الإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فهم يؤمنون به وبما يجري فيه من الأحوال والمشاهد والمواقف والحساب والعرض مما أخبر به الله سبحانه في كتابه، أو رسوله ﷺ في سنته، ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان.
[ ٢٦ / ١ ]
الإيمان بالبعث
قال المصنف ﵀: [ونؤمن بالبعث].
وهو بعث الناس من قبورهم، فإن الناس يبعثون من قبورهم، ويصيرون إلى الحساب يوم القيامة، وهذا أصلٌ من أصول الإيمان مجمع عليه بين المرسلين، وقد كان البعث مذكورًا في كلام الأنبياء وسائر المرسلين، وجميع أهل القبلة يقرون بهذا، فإن من أنكر هذا لا يكون إلا كافرًا.
وزعمت المتفلسفة الذين ينتسبون إلى الإسلام كـ ابن سينا وغيره، أن البعث إنما هو للأرواح دون الأبدان، وهذا من كلام الفلاسفة، وليس عليه أثر الأنبياء أو هديهم.
[ ٢٦ / ٢ ]
حساب الكفار يوم الحساب
وكذلك الحساب: فإن الناس يحاسبون، وقد تنازع المتأخرون من أهل السنة، في محاسبة الكفار، هل يحاسبون أو لا يحاسبون؟ والصواب التفصيل فإن أريد بمحاسبتهم الموازنة بين الحسنة والسيئة فإن الأمر لا يكون كذلك؛ لأن الكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن أريد بالمحاسبة الإقرار والإشهاد وما إلى ذلك من المقاصد والمعاني، فإن هذا لا شك أنه يقع، وقد ذكره الله في كتابه وذكره الرسول ﵌ في سنته.
والكافر قد يقع منه ما هو من عمل الخير، ولكنه إذا لم يبتغ به وجه الله ﷾، فإنه لا يوافي ربه به بحسنة، بل يجزى بها في الدنيا، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فسماه خيرًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، وفي الصحيح عن أنس أن النبي ﵌ قال: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا)، فسماها حسنات، وهي أعماله من الخير، كالصدقة أو العتق، أو صلة الرحم، أو نحو ذلك.
قال: (وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنةٌ يُجزى بها)، فلا يوافي الكافر ربه بحسنة يثاب عليها، بل ما يقع له من الخير والحسنة فإنه يطعم بها في الدنيا، كما ذكر رسول الله ﷺ.
[ ٢٦ / ٣ ]
قراءة الكتاب
وكذا قراءة الكتاب وتقرير المؤمن بذنوبه، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره في الصحيحين، فإن العبد يقرر بذنوبه، ثم يضع الله ﷾ على عبده المؤمن كنفه؛ أي: ستره، ويقرره بما عمل.
[ ٢٦ / ٤ ]
الإيمان بالثواب والعقاب
قوله: (والثواب والعقاب) أي: ثواب أهل الإيمان، وأخص ثوابهم هو رؤيتهم لربهم ﷾ في الجنة وفي عرصات القيامة قبل ذلك، فهذا من ومقدمات ثوابهم، ثم إذا دخلوا الجنة وصاروا فيما فيها من النعيم، أمكنهم الله ﷾ من رؤيته وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وكذلك العقاب فإن الكفار يعاقبون في قبورهم، وكذا يعاقبون يوم القيامة وبعدها، فيدخلون النار على ما ذكر في الكتاب والسنة، وهذا العقاب والثواب يقع للروح والجسد بإجماع أهل السنة وعامة المسلمين، ولم ينازع في ذلك أحدٌ من أهل القبلة المعتبرين.
[ ٢٦ / ٥ ]
الإيمان بالصراط
قوله: (والصراط)، أي: فإن الناس يمرون عليه، وقد ذكر النبي ﷺ حال الناس ومرورهم على الصراط، وبين أنهم على أحوال فقال: (وأن الصراط مدحضة مزلة، وعليه كلاليب وحسك مثل شوك السعدان، ثم قال: هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله ومنهم المجاز حتى ينجى ..) إلخ.
