من صفات الله تعالى الثابتة بالمتوافر من نصوص الوحي صفة معيته ﷾ لخلقه مع استوائه على عرشه ومباينته لخلقه، ويعتقد أهل السنة ثبوتها بأقسامها، خلافًا لمنكري ذلك من المنحرفين عن جادة إثبات ما نطقت به النصوص، كما أن من صفات الله تعالى العظيمة صفة الكلام المتضمنة إثبات الكمال لله تعالى، وقد ضل فيها طوائف عديدة، وخالفوا أهل السنة في اعتقاد ظاهرها كما أخبر الله تعالى به عن نفسه بما يدل على إثبات أن الكلام بحرف وصوت ليس بمعنى نفسي ولا بمخلوق.
[ ١١ / ١ ]
معية الله ﷿ وأدلة إثباتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام على صفة الاستواء والعلو بشيء من الاختصار، وإلا فصفة العلو أفردت بكتب مستقلة، ومن أفضل هذه الكتب التي نقلت آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب: (اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية) لـ ابن القيم رحمه الله تعالى.
وفي هذا الدرس سنتحدث - بإذن الله تعالى - عن موضوع معية الله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧].
﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
وقول: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]].
هذه الآيات جميعًا هي في إثبات معية الله ﷾، والله ﷾ مستوٍ على عرشه، وهو في العلو ﷾، وفي نفس الوقت هو مع خلقه، هذه المعية التي نثبتها بمقتضى النصوص الشرعية هنا هي معية العلم والقدرة.
والمقصود بعلو الله ﷿: هو علو القهر، والقدر، والذات، فليست المعية الواردة في هذه الآيات هي معية الذات، بل هي معية العلم، والإمام أحمد ﵀ عندما صنف كتابه: (الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله) ذكر جملة من آيات المعية، وبين أن هذه الآيات فُهمت عند الجهمية على غير وجهها، فإن الجهمية ظنوا أن هناك تعارضًا بين آيات إثبات العلو لله ﷿، وبين الآيات التي فيها معية الله ﷿، وهي الآيات التي تقدمت آنفًا.
وبين رحمه الله تعالى: أن المعية في هذه الآيات ليس المقصود بها (المخالطة) وأن الله ﷿ مخالط للخلق بذاته، وإنما المقصود: أن الله ﷾ مستوٍ على عرشه، وهو عالٍ عليهم، وأيضًا: هو معهم بعلمه وإحاطته وقدرته وسلطانه ﷾؛ ولهذا لما ساق آية المجادلة قال: إن هذه الآية بدئت بالعلم وختمت بالعلم، فإن بداية الآية قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فبدأ بالعلم وختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فدل ذلك على أن قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أن المقصود بها: معية العلم والإحاطة، وأن المعية لا تقتضي المخالطة بالذات، كما فهم الجهمية.
والآيات التي تقدمت جميعًا تدل على المعية، ويمكن أن نحدد موطن الشاهد من كل آية: الآية الأولى: قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] والاستواء على العرش فيه إثبات العلو.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) هذا هو موطن الشاهد من الآية الذي يدل على إثبات معية الله ﷿، والمقصود بهذه المعية هنا: معية العلم والقدرة.
وأما الآية الثانية: فسبق أن حددنا موطن الشاهد منها وبينا معناها.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، والمقصود أيضًا بالمعية هنا: معية ا
[ ١١ / ٢ ]
أقسام المعية
والمعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: معية عامة، وهذه المعية العامة تكون للمخلوقات جميعًا، تكون للبر والفاجر والمؤمن والكافر، والصالح والطالح، تكون لجميع المخلوقات.
ومن الأدلة على هذه المعية قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه الآية تدل على أن الله ﷿ مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته ﷾.
القسم الثاني من المعية: المعية الخاصة، وهذه المعية الخاصة هي معية الله ﷿ مع المؤمنين، يمثل هذه الآية قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وغيره من الآيات التي تدل على هذا.
