من صفات الله تعالى العظيمة صفة الحكم الثابتة في كثير من نصوص الكتاب والسنة بمعنييها الكوني والشرعي، المتضمنة توحيد الله تعالى في الأحكام وإبطال حاكمية غيره، ويتصل بهذه الصفة صفة أخرى عظيمة هي صفة الحكمة في الخلق والإيجاد والتشريع، ودلائلها لا تحصى كثرة في آيات الله تعالى الكونية ونصوص الوحي، كما أن من صفاته تعالى صفتي السمع والبصر، اللتين دلت عليهما نصوص متواترة متوافرة.
[ ٥ / ١ ]
آيات في إثبات صفات الله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى في ضمن سياقه للآيات: [وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]].
ثم ساق جملة من الآيات في صفة العلم، ثم قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].
[ ٥ / ٢ ]
إثبات صفتي الحكمة والحكم
هذه الأدلة التي ساقها الشيخ يؤخذ منها مجموعة من الصفات، أولًا: صفة الحكمة والحكم، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] الحكيم اسم من أسماء الله تعالى، وهو يتضمن ثلاث صفات: الصفة الأولى: أنه الحاكم، وفعيل بلغة العرب تأتي بمعنى فاعل.
والصفة الثانية: أنه المحكم لكل شيء، وأيضًا من المعروف أن فعيل في لغة العرب تأتي بمعنى مفعل.
والصفة الثالثة: الحكمة، وهذا مأخوذ من اسمه الحكيم، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها صفات لله ﷾.
ويمكن أن نتحدث عن صفتين منها، الأولى: صفة الحكم، والصفة الثانية: صفة الحكمة، وأما صفة الإحكام فقد أشرنا إلى شيء منها عند حديثنا عن صفة العلم، وسيأتي مزيد الحديث عنها بإذن الله تعالى عند الحديث عن صفة الخلق لله ﷾.
[ ٥ / ٣ ]
أدلة صفة الحكم لله تعالى وأقسامها
فأما صفة الحكم لله ﷿ فقد دلت عليها أدلة كثيرة، يقول الله ﷿: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام:١١٤]، ويقول الله ﷾: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف:٨٧].
والحكم ينقسم إلى قسمين: وكذلك الحال في الإرادة والقضاء والأمر، جميع هذه المصطلحات الشرعية تنقسم إلى قسمين.
فالحكم ينقسم إلى قسمين: حكم شرعي، وحكم كوني، ولهذا عندما يتحدث علماء أصول الفقه عن الأحكام الشرعية يقسمونها إلى قسمين: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية، الأحكام الشرعية تأتي من الله ﷾، وهو ﷾ الذي يشرع للناس الأحكام، ولا يمكن أن يشرع الله ﷿ شيئًا للناس إلا وفيه مصلحة وخير عظيم لهم.
ويمثل هذا النوع -الحكم الشرعي- قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فالحكم هنا هو شرع الله ﷿ ودينه، وما أمر الله ﷿ به من الأوامر الشرعية، وهذه الأوامر متعلقة بحياة الإنسان العملية، والاعتقادية، والسياسية، والمالية، وبالعلاقات الشخصية، كما قال الله ﷿: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، ويقول الله ﷿ في سورة الممتحنة بعد أن ذكر جملة من الأحكام، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠].
فهذا هو القسم الأول من الحكم وهو الحكم الشرعي، والحكم الشرعي هنا موافق لما يحبه الله ويرضاه، والعباد قد يفعلون ما أمر الله ﷿ به وقد لا يفعلون، وهذا سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله- مفصلًا في الكلام على القضاء والقدر.
أما النوع الثاني من الحكم فهو: الحكم الكوني، يقول الله ﷿ عن أحد إخوة يوسف أنه قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]، ويقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وهذا الحكم هنا موافق لصفة الخلق والإبداع ونحو ذلك.
