يتصل بالإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة مسائل عقدية عديدة، ومن جملتها: حكم إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، وما يعتقد في رؤية الله تعالى في الدنيا بالعين الباصرة، لا سيما ما وقع للنبي ﷺ، ورؤيته تعالى بعين القلب، ورؤيته تعالى في المنام، ورؤية الكافرين والمنافقين ربهم يوم القيامة، وغير ذلك من مسائل الرؤية.
[ ١٤ / ١ ]
حكم إنكار رؤية الله ﷿ يوم القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فإن إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷾ يوم القيامة وفي الدار الآخرة من المسائل التي اتفق عليها أهل العلم، وأجمعوا عليها، وهي كذلك مما دل عليه القرآن الكريم، وتواترت النصوص الشرعية وأحاديث النبي ﷺ فيها.
وإنكار رؤية الله ﷿ يوم القيامة أو في الدار الآخرة كفر مخرج عن الإسلام، فإذا كان صاحب هذا الإنكار جاهلًا فيعلم وتبين له الأدلة وتوضح من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ، فإن أبى ورفض وأعرض كفر وخرج من الإسلام؛ لأنه أنكر ما أجمع عليه أهل الإسلام، وما دل عليه القرآن الكريم وتواتر في السنة النبوية، وإنكار ذلك تكذيب للوحيين، وهو كفر يخرج عن الإسلام، كما نص على ذلك أهل العلم.
[ ١٤ / ٢ ]
معتقد أهل السنة في رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا
ومن المسائل التي بحثها العلماء فيما يتعلق بالرؤية: رؤية الله ﷿ في الدنيا بالعين.
فرؤية الإنسان لله ﷿ في الدنيا بعيني رأسه غير حاصلة بالنسبة لعامة المسلمين والمؤمنين.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله ﷿ لا يُرى في الدنيا بالعين واستدلوا على ذلك من القرآن ومن السنة.
فمما جاء في القرآن: قول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية تدل على أن الله ﷿ لا يُرى في الدنيا بالعين التي تكون في الرأس.
ووجه الدلالة من ذلك: أن موسى طلب الرؤية في الدنيا، عندما كلمه ربه فطمع في رؤيته، فطلب هذا الطلب، وهذا يدل على أن الله ﷿ يمكن أن يرى، وهي من الأدلة التي استدل بها أهل السنة على: أن الله ﷿ يمكن أن يرى وقد قال الله ﷿: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
فبين أنه لا يراه الإنسان في الدنيا بالعين الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣].
ومما يدل على ذلك أيضًا: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت)، فقوله: (حتى يموت)، يعني: في الدنيا، فلن يرى الإنسان الله ﷿ في الدنيا بعينه حتى يموت، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.
وهذه المسألة مما اتفق عليها أهل السنة والجماعة، وخالف فيها الصوفية، فإنهم قالوا: إنه يمكن أن يرى الله ﷿ في الدنيا، ولهم حكايات وقصص يروونها في كتبهم على أنها من الكرامات، وأن بعض أوليائهم رأوا الله ﷿، وهذه كلها من الخرافات والأباطيل التي يرويها الصوفية في العادة.
[ ١٤ / ٣ ]
الخلاف في رؤية الرسول ﷺ ربه في الدنيا بعينه
وأما بالنسبة لنبينا محمد ﷺ فقد اختلف أهل السنة في رؤيته لربه في الدنيا بعينيه حقيقة، فروي عن ابن عباس أنه قال: (إن النبي ﷺ رأى ربه).
وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟!).
وروي عن بعض الصحابة أنهم أنكروا أن يكون رسول الله ﷺ رأى ربه بعينيه التي في رأسه، ومنهم عائشة ﵂ عندما سئلت: هل رأى رسول الله ﷺ ربه بعينيه؟ فقالت: لقد وقف شعري مما قلت، أو قالت -كما في رواية أخرى-: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية.
يعني: الكذبة.
والتحقيق في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه التي في رأسه على الصحيح، وما روي عن ابن عباس من إثبات رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه روي مطلقًا ومقيدًا، فالرواية المطلقة قوله: (إن النبي ﷺ رأى ربه)، وأما المقيدة فقوله: (إنه رآه بقلبه).
