أثنى الله تعالى على نفسه في كتابه الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن جملة ذلك وصفه تعالى لنفسه في آية سورة الحديد بكونه الأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ذلك مما يدل على صفات كماله ونعوت جماله، كما فسره النبي ﷺ وبينه، ومن جملته وصفه تعالى نفسه بصفة العلم الشامل لكل شيء، وما تضمنته هذه الآية العظيمة هو ما يعتقده أهل السنة خلافًا للمنحرفين من الفلاسفة ونحوهم.
[ ٤ / ١ ]
ما تضمنه قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) من صفات الله ﷿
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].
هذه الآية تشتمل على خمس صفات: الصفة الأولى: الأولية، الصفة الثانية: الآخرية، الصفة الثالثة: الظاهرية، الصفة الرابعة: الباطنية، الصفة الخامسة: العلم.
[ ٤ / ٢ ]
معنى اسم الله تعالى (الأول) وما يؤخذ منه من الصفات
قوله تعالى: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ»، هذه من أسماء الله ﷾، وأحسن تفسير لها هو ما ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).
فهذا الحديث مفسر للآية، فاسم الله ﷿ الأول يؤخذ منه صفة الأولية، وقد سبق أن قررنا قاعدة مشهورة عند أهل العلم وهي: أن كل اسم من أسماء الله ﷿ متضمن لصفة من الصفات.
والدليل هو: قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن كل اسم من أسماء الله مشتمل على صفة: أن الحسنى هي البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا كان لها معان حسنة ومدلولات عظيمة، فلو كانت أسماء مجردة لا معاني لها، وأعلامًا محضة؛ فإنها لا تكون حسنة ولا توصف بالحسن، فلما وصفت بالحسن علمنا أن هذه الأسماء تتضمن معان وصفات، فإذا جئنا نطبقها على آية الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ» نأخذ من اسمه الأول صفة الأولية، ومعناه كما فسره الرسول ﷺ في الحديث: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) ففسره بأنه الذي لا شيء قبله، ومعنى الأول: الذي لا يوجد له بداية يبتدئ منها.
[ ٤ / ٣ ]
خطأ أهل الكلام في تسمية الله ﷿ بالقديم
وأهل الكلام جعلوا لله ﷿ اسمًا وهو القديم، وهذا الاسم الذي يرددونه دائمًا: القديم والأزلي لا يصح أن يكون اسمًا لله ﷾؛ لأن القِدم نوعان: قدم مطلق وقدم نسبي، فالقدم المطلق هو الذي ليس له بداية، وهذا هو معنى الأول، وأما القدم النسبي فإنه الذي مضى عليه زمن طويل في القدم، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] يعني: من طول المكث وطول الزمان.
وهناك قاعدة ذكرها ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: أن الصفة التي تنقسم إلى معنيين أحدهما حسن والآخر غير حسن فإنه لا يصح أن تطلق على الله ﷿، ولهذا لا يصح أن يسمى الله ﷿ بالقديم، وإن كان يصح أن يخبر عنه بالقديم والأزلي، وسبق أن باب أسماء الله ﷿ وصفاته توقيفي، وأما باب الإخبار عنه فإنه يصح بكل معنى صحيح عن الله ﷾، بشرط أن يكون هذا المعنى قد دلت عليه الأدلة.
إذًا: الأول هو الذي ليس قبله شيء، وليس له بداية ﷾.
[ ٤ / ٤ ]
معنى أسماء الله: الآخر والظاهر والباطن
«وَالآخِرُ» هو الذي ليس بعده شيء، وليست له نهاية هذا من جهة الزمان.
قوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)، وهذا يدل على صفة العلو، وسيأتي الحديث عن صفة العلو في حديث مستقل.
(وأنت الباطن فليس دونك شيء)، ومعنى الباطن: القريب من كل شيء في علمه وقدرته ﷾، وسيأتي أيضًا الكلام بإذن الله تعالى عن صفة القرب لله ﷾.
ونلاحظ أن هذه الأسماء الأربعة زمانية ومكانية، فأما الزمانية فهي: الأول والآخر، وأما المكانية فهي: الظاهر والباطن.