وبعض العلماء الذين شرحوا هذه العقيدة قسموا المعية الخاصة إلى قسمين، فقالوا: إن المعية تنقسم إلى قسمين: معية مطلقة، وهي المعية العامة، ثم المعية الخاصة، ثم قسموا الخاصة إلى قسمين: معية لوصف، ومعية لشخص، فالمعية التي تكون للوصف هي مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] فالذين اتقوا، هنا وصف، يشمل فلانًا وفلانًا وفلانًا من المتقين في كل زمن وفي كل مكان.
وأيضًا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، والصبر: وصف، يشمل أعدادًا كبيرة من الناس الذين يتحقق فيهم هذا الوصف، وكقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذه المعية أيضًا هي معية الوصف أيضًا، وأما المعية المتعلقة بالشخص فهي مثل قول الله ﷿: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] قال ذلك الرسول ﷺ لصاحبه أبي بكر كما يدل على ذلك سياق الآية من بدايتها، وكقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، والمقصود بالضمير في قوله: (معكما): مع موسى وهارون، فهي معية متعلقة بشخص.
والحقيقة: أن المعية الخاصة تشمل معية الوصف، وهو الأصل في هذه المعية الخاصة، ثم المعية التي تكون مقيدة بشخص هي ناتجة عن تلك المعية، وهما بمعنى واحد.
فالمعية المطلقة معناها: أن الله ﷿ مع كل المخلوقات بعلمه، فلا يكون في هذا الكون شيء لا يعلمه الله، وهو مع هذه المخلوقات بقدرته، فلا يكون في هذه المخلوقات شيء لا يقدر عليه الله، وهو مع هذه المخلوقات بسلطانه، فلا يمكن أن يوجد شيء ليس لله سلطان عليه، فكل شيء الله ﷿ قادر عليه، وهو عالم به.
وأما المعية الخاصة فهي تتضمن المعنى الذي في المعية العامة وزيادة، وهذه الزيادة هي النصرة والتأييد والإحاطة والعناية والتوفيق والتسديد ونحو ذلك.
إذًا: المعية الخاصة تتضمن ما في المعية العامة من المعاني؛ فهي تشمل أن الله ﷿ يعلم كل شيء، وأن الله قادر عليه، وأنه من سلطان الله الذي يتصرف فيه كيفما يشاء، ومن كانت له معية خاصة يزاد على ذلك أن الله ينصره، وأن الله مؤيده، وأنه مسدد ونحو ذلك.
[ ١١ / ٣ ]
دفع شبهة منكري العلو في احتجاجهم بآيات المعية
وقد استدل الجهمية -كما سبق- بهذه الآيات على نفي العلو، واستدلالهم باطل؛ فإن القرآن لا يمكن أن يتناقض أبدًا، فالآيات والأحاديث التي فيها إثبات العلو يقال: إن هذا العلو ثابت لله ﷿، وإنه ﷾ عالٍ على الخلق بقهره وقدرته ﷾، وهو عالٍ ذاته أيضًا، وهو كذلك مع الخلق بعلمه وقدرته، ومع بعضهم بتأييده ونصره بل إن هذه المعية التي أثبتها الله ﷿ لا تقتضي المخالطة بأي وجه من الوجوه، ويدل على هذا عدة أمور: الأمر الأول: أن الله ﷿ أثبت لنفسه العلو، فدل هذا على أنه عالٍ على خلقه بعلمه وقدرته.
والأمر الثاني: أن هذه النصوص التي فيها إثبات أن الله مع خلقه لا يلزم منها المخالطة لا عقلًا ولا لغةً.
فأما عقلًا أو حسًا: فإنك تقول: سرنا والقمر معنا، وهو في العلو، وليس مخالطًا لك.
وأما في اللغة: فإن المعية لا تقتضي المخالطة أبدًا بأي وجه من الوجوه، فإنه يصح كما قلت لغة أن تقول: سرت والقمر معنا، وهذا صحيح لغة، مع أنه غير مخالط لك.
