تنازع العلماء في القول بفناء النار على أقوال ومذاهب، أقواها وأشهرها هو قول جمهور العلماء والمحققين أن النار لا تفنى ولا تبيد، وقد نسب القول بفناء النار لبعض الصحابة والتابعين.
[ ٩٢ / ١ ]
الأقوال في فناء الجنة والنار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فسبق أن وعدتكم أن نقرأ جملة من رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبيان الأقوال في ذلك؛ لأن هذه المسألة من المسائل المعضلة التي كثر الخلاف فيها قديمًا وحديثًا، وأيضًا نسب إلى شيخ الإسلام فيها قول قد لا يصح في الجملة، والآن سنقرأ جملة من كلام الشيخ في الرسالة؛ لأن الرسالة طويلة، وبعضها قد لا تلزم قراءته؛ لأن فيها شيئًا من الاستطرادات، لكن قبل أن نبدأ بالقراءة أحب أن أنبه أن شيخ الإسلام حينما تكلم عن هذا الموضوع تكلم عنه بناء على إشكال ورد عند تلميذه ابن القيم في مسألة القول بفناء الجنة والنار، أو القول بفناء النار، فلما تهيأت فرصة لـ شيخ الإسلام تكلم عن هذا الموضوع بلسانه، وهذه الرسالة اشتهرت عند الناس قديمًا وحديثًا، لكنها لم تطبع وتخرج محققة إلا في الآونة الأخيرة في كتاب تحت عنوان: (الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبيان الأقوال في ذلك) تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية، دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن عبد الله السمهري.
وقد وضع المحقق جزاه الله خيرًا مقدمة جيدة، درس فيها هذه المسألة وأقوال الناس، وما قيل في شيخ الإسلام بسببها ما بين ناف أو مثبت، ثم حقق الرسالة، وشيخ الإسلام ابن تيمية بدأ رسالته في الكلام عن القول بفناء الجنة والنار بذكر أقوال أهل العلم جملة، كما ذكرها ابن القيم في (حادي الأرواح) فذكر أن الناس تنازعوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: القول ببقائهما مطلقًا، أي: الجنة والنار، وهذا قول جمهور السلف وجمهور المسلمين، فالجمهور -وهم الأغلب- قالوا ببقاء الجنة والنار إلى ما لا نهاية بإذن الله وبقدرته سبحانه.
والقول الثاني: من قال بفنائهما معًا، أي: الجنة والنار، وهذا قول منكر، وهو قول الجهم بن صفوان ومن تابعه القول بفنائهما مطلقًا، بأن الجنة والنار تفنيان، وبالتبع يفنى النعيم والعذاب.
وهذا قول منكر، فقد كفر السلف من قال به.
والقول الثالث: من قال ببقاء الجنة مطلقًا لصراحة النصوص في ذلك إلى ما لا نهاية بإذن الله، والقول بفناء النار أو بانقطاع عذابها.
وأصحاب هذا القول لم يميزوا بين الأمرين تمييزًا واضحًا، ثم أشار شيخ الإسلام إلى أن القول بفنائهما من الأقوال الشاذة، فما رأينا أحدًا حكاه عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان وأتباعه الجهمية، وهذا مما أنكره عليه أئمة الإسلام، بل ذلك مما أكفروهم به، ثم ذكر كلامًا لـ عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة، والآن نقرأ كلام شيخ الإسلام بالتفصيل حول القول بفناء النار، بعد أن قرر الإجماع والقول الجزم بأن الجنة لا تفنى.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم.
وهذا أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها، فإن الذين يقولون: إن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم، كدوام نعيم الجنة، قد يقولون: إنها قد تفنى، وقد يقولون: إنهم يخرجون منها، فلا يبقى فيها أحد، لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع بقاء العذاب فيها على غير أحد، بل يفنى عذابها، وهذا هو معنى فنائها].
يعني: هذه المسألة ليست واضحة، وليست هناك أقوال صريحة فيها، والآن سيسوق أسماء من أُثِرَ عنهم القول بانقطاع العذاب، وتضمن هذا القول بفناء النار، لكنهم ما صرحوا بفناء مطلق، فقولهم يتوجه إلى أمرين: إلى خروج أهل النار منها بعد أحقاب طويلة لا يعلمها إلا الله ﷿، وانقطاع العذاب عن المعذبين، لكن ما صرحوا بأن النار تفنى، وربما يقول قائل: إذا كان أهل النار بعد أحقاب طويلة يخرجون منها فما فائدة بقائها؟ نقول: هذا شيء ليس لنا أن نعلقه على فائدة نتحكم بها، وأيضًا أننا نجد في هذا حكمة وهي: أن في بقاء النار -وإن كان ليس فيها أحد- تذكيرًا لأهل الجنة الذين فيها بنعمة الله عليهم؛ حتى يداوموا على حمد الله وشكره وغير ذلك من الفوائد التي لا يعلمها إلا الله ﷿، كما أن هناك من المخلوقات ما لا يفنى كالكرسي والقلم وغير ذلك، والله أعلم.
[ ٩٢ / ٢ ]
القائلون بفناء النار وأدلتهم
قال رحمه الله تعالى: [وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم ﵃].
