من عقيدة أهل السنة والجماعة ثبوت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بعده بالنص عليه من أبي بكر، ثم لعثمان حين ترك عمر الأمر شورى من بعده، ثم لعلي ﵁، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وفضائلهم وجليل مناقبهم مبثوثة في كتب السير والتراجم، وقد اتفق أهل السنة على تعظيمهم وتوقيرهم، ثم من بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وما شجر بين الصحابة فإنه يسع المسلمين السكوت وعدم الكلام خوفًا من الفتن وإيغار الصدور بالأحقاد والضغائن.
[ ٩٨ / ١ ]
من حجج القائلين بعدم ثبوت خلافة أبي بكر بالنص الصريح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر؛ لا علي، ولا العباس ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها.
وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له، ففي الصحيحين، عن عمرو بن العاص: (أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وعد رجالًا).
وفيهما أيضًا، عن أبي الدرداء قال: (كنت جالسًا عند النبي ﷺ، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ: أما صاحبكم فقد غامر، فسلم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثًا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ، فسلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ: إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي بعدها)، ومعنى: غامر: غاضب وخاصم، ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله.
وفي الصحيحين أيضًا، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، -فذكرت الحديث إلى أن قالت-: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت في نفسي كلامًا قد أعجبني، خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب، وأعزهم أحسابًا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد، فقال عمر: قتله الله].
والسنح: العالية، وهي حديقة من حدائق المدينة معروفة بها.
[ ٩٨ / ٢ ]
خلافة عمر الفاروق ﵁ وفضائله
قوله: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁).
أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄].
يعني: نحن بصدد الحديث عن ترتيب الخلفاء الراشدين في الخلافة، لكن ينبغي أن يستصحب الترتيب الآخر، وهو أن ترتيبهم في الفضل جاء هكذا، ولم يكن بالضرورة أن يكون ترتيبهم في الخلافة ناتجًا عن ترتبيهم في الفضل، لكنه وقع هكذا، ولعل الصحابة ﵃ جميعًا سددوا ووفقوا في اختيار الأفضل فالأفضل فالأفضل، فكما أن الأربعة ترتيبهم في الأفضلية هكذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فكذلك ترتيبهم في الخلافة جاء هكذا، وإن كان ليس ترتيب الخلافة من لوازم ترتيب الأفضلية، لكنه وقع كما قلت، وذلك من توفيق الله للصحابة ﵃.
وكان الناس في وقت عثمان ﵁ خاضوا في أيهما أفضل علي أو عثمان، ولم يترددوا في أفضلية أبي بكر وعمر، وبعد قتل عثمان ﵁، بقي الأمر محل نزاع، ثم استقر بعد ذلك باتفاق الصحابة وباتفاق التابعين وتابعيهم وأئمة السلف وإلى أفضلية الخلفاء الراشدين في الإمامة كأفضليتهم في الأفضلية المطلقة، وأن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وانتهت المقولة التي كان عليها بعض السلف قديمًا من تفضيل علي على عثمان، مع اعترافهم بإمامة عثمان، فإنهم كانوا يفضلون عليًا على عثمان، ثم تركوا هذا التفضيل بعد توارد النصوص؛ لأنه لما أثيرت القضية روى الصحابة ﵃ وروى رواة الحديث من الثقات ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هؤلاء الأربعة من الصحابة، فتبين للسلف اتفاقًا أن عثمان أفضل من علي، وأن النصوص الواردة في أفضليته أكثر من النصوص الواردة في أفضلية علي وفي كل خير، ولا شك أنهم الخلفاء الراشدون، وأنهم خير الصحابة بإطلاق، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، وتفضيل الفاضل لا يعني استنقاص المفضول.
قال رحمه الله تعالى: [أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄؛ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر.
فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت؟ لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال، ما أنا إلا رجل من المسلمين.
وتقدم قوله ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر).
وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄، قال: (وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرًا ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما).
وتقدم حديث أبي هريرة ﵁، في رؤيا رسول الله ﷺ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن.
وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ، وعنده نساء من قريش يكلمنه، عالية أصواتهن -الحديث، وفيه-: فقال النبي ﷺ: إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك).
وفي الصحيحين أيضًا، عن النبي ﷺ، أنه كان يقول: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم)، قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهم
[ ٩٨ / ٣ ]
خلافة عثمان ﵁ وفضائله
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ثم لـ عثمان ﵁).
