالشيء] أي: بالشيء الذي يعمله الناس، أو بالشيء الذي هو من عمل الإنسان نفسه.
قال رحمه الله تعالى: [ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: (فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون) فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله].
[ ٤٨ / ١٥ ]
الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر
قال رحمه الله تعالى: [فالحاصل: أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار به شفعًا فيه بعد أن كان وترًا].
يعني: انضم إليه وانضاف إليه.
قال رحمه الله تعالى: [فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلًا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه، فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى فقال له الله: (ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعطه، واشفع تشفع)، فيحد له حدًا فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته، كما قال ﷺ: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء).
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله! لا أملك لكِ من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله! لا أملك لك من الله من شيء)].
قول النبي ﷺ: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) هذه الشفاعة مخصصة تتعلق بأمور الخلق في دنياهم، أي: شفاعة بعضهم لبعض، ولا تدخل فيها الشفاعة عند الله ﷿؛ لأن الأمر هنا بالتماس الأجر أمر تكليف، والشفاعة المعنية في الآخرة لا تكليف فيها، إنما تحدث بإذن الله ﷿، وليس فيها طلب الأجر، ولا تحدث إلا ممن ذكرت أوصافهم.
أما الأمر هنا: (اشفعوا تؤجروا) فهو أمر لكل مسلم، إذًا: فلا بد من أن تكون الشفاعة الواردة في هذا الحديث فيما يتعلق بأمور الناس في دنياهم، وفي مصالحهم، وفيما يقدرون عليه، أقول هذا لأن بعض المسلمين قالوا: إن قوله ﷺ: (اشفعوا تؤجروا) يعم الصالحين والأولياء في قبورهم، وأنهم يتقربون بالشفاعة لمن جاء يستشفع بهم ويدعوهم عند القبور، وأنهم ممن أتيحت لهم الشفاعة وأذن لهم فيها، وأنهم بذلك ممتثلون لأمر الله ﷿، وهذا خطأ شنيع في فهم النص؛ فإن قوله ﷺ: (اشفعوا تؤجروا) يعني: في دنياكم، أما بعد الممات، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا أمر غير وارد، وليس هو من أبواب التكليف ولا مما يلتمس فيه الأجر.
قال رحمه الله تعالى: [في الصحيح أيضًا: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو شاة لها يعار، أو رقاع تخفق، فيقول: أغثني أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من شيء)، فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء ﷺ يقول لأخص الناس به: (لا أملك لكم من الله من شيء)؛ فما الظن بغيره؟! وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع فسمع الدعاء وقبل الشفاعة؛ لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه ﷾ هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء].
[ ٤٨ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٤٨ / ١٧ ]
بعض أنواع الشفاعة الممنوعة وتوجيه حديث إخراج قوم من النار لم يعملوا خيرًا
السؤال
ذكرت في الكلام عن الشفاعة الدنيوية أنواعًا، منها ما يتعلق بالتوسل، ومنها ما يتعلق بالتبرك، ومنها ما يتعلق بالشفاعة، فنرجو توضيح ذلك؟
الجواب
الشفاعة في الدنيا تختلف مفاهيمها عند الناس، فمنهم من يدخل في الشفاعة في الدنيا التوسل بالأشخاص الأحياء والأموات ويعدها شفاعة مشروعة، أو يسميها شفاعة مع أنها لا تدخل في باب الشفاعة إلا تجوزًا.
ومنهم من يدخل ما يتعلق بالتبرك، وهو التبرك بالأشخاص، فبعض الناس يقول: إنها التبرك بفلان من الناس.
أي: طلب البركة منه والتمسح بذاته، بجسمه، والتعلق بأشيائه، كما يحصل من الصوفية المبتدعة الآن يتعلقون بكل ما يتصل بالأولياء وما فيهم وما حولهم، فيتبركون بثيابهم، وبأجسامهم، وبفضلاتهم، وبكل شيء، ويقولون: هذا تبرك، ويدخلونه في الوسيلة المشروعة، يزعمون أنه من باب الوسيلة التي أمر الله باتخاذها، وأيضًا يدخلونه في مسمى الشفاعة.