هؤلاء أربعة من الصحابة ﵃ نقل عنهم القول بذلك، وإن كان كثير من أهل العلم طعنوا في أسانيد النقل إليهم، لكن الكلام فيها بين الصحابة وبين التابعين مشهور، بغض النظر عمن ثبت عنه القول ومن لم يثبت، مع أن بعض أهل العلم صحح القول المنسوب إلى عمر ﵁ في بعض أسانيده.
[ ٩٢ / ٣ ]
أثر عمر في خروج أهل النار منها
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى عبد بن حميد -وهو من أجل علماء الحديث- في تفسيره المشهور، قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري قال: قال عمر ﵁: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
وقال: أنبأنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه.
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣].
وهذا يبين أن مثل الشيخ الكبير من علماء الحديث والسنة يروي عن مثل هؤلاء الأئمة في الحديث والسنة، مثل: سليمان بن حرب، الذي هو من أجل علماء السنة والحديث، ومثل: حجاج بن منهال في كلامهما، عن حماد بن سلمة مع جلالته في العلم والسنة، والذي يروى من وجهين: من طريق ثابت، ومن طريق حميد، هذا عن الحسن البصري الذي يقال: إنه أعلم من بقي من التابعين في زمانه، يرويه عن عمر بن الخطاب، وإنما سمعه الحسن من بعض التابعين، فسواء كان قد حفظ هذا عن عمر أو لم يحفظ، كان مثل هذا الحديث متداولًا بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه، وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة من الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية.
وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة.
فهؤلاء من أعظم أعلام أهل السنة الذين ينكرون من البدع ما هو دون هذا، لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع، كما يظنه طائفة من الناس].
قصد الشيخ هنا: أن الإرسال بين الحسن وبين عمر بن الخطاب ﵁ لا يضر في ثبوت أصل القضية بين السلف، وأنها مسألة يتكلم فيها؛ لأن هذا السند رجاله ثقات إلى الحسن، والحسن ﵀ نسبه إلى عمر، وسواء صحت النسبة أو لم تصح فهذا لا يضر بأصل القضية؛ لأن الحسن تكلم بها وأسندها إلى عمر، ثم كلامه بها اشتهر، ورواه عنه هؤلاء الثقات الذين يميزون، وهم صيارفة الأسانيد والحديث، ومع ذلك ما أنكروا أصل القضية حينما رووها، فلو كان هذا الكلام عندهم بدعة لبدعوه وردوه.
قال رحمه الله تعالى: [وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]؛ ليبين قول من قال: الأحقاب لها أمد ينفد، ليست كالرزق الذي ما له من نفاد، ولا ريب أنه من قال هذا القول، قول عمر ومن نقله عنه، إنما أرادوا بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها.
فأما قوم أصيبوا بذنوب، فأولئك قد علم هؤلاء وغيرهم بخروجهم منه، وأنهم لا يلبثون فيها قدر رمل عالج، ولا قريبًا من ذلك.
والحسن كان يروي حديث الشفاعة في أهل التوحيد، وقد ذكره البخاري ومسلم عنه، وكذلك حماد بن سلمة كان يجمعها ويحدث بها، وكذلك سليمان بن حرب وأمثاله، فهذا عندهم لا يقال فيه مثل هذا، ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين، بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي ﷺ: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون).
وقوله: (يخرجون منها) أي: يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها وينفد وينقطع.
فهم لا يخرجون منها -يعني: جهنم- بل هم خالدون في جهنم، كما أخبر الله ﷾، لكن إذا انقضى أجلها، وفنيت كما تفنى الدنيا، لم يبق فيها عذاب، وذلك أن العالم لا يعدم، وجهنم في الأرض، والأرض لا تعدم بالكلية، ولكن فناؤها بتغير حالها، واستحالتها من حال إلى حال.
كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، وهم لا يعدمون، بل يموتون ويهلكون، وكما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فإذا أنفده الرجل فقد نفد ما عنده، إن كان لم يعدم، بل انتقل من حال إلى حال.
[ ٩٢ / ٤ ]
أثر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله)
وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﵄وهو معروف مشهور- ينقل منه عامة المفسرين الذين يسندون التفسير كـ ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبيهقي، والذين يذكرون الإسناد مجملًا كـ الثعلبي، والبغوي، والذين لا يسندون كـ الماوردي، وابن الجوزي قال: قوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨].
قال: وفي هذه الآية أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا.
قال الطبري: وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: أن الله تعالى جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته].
إذًا: ينبغي أن نستصحب في أذهاننا أمرين: الأمر الأول: أن شيخ الإسلام هنا لم يؤيد هذا القول ولم يعارضه، بمعنى أنه لم ينتصر له انتصارًا يرى أنه هو الراجح، ولم يظهر منه أنه يرى أن هذا القول باطل، إنما ساقه على أنه قول قيل من أهل العلم، وأنه ثبت أنه قال به من لهم اعتبارهم من أهل العلم.