أي: ونثبت الخلافة بعد عمر لـ عثمان ﵄، وقد ساق البخاري ﵀ قصة قتل عمر ﵁، وأمر الشورى، والمبايعة لـ عثمان في صحيحه، فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده: عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر ﵁ قبل أن يصاب بالمدينة بأيام، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة؛ ما فيها كثير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا، قال: فما أتت عليه أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد يرى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله! فلقد أمرت به معروفًا! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كان كفافًا لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر! انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا ونحوه، قال: إن وفى لي مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أحب إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسرب معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليًا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة.
وقال: أوصي الخليفة
[ ٩٨ / ٤ ]
خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وفضائله
قوله: (ثم لـ علي بن أبي طالب ﵁).
أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لـ علي ﵄.
لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا، صار إمامًا حقًا واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء).
وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ابنه ستة أشهر.
وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إمامًا حقًا لما فوض إليه الحسن بن علي ﵄ الخلافة، فإن الحسن ﵁ بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوض الأمر إلى معاوية، وظهر صدق قول النبي ﷺ: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، والقصة معروفة في موضعها.
فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁ بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام.
والحق مع علي ﵁، فإن عثمان ﵁ لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة، كـ علي، وطلحة، والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض، ممن بعدت داره من أهل الشام، ومحبي عثمان تظن بالأكابر ظنون سوء].
جاء في بعض النسخ: (ويحمي الله عثمان أن يظن بالأكابر ظنون سوء) وكلا العبارتين صحيحتين، إن كان الخطاب المقصود به عثمان، فلا شك أن عثمان ﵁ لا يمكن أن يظن بالناس تلك الظنون التي نسبت إليه، لكن العبارة الموجودة أقرب: (ومحبي عثمان تظن بالأكابر ظنون السوء) يعني: أنهم كانوا بعيدين عن المدينة ولا يعرفون ماذا حدث، ويظنون أن الصحابة قصروا في حق عثمان، ولم تبلغهم الأخبار على وجهها، فأبوا أول الأمر مبايعة علي حتى يقتص لـ عثمان، والقضية اجتهادية بين المسلمين، لم يكن فيها قصد الهوى أو الفرقة كما هو معروف.
قال رحمه الله تعالى: [وبلغ عنهم أخبارًا منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء قوم يحبون العلو في الأرض، وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم يُنْتَصَرْ للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه، فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من علي، ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي؛ وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم، وهم كافون، حتى يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم].
يعني: أن عليًا ﵁ لا يستطيع تحقيق مطلب أهل الشام الذين أرادوا الاقتصاص من قتلة عثمان؛ لأن عليًا ﵁ والذين خرجوا معه من المدينة أعرف من أهل الشام بتفاصيل القضية وبملابساتها، وبأحوال الجيش الذي مع علي، والذي منه قتلة عثمان، ومنهم من لا يعرف بعينه، ومنهم له أحوال لا يمكن معها إقامة القصاص ما لم تجتمع كلمة المسلمين على إمام واحد، فينفذ أمره.
فالمسألة مسألة وجهة نظر، فكل من الصحابة ومن كان في الجيش في الجملة يريد مطلبًا يرى أنه هو الشرعي، وأنه الذي به يكون الحق، لكن لا يخلو من بين هؤلاء وبين هؤلاء من يريد الفتنة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، لكن ليس من الصحابة، وهذا مما يجب أن يفهم، لم يثبت ولن يثبت أن أحدًا من الصحابة كان صاحب هوى أو له مطلب أو سلطان، لم يكن أحد منهم يريد ذلك، لكن ممن التفوا حولهم من قتلة عثمان، ومن الشيعة السبئية والخوارج وأهل النفاق، وقليلي الفقه في الدين، وحدثاء الأسنان الذين تأخذهم العواطف ولا يقدرون الأمور بقدرها، وليس عند
[ ٩٨ / ٥ ]
ذكر بعض الأصول المتعلقة بالفتنة التي حصلت في خلافة علي ﵁
من الأصول المهمة فيما يتعلق بالفتنة: أولًا: أن أكثر الصحابة لم يشاركوا في هذا الأمر؛ وذلك حين رأوا أن الأمر فتنة، فتأخروا، بخلاف ما تذكره روايات الرواة وأكثرهم من الشيعة من أن أغلب الصحابة وقعوا في النزاع، فالصحيح كما ذكر الأئمة المحققون أنه لم يشارك من الصحابة في القتال أكثر من ثلاثين، بل بعضهم قال: عشرة، يعني: الذين شاركوا في مسألة المداولة ومحاولة جمع المسلمين على رأي، فانضموا إما إلى علي وإما إلى معاوية.