والقاعدة هي: أنه إذا وردت نصوص مطلقة ونصوص مقيدة، فإنه يحمل المطلق على المقيد.
فيكون معنى رأى ربه بهذا الإطلاق: رأى ربه بقلبه، كما في الرواية المقيدة.
فالصحيح في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير الله ﷿ بعينيه في الدنيا.
وما روي عن ابن عباس فيها يحمل المطلق فيه على المقيد، وهذا هو تحرير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه المسألة، وهو تحرير رائع وممتاز، وفيه جمع للأقوال، فيصبح حينئذ الخلاف في هذه المسألة خلافًا لفظيًا، وإذا وجد خلاف حقيقي في هذه المسألة فهو من الخلاف الذي يعذر الإنسان فيه.
والخلاف ينقسم إلى قسمين: خلاف تنوع، وخلاف تضاد.
وخلاف التضاد ينقسم إلى قسمين: خلاف تبنى عليه الموالاة والمعاداة: مثل الخلاف في أصول العقائد، وما أجمع عليه أهل السنة.
وخلاف يعذر صاحبه ويؤجر عليه إذا كان مخطئًا أجرًا واحدًا، أو يكون له أجران إذا كان مصيبًا، كما في قاعدة: المجتهد المخطئ والمصيب، وهي معروفة.
[ ١٤ / ٤ ]
المعتقد في رؤية الله ﷿ بالقلب
وأما مسألة رؤية الله ﷿ بالقلب في الدنيا، فقد صح عنه ﷺ أنه رأى ربه بقلبه، وهو ثابت عن ابن عباس كما في صحيح مسلم أنه قال: (رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه).
وفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (رآه بفؤاده مرتين).
وأما الرواية التي فيها: (أن النبي ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصرة ومرة بفؤاده)، فلا تصح، وهي معارضة لما ثبت في صحيح مسلم: (أنه رأى ربه بفؤاده مرتين).
ومعنى رؤية النبي ﷺ لربه بقلبه: أن الله ﷾ جعل في قلبه بصرًا يرى ربه به حقيقة، وهذا ما ذكره شراح هذا الحديث.
وأما رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا: فإن الصحابة والتابعين والأمة من بعدهم على جواز رؤية المؤمنين لربهم بقلوبهم، وأنها جائزة وواقعة، وأنها ليست لكل أحد، وإنما تكون لبعض الناس، وهذه الرؤية تكون بالقلب لبعض المؤمنين، وهي ليست رؤية لذات الرب وصفاته حقيقة، وليس المرئي بقلب الإنسان هو نفسه الرب تعالى، ولهذا تختلف الرؤية القلبية عن بعض المؤمنين من شخص لآخر.
وقد بحث هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأشار إليها عند حديثه عن الكشوفات في المجلد الخامس من الفتاوى صفحة (٢٥١)، فقال: [ومن رأى الله ﷿ في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنه، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة، والمشاهدات التي قد تحصل لبعض العارفين -يعني: الأولياء والصادقين- في اليقظة كقول ابن عمر لـ ابن الزبير لما خطب إليه ابنته في الطواف: أتحدثني في النساء ونحن نتراءى الله ﷿ في طوافنا؟! وأمثال ذلك، إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود، لكن رؤية النبي ﷺ لربه فيها كلام ليس هذا موضعه، فإن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين.
فالنبي ﷺ مخصوص بما لم يشركه فيه غيره، وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعًا لا ينحصر].
فمقصود شيخ الإسلام ﵀: أن الإنسان عندما يكون مؤمنًا بالله ﷿ إيمانًا عظيمًا، ويكون قلبه قريبًا من الله ﷾ فإنه يشعر في قلبه بقرب عظيم من الله ﷿، ويوضح ذلك حديث جبريل الطويل الثابت في الصحيحين: فإنه لما سأله عن الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه)، المقصود: رؤية القلب، يعني: استحضار مراقبة الله ﷿ وعظمته، وأسمائه وصفاته في القلب استحضارًا عظيمًا، يشبه الرؤية الحقيقية بالعين.