ومما يتعلق بالشفاعة الشفاعة عند الله ﷿، فالشفاعة عند الله ﷿ منها ما هو ممنوع، باتخاذ الوسائط، وكذلك الشفاعة يوم القيامة ممن لا يرضى الله عنهم ولا يرضى لهم الشفاعة.
وأما حديث: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط)، فقد اختلف فيه أهل العلم، وليس هناك تفسير قاطع لمعنى هذا الحديث، فمنهم من قال: (لم يعملوا خيرًا قط) بمعنى: أنهم ممن أسلموا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل.
لكن هذا منقوض بأن هؤلاء يكونون من أهل الجنة ولا يدخلون النار؛ لأنهم ماتوا على توحيد الله، والإسلام يجب ما قبله.
ومنهم من قال: إن المقصود به أن الله ﷿ يخرج من الناس بعثًا ليس لهم أعمال صالحة إطلاقًا.
وهذا هو الراجح، وفيه إثبات أن الأمور بيد الله ﷿، وأن العباد لا يحكمون على أحد معين بأنه في جنة أو نار، وهذا يستثنى من القواعد العامة التي فيها تحقيق الوعيد وتحقيق الوعد؛ لأن الله ﷿ فعال لما يريد، فمما سيفعله ﷿ هذا الأمر، وهو أنه يخرج من الناس بعثًا لم يعملوا خيرًا قط، وذلك راجع إليه سبحانه.
[ ٤٨ / ١٨ ]
ما ينبغي أن يعلمه الصبي من أصول العقيدة
السؤال
ما هي الأصول العقدية التي يمكن أن توصل إلى من كان في السن الخامسة والسادسة في عمره؟
الجواب
هذا سؤال جيد، فمن كان في مرحلة الطفولة إلى العاشرة ينبغي أن يعلم الأصول العامة للدين الإسلامي، فيعلم أركان الإسلام، ويفهمها تفهيمًا فيه شيء من التفصيل، ويعلم أركان الإيمان ويفهمها تفهيمًا فيه شيء من التفصيل بدون ذكر الخلافات، ويعلم أصول الاعتقاد العامة التي ليس فيها غموض ولا غرابة، ويقتصر فيها على ما هو واضح بالأدلة، أو مستقر في بداهة العقول، أما الجزئيات والتفريعات أو ما كانت أدلته غامضة أو معانيه غامضة؛ فينبغي أن يجتنب في تعليم الصغار.
ثم إنه ينبغي ألا يكون تعليم الصغار على سبيل الامتحان والسؤال، فيجوز أن يكون من وسائل تعليم الصغار السؤال والجواب في غير العقيدة، إلا في الأمور الكبرى الواضحة، مثل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ لكن الأمور الأخرى لا ينبغي أن تأتي على شكل سؤال، بل ينبغي أن يفهمها الطفل أولًا، ولذلك أرى أن من الأخطاء الشنيعة: سؤال الصغار بمثل: أين الله؟ أو عن الاستواء أو عن الرؤية، فلا ينبغي هذا حقيقة؛ لأن هذا فيه نوعًا من امتحانهم وإلقاء اللبس على أذهانهم الصافية التي لا تستوعب هذه الأمور -وإن كانت من أصول الدين- إلا بتعليم، نعم علمهم أولًا، ثم اسأل بعد ذلك.
[ ٤٨ / ١٩ ]
خطأ جدال أهل الأهواء بغير توافر شروطه
السؤال
قمت بمجادلة أحد المبتدعة من الرافضة، وقد أحدث ذلك أثرًا في نفسي، وإني أستغفر الله من ذلك، وأوجه نصيحة لإخواني ألا يجادلوا أهل الأهواء والبدع، وهذه نصيحة مجرب، نسأل الله لنا ولكم الهداية والثبات؟
الجواب
لا ينبغي أن توقع نفسك في جدال المخالفين من أهل الأهواء المغلظة إلا باستعداد علمي جيد، وبضمانات وشروط قل أن تحدث إلا في أجواء قليلة جدًا، ومن أهمها: أن تعرف أن صاحبك جاد ويريد الحق، وأن تلم بالقضية التي تريدها، وإلا يصل ذلك إلى حد إضاعة الوقت والمجالس الطويلة، ولا يصل إلى حد تكلف الحجج لمجرد إلزام الخصم، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٨ / ٢٠ ]