الأمر الثاني: أن هذا القول بحد ذاته ليس من الأقوال المنكرة، بغض النظر عن كونه راجحًا أو مرجوحًا، وإن كان غير قول الجمهور، لكنه قول له اعتباره؛ لعموم الأدلة، وهذا الاعتبار لا يعني أنه صحيح بالضرورة، قد يكون الصحيح هو رأي الجمهور، لكن يريد ﵀ أن يقرر أن هذه المسألة مسألة مشهورة، وقال بها من لهم علمهم وفضلهم من السلف، وطائفة أقروها ولم ينكروها وإن لم يقولوا بها، ورووها بأسانيد صحيحة ولم ينكروا أصل القول، إنما سكتوا عنه، فغاية ما يقال: إن هذا القول اجتهادي، وإن من قال به خلاف رأي الجمهور يمكن أن يقال: إنه أخطأ، لكن ليس ببدعة؛ لأن الدلالة على قول هذا الفريق وجيه، ويكون قول الجمهور أوجه منه وأصح.
إذًا: لا بد من أن نضع في أذهاننا أن سياق شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة، وذكر أقوال الذين قالوا بفناء النار وانقطاع عذابها وذكر أدلتهم لا يعني أنه ينتصر لهذا القول، ولا أنه هو القول الراجح، وكثيرًا ما يسلك شيخ الإسلام هذا المسلك في المسائل الخلافية، يسردها دون أن ينتصر لها أو يرد عليها، ينبغي أن نفهم هذا؛ لئلا يلتبس الأمر علينا.
قال رحمه الله تعالى: [قال الطبري: وروي عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الأنعام:١٢٨].
قال في هذه الآية: إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا.
وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصًا بأهل القبلة، فإنه قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٨ - ١٢٩]، (فأولياؤهم من الإنس) لفظ يدخل فيه الكفار قطعًا، فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَان
[ ٩٢ / ٥ ]
الآثار الواردة عن ابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما في خلو جهنم من المعذبين بعد مضي الحقب
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا، وهؤلاء هم الكفار.
وعن أبي هريرة ﵁ مثله.
قال البغوي: ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: ألا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان.
فيقال: إنهما لم يريدا ذلك، فإنهما بعدما يلبثون فيها أحقابًا، وهؤلاء هم الكفار المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٢١ - ٢٨].
وهذا وصف الذين كذبوا بآيات الله، ﴿كِذَّابًا﴾ [النبأ:٢٨] أي: تكذيبًا، فهو تكذيب مؤكد بالمصدر، ولم أجد نقلًا مشهورًا عن أحد من الصحابة يخالف ذلك، بل أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ هما رويا حديث ذبح الموت، وأحاديث الشفاعة، وخروج أهل التوحيد وغيرهما، قالا في فناء النار ما قالا، وقد نقل البغوي: روى السدي عن مرة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا.
وقد استفاض عن غير واحد من السلف تقدير الحقب بحد محدود، والأحقاب جمع حقب، فروى ابن أبي حاتم عن عطية عن ابن عباس ﵄ قال في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: سنين.
وعن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: الحقب: ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، واليوم كألف سنة، اليوم منها كالدنيا كلها.
قال ابن أبي حاتم، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهلال الهجري والضحاك وذكوان والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وعمرو بن ميمون أنهم قالوا: الحقب: ثمانون سنة.
وعن هشام عن الحسن البصري أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] فقال: الله أعلم بالأحقاب، فليس فيها عدد إلا الخلود، ولكنه بلغنا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك الأيام كألف سنة مما تعدون.
وعن هشام عن الحسن قال: الأحقاب لا يدري أحد ما هي؟ ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون.
وقوله: الله أعلم ما الأحقاب، ولا يدري أحد ما هي؟ يقتضي أن لها عددًا الله أعلم به، ولو كانت لا عدد لها لعلم كل واحد أنه لا عدد لها، ويؤيد ما نقله الحسن عن عمر بن الخطاب كما تقدم.
قول الحسن: (ليس فيها عدد إلا الخلود) حق أيضًا، فإنهم خالدون فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية، فأقوال الحسن يصدق بعضها بعضًا.
وأما خلودهم في النار فهو حق كما أخبر الله.
وعن السدي: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الحقب: أربعون سنة.
[ ٩٢ / ٦ ]
أقوال الناس في الأحقاب المذكورة في آية النبأ من حيث تحديدها وعدمه
وقد تنازع الناس في الأحقاب، هل هي مقدرة محدودة؟ على قولين: فعلى قول السدي وغيره: هي محدودة مقدرة، وهو قول الزجاج وغيره، لكن قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابًا، لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا.
قال الزجاج: وبيانه: أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب.
وهذا الذي قاله الزجاج شاذ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دل عليه القرآن، فإن هذا يقتضي أنهم يبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يذوقون البرد والشراب حينئذٍ، وهذا باطل قطعًا، ثم إذا ذاقوا البرد والشراب فهذا نعيم، فكيف يكونون معذبين فيها بعد ذلك؟ وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة، وقيل: هي في أهل التوحيد.
قال عبد الحق بن عطية في تفسيره: ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم، فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبع عشرة ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]، قال: وقد ذكرنا فساد هذا القول].
لا يمكن أن يرد نسخ الأخبار؛ فالله ﷿ إذا قال خبرًا لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ لا يرد إلا في الأوامر والنواهي والأحكام، فالكلام في النسخ مستبعد.
قال رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: الموصوف باللبث أحقابًا عصاة المؤمنين.