وليس هو رؤية حقيقية ولكنه يشبهه، وهذه تحصل عند خواص المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويجتهدون في تطبيق الأوامر الشرعية، ويحذرون من المناهي، حتى يرتفع إيمانهم إلى درجات عالية جدًا، فيحصل عندهم هذا الشعور، وهذه الرؤية القلبية، وليست هي رؤية حقيقية لصفات الله ﷾، بل الله ﷿ له المثل الأعلى في السماوات والأرض، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
يقول شيخ الإسلام: [وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله].
يعني: هو عبارة عن مثل، وأن الإنسان عندما يعبد الله ﷿ كأنه يراه، ويشعر بقرب عظيم من الله ﷿ إلى درجة أن تنكشف في قلبه معرفته بربه، فيحصل لقلبه مثال، فهذا المثال هو مثال علمي، وليس مثالًا حقيقيًا يراه بعينه.
وهذا المثال العلمي هو نوع من القرب ونوع من الإحسان الذي يكون في قلب الإنسان.
قال شيخ الإسلام ﵀: [بل الخلق في إيمانهم بالله وكتابه ورسوله متنوعون، فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته، مع اشتراكهم في الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، فهم متنوعون في ذلك متفاضلون، وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بعضًا من أمور الغيب هو كذلك، بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات، وهم متنوعون في الرؤية والسماع، فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للآخر، حتى قد يختلفون ويثبت هذا ما لم يثبته الآخر.
فكيف فيما أُخبِروا به من الغيب؟!!].
فهذه الرؤية التي نثبتها ليست رؤية حقيقية لذات الله ﷾ وصفاته.
[ ١٤ / ٥ ]
خلاف الصوفية لأهل السنة في دعوى رؤيتهم لله تعالى بقلوبهم على الحقيقة
وهذه المسألة يخالفنا فيها الصوفية، فالصوفية يقولون: إننا نثبت رؤية الله ﷿ بالقلب حقيقة.
ويقولون: إنهم يرون بقلوبهم صفات الله ﷿ على الحقيقة.
وهذا لا شك أنه كلام باطل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧].
ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
[ ١٤ / ٦ ]
المعتقد في رؤية الله في المنام
وأما مسألة رؤية الله في المنام، وهل يمكن للإنسان أن يرى الله في المنام؟ فقد اتفق الصحابة والتابعون على جواز ذلك ووقوعه، وقد وقع ذلك للرسول ﷺ، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى، ففي حديث اختصام الملأ الأعلى قال النبي ﷺ: (رأيت ربي في أحسن صورة).
والرواية التي توضح أن الرؤية منامية هي رواية معاذ بن جبل، فهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ أكثر من صحابي، وفيه كلام كثير لأهل العلم في صحته.
والصحيح: أن هذا الحديث صحيح وثابت عن النبي ﷺ، ومن أراد التطويل والاستزادة في هذا الموضوع ومراجعة أقوال أهل العلم فيه فليراجع كتاب ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرح هذا الحديث، بتحقيق الأستاذ جاسم الفهيد الدوسري، فقد أطال في تخريجه إطالة كبيرة.
ورواية معاذ بن جبل هي أنه قال: (احتبس لنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فَثَوّبَ بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم انفتل إلينا فقال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قُدِّر لي، فنعست فاستَثقَلتُ، أو فاستُثقِلتُ فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: ربِ لبيك، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟) إلى آخر الحديث، وهو حديث طويل وفي قوله: (فنعست)، وقوله: (استُثقِلت، أو استَثقَلت)، وقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة)، ما يدل على أن هذه الرؤية رؤية منامية، والرؤية المنامية قريبة من الرؤية القلبية، والإنسان بحسب طاعته وخوفه من الله ﷿ وتقواه وإيمانه وإخلاصه وإحسانه قد يرى في النوم صورًا وأحوالًا، وهذه الصور والأحوال ليست هي حقيقة ذات الله وصفاته؛ لأن الله كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وكما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]، وهذه الرؤى والأحوال التي يراها وهو نائم تعبر عن إيمانه، ويشعر في قلبه وهو نائم أن هذا هو ربه، وليس هو الله ﷿ حقيقة، ونحن نعلم أن الإنسان في النوم وكِّل به ملك من الملائكة يضرب له الأمثال، فما يراه الإنسان في منامه هي عبارة عن أمثال تُضرب له، ولهذا كان تعبير الرؤى مقبولًا، وقد أفرد البخاري ﵀ في صحيحه كتاب: تعبير الرؤى، وقد عبّر النبي ﷺ كثيرًا من المنامات لأصحابه، وهو القائل: (رأيت في النوم أن الناس يُعرضون عليّ وعليهم قمص، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: بم عبّرت ذلك؟ قال: عبّرته بالدين).
