من عقيدة أهل السنة والجماعة محبة أصحاب النبي ﷺ، فيجب أن نحبهم وألا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ونذكرهم بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، ونبرأ إلى الله من طريقة الروافض والنواصب الذين قدحوا في الصحابة وسبوهم وكفروهم، كما نبرأ من الغالية الذين يبالغون في مدح بعض الصحابة حتى يعطوهم بعض صفات الإلهية ونحوها، والوسط هو منهج القرآن والسنة في الثناء على الصحابة ومدحهم وتزكيتهم ورضا الله تعالى عنهم.
[ ٩٧ / ١ ]
مذهب الجهمية وأهل الكلام في صفتي الرضا والغضب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه، ورضاه وغضبه، وحبه وبغضه، وأسفه ونحوه ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس هو في نفسه متصفًا بشيء من ذلك.
وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلًا، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا يغضب في وقت دون وقت.
كما قال في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)].
قد يفهم بعض الناس أن الشيخ ﵀ أتى بالحديث استدلالًا لقول الكلابية وقول الجهمية ومن سلك سبيلهم، بينما هو يقصد أنهم اعترضوا على مثل ما ورد في هذا الحديث، فساق الحديث ليثبت مذهب السلف.
وقبل أن ندخل في الكلام عما في الحديث من دلالة، أحب أن أنبه إلى بعض الأمور التي مرت، وهي نفي الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه، فـ الجهم بن صفوان نفى جميع الأسماء والصفات، حيث زعم أن المقصود بالأسماء والصفات هي آثار أفعال الله ﷿ في خلقه، فنفيه الأسماء والصفات والأفعال لله سبحانه بحجة أن ذلك يفهم منه التشبيه.
والجهم على مذهب غلاة الفلاسفة، بل على مذهب الفلاسفة؛ فالفلاسفة كلهم غلاة، وما أعرف أحدًا من الفلاسفة يسمى معتدلًا.
والفلاسفة يجردون الله ﷿ من وجود الذات أصلًا، فيتصورون وجود الله ﷿كما يسميه أهل الفكرة- وجودًا ذهنيًا فقط، فمن هنا أنكروا الأسماء والصفات التي جاء بها الأنبياء، وجهم تعلق بمذهب الفلاسفة حينما حاورهم وحاور الصفاتية، وهذا يدل على خطورة تعلق المسلم بمحاورة المخالفين دون أن يتسلح بالعلم، لا ينفعه ذكاؤه، بل أكثر ما يهلك الإنسان بسبب ذكائه إذا لم يتسلح بالعلم الشرعي، وأغلب الذين يقعون في الشبهات والتأويل والإلحاد بأسماء الله وصفاته وأفعاله وفي قضايا الدين هم الأذكياء، تجدهم يحاورون غير المسلمين أو أهل الأهواء المخالفين دون تسلح بالعلم الشرعي، والجهم كما هو معروف لم يعرف بعلمه كما ذكر السلف، فلما حاور الصفاتية وحاور الفلاسفة أوقعوا في ذهنه مسألة: أنه لا يمكن أن يكون لله ﷿ وجود ذاتي، فمن هنا استنكر الأسماء والصفات، فلما وجد النصوص الشرعية في الكتاب والسنة قال: إن هذه النصوص تعني آثار ما يفعله الله ﷿ في خلقه.
والمعتزلة سارت على منهج الجهمية، لكنهم أثبتوا الأسماء دون الصفات.
أما الصفاتية فالمقصود بهم الذين يثبتون الصفات، ويدخل فيهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية والسالمية والكرامية ومن سلك سبيلهم، وبعض أهل العلم يدخل فيهم المعتزلة.
وأهل السنة من باب أولى أن يثبتوا الصفات.
إذًا: فالمقصود بالصفاتية هم من أثبتوا الصفات، سواء أهل السنة أو غيرهم، فمن أثبت شيئًا من الصفات أو كل الصفات يسمون صفاتية.
وأول الصفاتية الذين تأثروا بالجهمية والمعتزلة وادعوا أنهم على مذهب السلف الكلابية، فإنهم يثبتون جميع الصفات ما عدا الصفات الفعلية، فزعموا أن الصفات الفعلية لا تثبت على حقيقتها، إنما لا بد أن تؤول، فإنهم قالوا بأن الصفات الفعلية ليس لها علاقة بالمشيئة، ولا ترتبط بالمشيئة، وزعموا أنها تفسر بآثار خلق الله في العباد، ولا تفسر بأنها صفات لله ثابتة له.