وذكر النبي ﷺ: أن منهم من يمرون كالبرق، وذكر ﷺ أن أول زمرة يحشرون إلى الجنة على صورة القمر، إلى غير ذلك من التفاصيل النبوية التي ذكر فيها ﷺ مقام الصراط وما يقع عنده من الشفاعة، وأن الرحم والأمانة تقومان على جنبتي الصراط، فكل هذه أحوال يقر بها أهل السنة والجماعة على حقيقتها وعلى مراد الله ﷾ على ما حدث بذلك الرسول ﵌.
[ ٢٦ / ٦ ]
الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان
قال المصنف ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان].
وهذا بإجماع أهل السنة، وقد عُرض ذلك للنبي ﷺ في المنام، ورأى ﷺ بعض أحوال العصاة ثم ذكر بعض أحوال أهل النعيم، وصريح الكتاب والسنة يدلان على أن الجنة والنار مخلوقتان، والآثار بذلك مستفيضة عن رسول الله ﷺ، وعلى هذا أجمع السلف.
[ ٢٦ / ٧ ]
بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما
قال المصنف ﵀: [لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان].
أي أنهما في دوامٍ مستمر، وهذا قد اتفق عليه السلف خلافًا للجهم بن صفوان وأمثاله ممن لم يثبتوا دوام الجنة، أو دوام النار، أو ممن بقول أبي الهذيل العلاف، بأن أهل الجنة وأهل النار تنقطع حركاتهم ويظلون في سكونٍ دائم؛ لأن التسلسل عندهم في المستقبل ممتنع، فهذه أصول باطلة في العقل فضلًا عن بطلانها في الشرع.
[ ٢٦ / ٨ ]
نسبة القول بفناء النار إلى ابن تيمية
نسب لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بفناء النار.
فنقول:
أولًا: يجب أن يفرق بين هذا القول -على ما فيه من التعقب -من حيث هو ومن حيث كونه قولًا لـ شيخ الإسلام، فيجب أن يفرق بين هذا القول، وبين قول جهم بن صفوان، فإن الجهم بن صفوان يقول بفناء العذاب مع بقاء النار، والذي نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، هو القول بأن النار تفنى، أي: تنتهي، وأما القول بأن النار تبقى وينقطع عذاب أهلها، فهذا قول لم يؤثر عن أحدٍ البتة.
وهذه المسألة ذكرها ابن القيم في كتابه حادي الأرواح، وذكر أن طائفة من السلف، بل نسب لبعض الصحابة، أنهم كانوا يقولون بفناء النار، وذكر أن في المسألة قولين لأهل السنة، وكأنه يميل إلى القول بالفناء، ولكنه لم يجزم به جزمًا صريحًا.
وعلى كل حال فنسبة هذا القول للإمام ابن القيم، فيه نوع من المقاربة، وإن كان كلامه في بعض كتبه يوحي بأنه يخالف هذا القول، ولكن إضافة هذا القول لـ ابن القيم له حظٌ من النظر أو الاعتبار؛ لأن هذا هو ظاهر كلامه.
أما الإمام ابن تيمية ﵀، فإن نسبة هذا القول إليه لا تصح، وهناك رسالة صرح فيها بهذا القول، وهي منسوبة لـ شيخ الإسلام وقد حققت، ولكن الظاهر أنها لا تصح عنه ﵀، بل ظاهر كلامه في أكثر من موضع من كتبه، أنه يقرر هذه الحقيقة المجملة التي ذكرها أهل السنة، وهي أن الجنة والنار لا تفنيان، ولا يستثني من ذلك العذاب في النار أو ما إلى ذلك من الاستثناءات التي أضيفت إليها، ولو صحت هذه الرسالة لكان هذا مما يُجزم به قولًا لـ شيخ الإسلام، لكن هذه الرسالة وإن حققت ونسبت إليه إلا أن الأظهر أنها لا تصح عنه.
[ ٢٦ / ٩ ]
دخول الجنة فضل ودخول النار عدل من الله
قال ﵀: [فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه].
من دخل الجنة فهو بفضل الله تعالى ورحمته، خلافًا للمعتزلة الذين قالوا بأن هذا على طريقة المجازاة المحضة، وأنه واجب على الله.
وكذلك من دخل النار فإنه يدخلها بعدله ﷾، فإن العبد إنما كفر بعد ما جاءته البينات والهدى.
[ ٢٦ / ١٠ ]