[ ٤ / ٥ ]
ضلال الفلاسفة ومن وافقهم في قولهم بقدم العالم
لا توجد طائفة من الطوائف تنكر أن الله ﷿ هو الأول، لكن يوجد من الطوائف من يجعل مع الله ﷾ من مخلوقاته قرينًا له في الأولية، فيشرك في هذه الصفة، وهم الفلاسفة -قبحهم الله- الذين يقولون بقدم العالم، فإنهم يقولون: إن الإله علة موجبة تقتضي معلوله، فلما كان الإله لا أول له ولا بداية، وهو علة موجبة تقتضي معلولها، كان معلولها أيضًا لا بداية له، فاعتقدوا أن هذا الخلق قديم أزلي أول، كما أن الله ﷿ هو الأول، ويقولون: إنها نتجت عن الله ﷿ وصدرت عنه صدور المعلول عن علته بدون إرادة، ولهذا كفرهم السلف رضوان الله عليهم.
وممن يقول بهذا القول: ابن سينا -قبحه الله- وهو من الفلاسفة، فإن الفلاسفة ينقسمون إلى قسمين: الفلاسفة اليونانيون، والفلاسفة الإسلاميون، وهم ليسوا بمسلمين، لكن ينسبونهم إلى الإسلام؛ لأنهم ينتسبون إليه.
فالفلاسفة اليونانيون هم أرسطو وأفلاطون وبعضهم من الأطباء مثل أبقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين، وقد تكلموا عن شيء سموه الميتافيزيقيا، وهو ما وراء الطبيعة.
والفلاسفة كانوا يتكلمون عن الكون والإله بالظن، وليس عندهم أدلة من الرسل الكرام، ولذا فإن الفلاسفة لم يتبعوا نبيًا من الأنبياء، وإنما أرادوا التوصل إلى الإله بمجرد عقولهم، فاخترعوا هذه المقولات التي من ضمنها أن هذا العالم قديم قدم الإله الذي صدر عنه، وهذا كفر بالله رب العالمين؛ لأن الأولية المطلقة هي لله ﷾.
ثم إنهم جعلوا في العالم نفس خصائص الإله، وهذا شرك بكل الاعتبارات شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات، ولهذا قابلهم المشتغلون بعلم الكلام فقالوا: إن الحوادث لها أول، ويقصدون بالحوادث: المخلوقات التي حدثت بعد أن لم تكن موجودة، فقالوا: إن لها بداية ولها منشأ، وقالوا: إن الله ﷿ قبل أن يخلق هذه المخلوقات كان معطلًا عن العمل ثم عمل، فجاءوا ببدعة جديدة، وهكذا أهل البدعة يردون البدعة ببدعة مثلها.
لما ظهرت الخوارج وكفروا أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن سار على نهجهم ظهر الإرجاء كرد فعل للخوارج، وهكذا لما ظهرت القدرية الذين يمحون القدر جاءت الجبرية كرد فعل لهم فجعلوا العبد كالريشة في مهب الريح.
ولما ظهرت المعطلة الذين ينفون الصفات ظهر من المثبتة من يشبه الله ﷿ بخلقه، وهكذا أهل البدع يبنون عقائدهم على ردود الأفعال، ولا يميزون العقائد بالنصوص الشرعية كما هي طريقة أهل السنة والاتباع.
أقول: لما جاء الفلاسفة بهذه المقالة الكفرية، وهي: أن العالم أول مع الله ﷿، وأنه قديم مع الله ﷿؛ ظهر أهل الكلام كرد فعل للفلاسفة، وقالوا: إن الحوادث لها أول، فلما قيل: إذا كانت الحوادث لها أول هل الله ﷿ كان يعمل قبل هذه الحوادث؟ قالوا: ما كان يعمل قبل هذه الحوادث، وهو معطل عن الفعل والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه ضلال وانحراف.
والصحيح: أن الله ﷾ هو الأول ليس له بداية، وهو فعال لما يريد، فهو ﷾ ليست له بداية، وهو يخلق ﷾ في أي وقت، ولم تتعطل صفاته كما يزعم أهل الكلام.
ولا يعني هذا أن العالم قديم؛ لأنه مخلوق، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق، وأولئك سووا بين المخلوق والخالق، فلاشك أنهم كفار.
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح هذه القضية في منهاج السنة النبوية.