وقد تحدث أهل العلم كثيرًا عن هذه الصفة من صفات الله ﷿، أعني: صفة المعية، وسيأتي لها حديث إن شاء الله مستقلًا بعد مجموعة من الصفات.
وبعد الحديث عن وسطية هذه الأمة، وسنتكلم عن هذه الصفة بشكل أكبر.
[ ١١ / ٤ ]
صفة الكلام وأدلة إثباتها
قال رحمه الله تعالى: وقوله: [﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦].
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥].
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢].
وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠].
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢].
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥].
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥].
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧].
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦].
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢].
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١].
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢].
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]].
هذه الآيات جميعًا متعلقة بصفة كلام الله ﷾، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته، وهو من الصفات الفعلية، فهو ﷾ يتكلم متى شاء، وفي أي وقت شاء، وفي أي زمان شاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكلامه ﷾ بحرف وصوت، كما يدل على ذلك جملة من الآيات والأحاديث النبوية.
وهو ﷾ تكلم قديمًا، وما زال يتكلم، وسيتكلم في الآخرة ﷾، وهو يتكلم في أي وقت يشاء، وفي أي زمان يشاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وقد جاءت التعبيرات عن صفة الكلام بأكثر من وجه: فجاءت بصيغة الحديث، كقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
وجاءت بصيغة القول، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة:١١٦].
وجاءت بمسمى الكلام أو باسم الكلام كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٥]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وجاءت أيضًا بصيغة النداء، فالنداء من الكلام، كقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فهذه الأربعة الأنواع جاءت جميعًا تدل على صفة الكلام لله ﷾.
والذي يدل على أن الله ﷿ يتكلم بحرف وصوت: أن مسمى الكلام في
[ ١١ / ٥ ]
الطوائف المنكرة لصفة الكلام والرد عليها
وهذه الصفة الجليلة مع وضوحها وأهميتها ومكانتها إلا أن طوائف من المبتدعة أنكرتها.
والعقل يثبت هذه الصفة، وقد استدل الله ﷾ في القرآن بطرق عقلية على إثبات صفة الكلام، ومنها: أن الله ﷿ ذم وعاب آلهة المشركين بأنها لا تتكلم، فلو كان الله سبحانه لا يتكلم لما كان هناك معنى لعيب آلهة المشركين، فالله ﷿ يقول حاكيًا عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، هذا في السمع والبصر، ولما ذكر الله ﷾ العجل الذي عبده بنو إسرائيل قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨] (لا يكلمهم) يعني: لا يتكلم معهم، وهكذا آلهة المشركين نفى الله ﷿ عنها صفة الكلام، فدل ذلك على أن من نفيت عنه صفة الكلام فهو ناقص، وبالتالي: تدل على أن الله ﷿ موصوف بصفة الكمال وهي: صفة الكلام.
إذًا: فالكلام صفة كمال يتكلم ﷾ متى شاء كيف شاء، ولكن مع وضوح هذه الصفة ومع أهميتها ومكانها وتعلقها بالقرآن إلا أنه وجد من أنكرها من أهل البدع، فظهرت الجهمية وقالت: إن الله ﷿ لا يتكلم، ولما سئلوا عن القرآن الذي هو كلام الله؟ قالوا: هذا مخلوق من مخلوقات الله وليس صفة من صفات الله ﷾.
وبناءً على هذا قالوا: إن القرآن من مخلوقات الله ﷿ التي يخلقها وإنه مثل سائر المخلوقات، وإنه مثل البشر ومثل الشجر والحجر ونحو ذلك من مخلوقات الله ﷾، ومن هنا جاءوا بفكرة أن القرآن مخلوق، ودُعي إليها في زمن المأمون، وأوذي بسببها الإمام أحمد وسجن وضرب وأوذي وصبر، ثم كانت النتيجة لأهل السنة ولله الحمد، فظهرت السنة.
وكان الناس في وقت الإمام أحمد على قولين: قول يقول: (إن القرآن كلام الله، وإن كلام الله صفة من صفاته، وإنه يتكلم متى شاء وكيف شاء وفي أي وقت شاء)، وهذا هو مذهب أهل السنة وهم عامة الأمة.