فهذا مثال يُضرب للإنسان وهو نائم بمعنى من المعاني، وقد يكون في بعض الأحيان أضغاث أحلام، فالإنسان كما ثبت عن النبي ﷺ وكِّل به ملك وشيطان، وللملك لمّة وللشيطان لمّة، سواء في حال يقظته، أو في حال منامه، فما كان من الرؤى التي لها معنى صحيح ودلالة صحيحة فهي من الملك، وهي عبارة عن ضرب أمثال، وما كان من أضغاث الأحلام فهي من الأحلام.
ولهذا ليس كل ما يراه النائم تكون رؤيا ولها تعبير، فقد يكون أضغاث أحلام، وقد يكون المنام في بعض الأحيان له معنى وتعبير.
فالإنسان في نومه لا يرى حقيقة الله ﷿ وحقيقة صفاته، وإنما يضرب له المثل ويشعر في قلبه أن هذا هو الله، ويراه في صور مختلفة، وقد يرى فلان بن فلان صورة، ولا يرى فلانًا، وليس بالضرورة أن كل إنسان يُضرب له هذا المثل، وقد ينقل عن بعض العلماء أنه قال: رأيت الله في المنام فقمت وقال لي، فليس المقصود بهذا أنه رأى الله ﷿ بذاته وصفاته حقيقة؛ فالله ليس كمثله شيء، وإنما رأى شيئًا في المنام في صورة معينة ضربها له الملك بحسب إيمانه، فيشعر في قلبه أنها الله، وليست هي الله ﷾ حقيقة.
فينبغي ملاحظة هذه القضية، فالنائم مثلًا يرى في نومه أنه يتكلم ويصيح ويُضرب أو يَضرِب ويفعل الفعل ويقوم ويتنقل ويسافر ويهاجر ويأتي هنا وهناك، وهو في الحقيقة لم يتكلم، بل لسانه صامت ولم يسمع شيئًا بإذنه الحقيقية، وإنما هي ضرب أمثال.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى في المجلد الثالث صفحة (٣٩٠): [وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق].
فمثلًا: في كتاب (مناقب الإمام أحمد) لـ ابن الجوزي يذكر الإمام أحمد فيه: أنه رأى ربه في المنام، وقد يستعظم هذه المسألة بعض الناس و
[ ١٤ / ٧ ]
موضع الرؤية الحقيقية بالعين الباصرة
والرؤية بالعين الحقيقية تكون بعد الموت وفي مكانين: المكان الأول: يوم القيامة.
والمكان الثاني: في الجنة.
وقد ثبتت في ذلك أحاديث صحيحة، ويمكن مراجعتها في صحيح البخاري، كتاب: التوحيد كحديث أبي هريرة وفيه: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: نعم، سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته).
ثم ساق حديثًا طويلًا فيه الكلام على الحشر والشفاعة.
وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بهذا المعنى.
وهي أحاديث طويلة في صحيح البخاري.
[ ١٤ / ٨ ]
الخلاف في رؤية المنافقين والكفار ربهم في عرصات يوم القيامة
وقد اختلف أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله ﷿ يوم القيامة، وأما في الجنة فلا يمكن أن يروه؛ لأنه لا يدخل الجنة كافر ولا منافق.
فالجنة متفق على أنه لا يراه فيها إلا المؤمنون وأما في عرصات يوم القيامة في المحشر فقد اختلف أهل العلم: هل الكفار والمنافقون يرون الله ﷿ يوم القيامة أو لا؟ وأما المؤمنون فإنه متفق عليه بين أهل السنة أيضًا أنهم يرونه يوم القيامة، وهذا الخلاف هو خلاف فقهي أيضًا، كمسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا، وهو خلاف لا يترتب عليه قطيعة ولا معاداة ولا خلاف شديد.