[ ٥ / ٤ ]
آثار الإيمان بصفة الحكم لله تعالى
ولهذه الصفة -وهي أن الله ﷿ هو الحكم، وأنه ﷾ يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأن الحكم لله ﷿- لها آثار عظيمة جدًا متعلقة بالعبادة: فمن ذلك: أن الحكم لله ﷿ وحده لا شريك له، فلا يجوز للإنسان أن يشرك مع الله ﷿ حكمًا آخر، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، الله ﷿ له الحكم، وهو الذي يشرع للناس، فلا يصح أن يشرك أحد مع الله ﷿ شريكًا في حكمه، والآية السابقة التي ذكرناها وهي قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] تدل على هذا المعنى، فإن العبادة حق خالص لله ﷾، فقد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما كان رديفًا للنبي ﷺ على حمار، أن رسول الله ﷺ: (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).
إذًا: إخلاص العبادة حق لله ﷿، والحكم من العبادات، كما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فهذا دليل على أن الحكم من هذه العبادات التي أمر الله ﷿ أن لا يشرك فيه معه أحد غيره.
فالذين يظنون أن السياسة لا علاقة لها بالدين ظنهم باطل، فإن السياسة الشرعية نوع من أنواع العبادة لله ﷿، وأما السياسة الباطلة فتارة تكون شركية، وتارة تكون معصية وفسوقًا، وتارة تكون بدعة إذا كانت مخالفة لشرع الله ﷿، وكل بحسب ما يعمل الإنسان.
ولهذا كان الدين جزءًا من أجزاء السياسة، وهي داخلة في عموم قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فالذين يظنون من الدعاة إلى الله ﷿ أنه لا علاقة للدعوة بالسياسة، أو لا علاقة للدين بالسياسة فهؤلاء يظنون خطئًا، وأخطئوا خطئًا كبيرًا جدًا في فهمهم لحقيقة الدين، فإن الدين شامل لحياة الإنسان كلها، شامل لأمواله، لعلاقاته، لسياساته، لأموره العامة والخاصة، ولكل أوضاعه، وهذا هو معنى قول الله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] على أحد التفسيرين في الآية، وقد علم رسول الله ﷺ الأمة كل شيء حتى الخراءة، عندما يذهب الإنسان إلى الخلاء علمه ﷺ ماذا يعمل؟ وكيف يفعل؟ وماذا يقول؟ ماذا يقول عند نومه؟ وماذا يقول إذا استيقظ؟ وعلم الإنسان كيف ينظف فاه بالسواك عندما يأتي إلى الصلاة، وشدد في ذلك ﷺ حتى أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
هل تظنون أن النبي ﷺ علَّم الناس هذا الأمر وترك أمورهم العامة، وما معنى الغزوات إذًا التي فعلها رسول الله ﷺ؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله الذي شرعه الله ﷿ وحث عليه؟ وما معنى البراءة من المشركين ومعاداتهم؟ وما معنى أحكام الجزية واسترقاق الأسرى؟ ما معنى هذه الأحكام الشرعية الواضحة لو كان هذا الجانب ليس من دين الله ﷿، لاشك أن أي إنسان يعرف أحكام الله ﷿، وأن الله أمر بالحكم بالشريعة، وأمر بالجهاد في سبيل الله، وأمر بالإغلاظ على المشركين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، أي إنسان يدرك هذه الأشياء جميعًا يعلم أن الله ﷿ ما أهمل السياسة، وإنما بين فيها الأحكام، وبين فيها رسول الله ﷺ الأحكام من قوله وفعله، وأمر الله ﷿ أن يكون الحكم له ﷾ وحده لا شريك له.
ومن أشمل ما صدر في هذا الموضوع كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، وهو من أنفع الكتب وأنفسها وأجودها في جمع مسائل هذا الباب، وفي ترتيبها، وفي صحة الرأي فيها.
ويقول الله ﷿: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، والحصر يدل على الاختصاص، ويقول الله ﷿: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، ويقول الله ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولهذا حكم الله ﷿ يجب اتباعه في كل شيء، سواء في أمور العقائد أو الأعمال العامة أو الخاصة، لابد أن يتبع الإنسان حكم الله ﷾.