والقول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يتكلم متى شاء وكيف شاء، وإن القرآن مخلوق، وإن كلام الله ﷿ ليس صفة من صفاته، بل هو مخلوق من مخلوقاته، يخلقه الله ﷿ في الهواء أو يخلقه في إنسان أو يخلقه في أي شيء من الأشياء، فهو ليس صفة وإنما هو مخلوق! وكانت الحرب كبيرة بين أهل السنة الذين يستدلون بالنصوص الشرعية وبين هؤلاء الجهمية الذين يخالفون النصوص الشرعية، والذين كفرهم السلف، وقالوا: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وبين السلف الصالح رضوان الله عليهم سبب ذلك، وهو أن النبي ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فلو كانت كلمات الله التامات من المخلوقات لكان هذا شركًا؛ لأنه كيف يستعيذ بالمخلوقات؟ فإنه قال: (أعوذ بكلمات الله)، فلو كانت كلمات الله مخلوقة كما يقول الجهمية والمعتزلة لكان معنى هذا أن النبي ﷺ استعاذ بمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك أكبر، وفي هذا نسبة الشرك للرسول ﷺ.
والمعتزلة يقولون: عندما جاء موسى وناداه الله ﷿ من الشجرة قالوا: إن الله ﷿ خلق الكلام في الشجرة، فمعنى هذا أن المتكلم هي الشجرة؛ لأن المتكلم هو الذي تقوم به صفة الكلام، ومعنى هذا: أن الشجرة هي التي تكلمت وهي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] ولا شك أن هذا باطل واضح البطلان، فكيف تقول الشجرة: (يا موسى إني أنا الله رب العالمين) وكيف يأتي سياق الآية على أن موسى صدق، وعلى أن موسى أقر واعترف، وأنه تلقى النبوة من هذا الكلام، وأن الشجرة هي التي تكلمت وأعطت موسى النبوة؟! لا شك أن هذا في غاية البطلان، ولهذا كفر السلف رضوان الله عليهم من قال: إن القرآن مخلوق.
لكن ظهرت طائفة ثالثة، وزعمت أن كلام الله ﷿ معنى، وأنه ليس حروفًا وأصواتًا؛ لأن المعتزلة قالوا: حقيقة الكلام في لغة العرب: هو الحروف والأصوات، هذا هو الكلام في لغة العرب، وبناءً على هذا فإن الله ﷿ إذا تكلم تكلم بحرف وصوت، ومعنى هذا: أنه قامت في الله ﷿ هذه الصفة، فإذا كان يتكلم ﷾ فإنه يحدث فيه الكلام، وهذا يدل على أن الإله مخلوق، كما أنه يدل على بطلان دليلهم الذي استدلوا به على إثبات وجود الله ﷿، وهو دليل حدوث الأجسام الذي بنوه على أن المخلوق حادث والخالق قديم، ومن هنا قالوا: إن الكلام ليس صفة من صفات الله، وإن القرآن مخلوق.
فجاء الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب وقالوا: إن الكلام هو المعنى، وإن الحروف والأصوات هي تعبير عن الكلام، وقد تسمى كلامًا مجازًا، ثم قالوا: إن كلام الله ﷿ معنى قائم بذات الله ﷿ ليس بحرف ولا صوت، وإن الحروف والأصوات مخلوقة، وكلام الله ﷿ هو معنى قائم بذ
[ ١١ / ٦ ]
ذكر ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على منكري صفة الكلام ومؤوليها
وقبل هذا أحب أن أشير إلى الكتب التي ناقشت هذا الموضوع بشكل مفصل، فـ ابن تيمية ﵀ رد على الأشاعرة الذين قالوا: إن الكلام هو معنى قائم بذات الله ﷿، رد عليهم في كتاب خاص سماه: (التسعينية) وهو مطبوع الآن في مجلدين ومحقق، وطبع قديمًا ضمن الفتاوى المصرية في المجلد الخامس، وقد ألفه ﵀ في سنة ٧٠٦ من الهجرة عندما كان بمصر، رد فيه على الأشاعرة من أكثر من تسعين وجهًا، ورد فيه على الرازي بالذات بما يقارب الستة والسبعين وجهًا؛ لأن الرازي دافع عن تأويلهم لكلام الله ﷿ بأنه الكلام النفساني فقط.