قال: وهذا أيضًا ضعيف؛ فما بعده من السورة يرد عليه.
وقال آخرون: إنما المعنى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] غير ذائقين بردًا ولا شرابًا، فبهذه الحال: يلبثون أحقابًا، ثم يبقى العذاب سرمدًا وهم يشربون أشربة جهنم.
والقول الثاني: إنها غير مقدرة، وقال هؤلاء: هذا لا يدل على غاية؛ لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب، ولو أنه قال: لابثين فيها عشرة أحقاب، أو خمسة أحقاب دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة وغيره.
قال أبو الفرج بن الجوزي: وهذا قول ابن قتيبة والجمهور، وبيانه: أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد، كقوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١]، ومثل هذا أن كلمات الله داخلة تحت العدد، وإن لم يكن لها نهاية، فيقال: هذا ممنوع، فما لا نهاية له يمتنع أن يدخل تحت العدد، وإنما يدخل تحت العدد ما له مقدار محدود وهو المعدود، لكن إذا أُخِذَ بعض من أبعاضه دخل تحت العدد، كالبكرة والعشي، وهو مقدار يوم من أيام الجنة، ويعرف ذلك بنور يظهر لهم يزيد على النور المعتاد، يعرفون به البكرة والعشي، كما تظهر الشمس لأهل الدنيا، لكن الجنة ليس فيها ظلمة.
وقوله: (كلمات الله داخلة تحت العدد) ممنوع؛ إنما يدخل منها تحت العدد بعض من أبعاضها، مثل: الآيات المنزلة، وإلا فما لا نهاية له كيف يكون معدودًا، وكلما عد بقدر معدود فهو ما حدّ، وما يقدره الإنسان بلسانه وذهنه من العدد فله حد، والذي لا يتناهى ليس له مقدار لا في ذهنه ولا في لسانه.
[ ٩٢ / ٧ ]
استدلال القائلين بفناء النار وانقطاع عذابها بقوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك)
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن جعفر بن سليمان عن الجريري قال: سمعت أبا نضرة يقول: ينتهي القرآن إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
وقد روى حرب الكرماني وأبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الخدري وعن قتادة في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧] الله أعلم بتثنيته على ما وقعت.
وروى الطبري عن يونس أنبأنا ابن وهب حدثنا ابن زيد في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، فأخبرنا الذي شاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وعن السدي: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] إن هذه الآية يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]، وذكر البغوي عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال: قد أخبرنا الله ﷾ بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وقد روى علماء السنة والحديث في ذلك آثارًا عن الصحابة والتابعين، مثل ما روى حرب الكرماني، وأبو بكر البيهقي، وأبو جعفر الطبري وغيرهم عن الصحابة في ذلك.
وفي المسند للطبراني: ذكر فيه: (أنه ينبت فيها الجرجير) وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، مع أن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنة ولا أقوال الصحابة.
منها ما رواه حرب والبيهقي، قال حرب الكرماني: سألت إسحاق عن قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ [هود:١٠٧]، قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن.
قال إسحاق: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال لي أبي: حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد، أو بعض أصحاب النبي ﷺ ﵃ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
قال المعتمر: قال أبي: عنى كل وعيد في القرآن.
ورواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره قال: حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ﵃ في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله، فيقول: حيث كان في القرآن: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود:١٠٧]، تأتي عليه.
وقال ابن جرير حدثت عن ابن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﵃: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧]، قال: استثنى الله ﷿، قال: يأمر النار أن تأكلهم.
قال: وقال ابن مسعود ﵁: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا.
وقال: حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا، وأسرعهما خرابًا.
وقال حرب الكرماني عن إسحاق بن راهوية حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو رضي الله
[ ٩٢ / ٨ ]
أدلة وطرق الذين قطعوا بدوام النار
قال رحمه الله تعالى: [قلت: والذين قطعوا بدوام النار لهم أربع طرق: أحدها: ظن الإجماع، فإن كثيرًا من الناس يعتقد أن هذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين السلف، وإن كان فيه خلاف حادث فهو من أقوال أهل البدع.
والثاني: أن القرآن قد دل على ذلك دلالة قطعية، فإنه أخبر بخلودهم في النار أبدًا في غير موضع من القرآن.
والثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار دون الكفار، فإنهم لم يخرجوا.
والرابع: قول من يقول: الرسول وقفنا على ذلك، وعلمناه من بعده ضرورة، ولا يحتجون بنص معين، وعامة الناس يقولون: هذا لا نعلمه إلا من الخبر، وشذ بعضهم فزعم أن العقل دل على خلود الكفار.
فأما الإجماع فهو أولًا: غير معلوم، فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع، نعم قد يظن فيها الإجماع، وذلك قبل أن يعرف النزاع، وقد عرف النزاع قديمًا وحديثًا، بل إلى الساعة لم أعلم أحدًا من الصحابة قال: إنها لا تفنى، وإنما المنقول عنهم ضد ذلك، ولكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا.
