الاستطاعة عند أهل السنة والجماعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، ومن جهة التوسع والصحة والتمكين تكون قبل الفعل، والله لا يكلف العباد ما يشق عليهم وما لا يقدرون عليه، وأما الأشعرية ومن نحا نحوهم من أهل الكلام والفلسفة فقد طال جدلهم وكلامهم في مسائل الاستطاعة والجبر والكسب والقدر، عندما حكموا العقل وابتعدوا عن النص، وقد رد عليهم أهل العلم وبينوا مخالفاتهم في الكسب وأفعال العباد والقدرة.
[ ٩١ / ١ ]
مفهوم الاستطاعة
قال رحمه الله تعالى: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل.
وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]].
المقصود بموضوع الاستطاعة هنا القدرة التي أقدر الله بها العباد المكلفين على الفعل، ولها ارتباط بالإرادة والمشيئة والقدر عمومًا، فالاستطاعة هي قدرة المكلف على فعل الشيء الذي أقدره الله على فعله.
وموضوع الاستطاعة من الموضوعات التي ابتدع فيها أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية الكلام، ثم صارت من أصول أهل الكلام الأشاعرة والماتريدية، واشتهرت باسم الكسب عند الأشاعرة؛ نظرًا لأن الأشعري يرى أن استطاعة العباد على أفعالهم التي يقدرهم الله عليها تأتيهم عن طريق الكسب، لا القدرة الكاملة على الفعل، بمعنى: أنه يرى أن الإنسان المكلف ليس في الأصل قادرًا على الفعل، إلا عند العزم والشروع بالفعل، حتى وإن كان يملك جميع القدرة والوسائل، كالمشي مثلًا قدرة يتم بالاستطاعة، فيقول: إن الإنسان الذي يقدر على المشي أعطاه الله ﷿ وسيلة وهي الرجلين، ولا يمكن أن نسميه مستطيعًا على المشي إلا إذا عزم على الفعل، فإذا عزم وأنشأ التحرك أقدره الله، أو في تلك اللحظة التي عزم فيها أوجد الله ﷿ له الاستطاعة.
وهذه فلسفة فيها شيء من الغموض واللبس من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس لها أصل في الشرع، نحن نعلم أن الله ﷿ جعل للعباد قدرات فيما يقدرون عليه، وجعل لهم وسائل وهي الجوارح، والقدرات موجودة قبل الفعل وبعده، لكنها لا تتمثل لنا بفعل حقيقي إلا عند الفعل الحقيقي.
فالإنسان المتكلم الذي يملك القدرة على الكلام نسميه متكلمًا وقادرًا على الكلام، حتى وإن لم يتكلم، والقدرة على الكلام موجودة عنده، لكن قد لا يعزم على الكلام فيسكت، وحينما سكت لا يعني أنه غير قادر أو غير مستطيع على الكلام.
وكذلك بعد الفعل، فالمسألة فيها نوع من التفلسف عند أهل الكلام، خاصة الأشعري ومن جاء بعده، حيث زعم أن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلا أثناء الشروع فقط، وكأن الإنسان يصادفها مصادفة أو يكسبها كسبًا، كالإنسان الذي يبحث عن شيء مفقود، فإنه لا يتهيأ له -حسب رأيهم- أن يكون وجد هذا الشيء إلا عندما يقع عليه، ومثلوا بالقدرة أو بالاستطاعة على الشيء المفقود، فإنه لا يمكن أن يكون وجد الشيء إلا أثناء التمكن منه، وهذا القياس غير صحيح، فلذلك عدت مسألة الاستطاعة والكسب عند الأشعري من المعضلات التي لا يمكن تفسيرها تفسيرًا صحيحًا.
المهم أن السلف يرون أن الله ﷿ أقدر العباد المكلفين على الأفعال، التي عندهم وسيلة إليها قبل الفعل وبعد الفعل وأثناء الفعل، وأنهم بذلك مكلفون، لكن قد يهيئ الله ﷿ لبعض العباد أن يفعل، وقد لا يهيئ الله ﷿ لبعض العباد أن يفعل.
فتأتي مسألة الهداية والإضلال والتوفيق والخذلان متفرعة من مسألة الاستطاعة، وسيأتي الحديث عنها بعد قليل.
قال رحمه الله تعالى: [الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة، وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين كما ذكره الشيخ ﵀، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط].
القسم الأول: أن الاستطاعة قوة كاملة في الإنسان القادر المكلف موجودة قبل الفعل.