ثانيًا: أن الصحابة الذين شاركوا منهم من خرج أثناء القتال، خاصة الكبار كـ طلحة والزبير؛ فقد خرجا منها في أثنائها لما علما بأنها فتنة، وحين بلغهما الحديث عن النبي ﷺ الذي أورده علي بن أبي طالب وذكره لهما.
ثالثًا: أن جميع من شارك في الفتنة ندموا بعد ذلك، حتى إن علي بن أبي طالب والزبير ﵄ حينما التقى كل واحد منهما الآخر تعانقا، حتى وقع سيفاهما على الأرض من شدة التأثر، وذهب علي إلى عائشة ﵂وهي في جيش خصومه- فاعتذر منها، وكلمها بأدب، وخاطبها بأنها أمه، وقال: يا أماه، وهذا مما يدل على أن قلوبهم كانت صافية، بعكس ما يقوله الروافض، وأكثر المؤرخين الذين تكلموا عن القضية.
رابعًا: أنها فتنة، والفتنة تنقلب فيها الموازين، ويضطر من يشارك فيها ومن لم يشارك فيها إلى ارتكاب الضرورات؛ لأن الأمور في وقت الفتنة تختلف عن حالة الرخاء والسلم، والفتنة لها ضرورات لا بد من اعتبارها، فقد يقبل المسلم في الفتنة ما فيه ضيم وضير عليه، قد يقبل المسلم في الفتنة ما يضره في دينه، لكنه يصبر، قد تعرض على المسلم في الفتنة مغريات، وتختل موازين الناس في الفتنة أيضًا في تقرير الحق والباطل، ففي الغالب في الفتنة ينغمر الحق وتسود الآراء الباطلة، حتى يرى الناس أنها هي الحق، وقد يخفى الأمر حتى على العاقل اللبيب، ويكون العاقل العالم الفقيه الراسخ الداهية حيران من أمره، أما الصغير العاطفي فيلج في الفتنة ويظن أنه على هدى، وهو ليس على هدى.
فهذه أمور حاصلة من خلال هذه الفتنة التي حدثت بين الصحابة؛ ولذلك اتفق السلف على أنه لا يجوز الخوض فيما شجر بين الصحابة، واعتبار الأمر أمرَ تاريخٍ قد قضي لم نشهده ولم نعلمه، والذين شهدوه ما علموا كل خلفياته، مما جعلهم تختلف عندهم موازين الحكم، وموازين الرؤية للقضية، فكيف بمن جاء بعدهم بأجيال، وكل منهم كان يروي ما يرى ولا يدري عما لا يرى، وكان أغلب ما في القضية من أحكام قطعية في قلوب أصحابها عند علي ومعاوية وكبار الصحابة، لا أحد يدري عما كان في نفوسهم من اجتهادهم إلا الإحسان الظني فيهم، وقضوا إلى ما فعلوا، وأمرهم إلى الله ﷿، لكن لا شك أنهم لم يقعوا في أمر يقتضي القدح والطعن في أحد منهم، ولا إلغاء الأفضلية التي كانت لهم؛ لأن الصحابة قدرهم قبل الفتنة كقدرهم بعدها ولا فرق، لم تغير الفتنة من حقوقهم شيئًا، وما ثبت لهم من النصوص الشرعية عن النبي ﷺ في حقوقهم العامة، وفي حقوق بعضهم الخاصة، فهو ثابت لم تغير فيه الفتنة شيئًا، وإذا كان الأمر كذلك فكأن الفتنة لم تكن، وهي أمر انقضى ومضى.
إذًا: اتفق السلف على أنه لا يجوز الخوض في الفتنة، ولا حتى من أجل بيان وتقرير القول الحق؛ لأن إثارة القضية أمام عامة الناس، وأمام جمهور المسلمين، وأمام غير الراسخين في العلم لغير حاجة وضرورة مما يحرك القلوب على الصحابة، ومما يثير الشكوك والتساؤلات، ومما يبرر الوقوع في الفتن عند ضعاف الفقه، فما أكثر ضعف الفقه، أكثر الناس ربما إذا سمع القصة عن الصحابة ظن أنه يسوغ له أن يخالف، وأن يفارق، وأن يعاند، وأن يناطح العلماء ويناطح الولاة، ويظن أن هذا هو نهج الصحابة.