[ ٩٢ / ٩ ]
أدلة دوام النار من القرآن
وأما القرآن فالذي دل عليه حق، وليس في القرآن ما يدل على أنها لا تفنى، بل الذي يدل عليه ظاهر القرآن أنهم خالدون فيها أبدًا، كما أخبر الله ﷿ في غير موضع، وأخبر أنهم يطلبون الموت والخروج منها، ويطلبون تخفيف العذاب فلا يجابون: لا إلى هذا ولا إلى هذا، وأخبر أنهم ماكثون فيها، وأخبر أنهم ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧ - ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٨].
وقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: يميتنا، وهكذا قال المفسرون مثل: السدي وابن زيد وغيرهما.
قال السدي: يقضي علينا بالموت، وقال ابن زيد: القضاء هاهنا: الموت.
وكذلك قال سائر المفسرين، وهذا كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وعن الفراء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، وذلك أن القضاء هو الإكمال والإتمام، والأمر المقتضى هو الذي قد مضى وفرغ.
وبالموت تنقضي حياة الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].
فهذه النصوص وأمثالها في القرآن تبين أنهم خالدون في جهنم لا يموتون ولا يحيون، وأنهم يسألون هذا وهذا فلا يجابون.
وهذا يقتضي خلودهم في جهنم دار العذاب مادام ذلك العذاب باقيًا، ولا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها، كما يخرج أهل التوحيد، فإن هؤلاء يخرجون منها بالشفاعة، وغير الشفاعة مع بقائها، كما يخرج ناس من الحبس الذي فيه العذاب، مع بقاء الحبس والعذاب الذي فيه على من لم يخرج.
[ ٩٢ / ١٠ ]
أدلة دوام النار من السنة
وهكذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح -صحيح مسلم - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل).
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة في الحديث الطويل الذي فيه المرور على الصراط والشفاعة، وقال فيه: (حتى إذا فرغ الله من القصاص بين العباد، فأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم بأثر السجود، وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة فيقول: رب اصرف وجهي عن النار) وذكر صرفه عن النار، ثم تقدمه إلى الجنة، ثم إلى بابها، ثم إدخاله الجنة، وأنه يعطيه ما تمناه ومثله معه.
ورواه أبو سعيد، وقال: (وعشرة أمثاله).
وكذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقول: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتهم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، إلى أن قال: ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا.
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا).
وفي رواية: (من إيمان) بدل قوله: (من خير)، قال فيه: (فيقول الجبار: قد بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امتشحوا، فيلقيهم في نهر بأفواه الجنة) الحديث.
ولم يقل: (لم يعملوا خيرًا قط).
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر الجنة دخولًا الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب: فادخل الجنة، فيأتيها فتخيل إليه أنها ملآى إلى أن قال: فيقول الله له: اذهب، فإن لك عشرة أمثال الدنيا، أو إن لك الدنيا وعشرة أمثالها).
وفي رواية لـ مسلم: فيقول له: (تمن، فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعافه).
وهذا يوافق حديث أبي سعيد من وجهين: وكذلك لـ مسلم من حديث جابر: (مثل الدنيا وعشرة أمثالها)، كما في اللفظ الأول في حديث ابن مسعود.
وفي حديث جابر في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى يخرج ناسًا من النار فيدخلهم الجنة).
وفي رواية: (إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة).
ولـ مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة).
وللبخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ، فيدخلون الجنة، فيسمون: الجهنميين).
[ ٩٢ / ١١ ]
الفرق بين بقاء الجنة والنار شرعًا وعقلًا
الفرق بين بقاء الجنة والنار.
والفرق بين بقاء الجنة والنار شرعًا وعقلًا، فأما شرعًا، فمن وجوه: أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه، وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه، كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها.
الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤبد في عدة آيات.
الثالث: أن النار لم يذكر فيها شيء يدل على الدوام.
الرابع: أن النار قيدها بقوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ [هود:١٠٧]، فهذه ثلاث آيات تقتضي قضية مؤقتة أو معلقة على شرط، وذلك دائم مطلق ليس بمؤقت ولا معلق.
الخامس: أنه قد ثبت أنه يدخل الجنة مَنْ يُنَشَأه في الآخرة لها، ويدخلها من دخل النار أولًا، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرًا، وأما النار فلا يعذب أحد إلا بذنوبه، فلا تقاس هذه بهذه.
السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته، والنار من عذابه، وقد قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].
وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٩٨].
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧].
فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته، فيجب داومه بدوام معاني أسمائه وصفاته.
وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته، والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا وغيرها، لاسيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره.
السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، وقال: (سبقت رحمتي غضبي) و(غلبت رحمتي غضبي).
وهذا عموم وإطلاق، فإذا قدر عذاب لا آخر له، لم يكن هناك رحمة ألبتة.
الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم، والحكيم إنما يخلق لحكمته العامة، كما ذكر حكمته في غير موضع، فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكنًا، توجد في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة، وكذلك ما يقدره من المصائب فيها حكم عظيمة، فيها تطهير من الذنوب، وتزكية للنفوس، وزجر عنها في المستقبل للفاعل ولغيره، ففيها عبرة، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا قال في الحديث الصحيح: (إنهم يحبسون بعد خلاصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة).
