من أصول أهل السنة والجاعة العظام وقواعدهم المتينة: أن الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما، خلافًا للرافضة الذين يقولون: لا جهاد إلا عند خروج المهدي المزعوم، كما أن من عقيدة أهل السنة الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة الذين جعلهم الله على العباد حافظين وأوكلهم بكتابة جميع الأعمال.
[ ٨٣ / ١ ]
اعتقاد أهل السنة في الحج والجهاد مع ولاة الأمر من المسلمين
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)].
قبل أن نبدأ بالشرح نشير إلى وجه الجمع بين الحج والجهاد في هذه الجملة، وهو أن الحج من أركان الإسلام، والجهاد أيضًا من أصول الدين، ونظرًا لأن الحج والجهاد من الأعمال الجماعية الكبرى، فالحج من الأعمال التي تتعلق بعموم المسلمين، فلا يتأتى للمسلمين أن يختلفوا فيه؛ لأن اختلافهم يؤثر في أداء الشعائر، ولذلك يجب على الناس أن يلتزموا نهجًا واحدًا في أداء الحج على ضوء ما يجتهد فيه الذي يتولى الحج في ذلك الوقت، وفي أداء المشاعر في أوقاتها؛ لأن المشاعر مربوطة بمكان وزمان، فلا يتأتى للناس أن يختلفوا فيها، وإذا اختلفوا فسد حج بعضهم، فلا بد أن يكون الوقوف في عرفة في يوم معين، فمن وقف قبل هذا اليوم أو بعده لا يصح حجه، ثم يتلو ذلك بقية الشعائر الأخرى التي تؤدى في الحج، فلذلك لا بد للمسلمين أن يلتزموا في الحج بقرار الإمرة التي تتولى الحج، سواء كان من يتولى الحج برًا أو كان فاجرًا عاصيًا ظالمًا.
وهنا أنبه على مسألة كثيرًا ما تثور عند بعض الجهلة، وهي مسألة توقيت يوم عرفة، حيث يدور أحيانًا في مجالس الناس عن جهل أن تقدير يوم عرفة مبني على كذا وكذا، وأنه ليس هناك رؤية في هذه السنة، أو أن مجلس القضاء الأعلى لم يقرر دخول ذي الحجة على رؤية، إنما هو اجتهاد أشخاص! فهذا كلام خطير؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (الحج يوم يحج الناس)، وما قال هذا إلا لأنه يعلم أن الناس قد تتفاوت أفهامهم، وفي هذه البلاد -والحمد لله- كل ما يتعلق بالمواقيت الشرعية من دخول رمضان وخروجه والحج ونحو ذلك يسير على أساس شرعي سليم بحمد الله، ويعلن من مجلس القضاء الأعلى أو من الديوان الملكي بناء على أمور ترجع إلى أهل العلم، خاصة فيما يتعلق بهذه الأمور الشرعية الخطيرة، فهناك من يتكلم في هذه الأمور بجهل أو بهوى فيضل الناس، وهذا أراه من أعظم الفتنة ومن أعظم الهوى ومن أعظم البدع التي يجب أن يردع من يقع فيها.
وإنما نبهت على هذا؛ لأنه بدأ يكثر عند بعض الجهلة وبعض المتعلمين وبعض أصحاب الغرور والأهواء الكلام بما يشكك الناس في شعائر دينهم، وهذا أمر خطير، ويجب على طلاب العلم أن لا يسمحوا للناس أن يخوضوا في هذه الأمور، فإذا أعلن وقت الحج فإعلانه شرعي ملزم، ولا داعي لهذه الأمور التي تحدث الوساوس، وقد ربط الحج بولاية الحج، فمن تولى إمرة الحج -برًا كان أو فاجرًا- لا بد من الحج معه، ولا يكون الحج صحيحًا إلا بتوقيته، فمن تأخر يومًا أو تقدم يومًا فحجه غير صحيح؛ لأن الحج يوم يحج الناس.