وأيضًا من الكتب في هذا رسالة ضمن مجموعة الفتاوى اسمها: (المسألة المصرية في القرآن)، هذه أيضًا في الحديث عن صفة الكلام، وأيضًا من الرسائل التي تحدث ابن تيمية ﵀ فيها عن صفة الكلام: (رسالة الكيلانية) وهي مطبوعة أيضًا ضمن مجموع الفتاوى، وهناك مجلد خاص في مجموع الفتاوى عنوانه: (القرآن كلام الله) مليء بالأسئلة التي سئل فيها شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الصفة، وتحدث فيها عن عقيدة أهل السنة ورد فيها على الفرق الضالة.
الشاهد: أن شيخ الإسلام ﵀ قال لهؤلاء الأشاعرة: أنتم قلتم: إن الكلام هو الكلام النفسي، فالكلام النفسي إما أن يكون خبرًا أو أمرًا أو نهيًا، فالخبر إذا كان نفسيًا فهو العلم، والأمر والنهي إذا كان نفسيًا فهو الإرادة، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون في الحقيقة كلام الله ﷿، وإنما تثبتون العلم والإرادة، وسميتم مجموع العلم والإرادة الكلام النفسي.
فمعنى هذا: أن شيخ الإسلام ﵀ جاء إلى الصفة التي أثبتوها بغير وجهها الصحيح، وقال: إنكم في الحقيقة لا تثبتون صفة من صفات الله اسمها صفة الكلام، وإنما جمعتم العلم والإرادة وسميتم ذلك كلامًا نفسيًا، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون الصفة، وهم يقولون: لا، بل نحن نثبت الصفة، فقال: إذًا: فرقوا لي بين العلم والخبر في الكلام النفسي، وبين الإرادة والأمر والطلب في الكلام النفسي، فما استطاعوا أن يفرقوا بينهما بوجه من الوجوه، وحينئذٍ هذا يدل في الحقيقة أنهم مخطئون.
وهم أرادوا أن ينزهوا الله ﷿ فوقعوا فيما فروا منه من وصف الله بالنقص؛ حيث وصفوه بأنه لا يتكلم أبدًا، والأشاعرة في الحقيقة يقولون: إن القرآن هذا الذي نقرؤه نوعان: نوع معنى، وهذا المعنى هو كلام الله، ونوع ألفاظ وحروف، وهي التي نقرؤها، وهذه عندهم مخلوقة، ولهذا قالوا: إن القرآن الذي بين أيدينا الله ﷿ أعطى المعنى لجبريل ﵇ وجبريل أعطى المعنى لمحمد ﷺ، فبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل جبريل، وبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل محمد ﷺ.
فإذا قيل لهم: كيف أعطى الله ﷿ المعنى لجبريل؟ قالوا: خلق له إدراك هذا المعنى.
إذًا: فهم في الحقيقة توصلوا إلى أن القرآن مخلوق، لكن لا يستطيعون أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، بشكل مكشوف؛ لأن قضية خلق القرآن قضية مشهورة في الفكر الإسلامي، والحديث عنها والصراع بين الإمام أحمد ﵀ وأهل السنة وبين المعتزلة مشهور، فما استطاعوا أن يقولوا بهذا القول.