[ ٥ / ٥ ]
إثبات صفة الحكمة لله تعالى
الصفة الثانية المتعلقة باسم الله ﷿ الحكيم: صفة الحكمة، والحكمة صفة من صفات الله ﷿، فالله ﷿ ما شرع أمرًا من الأوامر، وما خلق شيئًا من المخلوقات إلا لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهذه الحكمة التي خلق الله ﷿ لها الخلق مأخوذة من كثير من النصوص الشرعية، وكذلك يدل عليها اسم الله: الحكيم.
وقد صنف العلماء في هذا الباب مصنفات، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية له كتاب يسمى: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وهو موجود ضمن مجموع الفتاوى في المجلد الثامن، وكذلك موجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل التي حققها الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين.
وممن ألف في هذا الباب أيضًا: ابن القيم ﵀ فله كتاب اسمه: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل).
وممن ألف أيضًا: الشيخ محمد بن ربيع المدخلي له كتاب اسمه: (الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى).
وهناك رسائل كثيرة متعلقة بهذا الباب، لكن هذه من أبرز هذه الرسائل.
[ ٥ / ٦ ]
أدلة وصيغ إثبات صفة الحكمة في نصوص القرآن الكريم
أفرد ابن القيم ﵀ في كتابه (شفاء العليل) فصلًا طويلًا في الاستدلال على حكمة الله ﷿، وهو الفصل الثاني والعشرون، وقد ظن بعض المحققين أن ابن القيم ﵀ نسي هذا الفضل؛ لأنه في مقدمة شفاء العليل بين الأبواب التي سيتحدث عنها فذكر الباب الثاني والعشرين، وأنه تحدث فيه عن حكمة الرب ﷾ وأدلة إثباتها، لكنه حصل خلط في بعض النسخ، وأضيف هذا الباب إلى الباب الذي قبله، فظنوا أنه نسيه رحمه الله تعالى وهو لم ينسه، وإنما حصل الخطأ في بعض النسخ الخطية.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وذكر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها.
ثم ذكر الأدلة التي تدل على حكمة الله ﷿، وميزة هذا الفصل: أنه وزع هذه الأدلة التي حصرها وجعلها على شكل أنواع، في كل نوع من الأنواع مجموعة من الأدلة.
فمثلًا يقول: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منها، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:٥]، وكقوله: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩].
النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، يعني: الإتيان بلام التعليل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٩٧]، وموطن الشاهد قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ [المائدة:٩٧].
وقوله أيضًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
ومن ذلك أيضًا: قول الله ﷿: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] إلى آخر الآيات التي ذكرها.
وفرق أيضًا في هذا النوع بين لام التعليل ولام العاقبة، فإن لام التعليل هو فعل الشيء لعلة معينة، لكن لام العاقبة، مثل قول الله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] يعني: آل فرعون ما التقطوه من أجل أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، لكن المقصود باللام هنا العاقبة، وبين ذلك، قال: فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهيًا إليه، وكانت عاقبة الفعل، دخلت عليه لام التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة.
ثم ذكر أنواعًا أخرى قال: النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من (أجل)، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] وهذا صريح في أن الله ﷿ فعل هذا الفعل من أجل ذلك.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
قال: النوع الثاني: ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف المناسب له، فتارة يذكر (بأن)، وتارة يقرن (بالفاء)، وتارة يذكر مجردًا، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، وهكذا ذكر مجموعة كثيرة.
النوع العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره؛ كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، وذكر مجموعة كثيرة من الأنواع التي فيها إثبات حكمة الله ﷿، وأن الله ﷿ يخلق الشيء لحكمة.
[ ٥ / ٧ ]
دلالة العقل والقياس على حكمة الله تعالى في الخلق والتشريع
ثم إن خلق الله ﷿ للشيء لحكمة لا شك أنه يدل عليه العقل أيضًا، فإنه لا يمكن أبدًا أن يخلق الله ﷿ الخلق بدون أن يكون لهذا الخلق حكمة وغاية حميدة؛ فإن الإنسان العاقل عندما يفعل الفعل يسأل: لماذا فعلت هذا الفعل؟ فإذا فعله لحكمة مُدِح، وإذا فعله لغير حكمة ذم، فإذا كان هذا في المخلوق وهو مخلوق، فالخالق ﷾ أولى بذلك وأعظم، كما هو معلوم من قياس الأولى.