[ ٨٣ / ٢ ]
الرد على الرافضة المعطلين للجهاد إلى خروج مهديهم
قال رحمه الله تعالى: [يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد ﷺ، وينادي مناد من السماء: اتبعوه].
الرافضة هم على رأس الفرق التي خالفت المسلمين، وتعمل في هذه الأمور بضد ما عليه أهل الحق، لكن غير الرافضة فيهم شبه منهم، فأكثر أهل الأهواء من سماتهم المخالفة في هذه الأمور، فلا نعرف أن أهل الأهواء يجاهدون مع المسلمين أو مع أئمة المسلمين، ولا يجاهدون إلا في فتنة، ويسمونها الجهاد، فلو نظرنا إلى المعتزلة والجهمية والخوارج وكثير من الفرق الكبرى لوجدنا أن هذا هو منهجهم، لا يقاتلون مع المسلمين، بل يقاتلون المسلمين، فإذا ثارت على المسلمين فتنة سارعوا فيها، ولا تجدهم في الثغور أو في جيوش المسلمين؛ لأنهم لا يرون الجهاد مع أئمة المسلمين.
فأهل الأهواء لا يقاتلون إلا في ألويتهم، ولا نعرف أن ألوية أهل الأهواء ضد الكفار أو لجهاد الكفار، بل ألوية أهل الأهواء دائمًا في نحور المسلمين ومن قرأ التاريخ فسيجد مصداق هذا واضحًا جدًا طيلة التاريخ الإسلامي.
فأكثر الفرق هم كالرافضة، لكن قد يكون لهم فلسفة أخرى ونظرة أخرى غير نظرة الروافض، فمتى ما حصلت ثورة على أئمة المسلمين شاركوا فيها، أما الرافضة فلا يشاركون إلا تأولًا أو من أجل النكاية، لا لأنه جهاد، ولا يجاهدون إلا مع هذا الموهوم المنتظر الخرافة الذي يسمونه المهدي المنتظر.
قال رحمه الله تعالى: [وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما اشتراطا بغير دليل، بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعته)].
قوله: (خيار أئمتكم) وقوله: (شرار أئمتكم)، يعني: الولاة؛ لأن لفظ (الأئمة) يطلق على صنفين: على الولاة السلاطين، أبرارًا كانوا أو فجارًا، وعلى الأئمة في الدين، أئمة العلم، فهذه إمامة وهذه إمامة، وهذه لها حقها وهذه لها حقها، ولا شك أن من ولي أمر المسلمين فهو إمام لهم حتى ولو لم يكن على شروط الإمامة، لا كما يظن بعض الناس الذين يعتقدون جهلًا أنه لا يسمى إمامًا إلا إذا توافرت الشروط، فهذا ليس بصحيح، ثم إن من الشروط شروطًا كمالية لم توجد إلا في الخلافة الراشدة.
فمن تولى أمر المسلمين فهو إمام، سواء كان برًا أو فاجرًا، ومصداق ذلك هذا الحديث، وهو صريح، حيث سماهم أئمة على الحالين، وهذا أمر له اعتباره في القواعد الشرعية، ولذلك بنى الحكم على هذا الاعتبار، فحين قالوا: (أفلا ننابذهم عن ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
ثم ذكر ﷺ أيضًاَ قاعدة أخرى مهمة جدًا، فقال: (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله) يعني: يكره ذلك في قلبه، ويناصح إن استطاع، وينكر إن استطاع بالأسلوب المناسب الذي لا يؤدي إلى الفتنة، لكن لا ينزع يدًا من طاعة، وما أجهل كثيرًا من الناس في هذا العصر من الذين بدءوا يجانبون هذه المسائل ويتهمون من يقول الحق أو يعتقده أو ينهج هذا النهج بأمور ليست مما يجوز أن يتهم فيه المسلمون أو يتراشق فيه المسلمون.