والنفوس الشريرة الظالمة التي إذا ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر، فإذا عذبوا بالنار عذابًا يخلص نفوسهم من ذلك الشر، كان هذا معقولًا في الحكمة، كما يوجد في تعذيب الدنيا، وخَلْقُ مَنْ فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة، أما خَلْقُ نفوسٍ تعمل الشر في الدنيا، وفي الآخرة لا تكون إلا في العذاب، فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره.
ولهذا كان الجهم لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين، وقال: بل يفعل ما يشاء، الذين سلكوا طريقته كـ الأشعري وغيره، ليس عندهم في الحقيقة حكمة ورحمة، ولكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين، ولهذا لما طلب منهم أن يقروا بكونه حكيمًا، فسروه بأنه عليم أو قدير أو مؤيد، وليس من الثلاثة ما يقتضي الحكمة، وإذا ثبت أنه رحيم حكيم، وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما تقتضيه الرحمة والحكمة.
وما قاله المعتزلة أيضًا باطل، فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل، ومن أعظم ما غلطهم اعتقادهم تأييد جهم، فإن ذلك يستلزم ما قالوه، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، والله سبحانه أعلم.
[ ٩٢ / ١٢ ]
الآيات الواردة في بقاء الجنة وعدم فنائها
وأما آيات بقاء الجنة.
فالأول: مثل قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥].
فأخبر أنه دائم، والمنقطع ليس بدائم.
والثاني: مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، والمنقطع ينفد.
والثالث: قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فأخبر أن ما في الدنيا من الخير ينفد، وما عند الله باق لا ينفد، فلو كان لما عند الله من النعيم آخر، لكان ينفد كما ينفد نعيم الدنيا، ولم يكن باقيًا لا ينفد.
والرابع: مثل قوله تعالى في آيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨].
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥].
كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣].
قال عامة المفسرين: غير مقطوع ولا منقوص.
وذكروا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: غير مقطوع.
وعن مقاتل: غير منقوص أيضًا.
قال عامة المفسرين: غير مقطوع ولا منقوص، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣].
قالوا ومنه المنون؛ لأنه يقطع عمر الإنسان.
وعن مجاهد: غير محسوب.
وهذا يوافق ذلك؛ لأن ما ينتهي مقدر محسوب، بخلاف ما لا نهاية له فإنه غير محسوب.
وقد شذ بعض الناس فقال: غير ممنون عليهم، من جنس قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
وهذا القول مع مخالفته لأقوال السلف والجمهور هو خطأ لوجوه: أحدها: أن الله يمن علينا بكل نعمة أنعم بها علينا، حتى بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ [آل عمران:١٦٤].
وقال أهل الجنة ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٧].
وهذا قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
وقوله: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
والله تعالى في غير موضع يذكر آلاءه وإحسانه ونعمه على عباده، ويأمرهم أن يذكروها، ويأمرهم أن يشكروها.
والعبد قد نهي أن يمن بصدقته بقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]؛ لأن المتصدق في الحقيقة إنما أحسن إلى نفسه لا إلى المتصدق عليه؛ فإنه لولا أن له في ذلك منفعة وأجرًا وعوضًا لم يتصدق عليه، فصار كالذي يخدم المماليك بأجرة يأخذها من سيدهم ليس بمحسن إليهم.
وأيضًا فإن المصدق الله هو المنعم عليه بما يسره الله للإحسان إلى نفسه، وعليه أن يشكر الله تعالى ويرى أن الله هو المحسن إليه، فإن نظر إلى الفعل فالله خالقه، وإن نظر إلى غايته فهو يطلب جزاءه وعوضه من الله، وإن نظر إلى المحسن إليه فهو المحسن إلى نفسه، والله أحسن إليه أن جعله محسنًا إلى نفسه لا ظالمًا لها.
فلهذا كان مَنُّهُ على المخلوق ظلمًا أبطل به صدقته، والله هو المنعم على عباده حقيقة بالنعمة، والشكر عليها إذا أعانهم على شكره، وجعلهم شاكرين بنعمته، بثواب الشكر، فكل ذلك تفضل منه وإحسان من غير أن يكون له على ذلك عوض يأخذه من غيره، لا من المحسن إليه ولا من غيره فهو المنعم حقيقة، وإن كان له في الإنعام حكمة يحبها ويرضاها، فتلك الحكمة منه، فما لأحد عليه مِنَّة، وهو الجواد المحض، وهو سبحانه ليس كمثله شيء.
وللناس كلام في الجود والإحسان، ومن يفعل لحكمة ومقصود لحكمة هو مقصود هل هو جواد أم ليس بجواد؟ أم يفرق بين من يطلب عوضًا من غيره، فيحتاج إلى غيره، فيكون جوده من باب المعاوضة، وبين من لا يحتاج إلى غيره، بل هو الجواد بالنعم وبالحكم كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ولأنه لما قال تعالى: ﴿
[ ٩٢ / ١٣ ]
تحقيق موقف شيخ الإسلام من القول بفناء النار
كما سمعتم لقد ساق شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ويظهر للقارئ أنه انتصر للقول بأن عذاب النار ينقطع وينتهي، وأن مآل الجميع إلى دار النهاية، لكن هذا لا يعني أنه تبنى هذا القول جزمًا، أو أنه هو رأيه، وإنما ساق أقوالًا تبقى المسألة محتملة، الله أعلم بها؛ ولذلك تنازع الناس هل هذا رأي شيخ الإسلام أم أنه حكاه مجرد حكاية وقرره، الله أعلم بالحال، ولا يظهر أنه توقف؛ لأنه لم يصرح بالتوقف، فلا نستطيع أن نجزم أنه توقف، وإلا قد يرد ذلك.