وهذا الاتجاه هو الذي مشى عليه الأشاعرة والماتريدية، هذا قبل أن يتوسعوا ويأخذوا بمذهب الجهمية في إنكار الصفات الذاتية، فالأشاعرة والماتريدية في أقوالهم المتأخرة خرجوا عن مذهب ابن كلاب الذي كان عليه، ووقعوا في تأويل جميع الصفات ما عدا سبع صفات.
أيضًا قوله: إن الصفاتية ومن سلك سبيلهم من النفاة قالوا: صفاته لازمه لذاته، قديمة أزلية، يعني: أنها غير مرتبطة بالمشيئة، قالوا: لا يتكلم الله ﷿ كما يشاء، ولا يغضب متى شاء، وإنما رضاه آثار ذلك في خلقه، وغضبه آثار ذلك في خلقه، فأولوا هذه الصفات.
والصفات الفعلية ثابتة لله ﷿، كما في حديث الشفاعة.
قال رحمه الله تعالى: [كما قال في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)].
في هذا دلالة قاطعة على أن الله ﷿ يحدث منه الغضب، كما يليق بجلاله سبحانه، وأنه يغضب متى شاء إذا وجد للغضب سبب، وغضبه يثبت له سبحانه على ما يليق بجلاله من غير تشبيه، وليس غضب الخالق كغضب المخلوق؛ ولذلك قال: (غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله) هذا دليل على أن غضبه ﷿ متعلق بمشيئته فيما قبله.
وقوله: (ولن يغضب بعده مثله) فيه دليل على أن الله ﷿ بعد هذا المقام يغضب كما يشاء، وأن غضبه متعلق بمشيئته سبحانه.
قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: (إ
[ ٩٧ / ٢ ]
ما ورد من النصوص في الثناء على الصحابة
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى].
النواصب عكس الروافض، فالروافض معروفون وهم الذين يسبون الصحابة، وينتسبون إلى التشيع، وفي الحقيقة أن الشيعة درجات: الشيعة المفضلة، والشيعة المفترية، والشيعة الغالية التي خرج منها الرافضة حين ذاك، فالشيعة الغالية هم الذين يقدسون عليًا ﵁، ولم يكونوا يتكلمون في الصحابة كثيرًا في بداية الأمر.
والشيعة المفترية هم الذين يفضلون عليًا ﵁ على أبي بكر وعمر، وقد سماهم علي ﵁: مفترية، وأمر بجلدهم ثمانين جلدة.
والشيعة المفضلة هم الذين يفضلون عليًا على عثمان فقط، فالشيعة المفضلة انتهت واندثرت، ولذلك بعض الناس يحب الشيعة ظنًا منه أن الشيعة إنما مشكلتهم تفضيل علي على عثمان، أو تفضيل علي على الصحابة فقط، فيتعاطف معهم، وتجده يدافع عنهم ويقول: التشيع ليس فيه شيء، نقول: هذا التشيع غير موجود عند الرافضة؛ لأن الرافضة يسبون الصحابة، بل يكفرونهم، أما المفضلة فتشيعهم أخف من تشيع الرافضة.
أما الشيعة الغالية فهي السبئية، والسبئية فيما بعد تحولت إلى رافضة، فهم الآن يسمون رافضة؛ لأنهم أولًا يرفضون الصحابة ﵃ إجمالًا، بل كفّروهم وأخرجوهم من الملة وقالوا فيهم قولًا عظيمًا، حتى ذات النبي ﷺ لم تسلم منهم، ثم إنهم رفضوا زيد بن علي منذ ذلك الوقت؛ لأنه أثنى على أبي بكر وعمر خيرًا، ثم إنهم رفضوا الحق ورفضوا السنة والجماعة، فهؤلاء رافضة ليسوا شيعة.
إذًا: الروافض سمتهم الأولى: سب الصحابة، يوجد عند بعض الشيعة الأوائل سب لبعض الصحابة، لكن لا يسبون جملة الصحابة، ولا يسبون أبا بكر وعمر.