أقول: إن كثيرًا من أهل السنة وأهل الحق الذين بقوا على هذا الأصل يكادون يعيشون غربة أحيانًا في بعض بلاد المسلمين، بسبب انتكاس مفاهيم المسلمين وعملهم على غير الأصول، فالمسلمون الذين نهجوا مع ولاتهم نهج الخروج والقوة ما أصابوا الحق؛ لأن هذا ليس هو منهج السلف، فمن أنكر عليهم اعتبروه هو المخطئ، وهو الذي يخذل الدين، وهو الذي لا يعرف شيئًا إلى آخره، حتى عاش كثير من أهل الرأي الصائب والقول الرشيد والاعتقاد السديد في غربة الآن في كثير من بلاد المسلمين، فلا بد من تقرير الحق، وأن يكون لطلاب العلم أثر في المسلمين يعملونه، ذلك أن أغلب المصائب التي وقعت على البلاد الإسلامية الآن -خاصة ما يحدث من القتل والتشريد وانتهاك الأعراض وسفك الدماء وما ترونه وتسمعونه من فتنة في بعض بلاد المسلمين- يقوم أصلًا على مخالفة هذا المنهج، بسبب أن طائفة ممن عندهم حماس للدعوة إلى الله ﷿، وعندهم غيرة على دين الله جهلوا هذا الأصل، فظنوا أن مقتضى الحسبة قتال الحكومات، وهذا خطأ شنيع؛ إذ هو أولًا مخالفة للنبي ﷺ، ثم إنه مخالفة لنهج الإسلام في الدعوة إلى الله، ومخالفة لأصول الدعوة وللأساليب المشروعة التي شرعها الله ﷿، ولو أنهم اتقوا الله ﷿ وناصحوا بالتي هي أحسن وعملوا لوجدوا خيرًا، وإذا ما وجدوا فالأ
[ ٨٣ / ٣ ]
خسارة الرافضة في تعليق الجهاد بالإمام المعصوم
قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصومًا، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا].
لأنهم فرضوا له صفات لا يمكن أن تكون في البشر، فهو معدوم فعلًا، فتلك الصفات لا توجد في أحد من خلق الله ﷿ ولا من الذين يدعون أنهم أئمة معصومون، فهؤلاء الذين يدعون أنهم معصومون هم أناس من البشر منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، والصالحون منهم ليس عندهم هذه الخصائص التي ادعتها الرافضة، سواء منهم من يعلقون عليه بعض الآمال مثل المهدي الموهوم، أو الأحياء منهم أو الأموات الذين كان لهم وجود، ألقوا عليهم من الصفات والآمال وافترضوا فيهم من الخصال ما لا يوجد في مخلوق.
إذًا: فهم توهموا أمورًا معدومة وليست حقيقية، فلذلك بقوا طيلة الدهر ينتظرون موهومًا حتى جاء الخميني وأظهر لهم فكرة جديدة، وهي فكرة (ولاية الفقية) الوسيط بين الإمام المزعوم الموهوم وبين الأجيال الحاضرة، وقال: لا بد أن نتولى بعض صلاحيات الإمام المعصوم المنتظر، فنفخ هذه الروح الوهمية أيضًا فانتفضوا انتفاضتهم المعلومة، لكنهم لا يزالون على أفكارهم الخيالية.
قال رحمه الله تعالى: [فإنهم يدعون أن الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب في زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريبًا من ذلك بسامراء، وقد يقيمون هناك دابة -إما بغلة وإما حرسًا- ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك في أوقات عينوها لمن ينادي عليه بالخروج: يا مولانا! اخرج، يا مولانا! اخرج، ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم فيها العقلاء!].
ذكر المحقق في الهامش بعض الترجمة للعسكري التي توهم أن هذا الرجل له وجود، وأن له ولادة ووفاة إلى آخره.