وقد اختلف أهل البحرين في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
واختلفوا فيها اختلافًا شديدًا وصارت بينهم قطيعة وبغضاء، حتى إنهم كادوا يقتتلون بالسيوف، فأرسلوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفتونه في ذلك؟ فكتب لهم رسالة فيها، وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام التي جمعها ابن قاسم في المجلد السادس، بعنوان: رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
وقد تحدث شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة عن كيفية التعامل مع الخلافات؟ وقال ﵀: إن الخلافات التي تحصل في مسائل الدين تنقسم إلى قسمين: * خلافات يترتب عليها الكفر أو البدعة وهذه هي الخلافات التي يكون فيها حرب بين أهل السنة وأهل البدعة، ونحن نتكلم على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والصوفية من هذا الباب.
وخلافات يحتملها الاجتهاد، مثل الخلاف في المسائل الفقهية، فالعلماء كما نلاحظ يختلفون في الإفتاء.
ومن الخلاف الذي يحتمل الاجتهاد: الخلاف في هذه المسائل، وكتب لهم رسالة علمهم فيها كيفية التأدب مع هذه المسائل؟ وقال: إن هذه المسائل من فروع المسائل، التي لا يترتب عليها كفر ولا بدعة، وقد اختلف فيها علماء السنة، ورأى بعضهم أن الكفار قد يرون الله يوم القيامة، وذكر شيخ الإسلام في هذه الرسالة الأمور التي اتفق عليها المختلفون، والأمور التي اختلفوا فيها.
فالمختلفون في رؤية الكفار لله ﷿ يوم القيامة ونفيها متفقون على عدة أمور: * أولًا: اتفقوا على أن هذه الرؤية ليست رؤية لذة ونعيم وراحة وطمأنينة، بل إنهم يقولون: إنها رؤية عذاب؛ لأن الله ﷾ يريهم نفسه ثم يحتجب عنهم، وفي ذلك أشد أنواع العذاب، هكذا قالوا.
* ثانيًا: اتفقوا أيضًا على أنهم بعد الانتهاء من الحشر لا يرون الله ﷿، وإنما يكونون من أهل الجحيم، والعياذ بالله.
واختلفوا هل يرونه بأعينهم في الحشر، حتى ولو كان في هذا عذاب لهم؟ واختلافهم مبني على فهم الأدلة، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما ظاهره أن الله ﷿ يأتي الناس يوم القيامة فيرونه، يعني: يراه الكفار والمنافقون والمؤمنون، وهذه النصوص التي ظاهرها أنهم يرونه أشكلت على الذين أثبتوا رؤية الكفار لله ﷿ يوم القيامة، وبناءً على هذا قلنا: إن هذه المسألة ليست من المسائل التي يعنّف فيها المخالف، ولا من المسائل التي تعتبر من أصول الدين.
ومثل هذه المسائل: كرؤية الله ﷿ بالقلب، أو كرؤية الله ﷿ في الدنيا لا تعرض لعامة الناس الذين لا يفقهون العلم ولا يدرون ما هو، وإنما تعرض لطلاب العلم الذين يدرسون العلم ويتفهمون معانيه، وإذا أشكل على أحدهم شيء سأل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه المسائل لا تعرض للعامة، بحيث أنها تضطرهم إلى الإنكار وإلى التشنيع.
والصحيح في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة: أنهم لا يرون الله يوم القيامة، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
ومما يدل على ذلك أيضًا: أن الرؤية سماها الله ﷿ زيادة ومزيدًا، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فلو أن الكفار والمنافقين يرون الله ﷿ يوم القيامة لما كان لاختصاص المؤمنين بالمزيد معنى، فلما اختص المؤمنين بالمزيد دل هذا على أنهم لا يرونه، وأوضح ما يدل على أنهم لا يرونه عموم قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
[ ١٤ / ٩ ]
المعتقد في رؤية النساء لله ﷿ في الجنة
ومن المسائل التي يبحثها أهل العلم في مسألة الرؤية أيضًا: مسألة: هل النساء يرين الله ﷿ في الجنة إذا دخلنها أولًا؟ والصحيح من أقوال أهل العلم هو: أن النساء يرين الله ﷿ في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهن.