[ ٤ / ٦ ]
الفرق بين آخرية الله وآخرية الجنة وأهلها
(وهو الآخر فليس بعده شيء)، ومع أن الجنة والنار تبقيان ولا تفنيان، ومع أن العباد في الجنة يبقون ولا يفنون، لكن آخرية الرب ﷾ تختلف عن آخرية الجنة، وآخرية العباد الذين فيها.
ووجه الاختلاف: أولًا: أن الله ﷾ هو الآخر، وهو كامل في آخريته، وأما الجنة ومن في الجنة فإن آخريتهم مخلوقة بفعل الله ﷿، وأنتم تعلمون أن هناك فرقًا بين الخالق والمخلوق.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن آخريتهم ناقصة بما يتضمنه المخلوق من النقص المعتاد المعروف، فإنه ناقص حتى ولو كان ليس له نهاية كما هو حال الجنة وحال من فيها.
وبهذا يتضح أن الله ﷿ ليس كمثله شيء، وأنه الأول ولا بداية له، وأنه الآخر ولا نهاية له ﷾، وهذا من كماله ﷾، ومن كمال صفاته.
[ ٤ / ٧ ]
إثبات صفة العلم وبيان أدلتها وما يتعلق بها
أما قوله: «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»، فهذه هي صفة العلم، وقد ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تدل على هذه الصفة، منها قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]، ومنها: قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
فهذه الآيات وغيرها الكثير في القرآن الكريم تدل على صفة العلم لله ﷾، والله ﷿ اسمه العليم، والعالم، والعلام.
والعليم ورد في القرآن أكثر من مائة وخمسين مرة، وأسماؤه: العليم والعالم والعلام تتضمن صفة العلم له ﷾.
[ ٤ / ٨ ]
الأدلة العقلية على إثبات صفة العلم
ويدل على صفة العلم العقل والشرع، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي على هذه الصفة العظيمة، وهي صفة ذاتية عقلية لا تنفك عن الله ﷿، وليست متعلقة بالمشيئة، وعقلية لدلالة العقل عليها، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي عليها.
مثال ذلك: قول الله ﷿: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فهذه الآية تدل دلالة عقلية على أن الله ﷾ عليم، ووجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله ﷿ خلق الخلق، وهذا أمر متفق عليه، ولا يمكن أبدًا أن يخلق الخلق إلا بعلم؛ لأن الخلق تقدير وترتيب للمخلوقات وترتيب لأجزاء المخلوق، ولا يمكن أن يكون هذا إلا عن علم.
ولهذا لو قيل: إن إنسانًا صنع سيارة وهو لا يعرفها، أو ليس له علم بها، أو وهو جاهل لا يعرف شيئًا.
لما صُدَّق هذا، فكيف يركب السيارة وينظمها ويجعلها بهذه الطريقة وهو لا يعلم شيئًا؟ فلهذا المخلوقات الموجودة في الكون دليل واضح على علم الله ﷿.
ومن جهة أخرى: فإن الخلق لا يكون إلا عن إرادة، والإرادة مستلزمة للعلم؛ لأنه لا يريد الخلق إلا عالم به.
ومن هنا يتضح أن الشرع استعمل أدلة عقلية صحيحة ليس فيها شيء من اللوازم الباطلة، أو العقائد الفاسدة، كما هي أدلة المشتغلين بعلم الكلام؛ فإن المشتغلين بعلم الكلام استدلوا بأدلة غير الأدلة القرآنية، ولهذا لما استدلوا بها ألزمهم الخصوم بلوازم؛ فلما التزموها أضرت بالعقيدة إضرارًا كبيرًا، وصار منها نفي الصفات الفعلية، وصار منها القول بفناء الجنة والنار.
إذًا: الشرع استخدم الدليل العقلي على هذه الصفة، وهذه الصفة واضحة ليست بحاجة إلى استدلال، فلا يمكن أن يكون إلهًا وربًا وخالقًا ومدبرًا إلا وهو عالم.
وقد سبق أن من المناهج الشرعية في الاستدلال العقلي: الاستدلال بنقيض الشيء، ونقيض العلم هو الجهل، ولا يمكن أن يوصف الإله بأنه جاهل، ولهذا لما ناقش بعض العلماء بشر المريسي وقالوا له: هل تثبت العلم؟ قال: أقول لا يجهل.