وهم يزعمون أنه المهدي، ويسمونه صاحب الزمان والمنتظر والحجة وصاحب السرداب، وقد ولد بزعمهم في سامراء، ومات أبوه وله خمس سنين، وكل هذه ليست حقائق بإجماع المؤرخين، فكل ما قالوه من هذا أوهام لا وجود لها تاريخيًا أبدًا حتى في كتبهم، وقد قرأنا في كتبهم ما يدل على أن هذا وهم وكذب، ولا أدري كيف يروون هذه الروايات التي يعتمدونها عندهم ثم يقولون بهذه الأكذوبة، فيكذبون ثم يصدقون أنفسهم، أقول: حتى في كتبهم المسندة يوجد ما يكذب القول بأن هناك رجلًا اسمه كذا إلى آخره؛ إذ إن أباه كان عقيمًا ومات عقيمًا ليس له ولد ولا ذرية، وهذا معروف عند المؤرخين من غير الشيعة، وبعض الرافضة يثبت هذا.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (مع أولي الأمر برهم وفاجرهم) لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر].
[ ٨٣ / ٤ ]
عقيدة أهل السنة في الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين): قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:٢١].
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون).
وفي الحديث الآخر: (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم).
جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من ورائه وواحد أمامه، فهو بين أربعة ملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان.
وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه].
[ ٨٣ / ٥ ]
القرين من الجن والقرين من الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة.
قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير).
الرواية بفتح الميم من (فأسلمَ)، ومن رواه (فأسلمُ) برفع الميم فقد حرف لفظه، ومعنى (فأسلمَ) أي: فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين، ولهذا قال: (فلا يأمرني إلا بخير) ومن قال: إن الشيطان صار مؤمنًا فقد حرف معناه؛ فإن الشيطان لا يكون مؤمنًا].
ليس هناك ما يمنع أن يكون هذا القرين من الجن؛ وليس من الشياطين الذين حكم عليهم بالشيطنة على وجه خاص؛ لأن الشيطنة وصف عام ووصف خاص، فالوصف العام هو بمعنى الشر، فالإنس فيهم شياطين والجن فيهم شياطين، وذرية إبليس فيهم شياطين، والوصف الخاص هو المختص بالشيطان الذي هو إبليس وذريته الذين هم من جنسه وفصيله.
والناظر إلى النصوص الشرعية وإلى فهم الصحابة وفهم السلف وتفسيرهم للنصوص يجد أن الأحاديث التي جاء فيها أن الله أعان النبي ﷺ على قرينه فأسلم تدل على أنه قرين من الجن، والجن منهم من يسلم ومنهم من يفسق، أو أنه قرين -مهما كان- قدر الله أن يسلم؛ لأن الأمور بيد الله ﷿، حتى لو قلنا: إن الشياطين لا يسلمون كما يقول بعض الشراح، فالأمر راجع إلى قدرة الله ﷿، وهذا خبر النبي ﷺ، فلا داعي للتحريف وتطويع النصوص لقواعد عقلية، فإذا كان أسلم بقدرة الله فالله بيده مقاليد السموات والأرض وبيده قلوب عباده، فليس الأمر بغريب، والخبر لا بد أن يؤخذ على حقيقته، أن قرين النبي ﷺ أسلم بمعنى أنه لم يعد كافرًا، هذا ظاهر الحديث، فما عداه تكلف، وما أشرت إليه هو رأي الجمهور؛ لأنه أسلم حتى لم يكن يأمره إلا بخير.
قال رحمه الله تعالى: [ومعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قيل: حفظهم له من أمر الله أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله].
[ ٨٣ / ٦ ]
بيان ما تكتبه الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية؛ لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]، ويشهد لذلك قوله ﷺ: (قال الله ﷿: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا).
وقال رسول الله ﷺ: (قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) خرجاهما في الصحيحين، واللفظ لـ مسلم].