وقد يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، الذين: صيغة مذكر، فلا تدخل النساء فيها؟ فنقول: إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله ﷾ عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢].
والقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم، فلو قيل: إن القانتين جمع مذكر سالم، فكيف يدخل المؤنث فيه؟! قلنا: هذا هو ما دل عليه النص، والقرآن جاء بلغة العرب، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فهذا يدل على أن المؤمنات يدخلن في النصوص التي جاءت بصيغ المذكر، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ونحو ذلك من النصوص.
[ ١٤ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ١٤ / ١١ ]
انتفاء الإحاطة بالله ﷿ في رؤيته
السؤال
هل قول الله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: أننا نرى وجه الله فقط، ولا نرى غير الوجه؟
الجواب
نحن لا نتصور صفات الله ﷿ أصلًا، ولا نعرف ماهيتها، ولا نتصور أنه على شكل الإنسان، وهو سبحانه له وجه ويدان، ولا نعرف الكيفية، وصفاته ليست مثل صفات الخلق، وإنما تختلف، وأما معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فمعناه: أنه لا يمكن أن تحيط به، فالأبصار يمكن أن تدرك إنسانًا، ولكن الله ﷿ لا يمكن أن تحيط به من كل مكان.
مثل علمنا بالله ﷿، فنحن نعلم أن لله صفات وأسماءً، ولكن لا نحيط به علمًا، فكذلك إذا رأينا الله، وسنراه حقيقة، ولكن لا نحيط به رؤية، ولا نتخيل تكييفًا لذلك؛ فإن تخيل التكييف خطأ وباطل.
[ ١٤ / ١٢ ]
الموقف من قول: (طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله)
السؤال
ما صحة هذا القول، وهل هو من حديث رسول الله: طُمس بصري في بصيرتي فرأيت الله؟
الجواب
مثل هذه الكلمات الغامضة نستعمل معها ما نستعمل مع المصطلحات، فنسأل عن مقصود صاحبها، فإذا كان يقصد معنىً صحيحًا قلنا: هذا معنىً صحيح، ولكن استعمل له أسلوبًا واضحًا، وإذا كان المعنى باطلًا رددناه، وإذا كان المعنى مختلطًا بين الصحيح والباطل صححنا الحق وأبطلنا الباطل، ومنعناه من هذا الكلام المجمل المحتمل للحق والباطل، فقوله: طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله، معنى مجمل له عدة معان.
[ ١٤ / ١٣ ]
دلالة قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) على رؤية ساق الله يوم القيامة
السؤال
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، ألا تدل هذه الآية على رؤية ساق الله يوم القيامة؟
الجواب
بلى، هذه الآية مع حديث أبي سعيد الخدري تدل على رؤية ساق الله ﷾ يوم القيامة، كما يليق بجلاله، بدون أن يتخيل الإنسان ساقًا معينة، أو صورة معينة؛ لأن هذا التخيل باطل.
[ ١٤ / ١٤ ]
حقيقة رؤية الله تعالى في الدنيا
السؤال
عندما كنت صغيرًا رأيت الله تعالى، فهل هذا من الشيطان أم هو حقيقة؟
الجواب
هذا كلام مجمل، فإذا كنت تقصد بالعين المجردة فهذا شيطان، وأما إذا كنت تقصد في النوم فقد يكون هذا من ضرب المثل الذي أشرنا إليه، والأمثال التي تضرب في النوم أو في القلب ليست هي الله حقيقة.
[ ١٤ / ١٥ ]
نظرة في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد
السؤال
ما رأيك في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد؟
الجواب
كتاب رؤية الله للدكتور أحمد الحمد لا بأس به في الجملة، والكاتب من أهل السنة ومعروف، ولكن كثيرًا من المسائل تحتاج إلى تحرير أكثر.
[ ١٤ / ١٦ ]
معنى المكاشفة
السؤال
ما معنى مصطلح المكاشفة؟
الجواب
كلمة مكاشفة وكشف يمكن أن يكون معناها صحيح، ويمكن أن يكون معناها باطل، والصوفية يستخدمونها بالمعنى الباطل، وأما المعنى الصحيح للكشف فهو: اكتشاف الشيء الجديد، وقد يكون هذا الكشف علميًا، وقد يكون عمليًا.
[ ١٤ / ١٧ ]