قالوا له: إما أن تثبت العلم وإما أن تنفيه.
وأهل البدع يعظمون النفي، مع أن المنهج الشرعي الإثبات المفصل لأسماء الله ﷿ وصفاته، والنفي المجمل المتضمن لكمال الضد.
[ ٤ / ٩ ]
الأدلة السمعية على إثبات صفة العلم
والأدلة النقلية الشرعية على صفة العلم ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على علم الله ﷿ الشامل الواسع لكل شيء.
من أمثلة هذا النوع: قول الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فهذا يشمل الماضي والمستقبل، ويشمل أفعال العباد ومفعولاتهم، ويشمل جميع المخلوقات، عالم الغيب والشهادة.
وكذلك من الأمثلة: قول الله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وهذه في الدلالة على العلم أصرح، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح البخاري في كتاب التوحيد، وهو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري، لما جاء عند هذه الآية: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، قال: هذه أصرح في الدلالة على علم الله ﷿ من الآية التي قبلها؛ وذلك لوجود النفي والإثبات فيها، وهو يدل على الاختصاص، كما سبق أن أشرنا أن النفي والإثبات يدل على الاختصاص.
ومما يدل على هذا النوع أيضًا: قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فعلم الله ﷿ محيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية ﷾.
يلاحظ في قول الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أن هذه الأشياء جميعًا من مخلوقات الله، ومن الطبيعي أن الخالق يعلم تفصيلات مخلوقاته.
النوع الثاني: ما يدل على علمه بما سيكون قبل أن يكون.
هناك أدلة تدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء قبل أن يكون، ولهذا من قواعد أهل السنة: أن الله ﷿ يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
يعني: حتى المستحيل يعلمه الله ﷾.
يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، وكذلك أفعال العباد، ومن منهم يدخل الجنة، ومن منهم يدخل النار، وجميع ذلك في علم الله ﷿.
جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! الله يعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.
قال: ففيم يعمل العاملون؟ فقال رسول الله ﷺ: كل ميسر لما خلق له).
وهذا من الأمور المستقبلية، وهو يعلم أفعال العباد على التفصيل ﷾، وهذه من الأمور المستقبلية.
النوع الثالث: ما يدل على علمه بالشيء بعد وجوده.
مثال ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وهذا يدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء بعد وجوده بعلم ثان غير العلم الأول.
[ ٤ / ١٠ ]
الفرق بين علم الله بالأشياء قبل وجودها وعلمه بها بعد وجودها
علم الله ﷾ للأشياء يكون قبل وجودها وبعد وجودها؛ فهل علمه بالأشياء بعد وجودها هو نفسه علمه بالأشياء قبل وجودها، أم أنهما علمان اثنان؟ الحق في هذه المسألة هو: أن الله ﷿ يعلم الشيء قبل وقوعه، وهو يعلمه على حقيقته تمامًا، فإذا وقع علمه بعلم ثان؛ لأنه رآه أو سمعه ﷾ كما قال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، فالله ﷿ يعلم الشيء قبل أن يكون، ثم يعلمه بعد ذلك بعلم ثان، ويمكن أن نذكر عبارة لـ شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الرد على المنطقيين، يقول رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعًا في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد ما شاء الله، بل أخبر بذلك نبيه ﷺ وغير نبيه ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف يكون، كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهم لم يردوا، ومع هذا علم أنهم لو ردوا لعادوا.
بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا وهذا ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] مع أنه يعرفهم قبل حدوث المعركة، ولكن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] يعني وجود الفعل بعد ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦] مع أنه يعلم المؤمنين قبل التقاء الجمعين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧] مع أنه يعلمهم قبل التقاء الجمعين، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] مع أنه يعلم الصادقين من الكاذبين قبل هذه الفتنة التي قال تعالى عنها: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣] إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] هو يعلم المجاهدين والصابرين قبل الابتلاء، ومع ذلك قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وغير ذلك من المواضع.
وروي عن ابن عباس في قوله: إلا لنعلم.
أي: لنرى، وروي: لنميز، وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون].
وهذا يوضح هذه القضية: أن علم الله ﷿ بالشيء قبل أن يكون وهو معدوم، غير علمه بالشيء بعد أن يكون وهو موجود.