إذًا: حكمة الله ﷿ ثابتة ولا شك فيها من ناحية العقل والشرع، والأدلة القرآنية مليئة بذلك، ولهذا كان من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالقياس دليل من الأدلة الشرعية وهو دليل معتبر، والقياس المراد به هو قياس الفرع الذي يراد أن يحكم فيه على أصل محكوم فيه سابقًا؛ لوجود علة بينهما، وهذه العلة صحيحة وواضحة، والقياس دليل من الأدلة الشرعية اتفق عليه أهل العلم جميعًا، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية، واعتبرت مخالفة الظاهرية في القياس من البدع التي عندهم، ومنها أيضًا: إنكار مفهوم المخالفة والموافقة.
ابن حزم مثلًا يرى: أن الله ﷿ عندما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].
فهو هنا نهي عن التأفف، ومفهوم الموافقة: النهي عن الضرب؛ لأنه أعظم وأشد، فيقول ابن حزم ﵀: لا يمكن أخذ النهي عن الضرب من هذه الآية؛ لأن هذه الآية غاية ما فيها النهي عن التأفف، ولاشك أن هذا خطأ كبير في فهم النصوص، ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن هذه من بدع الظاهرية.
إذًا: القياس دليل مبني على العلة، وهذا دليل على أن الله ﷿ يشرع أحكامه لحكم وعلل حميدة ومفيدة، ولهذا فإن الذين أنكروا الحكمة والتعليل تورطوا في فهم للقياس، وكما أنهم يتحدثون في علم الكلام كذلك منهم يتحدثون هنا في أصول الفقه.
[ ٥ / ٨ ]
بيان ما تتضمنه الحكمة المثبتة عند أهل السنة
ومعنى حكمة الله ﷿ وحقيقتها أنها تتضمن معنيين: المعنى الأول: حكمة تعود على الرب ﷾ يحبها ويرضاها.
والثاني: حكمة تعود على العبد فيها منفعة له ونعمة يفرح بها، ويتلذذ بها، وينشرح صدره لها.
هذه هي الحكمة التي يثبتها أهل السنة، فالله ﷿ عندما خلق الخلق وشرع الشرائع والأوامر فإنه خلقهم لحكمة، وقبل أن يخلقهم علم هذه الحكمة، وخلق الخلق لها، وكذلك قبل أن يشرع الشرائع شرعها لحكمة ﷾، هذه الحكمة التي في المخلوقات والمأمورات تعود إلى الله ﷿ وعباده، فأما معنى عودها إلى الله ﷿ فمعناه: أنه خلقها ﷾، وهو يعلم المصلحة المترتبة عليه، وهو يحب ما أمر به ﷾، وله في خلقه أيضًا حكمة عظيمة؛ حتى المخلوقات التي ظاهرها أنها ضرر وشر، ولهذا جاء في الدعاء المعروف: (والشر ليس إليك)، ومعنى الشر ليس إليك مع وجود بعض المخلوقات الشريرة في الحياة: أن الشر لا يعود إلى فعل الله ﷿، وإنما يعود إلى مفعوله، يعني مخلوقه، وهو ﷾ ما خلق شيئًا من الخلق -حتى إبليس- إلا لحكمة عظيمة ومصلحة متعلقة بالخلق.
فمثلًا: إبليس خلقه الله ﷾ ابتلاء واختبارًا للناس حتى يرى ﷾ من يصدق المرسلين، ويتبع كلامه ﷾، ويعصي عدوه، ويجاهده، ويصبر على هذا الجهاد، بل قد يترتب عليه أنه يموت في هذا السبيل، وهذه لا شك أنها من أعظم الحكم وأجل الغايات، بل فيها من ظهور أسماء الله ﷿ وصفاته الشيء الكثير.