[ ٨٣ / ٧ ]
الأسئلة
[ ٨٣ / ٨ ]
الجمع بين كتابة الملائكة النيات وكونهم لا يعلمون الغيب
السؤال
كيف نجمع بين كتابة الملائكة النية وبين كون الملائكة لا يعلمون الغيب، والنية من الغيب؟
الجواب
ما يتعلق بما يحدث عند الإنسان أمر لا شك أنه يطلع الله عليه الملائكة عندما يحدث، حتى الخواطر والوساوس والهم بالشيء، إذا هم أن يفعل أو أن يترك، فهذا أمر جعل الله ﷿ عند الملائكة القدرة على معرفته، ولا يقدر عليه غيرهم، بمعنى أن البشر لا يعرفون ما في وساوس البشر الآخرين أو في خطراتهم أو في نياتهم وإراداتهم، لكن الكرام الكاتبين أقدرهم الله ﷿ على أن يعرفوا ما يختلج في نيات الناس، هذا أمر جعله الله ﷿ من مقدورهم، فلم يعد في حق الملائكة غيبًا، لاسيما أنه أمر حدث من الإنسان، ولكن لا أظن أن الملك -حتى الكاتب- يعلم ما يفعل الإنسان غدًا أو بعد غد حتى من الخطرات والإرادات والهم ونحو ذلك، فالمهم أن الله ﷿ أطلع هذه الطائفة من الملائكة على هذا الشيء الذي هو غيب عنا، فهذا راجع إلى قدرة الله، ولم يعد غيبًا بالنسبة لهم.
[ ٨٣ / ٩ ]
الجمع بين كون الكفر ملة واحدة وثبوت كفر دون كفر
السؤال
كيف نجمع بين كون الكفر ملة واحدة وأن هناك كفرًا دون كفر؟
الجواب
أولًا: لا يظهر أن بينهما تناقضًا.
والأمر الثاني: أن كل عبارة محمولة على المعنى المراد بحسب قواعد الشرع والنصوص وفهم السلف، فلا شك أن المراد بكون الكفر ملة واحدة الكفر المخرج من الملة، فالكفر المخرج من الملة ملة واحدة، وملة الإسلام ليست كفرًا.
وقول السلف: كفر دون كفر يعني: الكفر الذي لا يخرج من الملة، ولا شك أنه يتبين من خلال النصوص أن الكفر منه ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج، ومسمى الكفر قد يطلق على المعصية والبدعة، وقد يطلق على الكفر المخرج، وهذا ظاهر جدًا؛ لأن النبي ﷺ سمى النياحة كفرًا، وسمى الطعن في الأنساب والأحساب كفرًا، وسمى الانتساب لغير الأب كفرًا، وسمى كفر النعمة كفرًا، وسمى جحد حق الزوج من المرأة كفرًا، في أشياء كثيرة سماها النبي ﷺ كفرًا وليست كفرًا قطعيًا، فهذا هو مفهوم الكفر دون الكفر، فكل ما سماه النبي ﷺ من أعمال المسلمين كفرًا مما ليس بشرك ولا ردة فهو كفر معصية، وكفر بدعة، بل إن بعض الأعمال دون البدعة يسمى كفرًا، مثل عدم شكر المنعم في بعض النعم التي أنعم الله بها على عباده، فهذا يسمى كفر نعمة، وقد لا يكون كبيرة أيضًا.
فمثل هذه الأمور لا بد من استصحاب عموم النصوص وقواعد الشرع فيها، ولذلك أجد أنه من الخلل والزلل أن يتناول مثل هذه الأمور من لا علم عنده ولا فقه، أو يقل فقهه في الدين، فربما يكون مثقفًا متحذلقًا أو طويلب علم مبتدئًا ثم يبدأ يخوض في هذه الأمور ويصنف المسلمين ويحول ذممهم إلى الكفر وغيره بمجرد أن يقرأ هذه النصوص أو يسمع بها، وهذا أمر خطير، فالذي لا يعرف موارد الشرع وقواعد الدين ومناهج السلف وألفاظ الشرع ومعانيها ودلالاتها، ولا يعرف كيف يرجع الألفاظ والمصطلحات إلى أصولها بحسب سياقها، لا يجوز له أن يتكلم في هذه الأمور، وأقول هذا بمناسبة كثرة كلام الناس في هذه الأمور، وعدم تفريقهم بين الصالح وغير الصالح، وبين ما له أصل وما ليس له أصل، والله أعلم.
[ ٨٣ / ١٠ ]