ولهذا يقول: وكذلك قال جماعة من أهل العلم: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون.
ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب.
فمثلًا: يعلم الله ﷿ أن فلان بن فلان سيعصي الله ﷿، ثم يموت على معصية الله، ثم يدخله النار، هذا العلم قبل أن يوجد، فإذا وجد العبد، وفعل الفعل، ومات عليه؛ علمه أيضًا بعد وجوده، فالعلم الأول قبل وجوده والعلم الثاني بعد وجوده، والثواب والعقاب يترتب على الشيء بعد الوجود وليس قبل الوج
[ ٤ / ١١ ]
شمولية علم الله تعالى
علم الله ﷾ شامل وعام للأشياء جميعًا، فهو ﷾ يعلم كل شيء بما في ذلك أفعال العباد، ولهذا كان الإيمان بالعلم من مراتب القدر، فإن للقدر أربع مراتب: الأولى: إثبات علم الله ﷿ الشامل بكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد.
المرتبة الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
الثالثة: مشيئة الله ﷿ وإرادته العامة.
الرابعة: الخلق العام لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فعلمه ﷾ شامل لكل شيء.
هذا من مراتب الإيمان بالقدر؛ لأن من الضالين في باب العلم القدرية الذين نفوا علم الله ﷾ بالأشياء.
ولهذا يقول الشافعي ﵀ وغير واحد من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أجابوا -يعني: أقروا بالعلم- خصموا، وإن أنكروا كفروا.
إن أجابوا وقالوا: نعم، الله ﷿ عالم بكل شيء قبل أن يكون خصموا؛ لأنه مادام أنه عالم بكل شيء، فقد كتب هذا العلم، وليس في الكتابة زيادة، إنما هي مقتضى علمه ﷾، وهو خلق ما علم ﷾، ولم يجبر أحدًا على ذلك، فقالوا: خاصموهم بالعلم فإن أجابوا خصموا، وإن أنكروا كفروا.
فعلم الله إذًا شامل لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فالله ﷿ يعلم قبل أن يوجد أي شيء من مخلوقاته؛ فإنه ﷾ لا يغيب عنه شيء، ويعلم كل شيء مهما دق وصغر، أو مهما عظم وكبر، أو مهما خفي؛ فالله ﷿ علمه واسع لكل شيء، بكل ما لكلمة (كل) من أفراد، فليس هناك شيء لا يعلمه الله ﷿ أبدًا، فهو يعلمه قبل أن يوجده ﷾، فلما أوجده علمه أيضًا، بمعنى: أوجده وقد علمه بهذا الوجود.
[ ٤ / ١٢ ]
الطوائف المنحرفة في صفة العلم
وهناك طائفة من الطوائف منحرفة في هذا الباب، مع أن صفة علم الله ﷿ من أوضح الصفات الشرعية التي أخبر عنها القرآن الكريم ومنهم الفلاسفة، مثل: ابن سينا الذي يقول: إن الله ﷿ لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، فهو يعلم أن هناك إنسانًا، لكن أفراد الإنسان فلان وفلان وفلان وفلان لا يعرفها، ويعلم أن هناك حيوانًا، لكن أفرادها وأنواعها لا يعرفها.
ويقولون: يعلم أن هناك مخلوقات لكن أفراد المخلوقات لا يعرفها، ويقولون: يعرف الأشياء الكلية العامة لكن الأفراد والجزئيات لا يعلمها، وقد كفرهم العلماء بذلك.
وكفرهم أبو حامد الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة بثلاثة أشياء: أولًا: بهذه المقالة التي سبقت، وهي: إنكار علم الله ﷿ بالجزئيات، فقالوا: إن الله ﷿ لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، فهم كفار بهذا السبب.
ثانيًا: إنكار المعاد الجسماني، فهم يقولون: إن الناس لا يبعثون يوم القيامة بأجسامهم، وإنما يكون العذاب على أرواحهم فقط، وينكرون أن الجسد إذا تحلل يعود مرة أخرى، فهم مثل كفار قريش.
ثالثًا: قولهم إن النبوة تكتسب، يعني: يمكن للإنسان أن يكتسبها بالتمرين والرياضة الروحية، فيعتقدون أن الشخص لو روض نفسه على عزائم الأمور، ومعالي الأشياء لأمكنه أن يصير نبيًا، وأن النبوة مثل الأخلاق التي عند الناس، عندما يدرب نفسه على الصدق وكظم الغيظ أو نحو ذلك.