أما النواصب فهي نزعة وليست فرقة؛ لأن بعض الأصول فرق وبعض الأصول ليست فرقًا، فالرافضة فرق، والخوارج فرق، والجهمية فرق، والمعتزلة فرق، لكن النصب نزعة وجدت أشبه بردة فعل، فالناصبة لما رأوا مبالغة الشيعة في علي وآل البيت صاروا يقدحون في علي وفي آل بيته، لكن الناصبة لا يكفرون عليًا إنما يقدحون فيه، أو يفضلون عليه بعض الصحابة الذين لم يرد التفضيل بينهم شرعًا، فقد يفضلون معاوية على علي، أو يفضلون بني أمية على آل البيت، وهذا لا شك أنه بدعة وخطأ وظلم عظيم، ولكن هو أشبه بالنزعة التي ليست مذهبًا وليس لها أتباع ولا رءوس مشاهير، إنما هي ردة فعل من بني أمية.
أما الخوارج فهم خوارج قبل أن يكونوا ناصبة، والنصب يوجد في الخوارج؛ لأنهم يسبون عليًا ﵁ ويكفّرونه، ولم يبق من النصب إلا أنه سمة من سمات الخوارج.
[ ٩٧ / ٣ ]
الآيات القرآنية الواردة في الثناء على الصحابة
قال رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠].
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠].
وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم، لا يستحق في الفيء نصيبًا بنص القرآن].
أي: أن الله ﷿ ذكر هذه الفئات بالتفصيل بأنهم يستحقون الفيء، أي: الغنائم، بعد أن ذكر ذلك إجمالًا في أول السورة، فقد ذكر الله ﷿ قبل هذه الآيات قوله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٧]، ثم ذكر بعد ذلك: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] أي: هؤلاء يستحقون الفيء، ثم ذكر من سمات هؤلاء أنهم الذين ليس في قلوبهم غل، وأن من يستحق الفيء هم الذين يدعون لإخوانهم الذين سبقوهم، وعلى هذا فإن الذين لا يدعون للسابقين ومن في قلوبهم غل لا يستحقون الفيء على هذا الوجه؛ لأن الآيات جاءت في ذكر صفات تفصيل من يستحقون الفيء الذي ورد ذكره في أول السورة.
[ ٩٧ / ٤ ]
الأحاديث والآثار الواردة في الثناء على الصحابة والتحذير من الطعن فيهم
قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) انفرد مسلم بذكر سب خالد لـ عبد الرحمن دون البخاري.
فالنبي ﷺ يقول لـ خالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية.
والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يسب من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ أجمعين؟ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف؛ فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة.
وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: (قيل لـ عائشة ﵂: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر)].
يقول في الحاشية: لم نجده في مسلم، فيبدو أن نسبته إلى مسلم وهم من ابن أبي العز.
قال رحمه الله تعالى: [وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد؛ فلمقام أحدهم ساعة -يعني: مع النبي ﷺ- خير من عمل أحدكم أربعين سنة)، وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره).
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة؟) الحديث.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧].
ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم، حيث قال: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ)، وفي رواية: (وقد رأى أصحاب محمد جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر)].
كلام ابن مسعود مقيد بالأصول الأخرى، يعني: ما رآه المسلمون الذين هم على الاستقامة حسنًا فهو كذلك، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأن هذا مثل أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة في أحاديث: (عليكم بالجماعة)، (إن يد الله مع الجماعة).
إذًا: قوله: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) أي: ما رآه المسلمون المستمسكون، وهم من يسمون بأهل الحل والعقد وبأهل العلم، ليسوا بالرعاع والدهماء، وليسوا بأهل البدع وإن كثروا، ثم هذا مفسر بحديث: (إ
[ ٩٧ / ٥ ]
النهي عن التجاوز في حب الصحابة والتبرؤ من أحد منهم
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا نفرط في حب أحد منهم) أي: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين.
قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].
وقوله: (ولا نتبرأ من أحد منهم) كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي: لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄!! وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]، وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم.
ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله له به.
[ ٩٧ / ٦ ]
حب الصحابة دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان
وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان) لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص، وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه).
وتسمية حب الصحابة إيمانًا مشكل على الشيخ ﵀؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه: أن الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أبي حنيفة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازًا.
وقوله: (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقد تقدم الكلام في ذلك.
[ ٩٧ / ٧ ]
ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁
قوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لـ أبي بكر الصديق ﵁، تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة).
اختلف أهل السنة في خلافة الصديق ﵁: هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار.
[ ٩٧ / ٨ ]
أدلة القائلين بثبوت خلافة أبي بكر بالنص
والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (أتت امرأة النبي ﷺ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) وذكر له سياقًا آخر، وأحاديث أخر؛ وذلك نص على إمامته.
وحديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) رواه أهل السنن.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وعن أبيها، قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لـ أبي بكر كتابًا، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر).