وقد ورد حول هذا الموضوع سؤال عن رسالة لـ عبد الكريم الحميد في هذه المسألة، وأنا سبق أن قرأت للحميد رسالة قديمة من حوالي ثمان سنوات أو أكثر مخطوطة في هذا الموضوع، لكن السائل هنا يذكر أن هذه الرسالة فيها رد على ما توجه في مقدمة هذا الكتاب من أن هذا ليس قولًا نجزم به على شيخ الإسلام، وأنا لم أطلع على هذا الرد الأخير، وإنما اطلعت على الكلام الذي ينزع فيه إلى أن هذا هو قول شيخ الإسلام كما في رسالة الحميد، فهو يرى أن ما ذكره الشيخ في هذه الرسالة التي قرأناها هو قوله، أي: قول شيخ الإسلام.
[ ٩٢ / ١٤ ]
تنبيهات في مسألة فناء النار
لعل مسألة القول بفناء النار من المسائل التي لا تزال تستحوذ على أذهان الكثيرين، والقضية كما تعرفون ليست جديدة على أهل العلم المتخصصين، والذي وردني بشأنها بعض الأمور من الإخوة أحب أن أنبه إليها بإيجاز.
الأمر الأول: أنني أحب أن أؤكد على ما سبق أن ذكرته أكثر من مرة، وهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر في كثير من كتبه رأي جمهور السلف وينتصر له، من أنه لا يجوز القول بفناء النار، وأن هذا من أقوال الجهمية، وهذا تكرر كثيرًا في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكثيرًا ما كان يرد على الجهمية وعلى أصحاب هذا القول، وكلامه واضح، ومع ذلك ما نسب عنه من سرده لأقوال الناس في الرسالة السابقة الغالب أنه صحيح، لكنه حسب ما قرأنا وسمعتم أنتم وعند التمعن والتبين للحال نجد أن شيخ الإسلام لم يذكر بصراحة أنه يتبنى هذا الرأي أو يؤيده، وإنما ذكر أقوال هؤلاء وذكر أقوال هؤلاء، وتوسع في أقوال المخالفين؛ لأن المقام يقتضي حشد كل ما عندهم من الأقوال والأصول والقواعد، فينبغي أن يفهم هذا، حتى لا يدعي أحد ويجزم أن شيخ الإسلام قال بفناء النار؛ لأن أقواله في إنكار هذا القول كثيرة جدًا في مواضع كثيرة، فيحمل الصريح على غير الصريح كما هي القاعدة، والمجمل يحمل على المبين، ويحمل على المفسر، هذه قاعدة شرعية، إذا وجد من أي إنسان فضلًا عن الأئمة قول مجمل وقول مفصل ومفسر ومبين، فينبغي أن يحمل المجمل على المبين، وهذا ما أراه في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وهو إنكاره على من يقول بفناء النار، وهذا بين في مواضع كثيرة، أما سرده لرأي من يرى فناء النار وحشده للأدلة فإنما هو سياق مجرد عن الرأي، ما ظهر أنه انتصر لهذا القول، أو قال: هذا رأيي، أو هذا ما أرجحه، وليس هناك ما يدل على ذلك، ولا حتى بالإشارة، وإنما غاية ما يمكن أن يقوله بعض المتكلفين أن سكوته إقرار، وهذا لا يصح دائمًا، ليس كل سكوت إقرار في معرض بيان أقوال أهل العلم وتفصيله.
الأمر الثاني فيما يتعلق بهذه القضية أيضًا: أن بعض الإخوة أنكر إثارة مثل هذا الموضوع، وقال: هل من المصلحة أن تثار مثل هذه المسألة؟ أقول: مثل هذه المسائل الغامضة والمشكلة ينبغي ألا تثار عند عموم الناس، ولا في المحاضرات العامة، ولا في دروس المبتدئين، لكن في درس متخصص يحضره مثل هؤلاء النخبة، الذين هم طلبة علم إن شاء الله ينبغي أن يثار الموضوع؛ لأنه من الأمور التي كتب فيها الناس الآن، والقول فيها سجال بين فريق وآخر، وهناك راد ومردود عليه، وهناك كتب طبعت وموجودة في الساحة، ووصل الحد بإناس إلى طلب المباهلة في مثل هذا الموضوع.
إذًا: فلا بد من إثارتها عند أمثالكم، ولا تستغربوا هذا، ولستم في عافية من إثارة القضايا العقدية الخطيرة المهمة التي تحدث إثارتها بين طلاب العلم بخاصة، فلا تضيق صدوركم ذرعًا في عرض مثل هذا الموضوع في درس متخصص مثل هذا الدرس.