هذا لا شك أنه كفر مخرج عن الملة.
ورد على الغزالي أحد الفلاسفة وهو ابن رشد في كتاب سماه تهافت التهافت، وكلام ابن رشد في تهافت التهافت باطل.
الطائفة الثانية المنحرفة في علم الله ﷿: الرافضة: فإن الرافضة من أعجب الطوائف، فعندهم غرائب؛ فمن ذلك: أن الشيعة الرافضة يعتقدون أن أسماء الله ﷿ وصفاته هي أئمتهم، فمثلًا: يروي الكليني في أصول الكافي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنا وجه الله، وعلم الله وإرادة الله.
وهم يكذبون في هذا على علي بن أبي طالب.
وكذلك يروون عن أبي عبد الله جعفر الصادق -وهم يكذبون عليه أيضًا- بعض هذا، وهذه من غرائب البدع أنهم يعتبرون صفات الله ﷿ هي أئمتهم، وهذا موجود في أصول الكافي وبحار الأنوار للمجلسي.
وأنتم تعلمون أن الرافضة من أضل الطوائف عن سواء السبيل.
الطائفة الثالثة: القدرية الأوائل فهم ينكرون علم الله ﷿ بأفعال العباد، ويقولون: إن الله ﷿ لا يعلم أفعال العباد قبل أن يفعلوها، فإذا فعلوها علمها، أما قبل أن يفعلوها فهو لا يعلمها، ولا يدري ماذا سيعملون.
ومن هؤلاء: معبد الجهني، فقد جاء في قصة حديث جبريل الطويل: أن يحيى بن يعمر انطلق هو وحميد بن عبد الرحمن حاجين إلى مكة فقالا: لعلنا نلقى بعض أصحاب النبي ﷺ فنسأله عن هؤلاء -يعني: عن القدرية الذين ظهروا في البصرة- فلقوا عبد الله بن عمر فاكتنفاه، فسأل يحيى بن يعمر وقال: إنه ظهر عندنا قوم ينتسبون إلى العلم، ويقولون إن الأمر أنف -يعني: أفعال العباد التي يترتب عليها الثواب والعقاب مستأنفة لا يعلمها الله ﷿- فغضب عبد الله بن عمر وقال: أخبروا من لقيتموه بأنني منهم بريء وأنهم مني برآء حتى يؤمنوا بالقدر، فإن أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا لا يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم ذكر لهم حديث جبريل عندما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.
وهذا يدل على تكفير ابن عمر ﵁ لهؤلاء القدرية الغلاة، وهكذا كفرهم الأئمة كـ الشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء.
وهذه الطائفة انقرضت كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري؛ فإنه عند شرحه لحديث جبريل عندما ذكر القدر، وذكر الطائفة التي أنكرت علم الله ﷿، نص على أنها انقرضت وانتهت قبل زمن الحافظ رحمه الله تعالى، ولم يبق من القدرية إلا المعتزلة الذين سيأتي الحديث عنهم عند حديثنا عن القدر.
الطائفة الرابعة: المعتزلة: فإن المعتزلة لا يثبتون صفة العلم، بل يقولون: إن الله عالم، فإذا قيل لهم: عالم بعلم؟ قالوا: لا عالم بلا علم، أو يقولون: عالم بعلم هو ذاته.
وهذا هو أصلهم في نفي صفات الله ﷿ جميعًا، وإثباتهم لأسماء الله ﷿ على أنها أعلامًا محضة لا صفات فيها.
الطائفة الخامسة والسادسة: الأشاعرة والماتريدية، مع أن هذه الصفة في الظاهر مما يثبتها الأشاعرة، فهم يدندنون على أنهم يثبتون سبع صفات يسمونها صفات المعاني، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر.
وعند التحقيق فهم لا يثبتون إلا أسماء هذه الصفات، وأما حقائقها ومفهومه
[ ٤ / ١٣ ]
الآثار التربوية والسلوكية لأسماء الله ﷿ وصفاته
لكل صفة من صفات الله ﷿ آثار تربوية وسلوكية على أخلاق الإنسان وآدابه، ويستطيع الإنسان أن يربي نفسه من خلال هذه الصفة.