ففيها مثلًا: ظهور صفة العفو والمغفرة للعباد المخطئين.
وفيها أيضًا: ظهور صفة التجاوز والمسامحة.
وأيضًا: ظهور صفة المعية الخاصة لعباده المؤمنين، فكل ما خلق الله ﷿ من خلق فإنه خلقه لحكمة تعود عليه من جهة، وتعود على الخلق من جهة أخرى.
ولهذا تحدث ابن القيم ﵀ كثيرًا في هذا الكتاب -شفاء العليل- عن هذه القضية، حتى المخلوقات الشريرة المعروفة فإنها لحكمة عظيمة وهدف كبير، وقد بينا طرفًا من هذه الحكمة من أكبر الشر وهو إبليس عليه لعنة الله، وأما المأمورات فليس فيها شر؛ لأن مأمورات الله ﷿ كلها مصالح ومنافع للعباد علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
إذًا: حكمة الله ﷿ تكون في خلقه وأمره.
[ ٥ / ٩ ]
موقف الناس من إثبات صفة الحكمة
انقسم الناس في الحكمة إلى قسمين: القسم الأول: نفاة الحكمة، والقسم الثاني: مثبتو الحكمة، والحكمة والتعليل بمعنى واحد.
فنفاة الحكمة وهم الأشاعرة يقولون: إن الله ﷿ لا يفعل الفعل لحكمة، وإنما يفعله لمحض المشيئة والإرادة، فإذا قال لهم أحد: إن الحكم واضحة في مخلوقات الله ﷿.
قالوا: هذه الحكم ليست قبل الفعل، وإنما هي بعد الفعل، وثمرة من ثمرات هذا الفعل، وأما الفعل فإن منشأه الأساسي محض المشيئة والإرادة وليس لحكمة أو غاية قبل الفعل.
أما مثبتو الحكمة فهم طائفتان: الطائفة الأولى: المعتزلة: فقد أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله ﷿ خلق الخلق لحكمة، لكن قالوا: إن هذه الحكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الله ﷿ بوجه من الوجوه.
وقالوا كذلك: إن هذه الحكمة التي نعلمها بعقولنا واجبة على الله ﷿، وهذا أصل عندهم يسمونه: إيجاب الأصلح على الله ﷾؛ فإنهم يرون أنه إذا كان الأصلح لهذا العبد أن يوفق لعمل من الأعمال، فيجب على الله أن يفعل هذا العمل.
تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ولهذا يسميهم السلف الصالح: معطلة الصفات مشبهة الأفعال؛ لأنهم شبهوا الله ﷿ بخلقه في الأفعال.
الشاهد: أنهم حين أثبتوا الحكمة قالوا: إن هذه الحكمة ليست راجعة إلى الله، وإنما هي راجعة إلى العبد، يعني: هذه المصلحة والغاية راجعة إلى العبد وليست راجعة إلى الله ﷾.
والسبب في ذلك: أنهم ينفون الصفات، ويقولون: إن الله ﷾ ليست له صفات، ويثبتون الأسماء على أنها أعلامًا محضة فقط، ولا تتضمن شيئًا من الصفات، وحتى العلم ينفونه، ويقولون: عالم بلا علم، فإذا قيل لهم: هل هو جاهل؟ قالوا: لا، علمه هو ذاته علمه هو ذاته.
هكذا يقولون ويسفسطون.
وأما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإنهم أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله ﷿ يفعل الفعل لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة التي خلق الخلق من أجلها، أو أمر بالشرع من أجلها تعود إليه؛ فهو يحبها ﷾ ويرضاها، وتعود إلى العباد من ناحية أنهم يفرحون بها، ويلتذون بها، وتطمئن نفوسهم إليها.
والسبب الذي جعل الأشاعرة ينفون حكمة الله ﷿ أنهم قالوا: إن حكمة الله ﷿ لو أثبتناها للزم من ذلك أن الله ﷿ يفعل لغاية، قلنا: وما الذي يضر في هذا؟ إذا كان يفعل لغاية فهذا من الكمال، قالوا: لا، معنى هذا أن الله محتاج لهذه الغاية.