[ ٩٢ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٩٢ / ١٦ ]
الترجيح في مسألة القول بفناء النار
السؤال
كأنك تميل إلى القول بفناء النار، وكأنك تهز رأسك مؤيدًا للأدلة التي ذكرها أصحاب القول بفناء النار، فكيف نوجه الآيات التي صرحت بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا، مثل: سورة النساء والأحزاب وغيرهما، وما زالت هذه التساؤلات تحيرني حتى أنقذني الله بـ (كتاب رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) للإمام الصنعاني، حيث رد على شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى تلميذه ابن القيم، وقد فند الأدلة ورد عليها، وقد قام بتحقيق الكتاب الشيخ الألباني، والشيخ الألباني يؤيد ما ذكر الإمام الصنعاني، وأثبت أن شيخ الإسلام يقول بذلك، وإنه خطأ، وقد جل من لا يخطئ؟
الجواب
لو قدر أني أرى هذا الرأي فقد سبقني من هو خير مني، لكن كنت أحكي أن هذا قول غريب، وكنت أذكر كثيرًا أنه ينبغي في مثل هذه المسألة وغيرها، إذا كان لجمهور السلف فيها رأي، فإنه ينبغي للمسلم أن يلتزم به، وإذا كان لعدد قليل منهم قول فهو بمثابة زلة العالم، ولا ينبغي أن يكون لي رأي غير رأي الجمهور.
ففي الحقيقة أنا لا أعتقد ذلك، وإذا فهم مني أني أهز رأسي عندما يذكر دليل هذه المسألة فلا يجوز أن يبنى على ذلك حكم ورأي، فعلى أي حال فقد أوضحت أن رأي الجمهور هو الرأي الأرجح، وهو الذي ينبغي أن يتبناه طالب العلم، وهو الذي تقتضيه الأدلة صراحة.
[ ٩٢ / ١٧ ]
قواعد وضوابط في التكفير
السؤال
ما هو ضابط التكفير؟ وهل من ترك تكفير إنسان وقع في أحد نواقض الإيمان من الإرجاء؟ وما حكم تكفير النصراني؟ وما حكم تعيين شخص بعينه أنه كافر؟
الجواب
هناك قواعد وضوابط في التفكير أثرت عن السلف، وهي مستنبطة من النصوص الشرعية، من أهمها: القاعدة الأولى: أن الكافر الخالص يجب ألا نشك في كفره، اليهودي، والنصراني، والمشرك، والمنافق، والملحد، والزائغ عن دين الله المرتد، لا نشك في كفره ولا يجوز للمسلم أن يتردد في ذلك.
كما أن المسلم أيضًا يجب ألا نشك في إسلامه، حتى يتبين كفره، من كان مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويستقبل هذه القبلة، ويدعي الإسلام ولم يظهر منه ما يوجب الردة، فإنه يبقى على اسم الإسلام، حتى وإن ظهر منه ما يمكن أن يكون كفرًا في القول والعمل.
القاعدة الثانية: ليس كل من فعل أو قال الكفر يكفر، إلا بانتفاء موانع وتوافر شروط يعلمها أهل العلم، ليس كل من قال أو فعل الكفر من المسلمين يكفر، بل أكثر من يقولون الكفر أو يفعلونه من المسلمين الأصل فيهم الإسلام، ما لم يكن ردة؛ لأن أغلب الأقوال الكفرية من باب الكبائر، وأغلب الأفعال الكفرية من باب الكلام، إذ الشرك الصريح مسألة معروفة، وليس كل من قال أو فعل الكفر يكفر.
القاعدة الثالثة: أنه جاء الوعيد بالتكفير، يعني: ورد الوعيد في وصف المسلم بالكفر وعلى أنه كافر، ومع ذلك لا يكفر إلا إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.
القاعدة الرابعة: أننا لسنا متعبدين بتكفير من نرى كفرهم، بمعنى أنه لا يتعلق بذمة المسلم تكفير المسلمين خاصة، ولا يظن أنه إذا ما كفر من يظهر كفره منهم أنه يأثم، وأنه ارتكب ذنبًا عظيمًا، أو أنه إذا ما كفَّر كَفَر، كل هذا خطأ.
القاعدة الأخيرة: أنه لا يتناول التكفير إلا الراسخون في العلم، وإلا لو عرضنا هذه المسألة لكثير من طلاب العلم أو المتعالمين أو الحدثاء الذين ليس عندهم فقه في دين الله ﷿، لكفّر الناسُ بعضهم بعضًا، ووقعت فتنة.
[ ٩٢ / ١٨ ]
معنى قاعدة (من شك في كفر المشركين فهو كافر)
السؤال
ما معنى قاعدة: من شك في كفر المشركين فهو كافر؟
الجواب
قاعدة: من شك في كفر المشركين أو كذا فهو كافر، هذه قاعدة، لا تنطبق على المسلم، نعم من شك في كفر المشركين من اليهود والنصارى والمرتدين الخلص، وأهل النفاق الخالص، فلاشك أن من شك بما ثبت شرعًا في الكتاب والسنة من كفر هؤلاء، فإنه يخشى عليه الكفر، فالقاعدة سليمة في غير المسلمين، أما في المسلمين فلا، حتى وإن كانوا أهل بدع، وإن كانوا أهل معاص وفجور وظلم، وإن تجاوزوا كثيرًا من حدود الله ﷿، ما داموا مسلمين لا نكفرهم إلا ببينة.
[ ٩٢ / ١٩ ]