القسم الثاني: أنها موجودة أيضًا أثناء الفعل، والإنسان ليس مجبورًا، فالإنسان قادر على أن يفعل أو لا يفعل في الأمور الاختيارية، فقادر أن يفعل، وهذه قدرة ثابتة للفعل، ثم تلحق إذا أنشأ الفعل، وقادر ألا يفعل أيضًا.
إذًا: المقصود بالقسم الأول: القدرة الكاملة في الإنسان.
والقسم الثاني: القدرة التي تتهيأ للإنسان أثناء الشروع في الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل.
وقابلهم طائفة من أهل السنة فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل.
والذي قاله عامة أهل السنة: إن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه].
يعني: جعل الله ﷿ القدرة التي أعطاها العباد سببًا للتكليف، ولذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئًا من الأمور التي أمر بها، فإنه لا يحاسب، وغير مكلف بها، ورفع الله الحرج عن غير المستطيع، لكن الاستطاعة هي مناط التكليف، يعني: أن الله ﷿ جعل للعباد قدرات وقوى كاملة فيهم، هي الوسيلة لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه.
[ ٩١ / ٢ ]
محل القدرة من حيث الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات وأدلتها
قال رحمه الله تعالى: [والقدرة التي يكون بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة.
وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال].
يعني: أنه قسم أفعال العباد هنا إلى قسمين وهذا هو الصحيح.
القسم الأول: كون الإنسان قادرًا على الفعل قبل فعله، فيما يقدره الله عليه.
القسم الثاني: التمكن من الفعل أثناء الفعل.
وقال السلف بالأمرين: إن الإنسان فاعل وقادر حتى قبل أن يتمكن، وإذا فعل فإنه فاعل بقدرة أقدره الله عليها أثناء الفعل.
وهذا مما خالف فيه الأشاعرة حيث قالوا: القدرة لا تكون إلا أثناء الفعل فقط.
وكذلك الجبرية الجهمية وبعض المعتزلة خالفوا وقالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل، أما أثناء الفعل فالإنسان مجبور على الفعل، وكونه قادرًا فالله ﷿ جبره أن يفعل بالقدرة السابقة.
إذًا: قول الجبرية أن الإنسان قادر على أن يفعل الأشياء التي يقدر عليها، لكن قدرته أو فعله للشيء أثناء الشروع في الفعل لا يعد قدرة جديدة ولا استطاعة، إنما يعد مما جبر عليه.
وكلا القولين خطأ، والصواب هو أن الله ﷿ أقدر العباد وأوجد فيهم القوة الكاملة الفطرية والغريزية على الفعل، ثم أثناء الفعل أيضًا هيأ الله ﷿ لهم التمكن من الشروع في الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحدًا على ترك الحج، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام].
يعني: أن الله ﷿ رتب الحكم على التمكن والقدرة، لا على ذات الفعل، فالله تعالى أوجب الحج على من تمكن وقدر عليه، فإن فعل قام بالواجب، وإن لم يفعل لم يقم بالواجب، ولم يرتب الحكم على الفعل؛ لأنه لم يقل: إن الحج لا يجب إلا على من باشر الحج، بل ذكر الله ﷿ في القرآن الكريم وذكر الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة أن الحج واجب على المستطيع، فرتبا الحكم على التمكن والقدرة والاستطاعة لا على الفعل ذاته، وهذا دليل على أن الإنسان قادر ومتمكن، وتوجد عنده الاستطاعة قبل الفعل، وأنه لو لم توجد عنده، لسقط عنه التكليف، لكن الأصل وجود الاستطاعة والتمكن والقدرة في عموم العباد المكلفين.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق، وهذا معلوم الفساد.
وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤] والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات.
وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم دل أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال، على ما بين تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة:٩١] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] والمراد: استطاعة الآلات والأسباب.
ومن ذلك قوله ﷺ لـ عمران بن حصين: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) وإنما نفى استطاعة الفعل معها.
وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] والمراد نفي حقيقة القدرة، لا نفي الأسباب والآلات؛ لأنها كانت ثابتة].
يعني: أن هذه الآية تعني نفي الفعل لا نفي أصل القدرة؛ لأن الله ﷿ ما نفى أصل القدرة على السمع والبصر، وإنما جعل لهم أسماعًا وأبصارًا، لكن نفى أن يكون الله ﷿ وفقهم للسمع والبصر على الوجه الصحيح، وإنما خذلهم الله ﷿ فأعمى قلوبهم وأبصارهم وجعلهم لا يفعلون، أما أصل القدرة فهي موجودة، ولذلك جعل الله ﷿ التكليف مناط الثواب والعقاب.
