قول المؤلف: "ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة، لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح".
الشرح:
هذا طرف من حديث رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ في قصة استحفاظ النبي ﷺ إياه على الصدقة، وأخذ الشيطان منها وقوله لأبي هريرة: "إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح فأخبر أبو هريرة النبي ﷺ بذلك، فقال: "إنه صدقك، وهو كذوب" (١).
قول المؤلف: "وقوله ﷾: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ".
الشرح:
"وقوله سبحانه": هذا معطوف على (سورة) في قول المؤلف: "ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص".
﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: هذه أربعة أسماء كلها متقابلة في الزمان والمكان، تفيد إحاطة الله ﷾ بكل شيء أولًا وآخرًا وكذلك في المكان ففيه الإحاطة الزمانية
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٣٧).
[ ١ / ١٨٠ ]
والإحاطة المكانية.
﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾: ﴿الأَوَّلُ﴾: فسره النبي ﵊ بقوله: "الذي ليس قبله شيء" (١).
وهنا فسر الإثبات بالنفي فجعل هذه الصفة الثبوتية صفة سلبية، وقد ذكرنا فيما سبق أن الصفات الثبوتية أكمل وأكثر، فلماذا؟
فنقول: فسرها النبي ﷺ بذلك، لتوكيد الأولية، يعني أنها مطلقة، أولية ليست أولية إضافية، فيقال: هذا أول باعتبار ما بعده وفيه شيء آخر قبله، فصار تفسيرها بأمر سلبي أدل على العموم باعتبار التقدم الزمني.
﴿وَالآخِرُ﴾: فسره النبي ﵊ بقوله: "الذي ليس بعده شيء"، ولا يتوهم أن هذا يدل على غاية لآخريته، لأن هناك أشياء أبدية وهي من المخلوقات، كالجنة والنار، وعليه فيكون معنى ﴿وَالآخِرُ﴾ أنه محيط بكل شيء، فلا نهاية لآخريته.
﴿وَالظَّاهِرُ﴾: من الظهور وهو العلو، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، أي: ليعليه، ومنه ظهر الدابة لأنه عال عليها،
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣) كتاب الذكر والدعاء/ باب ما يقوم عند النوم من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٨١ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أي يعلوا عليه، وقال النبي ﵊ في تفسيرها: "الذي ليس فوقه شيء"، فهو عال على كل شيء.
﴿وَالْبَاطِنُ﴾: فسره النبي ﵊ قال: "الذي ليس دونه شيء" وهذا كناية عن إحاطته بكل شيء، ولكن المعنى أنه مع علوه ﷿، فهو باطن، فعلوه لا ينافي قربه ﷿، فالباطن قريب من معنى القريب.
تأمل هذه الأسماء الأربعة، تجد أنها متقابله، وكلها خبر عن مبتدأ واحد لكن بواسطة حرف العطف والأخبار بواسطة حرف العطف أقوى من الأخبار بدون واسطة حرف العطف، فمثلًا: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦]: هي أخبار متعددة بدون حرف العطف لكن أحيانًا تأتي أسماء الله وصفاته مقترنة بواو العطف وفائدتها:
أولًا: توكيد السابق، لأنك إذا عطفت عليه، جعلته أصلًا، والأصل ثابت.
ثانيًا: إفادة الجمع ولا يستلزم ذلك تعدد الموصوف، أرأيت قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] فالأعلى الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى.
فإذا قلت: المعروف أن العطف يقتضي المغايرة.
[ ١ / ١٨٢ ]
فالجواب: نعم، لكن المغايرة تارة تكون بالأعيان، وتارة تكون بالأوصاف، وهذا تغاير أوصاف، على ان التغاير قد يكون لفظيًا غير معنوي مثل قول الشاعر:
فألقى قولها كذبًا ومينا
فالمين هو الكذب ومع ذلك عطفه عليه، لتغاير اللفظ والمعنى واحد، فالتغاير إما عيني أو معنوي أو لفظي وفلو قلت: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد، لاتغاير عيني، لو قلت: جاء زيد الكريم والشجاع والعالم، فالتغاير معنوي، ولو قلت: هذا الحديث كذب مين، فالتغاير لفظي.
واستفدنا من هذه الآية الكريمة إثبات أربعة أسماء لله، وهي الأول والآخر والظاهر والباطن.
واستفدنا منها خمس صفات: الأولية، والآخرية، والظاهرية، والباطنية وعموم العلم.
واستفدنا من مجموع الأسماء: إحاطة الله تعالى بكل شيء زمنًا ومكانًا، لأنه قد يحصل من اجتماع الأوصاف زيادة صفة.
فإذا قال قائل: هل هذه الأسماء متلازمة، بمعنى أنك إذا قلت: الأول، فلابد أن تقول: الآخر، أو: يجوز فصل بعضها عن بعض؟!
فالظاهر أن المتقابل منها متلازم، فإذا قلت: الأول، فقل: الآخر، وإذا قلت: الظاهر، فقل: الباطن، لئلا تفوت صفة المقابلة
[ ١ / ١٨٣ ]