وفي رواية: (فلا يطمع في هذا الأمر طامع).
وفي رواية: قال: (ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لـ أبي بكر كتابًا لا يختلف عليه، ثم قال: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر).
وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).
وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ].
عائشة ﵂ أشفقت على أبيها، فراجعت النبي ﷺ بألا يستخلفه في الصلاة، لكنه أصر على استخلافه.
قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريَّه، حتى ضرب الناس بعطن).
وفي الصحيح أنه ﷺ قال على منبره: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر).
وفي سنن أبي داود وغيره، من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا أنزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بـ أبي بكر، ثم وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأيت الكراهة في وجه النبي ﷺ، فقال: خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء).
فبين رسول الله ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك.
وليس فيه ذكر علي ﵁؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك.
وروى أبو داود أيضًا عن جابر ﵁، أنه كان يحدث، أن رسول الله ﷺ قال: (رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه).
وروى أبو داود أيضًا عن سمرة بن جندب: (أن رجلًا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوًا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء).
وعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، أو الملك)].
يعني: من خلال النظر في كلام المحققين من أهل العلم قديمًا وحديثًا تبين أن مسألة استخلاف أبي بكر ﵁ اجتمع فيها النص والاختيار، بمعنى أن الصحابة ﵃ كان عندهم من إدراك مقاصد الإسلام ومقاصد النبي صلى
[ ٩٧ / ٩ ]
حجج القائلين بعدم ثبوت خلافة أبي بكر بالنص الصريح
قال رحمه الله تعالى: [واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵄، أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من هو خير مني، يعني رسول الله ﷺ].
عمر ﵁ لم يعتبر النصوص صريحة في الاستخلاف، لكن أن تكون قرائن أو مؤشرات يستأنس بها فلا شك أن الصحابة رووا هذا وعمر يعرفها، لكنه لم يعتبرها من النص الجلي الصريح، ولذلك جمهور السلف يرون أن النص على خلافة أبي بكر خفي وليس من النص الجلي.
قال رحمه الله تعالى: [وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت: (من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف؟).
والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهدًا لكتبه لـ أبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر).
فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر.
فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانًا قاطعًا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك، حصل المقصود، ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ) ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار؛ طمعًا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٩٧ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٩٧ / ١١ ]
حكم التقريب بين أهل السنة وبين الرافضة وحكم من يدعو إلى ذلك
السؤال
ظهر في الآونة الأخيرة في بعض الأشرطة لبعض المنتسبين للعلم أنه لا فرق بين أهل السنة والرافضة، ويسعى للتقريب بينهم، كما ذكر روايات وقصصًا فيما وقع بين الصحابة من خلاف وفتنة؟
الجواب
ما يتعلق بالكلام في الصحابة الذي أعرفه أن المشايخ والعلماء الكبار الآن يرون أنه لا يجوز الحديث عما شجر بين الصحابة، حتى وإن كان من باب إعطاء الحقيقة أو الإنصاف للصحابة؛ لأن هذا يثير في الناس إشكالات، ويشككهم فيما كان عليه الصحابة، وأكثر الناس لا يتخلص من الشبهات التي تقع في ذهنه، فاعتبر من الأحداث التي لا يجوز إثارتها بين المسلمين مرة أخرى، ولا يترتب على إثارتها أي مصالح، فالأصل في المسلمين أن يعرفوا حقوق الصحابة، وأن يتعلموا ذلك، أما ما حدث من فتن وأحداث فلا يجوز إثارته ولو من باب تقرير الإنصاف أو العدل أو تقرير الدفاع عن الصحابة؛ لأن الأصل عند السلف عدم جواز الحديث فيما شجر بين الصحابة.
أما الكلام عن الرافضة وتزكية الرافضة أحيانًا، أو اعتبار الفرق بينهم وبين أهل السنة فرقًا غير عقدي أو التقريب بينهم، فهذه كارثة في صفوف الدعاة إن صح التعبير، منذ أن صار الدعاة غير علماء والكوارث تتوالى على المسلمين من هذا النوع، وسبق التنبيه إلى مثل هذا من قبل مشايخنا وطلاب العلم، منذ بدأت بعض الأحداث من بعض الدعاة أو بعض الحركات الإسلامية، وهذا مصداق ما ذكره النبي ﷺ من أنهم اتخذوا رءوسًا جهالًا، فضلوا وأضلوا، والسبب في ذلك أن الموازين الآن عند كثير من الدعوات المعاصرة اختلت، فصار من يتولى القيادة يتولاها بشروط غير شرعية، مجرد ما يكون عنده عاطفة إسلامية وفكر وثقافة ويكون لسنًا، وقد يكون صاحب مؤهل أو تخصص نادر، يرفع الراية وتنساق معه جموع الشباب وجموع المجتمعات، وهذه من سمات أهل الأهواء، وهي خطر عظيم، ولذلك لما تمكن هؤلاء من الدعوة، وصار لهم أتباع، تجرءوا على أن يقولوا ما في أنفسهم، وأن يبينوا عن جهلهم.