ونحن نقول لهم: لا يلزم أن الله ﷿ محتاج لهذه الغاية التي خلق الخلق لأجلها؛ لأنه خلق مخلوقات كثيرة وهو غير محتاج إليها.
ثم إنكم أردتم الفرار وخفتم من إلصاق النقص بالله ﷿ بفهمكم السيئ فألصقتم به النقص بأوضح ما يكون؛ حيث قلتم: إنه يعمل لغير حكمة.
ولهذا وصل الأمر بالأشاعرة أنهم قالوا: إن الله ﷿ قد يدخل الصالحين النار، ويدخل الكفار الجنة، وأن هذا تحت مشيئة الله ﷿، لو شاء لأدخل الصالحين النار، وأن هذا من إثبات قدرة الله.
ونحن نقول: نعم، الله ﷿ قدير، لكن قدرته مرتبطة أيضًا بحكمته فهو قدير حكيم، وليس كل فعل يقدر عليه الرب ﷾ لابد بالضرورة أن يفعله.
أضرب لكم مثالًا في المخلوقات: أنت الآن إنسان عندك قدرة محدودة، تستطيع أن تنزع ثيابك وتمشي أمام الناس عريان، وهذا الأمر سهل وضمن قدرتك، لكن هل تستطيع أن تفعل؟ لا.
لم؟ لأنه يوجد شيء آخر يمنعك من ذلك.
والله ﷿وله المثل الأعلى ﷾- قدير وقدرته عامة لكل شيء، لكنه يفعل الفعل لحكمة ﷾ لا كما يظن هؤلاء أنه لا يفعل لحكمة، وإنما هو بصرف الإرادة كما يظنون ويزعمون.
بقي أن الأشاعرة الذين نفوا صفة الحكمة لله ﷿ نفوها في كتبهم المتعلقة بعلم الكلام، فلما جاءوا إلى كتبهم المتعلقة بأصول الفقه وبالأحكام وبالفقه ونحو ذلك تورطوا؛ لأنهم يثبتون القياس، فنجد عددًا كبيرًا من الأشاعرة يثبتون القياس، مثلًا الفخر الرازي له كتاب اسمه: (نهاية العقول)، وله أيضًا: (معالم أصول الدين)، و(الأربعين في أصول الدين)، و(المطالب العالية)، وغيرها من الكتب الكلامية، يقرر فيها ما يقرره أصحابه من نفي الحكمة، لكن له كتب في أصول الفقه مثل (المحصول)، وهكذا الغزالي له (المستصفى)، و(الاقتصاد في الاعتقاد)، ولهم كتب في علم الكلام، ولهم كتب أيضًا في علم أصول الفقه، فلما جاءوا إلى أصول الفقه وأرادوا أن يقرروا الأدلة الشرعية بدءوا يحددونها أولًا: القرآن، وثانيًا السنة، وثالثًا الإجماع، ورابعًا القياس، ولما عرفوا القياس قالوا: هو قياس فرع غير محكوم فيه على أصل محكوم فيه لعلة.
قلنا: أنتم تنفون العلة في أمر الله وخلقه فكيف تثبتونها هنا؟ فتورطوا.
ولهذا أراد بعضهم الإجابة عن هذه المسألة فقال: إن العلة المقصودة في القياس هي علة معرفة وليست علة باعثة، فرد عليهم بأن الغزالي في (المستصفى) يقول: إن العلة في الأصول هي الباعثة على الحكم، فبعضهم أراد أن يخرج، قال: هذه العلة التي حصلت بعد ال
[ ٥ / ١٠ ]
إثبات صفتي السمع والبصر
يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].
السمع والبصر صفتان ثابتتان لله ﷾، والمصنف هنا لم يذكر في الاستدلال على هاتين الصفتين إلا دليلين.
[ ٥ / ١١ ]
ذكر بعض أدلة إثبات صفتي السمع والبصر
عقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد بابًا لهاتين الصفتين، قال البخاري ﵀: [باب قول الله ﷿: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]].