فمثلًا عندما يؤمن الإنسان بأن الله ﷿ عليم، وعندما يتمكن هذا الإيمان من قلبه؛ فإنه سيورث في قلبه مقام المراقبة، وهو مقام عظيم جدًا من مقامات الإيمان، فإذا علم العبد أن الله ﷿ يعلم أفعاله، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه يعلم كل شيء؛ فإنه يعلم أنه مهما استتر بمعصيته فإن الله ﷿ يراه، ومطلع عليه.
والواجب أن يستحي الإنسان من ربه، فالله ﷿ عظيم وكبير ﷾، ولو أراد أن يذهب العباد بكلمة واحدة لأذهبهم جميعًا.
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يأخذ من صفات الله ﷿ آثارًا تربوية يستفيد منها لنفسه وفي أخلاقه وآدابه.
وقد سبق أن منهج دراسة العقيدة على نوعين: الأول: منهج تصحيح الاعتقاد، وهو تصفيته من شوائب البدع وشوائب الانحرافات الفكرية، والإيمان بالله تعالى كما آمن به رسول الله ﷺ وأصحابه.
والثاني: منهج تعميق العقيدة في النفوس، وذلك بالاستفادة من موضوعات العقائد في الأخلاق والآداب والصفات والدعوة إلى الله ﷿ ونحو ذلك.
فمن فوائد الإيمان بأن الله ﷿ عليم: أن يعلم الإنسان أن الله ﷿ مطلع على فعل الفساق والفجار والكفار، وما يقومون به من إيذاء للمؤمنين، ويعلم العبد أن الله ﷿ مطلع عليه، وأنه غير مهمل له، وأنه ﷾ يراه، وأنه يرى فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجاهدة مثل هؤلاء، والدعوة إلى الله ﷿؛ فإيمانه بهذه الصفة يبعثه على النشاط في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لله ﷿، ولهذا فإن للإيمان بصفات الله ﷿ آثار عظيمة جدًا في النفوس.
وقد سبق أن أشرت إلى قصة لقيط بن صبرة لما جاء إلى النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره.
فقال لقيط: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ -ما كان يعلم أنه يضحك- قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا)، يعني: الخير لن نعدمه من الرب الذي يضحك، وسيرحمنا وسيعطينا الخير.
هذا مسلك تربوي أخلاقي من هذه الصفة العظيمة وهي صفة الضحك.
أسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
[ ٤ / ١٤ ]
الأسئلة
[ ٤ / ١٥ ]
الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه
السؤال
ما الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه؟
الجواب
معناهما وموضوعهما واحد، ولكن العلم بالشيء قبل وقوعه يعني أنه يعلمه وهو معدوم، وعلمه بالشيء بعد وقوعه يعني أنه يعلمه وهو موجود، وهناك فرق بين المعدوم والموجود، وبالتالي يكون هناك فرق بين علمه بالشيء وهو معدوم وبين علمه بالشيء وهو موجود، هذا هو الفرق.
أما الغيب والشهادة فهما مصطلح شرعي يراد به الغيب عن العباد، ويقسمونه إلى غيب مطلق وغيب نسبي، فالغيب الشرعي بالنسبة لله ﷿ شهادة، فلا يصح استخدام مثل هذا المصطلح، لكن يقال: علمه بالشيء قبل وقوعه وعلمه بالشيء بعد وقوعه.
وسبق ذكر الأدلة من كتاب الرد على المنطقيين.
وبعض الأحيان لا يكون هناك ثواب وعقاب متعلق بأفعال العباد، مثلًا: زلزال سيحصل لأمة من الأمم، قبل الزلزال يعلم الله ﷿ أنه سيحصل، وبعد أن يحصل يعلم أنه حصل.
هذا هو الفرق.
والحاجة التي دعت للكلام في هذا الموضوع هو ورود بعض الآيات التي استدل بها الفلاسفة استدلالًا باطلًا ووجهها الأشاعرة توجيهًا باطلًا، فاحتجنا للحديث عنها فقط، وإلا فإن المسألة واضحة أن علم الله ﷿ شامل للشيء قبل وقوعه وبعد وقوعه، لكن احتجنا لهذا التمييز وهذا التفريق لوجود منحرفين فيه، وإلا فمن المعلوم عندنا جميعًا أن علم الله شامل للأشياء قبل أن توجد وبعد أن توجد، والأشياء التي لم توجد لو جدت كيف يكون حالها، مثل قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٨]، لن يردوا أصلًا، لكن لو ردوا لعادوا، فالمفترض يعلمه الله ﷿.
