من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أنه لا يكلف العباد ما لا يطيقون، بل لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه سبحانه رفع الحرج عن هذه الأمة ويسر لها الأحكام والتكاليف، وكل ما يجري في هذا الكون فهو يجري وفق حكمته وقدرته ومشيئته، لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، بل هو عدل حكم لا يظلم أحدًا أبدًا ﷾.
[ ٩٤ / ١ ]
مفهوم التكليف والاستطاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره.
غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]].
هنا الإمام الطحاوي ﵀ في هذه العبارة جارى الأشعري فيما خالف فيه السلف في بعض التعبيرات، لكن الطحاوي ربما يقصد معنى آخر غير ما يقصده الأشعري، وتعلمون أن الأشعري ﵀ حينما رجع إلى السنة بعد أن كان معتزليًا بقيت عنده بعض النزعات الكلامية، من ضمنها ما يتعلق بمسألة الكسب والاستطاعة، أو تكليف ما يطاق أو ما لا يطاق.
فقوله: (ولم يكلفهم الله ﷿ إلا ما يطيقون) هذا كلام لا بأس به؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن العبارة الثانية فيها نظر، وهي قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فهذه فيها نوع من الفلسفة والتكلف، وهي من كلمات الأشعري، ولا يؤيده عليها السلف بهذا الإطلاق، لا يقال: ولا يطيقون إلا ما كلفهم لأنه نوع من الجبر، قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن الله ﷿ بنى دينه على التيسير وعدم الحرج، وإلا لو كلف الناس بست صلوات لصلوا ست صلوات، لكن الله ﷿ يسر لهم، والله ﷿ فرض علينا خمسين صلاة، ثم خففت إلى خمس بأجر خمسين، وذلك من فضل الله.
فقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذا هو مذهب الأشعري الذي يرى أن القدرة لا تكون إلا عند الإرادة، ويرى أيضًا أن إرادة العبد إرادة شكلية ليست إرادة حقيقية، يعني: تأتي بالصدفة مع إرادة الله.
إذًا: فلا يصح أن يقال: (لا يطيقون إلا ما كلفهم)؛ لأنهم قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن بمشقة وبحرج، والله ﷿ رخص لهم ورفع عنهم الحرج والمشقة، وبنى دينه على التيسير.
أما تفسيره فيما بعد هو تفسير صحيح لا بأس به.
قال رحمه الله تعالى: [فقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢].
وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى نارًا ذات لهب، فكان مأمورًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال].
الأصل أن السلف يكرهون الحديث في مثل هذه القضايا، كقول أبي الحسن الأشعري: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا.
هذه فلسفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (جائز) أو (غير جائز عقلًا) هذه سفسطة لا ثمرة لها، وجميع الأمور الاعتقادية أو التفصيلية التي تكلم فيها الناس، والتي لا أصل لها في الشرع، أو لا يترتب عليها عمل فالكلام فيها بدعة، ولذلك بدّع السلف من استعمل علم الكلام أو تحدث به أو تناوله؛ لأنه حديث عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة من ورائها، فما الفائدة من أن الإنسان يتفلسف ويجادل غيره في أن الله ﷿ يكلف ما لا يطاق أو لا يكلف، أو أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا أو غير جائز عقلًا؟ الله ﷿ حكم وشرع لعباده شرعًا بني على قدرات العباد و﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وبني على التيسير وانتهى الأمر.
ولو فرضنا أن العقل أجاز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فالنتيجة أن هذا أمر لا مصلحة فيه للعباد لا في دينهم ولا دنياهم، ولذلك مثل هذا الكلام يجب أن يجتنبه من يتقي الله ويتورع عن الدخول فيما لا يعنيه؛ لأنه ليس له تعلق بحياة الناس وبعلومهم الطبيعية أو علومهم الشرعية، بل مجرد فلسفة لا طائل تحتها، وعليه يقاس غيره من الأمور التي ليس وراءها لا أمر شرعي ولا مصلحة دنيوية طبيعية.