وهم في الحقيقة وقفوا في مفترق طرق، وقفوا بين قول أهل السنة: إن الكلام صفة، فإذا قلنا: إنه مخلوق، فمعنى هذا: أن المتكلم هو ذلك المخلوق، ففروا من هذا، فقالوا: إذًا: المتكلم هو الله، فجاءوا وقالوا: المتكلم هو الله، فألزمهم المعتزلة بأنكم إذا قلتم: إن المتكلم هو الله فمعنى هذا أن الكلام يحدث شيئًا بعد شيء ويكون هذا دليلًا على حدوث هذه الصفة، فإما أن تبطلوا دليل الحدوث الذي أثبتم به وجود الله، وإما أن تبطلوا صفة الكلام فلا تقولوا: إن الله يتكلم، فقالوا: بل نبطل صفة الكلام، بمعنى: أن يكون الكلام هو الحروف والأصوات، ونثبت أن الكلام هو معنى قائم بالله، فأتوا ببدعة جديدة لا يعرف لها مثال سابق، وأرادوا أن يستدلوا على هذا، فاستدلوا على ذلك بقول عمر عندما ذهب مع أبي بكر الصديق ﵁ إلى سقيفة بني ساعدة: (فزورت في نفسي قولًا).
قالوا: هذا يدل أن حديث النفس يسمى قولًا، فرد عليهم شيخ الإسلام، وقال: هذا باطل: بل هذا الخبر من عمر رد عليكم؛ فإنه فرق بين حديث النفس وبين القول، فقال: زورت في نفسي قولًا، ولو كان حديث النفس هو القول لقال: تكلمت بكذا وكذا، مع أن عمر ﵁ لم يتكلم، بل تكلم الصديق فكفى وأشفى.
فكلمة عمر ﵁ فيها تفريق بين حديث النفس وبين الكلام، وأنتم تعلمون أن حديث النفس ليس فعلًا مستقلًا أو ليس شيئًا -يعني- يستقل، فأنت عندما تحدث نفسك - مثلًا - بأنك ستتكلم بكذا وبكذا وبكذا بعد فترة، ولم يأتِ وقته، هل تقول: إنك تكلمت؟ لا تقول: إنك تكلمت، وهذا معروف في لغة ا
[ ١١ / ٧ ]
الأسئلة
[ ١١ / ٨ ]
عقيدة المعتزلة في كلام الله ﷿
السؤال
ما هي عقيدة المعتزلة في الكلام؟
الجواب
قد ذكرتها، وقلت: إن عقيدة المعتزلة في الكلام هي أنهم يقولون: إن كلام الله ﷿ مخلوق من مخلوقاته وليس صفة من صفاته.
[ ١١ / ٩ ]
صفة المعية بين كونها ذاتية وفعلية
السؤال
هل المعية صفة ذاتية أم فعلية؟
الجواب
المعية العامة: صفة ذاتية، وهي التي تدل على الإحاطة والعلم التام والقدرة التامة، والمعية الخاصة: صفة فعلية؛ لأنها متعلقة بمشيئة الله، وهذا هو ضابط الصفة الفعلية.
[ ١١ / ١٠ ]
الجمع بين اعتقاد حقيقة المعية ونفي مقالة الجهمية أن الله في كل مكان
السؤال
هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟
الجواب
المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة.
إذًا: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطًا لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين.
السؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله ﷿ من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جدًا، منها: إثبات علو الله ﷿ واستوائه على عرشه وتنزيهه ﷾ وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبدًا أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلًا، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.
[ ١١ / ١١ ]
الرد على مدعي تأويل أهل السنة لصفة المعية
السؤال
هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟
الجواب
المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة.
إذًا: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطًا لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين.
السؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله ﷿ من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جدًا، منها: إثبات علو الله ﷿ واستوائه على عرشه وتنزيهه ﷾ وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبدًا أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلًا، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.
[ ١١ / ١٢ ]
دفع شبهة المحتج بقول عمر: (زورت في نفسي كلامًا) على الكلام النفسي
السؤال
يقول الأخ: لو اعترض معترض وقال: قد يكون الكلام بغير صوت وحرف، والدليل أن عمر ﵁ قال يوم المبايعة لـ أبي بكر: (وزورت في نفسي كلامًا)؟
الجواب
هناك فرق بين الكلام وبين التزوير في النفس، هذا الرد الأول.