فهذا جهل مطبق ودليل على عدم الرسوخ في العقيدة، وعدم الفقه في الدين، ودليل على تمكن الحزبية من الجماعات، فأنا أشعر من السؤال أن فيه إشارة إلى بعض الدعاة المشاهير في بعض البلاد العربية القريبة، الذين حاولوا أن يلطفوا الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة، وأن يعتبروا الخلاف مع الشيعة اختلافًا يسيرًا يمكن تجاوزه، وأن أهل السنة بالغوا في قولهم في الشيعة إلى آخره.
أقول: هذا من الخلط، وسببه تصدر هؤلاء الذين لا يفقهون في دين الله ﷿، إلا مجرد الثقافة العامة من غير أصول ولا ضوابط، فصاروا يفتون بغير علم، ويتبعهم على ذلك فئام من شباب الأمة.
إذًا: المسألة ليست مسألة شخص، بل مسألة مناهج، وإذا استمرت المناهج بهذا الشكل في تصدر هؤلاء الذين ليسوا من الراسخين في العلم، فسترى كوارث كثيرة، نسأل الله العافية والسلامة، ورأينا وسمعنا في السابق ولا نزال نسمع من مثل هذه الأمور العظام الكبار.
ومعلوم أنه إذا تصدر للدعوة ناس ليس لهم رصيد إلا العاطفة، فمن الطبيعي أن يحدث مثل هذا، ما لم يتعلموا على أهل العلم، والمشكلة أن أكثر الذين يتدينون ممن لهم أثر يعتبرون مفكرين أو دعاة، خاصة الذين يتدينون في الغرب، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين هنا ويتصدر، هؤلاء مشكلتهم أنهم جهلة ولا يعلمون أنهم جهلة، وهذا يسمى جهلًا مركبًا، فلا يدرسون على العلماء، وأنا أشير على كثير منهم بأنه يجب أن يجلسوا على الركب بين يدي العلماء، لكنهم والله أعلم رأوا أن في ذلك غضاضة عليهم، وإلا فعلى هؤلاء أن يتعلموا ما يتعلمه الأطفال عندنا، ثم ما يتعلمه الشباب، ثم ما يتعلمه طلاب العلم، حتى يرسخوا في العلم؛ لأن تدينهم قائم على عواطف، والعواطف لا تصنع شيئًا، أو يتدين على أيدي دعاة أكثرهم من أهل الأهواء، فتنغرس في قلبه الأهواء وهو لا يدري، أو يتدين في الغالب على أصحاب شعارات وحزبيات وجماعات ترفع لواءات الحزبية، فيتصدر بهذا الاتجاه، ولو لم ينتم إليها، فمن هنا جاءت مثل هذه الدواهي والمصائب من أمثال هؤلاء، مما يزعمون أنه جمع أو تقريب بين السنة والرافضة.
أقول: أهل السنة والرافضة ليس بينهم تقارب، إلا أن تستجيب الرافضة للحق، فهذا ما نرجوه ونأمله، ويجب أن نسعى إليه، ويسعدنا ذلك، أما أن نقرب السنة للرافضة أو نتهم السنة بالتحيز، أو أنهم قالوا في الرافضة ما لم يكن، فهذا من الباطل، فلا شك أن عند الرافضة من الباطل والضلالات والانحراف في المناهج والأعمال، وعندهم من الشركيات ما يجهلها أكثر أهل السنة؛ لأن أكثر مخازي الرافضة لا يعلمها إلا بعض المتخصصين، حتى إن بعضهم قد لا يجرؤ على ذكرها علنًا؛ لأن أكثر الناس لا يصدقون، ويحتاجون إلى براهين قد لا يملك إفهام الناس لها، عند الرافضة من الباطل والكفر والشرك والبعد عن الحق ما لا يكاد يتصور.
[ ٩٧ / ١٢ ]