إذًا: كونهم ما يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون فيه نفي الشروع في الفعل لا نفي أصل القدرة، فالله ﷿ لم ينف عنهم أصل القدرة، لأن الله أعطاهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، لكنه عاقبهم بالخذلان، بسبب ذنوب وأعمال اقترفوها.
قال رحمه الله تعالى: [وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قو
[ ٩١ / ٣ ]
الرد على القدرية في اعتقادهم أن العبد يخلق فعله
قال رحمه الله تعالى: [وما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون: إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية، كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفًا، فهذا جاهد به في سبيل الله، وهذا قطع به الطريق.
وهذا القول فاسد].
يعني: هذا القول بأنه لا دخل لقدرة الله ﷿ في أفعال العباد، الذي يتضمن قولهم بنفي الهداية والإضلال من الله ﷿، وبنفي التوفيق والخذلان، فنحن نقول: إن الله ﷿ يهدي من يشاء ويوفق من يشاء، وأن الله ﷿ يضل من يشاء ويخذل من يشاء، هم يقولون: لا، الإنسان خالق لأفعاله قادر على أفعاله، فإن ضل فبقدرته واستطاعته التي توجد في غريزته، وإن اهتدى فبقدرته واستطاعته.
هذا كلام قدرية المعتزلة، وهذا باطل، فإن الله ﷿ أقدر المؤمنين على فعل الخيرات هداية منه وتوفيقًا سبحانه، وأقدر الكفار على فعل الكفر، وحجبهم عن الخير والهدى إضلالًا وخذلانًا منه؛ لأمر يعلمه سبحانه ولحكمة؛ لما يعلمه عن هؤلاء العباد وما يستحقون.
فلا يقال: إن الله ﷿ لم يخص المطيع بالطاعة، إنما المطيع بإرادته وباستطاعته أطاع فقط، بل لا بد من أن يكون لله ﷿ تقدير في التوفيق والخذلان.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧].
فالقدرية يقولون: هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق، وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق، والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] والكفار ليسوا راشدين].
هناك خلط في العبارات، فقوله: (فالقدرية يقولون: هذا التحبيب إلى آخره، إلى أن قال: وإظهار دلائل الحق بدأ يرد على القدرية، فقال: والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمنين) يعني: تزيين الإيمان في القلوب وتحبيبه خاص بالمؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين أنه سبحانه هدى هذا وأضل هذا، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
وأيضًا فقول القائل: يرجح بلا مرجح، إن كان لقوله: (يرجح) معنى زائد على الفعل، فذلك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد، كان حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح، وهذا مكابرة للعقل، فلما كان أصل قول القدرية: إن فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء؛ امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه؛ لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك وإنما تكون للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى.
وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل، لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك، فلهذا قالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل، وهذا باطل قطعًا].
هنا ترك قول الأشاعرة، وبدأ يرد على القدرية.
[ ٩١ / ٤ ]
الرد على الأشاعرة في القدرة
قال رحمه الله تعالى: [فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية موجودًا عند الفعل، فنقيض قولهم حق، وهو: أن الفعل لابد أن يكون معه قدرة.
لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين: حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظنًا منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظنًا من بعضهم أن القدرة عرض، فلا تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل].
هؤلاء هم الأشاعرة، رجع المؤلف إليهم مرة أخرى، وجعلهم من أهل الإثبات، وقال: إنهم حزب من القائلين بإثبات القدرة، لكنهم حصروا القدرة على وقت الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله مشروط بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، كما تقدم.
وأيضًا: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه.
فالشارع ييسر على عباده، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد يسمى مستطيعًا.
فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنًا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائمًا مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك.
فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع العجز؟ ولكن هذه الاستطاعة -مع بقائها إلى حين الفعل- لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن، مع جعل الفاعل مريدًا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة.
فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وهكذا أمر الناس بعضهم لبعض، فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد، وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة لزم وجود الفعل.
وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول: كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق، وما لا يطاق يفسر بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدًا، ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد بعضهم بعضًا، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف، ويأمره إذا كان قاعدًا أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة].
بهذا ينتهي الدرس، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٩١ / ٥ ]