ونحن أشرنا لهذه المسألة لوجود من وجَّه هذه المسائل توجيهًا باطلًا، مثل الأشاعرة الذين يقولون: إن علم الله ﷿ واحد قديم ليس له تعلق بالمخلوقات، وإن كانت المخلوقات تتغير في ذاتها، فالتغير يكون في المخلوقات ولا تعلق لها بعلم الله ﷿، وأصله ناشئ عن شبهة عقلية انحرفوا بها في أكثر من صفة وليس في مجرد صفة علم الله ﷿، فهم انحرفوا في جميع الصفات الفعلية.
[ ٤ / ١٦ ]
الفرق بين القديم والأزلي
السؤال
ما الفرق بين قولنا قديم وأزلي؟
الجواب
متقاربان في المعنى.
[ ٤ / ١٧ ]
معنى دلالة الاسم على معناه بالمطابقة وعلى الذات بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام
السؤال
ما معنى قول العلماء: للاسم من أسمائه تعالى ثلاث دلالات: دلالة بالمطابقة، ودلالة على الذات بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام، مع المثال؟
الجواب
نأخذ المثال في اسم الله ﷿ العليم؛ فإن العليم يدل على اسمه العليم، وهذه هي دلالة المطابقة، ويدل على ذاته الموصوفة بالعلم بدلالة التضمن، وهو فرد من أفراد المطابقة، وعلى الصفة الأخرى وهي الحياة بالالتزام، فإنه لا يمكن أن يكون عليمًا وهو غير حي، والالتزام خارج المسألة نفسها، لكن يلزم منها عندما أثبتنا أنه عليم أنه حي؛ لأنه لا يمكن أن يكون العليم غير حي.
[ ٤ / ١٨ ]
وجه الفرق بين آخرية الله تعالى وآخرية الجنة
السؤال
هل يعني قولك: إن آخرية الجنة ليست كآخرية الله ﷿ أن الجنة لها آخرية ثم تنتهي؟
الجواب
لا، فهي لا تنتهي، لكن قد يقول قائل: ما هو الفرق إذا كانت آخرية الجنة لا تنتهي، والله ﷿ ليس له نهاية، فما هو الفرق؟ الفرق أن هذا خالق وهذا مخلوق، والفرق بين الخالق والمخلوق واضح، الخالق بصفاته الكاملة التامة، والمخلوق بصفات العجز والنقص الموجودة فيه.
[ ٤ / ١٩ ]
شروح العقيدة الواسطية
السؤال
يريد الأخ أن أدله على كتاب في شرح العقيدة الواسطية؟
الجواب
هناك كتب كثيرة منها كتاب الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، وهناك أيضًا كتاب للشيخ صالح الفوزان شرح فيه العقيدة الواسطية، وكتاب للشيخ زيد بن فياض اسمه الروضة الندية، وأيضًا كتب أخرى سبق أن أشرت إليها.
[ ٤ / ٢٠ ]
وجوب العمل على العبد مع سبق كتابة السعادة والشقاوة
السؤال
الإنسان إن كان قد قدر الله عز جل وكتب له أنه في الجنة أو في النار فلماذا العمل؟
الجواب
كما قال النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، لكن أنت الآن ما تعلم ماذا كتب لك، لعله كتب لك أن تكون سعيدًا، فلماذا لا تعمل بالسعادة؟ اعمل بالسعادة، بعض الناس الذين يتركون العمل بالشرع ويحتجون بالقدر، يقول لك: احتمال أني مكتوب شقي، وكيف تعلم؟ كيف علمت ذلك؟ قال: لأني أنا الآن أمارس المحرمات.
هل أنت تمارسها عن رغبة، أم مجبور عليها؟ يعني: هل تتصورون أحدًا لا يريد المعصية وتأتيه الملائكة وتجره إليها جرًا؟! فهو مختار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
[ ٤ / ٢١ ]