فلذلك ينبغي ألا تثار قضية الصحابة أبدًا إلا عند طلاب العلم المتخصصين، في دروس خاصة ممن يهمهم ذلك، أو عند الإجابة على سؤال يجب ويتعين الإجابة عليه عند من سأل، أما إثارة القضية في الندوات أو في المحاضرات، أو في الكتب، أو في رسائل أو بحوث من جديد، فهي من الأمور التي نهى عنها السلف، ولذلك لما ظهرت الأشرطة الأخيرة فيما شجر بين الصحابة، ورجع الناس إلى المشايخ الكبار والعلماء بسبب ما حيرهم من ضعف الإيمان، صدرت فتاواهم بعدم جواز تداول هذه الأشرطة، وعدم نشرها بين الناس؛ لأن هذا يثير الضغائن على صحابة رسول الله ﷺ، ويثير الشكوك، وأكثر الناس لا يعرفون هذه الأمور، ولا يذكرون القواعد الشرعية في الحكم في هذه الأمور.
فيجب على طلاب العلم أن يلتزموا هذا التوجيه من المشايخ الكرام.
[ ٩٨ / ٦ ]
من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁
قال رحمه الله تعالى: [ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما في الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لـ علي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي).
وقال ﷺ يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليًا، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه).
(ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي).
[ ٩٨ / ٧ ]
الخلفاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون
قوله: (وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون).
تقدم الحديث الثابت في السنن، وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة.
ولـ أبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بـ أبي بكر وعمر، فقال: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين].
يعني: أن الفارق بين الاقتداء وبين الاتباع، أن الاتباع يكون باتباع المناهج والسنن التي لها أصل في الشرع، فنتبع الخلفاء الراشدين في الأمور التي لم يكن فيها خلاف، أو فيما ينظم أحوال الأمة، مما نسميه الآن: المناهج، سواء مناهج تقرير الدين، أو مناهج الدفاع عن الدين، أو مناهج حماية الأمة من البدعة، أو مناهج التعامل مع غير المسلمين وغير أهل السنة، أو مناهج أحكام أهل الذمة ونحوها، فهذه تسمى مناهج غالبًا يكون الحال فيها ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، حتى بعد الخلفاء الراشدين، لكن الخلفاء الراشدون تميزوا؛ لأنهم كانوا في عهد أكابر الصحابة، فكانوا إذا وافقوهم على شيء أو أقروهم على أمر صار إجماعًا، أما الاقتداء فهو في الأحوال الخاصة التي تحدث من الخليفة أو نحوها، ولا شك أن الخلفاء الأربعة كلهم في أحوالهم الخاصة أهل قدوة، لكن حدث في عهد عثمان وفي عهد علي من الفتن ما يجعل التصرفات أحيانًا تكون للضرورات وليست للأحكام العامة والمناهج، فـ علي ﵁ تصرف تصرفًا ضروريًا تجاه الفتنة ما يلزم الاقتداء به فيه، وكذلك عثمان ﵁ في مواجهته للفتنة في آخر أمره تصرف تصرفًا ضروريًا لا يلزم الاقتداء به فيه؛ لأنه لجأ إلى كثير من أموره ضرورة.
فعلى هذا هناك فرق بين الاقتداء وبين اتباع السنة.
قال رحمه الله تعالى: [وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان، وعلى هذا عامة أهل السنة.
وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لـ علي ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان.
وقال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار].
في عهد متأخري الصحابة وأوائل التابعين استقر الأمر، ولم يعد هناك شك عند السلف في ترتيب الخلفاء على ما ذكر، وأن عثمان أفضل من علي، ولذلك من خالف من السلف فمخالفته زلة لا يقرونه عليها، وإذا كان من غير السلف ومن غير المعتبرين فمذهبه بدعة، لكن بدعة غير مغلظة؛ بدعة تفضيل علي على عثمان من البدع غير المغلظة، وتسمى: تشيعًا، لكن ليس كالتشيع الاصطلاحي عندنا، هؤلاء الذين فضلوا عليًا على عثمان وهم على منهج أهل السنة والجماعة في العموم، هؤلاء زلوا ووقعوا في بدعة خفيفة، ويسمون: المفضلة، ويقال: فيهم تشيع، كما قيل عن عبد الرزاق بن همام، وكما قيل عن سفيان الثوري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة في هذه المسألة، وكما قيل عن الحاكم النيسابوري وعن كثير من الأئمة، يقال: فيهم تشيع، ولكن لا يقصد به تشيع الرافضة الآن، هذا ليس بالتشيع، هذا رفض.