الرد الثاني: هو أن يقال: إنه لا يصح أن يقال: كلام نفسي في موضع الإطلاق، وإنما يقال: كلام نفسي في موضع التقييد، فهنا قال: زورت في نفسي كلامًا، فنص على النفس، والأصل أنه لا ينسب الكلام إلى النفس؛ فإن النفس ليس فيها كلام.
[ ١١ / ١٣ ]
كلام الناس مخلوق
السؤال
هل كلام الناس مخلوق؟
الجواب
نعم مخلوق؛ لأنهم مخلوقين؛ لأنك إذا قلت: كلام الناس غير مخلوق، هذا شرك؛ لأن معناه: أن كلام الناس صفة من صفات الله! فالموجودات جميعًا خالق ومخلوق، الخالق هو الله بصفاته، والمخلوقات: هي جميع الأشياء الموجودات غير الله ﷿.
[ ١١ / ١٤ ]
بيان امتناع القول بخلق القرآن بحجة كون لفظه مخلوقًا
السؤال
وهل إذا كان الكلام مخلوقًا، يكون القرآن مخلوقًا؛ لأن الناس يتكلمون به؟
الجواب
لا، فنفس القراءة التي يقرأ بها الإنسان مخلوقة، لكن الكلام ينسب إلى قائله الأول، يعني: أنت عندما تأتي إلى قصيدة من المعلقات - مثلًا - ماذا تقول؟ تقول: قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل لو جاءك واحد وقال لك: لا، الذي تقولها أنت، وليس امرأ القيس، فتقول له: أنا أقولها ناقلًا عن امرئ القيس.
فالكلام في أصله ينسب للمتكلم به أولًا، وأما الناقل فلا ينسب له الكلام، وإلا لو كان كذلك، لكان ممكن أن نقرأ كتب ابن تيمية ونقول: هذا تأليفنا، وأصير أنا أقرأ كتاب مثلًا (التدمرية) وأقول: (قلت) وهو في الحقيقة كلام ابن تيمية، فإذًا: الكلام ينسب للمتكلم به أولًا، وأما الناقل له فلا يعتبر كلامه هذا، فنحن عندما نقرأ القرآن صحيح أن أصواتنا مخلوقة، لكن هذا الكلام الذي نقرؤه هو للمتكلم الأول به وهو الله ﷾، وليس كلامنا نحن.
[ ١١ / ١٥ ]
مذهب الأشاعرة والكلابية في تأويل كلام الله ﷿
السؤال
لعل القائل بأن كلام الله هو كلام نفسي قائم بذاته هم الأشاعرة، أما الكلابية فقالوا: بأن كلام الله هو حكاية عن كلامه وليس كلام الله، كما قرأت في شرح الشيخ ابن عثيمين فما تعليقكم؟
الجواب
الأشاعرة والكلابية جميعًا اتفقوا في أن الكلام هو المعنى القائم بذات الله ﷾، ثم لما جاءوا إلى القرآن الموجود، قالت الأشاعرة: هذا حكاية عن الله، وقالت: الكلابية: هذا عبارة عن كلام الله، قالوا: هذا حكاية عن كلام الله، فهؤلاء وهؤلاء قالوا: هذا عبارة عن كلام الله، ثم اختلفوا: عبارة من؟ وحكاية من؟ هل هو عبارة جبريل، أو عبارة محمد؟ على قولين، ولهم في ذلك تفصيلات أخرى.
[ ١١ / ١٦ ]
الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة
السؤال
ما الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة؟
الجواب
مخلوقون، ولو كانت أفعالهم ليست مخلوقة، فمعنى هذا: أنهم من الله، وقلت لكم: الموجودات جميعًا خالق ومخلوق، الخالق: هو الله بصفاته، والمخلوقات هو كل الموجودات، وأي شيء ليس من صفات الله فهو مخلوق، أهم شيء أنه ليس من صفات الله، فإذا كان من صفات الله فليس بمخلوق.