إذًا: الأصل في علم الكلام النهي؛ لأنه لا فائدة فيه لا في دين الناس ولا في دنياهم.
وهذه الأمور مما أخذت على الأشعري ﵀، ودخلت بسببه على كثير من أهل الفضل والعلم، دخلت على كثير من الأشاعرة والماتريدية وغيرهما، بل حتى أحيانًا ممن ينتسبون إلى مذهب الإمام أحمد دخلوا في هذه الأمور، مع المهاترات والكلام والردود، وردود على الردود، مثل: الذي يحلم في منامه ينتهي إلى لا شيء.
قال رحمه الله تعالى: [والجواب عن هذا بالمنع، فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا
[ ٩٤ / ٢ ]
معنى قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به)
وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) إلى آخر كلامه.
أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و(لا حول ولا قوة إلا بالله) دليل على إثبات القدر.
وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: (لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ففي العبارة قلق فتأمله.
[ ٩٤ / ٣ ]
الفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي وكذلك الأمر والإذن والكتاب وغيرها
وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره) يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيًا وشرعيًا، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات ونحو ذلك.
أما القضاء الكوني ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢].
والقضاء الديني الشرعي في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
وأما الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: (ولا يكون إلا ما يريد).
وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وكذا قوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، في أحد الأقوال وهو أقواها.
والأمر الشرعي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
وأما الإذن الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢].
والإذن الشرعي في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥].
وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
والكتاب الشرعي الديني في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣].
وأما الحكم الكوني ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ؟بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
والحكم الشرعي في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠].
وأما التحريم الكوني ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦].
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥].
والتحريم الشرعي في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧].
وفي قوله ﷺ: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر).
والكلمات الشرعية الدينية في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].
[ ٩٤ / ٤ ]
عدم ظلم الله ﷿ لعباده بأي وجه من الوجوه
وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا) الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولًا وسطًا بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا يكون منه ظلمًا وقبيحًا، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون].
هذه العبارة لو قيدت لكان أحسن، وهي قوله: (فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا) لو قال: ليس كل ما كان من بني آدم ظلمًا إلى آخره، لكان أفضل؛ لأن هناك أشياء قبيحة تكون ظلمًا ولا تجوز في حق الله ﷿، كما لا تجوز في حق العباد، لا من باب القياس، لكن من باب أنها مما ينزه الله عنها؛ لأن الكامل ليس كالناقص، فالعباد ليس لهم سلطة على العباد، فكل تحكم في الآخرين يعتبر منهم ظلمًا، أما الله ﷿ إذا تحكم في عباده فإنما يتحكم في ملكه سبحانه.
فهذا هو الفارق، فالله ﷿ يفعل في خلقه ما يريد، ويفعل في خلقه ما يشاء؛ لأنهم خلقه وملكه، لكن العباد لا يملك منهم أحد ملكًا حقيقيًا، فلذلك تحكم العباد بالعباد ظلم إذا كان بغير حق، أما تحكم الله ﷿ بالعباد على ما يشاء فليس بظلم؛ لأنه هو ربهم وهم ملكه، وبيده مقاليد السماوات والأرض سبحانه، ويفعل بملكه ما يشاء.
إذًا: لا يقال: ما يكون ظلمًا من العباد يكون ظلمًا من الله من كل وجه، فالتقييد يكون أضبط وأولى.
قال رحمه الله تعالى: [وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكنًا فهو منه -لو فعله- عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وذلك يدل على نقيض هذا القول.
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله ﷺ: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا).
فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك.
الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه.
وأيضًا: فإن قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
وأيضًا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، حتى يؤمّن من ذلك، وإنما يؤمّن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلا يَخَافُ﴾ [طه:١١٢]، علم أنه ممكن مقدور عليه، وكذا قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨]، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه، ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم، فعلى قول هؤلاء: ليس الله منزهًا عن شيء من الأفعال أصلًا، ولا مقدسًا عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له! والقرآن يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له، ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء، والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء، والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثًا، وأنكر على من حسب ذلك وهذا فعل، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)
[ ٩٤ / ٥ ]