أما من قدم عليًا على أبي بكر وعمر وعثمان جميعًا فهذا يسمى من المفترية، حتى لو كان في أموره الأخرى على السنة، ويندر، بل لم ينسب إلى أهل السنة من قال بهذا القول، بل هذا القول قال به الشيعة، ولذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ يأمر بجلد من يفضلونه على أبي بكر وعمر، ويسميهم: المفترية، وكتب إلى ولاته: بأن من فضله على أبي بكر وعمر فليجلد جلد المفتري ثمانين جلدة، ولذلك سماهم السلف: المفترية.
قال ﵀ تعا
[ ٩٨ / ٨ ]
العشرة المبشرون بالجنة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين).
تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة، ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: (أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ: من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، جئت أحرسك، -وفي لفظ آخر-: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ، ثم نام).
وفي الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ جمع لـ سعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: ارم، فداك أبي وأمي).
وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت.
وفيه أيضًا عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد.
وفي الصحيحين، واللفظ لـ مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: لكل نبي حواري، وحواريّ الزبير).
وفيهما أيضًا عن الزبير ﵁، أن النبي ﷺ، قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: فداك أبي وأمي).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح).
وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: (جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح).
وعن سعيد بن زيد ﵁، قال: (أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد، قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه، ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف.
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقدم فيه عثمان على علي ﵄].
في الرواية الأولى لم يذكر أبا عبيدة، لأنه عد فيها النبي ﷺ، لكن في هذه الرواية ذكر أبا عبيدة، فقد يكون ﷺ قال هذا مرة وقال هذا مرة، وهذا لا ي
[ ٩٨ / ٩ ]
اتفاق أهل السنة على تعظيم العشرة المبشرين بالجنة التعظيم الشرعي
وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم؛ لما اشتُهر من فضائلهم ومناقبهم، ومَن أجهلُ ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم عليًا ﵁، فمن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وقد ﵃، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).
وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: (يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: كذبت! لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية)].
[ ٩٨ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٩٨ / ١١ ]
كيفية ترتيب الخلفاء الراشدين في الأفضلية وبقية العشرة
السؤال
كيف يكون ترتيب الخلفاء الراشدين وبقية العشرة؟
الجواب
مجمل الألفاظ في ترتيبهم كانت على ترتيبهم في الخلافة، إلا في ألفاظ قليلة، أما ما بعد الأربعة الخلفاء الراشدين فذكر بعضهم طلحة والزبير وأبا عبيدة؛ لأنهم أفضل من البقية، لكن ليس هناك دليل قاطع، إلا في النصوص التي وردت من تسمية الزبير بحواري الرسول ﷺ، وتسمية أبي عبيدة أمين هذه الأمة، وهذا كلام مجمل لا شك أنه يدل على الأفضلية الفردية، لكن لا يدل على الأفضلية المطلقة، كما قال النبي ﷺ في غزوة خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فهذه المحبة لا تعني الأفضلية المطلقة؛ لأن البقية يحبون الله ورسوله، ويحبهم الله ورسوله.
فأحيانًا تكون الأفضلية خصيصة وليست أفضلية بإطلاق.
أما الخلفاء الراشدون لا شك أن ترتيبهم في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة، وجاءت النصوص على ترتيبهم المعروف، أما من بعدهم فالمسألة خلافية ليس فيها جزم، والله أعلم.
[ ٩٨ / ١٢ ]
حكم الخوض فيما شجر بين الصحابة من قتال
السؤال
ما رأيكم في الخوض في خلافة الأربعة بما فيها من الفتنة، وذكر تفصيل ذلك، وخصوصًا ما انتشر من دروس طارق السويدان وغيره، وأنا سمعت شيئًا من أشرطته، فقد تعرض فيها للفتنة؟
الجواب
الفتنة لها مقاييس، نسأل الله أن يعافينا جميعًا من الفتن، ليس كل حدث يسمى فتنة، لكن أحيانًا بعض الأمور التي تبتدع في المسلمين تسمى فتنة، وإلا فالفتنة إذا جاءت لا تستأذن أحدًا.
أما الكلام على الأشرطة فما بعد كلام مشايخنا وعلمائنا مزيد، فقد أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بما نقله الثقات عنه، وفضيلة الشيخ محمد بن العثيمين وقد سمعته وغيرهما، أفتوا بعدم جواز استماع هذه الأشرطة وعدم نشرها، للتعليل الذي ذكره السلف، وهو أصل من أصول السلف، وهو قاعدة من قواعدهم التي يجب احترامها: من أن الكلام فيما شجر بين الصحابة ينبغي الكف عنه، وعدم إلقائه ونشره عند الآخرين، وهذه الأشرطة سحبت، وهذا بحمد الله كان بتوجيه المشايخ.
[ ٩٨ / ١٣ ]