[ ١١ / ١٧ ]
شبهة الجهمية والمعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق
السؤال
بماذا تمسك الجهمية والمعتزلة في قولهم: القرآن مخلوق؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى أصل كلام المعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق، وهو أنهم: عندما ابتدعوا دليل حدوث الأجسام على إثبات وجود الله ﷿ التزموا بهذا الدليل: أن الله ﷿ لا تقوم به الأفعال، وأن الله ﷿ لا يفعل ما يشاء متى شاء! فقالوا إذًا: كل الأفعال مخلوقة، ومنها القرآن، والكلام، فتوصلوا إلى هذه النتيجة، ثم جمعوا من القرآن والسنة ما ظنوا أنه يدل على قولهم، وهو لا يدل، فمثلًا بعضهم يستدل بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، قالوا: ما دام أنه خلق كل شيء، فمن ذلك القرآن! وهذا كلام باطل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فعندنا: (الله) هو الخالق، و(كل شيء) هو المخلوق، فالله ﷿ المقصود به: الله ﷿ وصفاته، يعني: إذا قيل: (الله) فهو بصفاته ﷾، ومن صفاته الكلام، والقرآن من كلامه ﷾، فالقرآن ليس داخلًا في كل شيء، وإنما هو تابع لكلمة (الله) وليس داخلًا في كل شيء، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن الله ﷾ أخبر بقوله: (كل) عن الأغلب والأعم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، هذا يدل على أن مساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء) وهكذا.
[ ١١ / ١٨ ]
كيفية معاملة أهل البدع
السؤال
يقول: كثيرًا ما نسمع من حديثكم عن الفرق أنهم كانوا يريدون بكلامهم هذا تنزيه الله، فوقعوا فيما وقعوا فيه، فكيف يعاملون من قبل الناس؟ بل كيف يعاملهم الله؟ هل على نياتهم أم على ما اقترفوا وأضلوا به الناس؟
الجواب
أما كيف يعاملهم الناس؟ فمعاملتهم هي كمعاملة أهل البدع، بحسب بدعهم؛ لأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، فالتي أصحابها يتبنون البدع المكفرة هؤلاء لا شك أنهم ضلال منحرفون، يجب الرد عليهم، ولا يجوز الصلاة خلفهم، ولا يتعامل معهم بتعامل المسلمين.
وأما أصحاب البدع غير المكفرة وهم الذين عندهم تأول أو تشوبهم شائبة التأول، فمثل هؤلاء يرد عليهم ويبين باطلهم، ويضللون ويبين انحرافهم، لكن يعاملون معاملة المسلمين إلا إذا بان كفر أحدهم، وإلا يعامل معاملة المسلمين.
وأما مسألة الصلاة خلف أحدهم، أو هجرانه فهذه مبنية على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قاعدة: المصالح والمفاسد، فإذا كانت هناك مصلحة من هجرانه، أو ترك السلام عليه أو ترك الصلاة خلفه، أو نحو ذلك فيعملها الإنسان لصالح المسلمين، وإن لم يكن هناك مصلحة في ذلك فلا تعمل، وتبقى له حقوق المسلمين.
[ ١١ / ١٩ ]
القرآن صفة من صفات الله ﷿
السؤال
كيف يكون القرآن صفة من صفاته سبحانه؟
الجواب
القرآن مصدر قرأ، وهو من القراءة، وهو كلام الله ﷿، وكلام الله صفة من صفاته، فمن هنا كان القرآن صفة من صفاته.
[ ١١ / ٢٠ ]
تكلم الله ﷿ في أمره بالكوارث والزلازل
السؤال
حدوث الكوارث والزلازل حاليًا هل تكلم الله بها حاليًا؟
الجواب
تقصد: هل أمر الله بها؟ إن قصدت ذلك فنعم أمر الله ﷿ بها، فإنه يأمر في كل وقت بما يشاء، ولهذا يكون له كلام الآن، وقد كان له كلام من قبل، وسيتكلم يوم القيامة، وقوله لآدم: (يا آدم! قال: لبيك، قال: أخرج بعث النار)، هذا لم يكن الآن، ولم يكن سابقًا، وإنما سيكون يوم القيامة.
[ ١١ / ٢١ ]