(كان) هنا -كما يقول النحويون وأهل العربية-: تدل على الاستمرار والثبات الدائم، ولهذا عندما يبحث العلماء في أصول الفقه مسألة أفعال الرسول ﷺ، وهل مجرد الفعل يدل على استمرار، يذكرون في خضم هذه المباحث مسألة مهمة جدًا وهي: أنه صدر الفعل بقوله: (كان)، فهو يدل على الاستمرار قطعًا، وإذا صدر الفعل بكان فهو يدل على الاستمرار؛ لأن من معانيها الاستمرار والثبات، فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] تدل على الثبات والاستمرار.
وبعض أهل العلم قالوا: إنها بمعنى صفة الله ﷿؛ لظنهم أنها تدل على الماضي، وإذا راجعتم كلام النحويين وكلام أهل العربية؛ فإنكم ستجدون أنهم يقررون أن (كان) تدل على الاستمرار.
روى البخاري ﵀ حديثًا عن عائشة ﵂ معلقًا، وهو: أن عائشة ﵂ قالت: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]).
والبخاري لم يكمل الحديث، وتمام الحديث كما هو معلوم: (أن خولة بنت ثعلبة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتجادل النبي ﷺ عندما ظاهر زوجها منها، فقالت: يا رسول الله! إن عندي عيالًا إن آويتهم جاعوا، وإن أعطيتهم إياه ضاعوا، فكانت تجادله، وكانت عائشة ﵂ في طرف من البيت ومع هذا لم تسمعها، فقالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله ﷿ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]).
ثم ساق حديثًا بإسناده عن أبي موسى قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا وإنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا) وهذا هو موطن الشاهد: (تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا).
فقوله: (كنا إذا علونا كبرنا) هكذا كانت سنة النبي ﷺ، كان إذا علا نشزًا كبر، وإذا نزل سبح، فكانوا يرفعون أصواتهم، فقال: (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا).
وساق أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ: (يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك أنت الغفور الرحيم).
هذا الحديث يبدو للناظر من أول وهلة أنه لا علاقة له بباب إثبات صفة السمع والبصر، فما هو وجه الدلالة؟ أو لماذا جاء البخاري ﵀ بهذا الحديث في إثبات صفة السمع والبصر؟ يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء يدل على صفة السمع من جهة أنه لو لم يكن الله ﷿ يسمع هذا الدعاء لما كان للدعاء فائدة، ولما علمه رسول الله ﷺ الدعاء، هكذا استدل البخاري ﵀ بهذا الحديث على أن الله ﷿ يسمع.
ولهذا يقول ابن عقيل الحنبلي ﵀: إن هذا الحديث يدل على مجموعة من الصفات: أولًا: وجود الله ﷿؛ لأنه لو كان غير موجود لما صح دعاؤه.
ثانيًا: السمع؛ لأنه لو لم يكن سميعًا ويسمع بسمع لما كان هناك دعاء.
ثالثًا: الغنى؛ لأن الفقير لا يدعى.
رابعًا: الرحيم؛ لأن القاسي والظلوم الذي ليس عنده رحمة لا يدعى.
خامسًا: يدل على أن الله ﷿ عليم سبحانه، ويدل على مجموعة من الصفات ذكرها رحمه الله تعالى، وكل ذلك استنبط من الدعاء.
ثم أيضًا ساق حديث عروة: أن عائشة ﵂ حدثته قالت: قال النبي ﷺ: (إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك).
هذا جزء من حديث طويل: سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن أشد ما وجد من قومه، فذكر لها قصة، وهذا جزء منها وهو محل الشاهد: (إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك) فهذه الأحاديث والآيات التي ساقها الشيخ جميعًا تدل على إثبات صفة السمع لله ﷾.
[ ٥ / ١٢ ]
بيان ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما ذاتيتين أو فعليتين
هل السمع والبصر صفتان ذاتيتان أم فعليتان؟ التحقيق في هذه المسألة: أن صفة السمع والبصر لها جانب ذاتي، ولها جانب فعلي، فأما الجانب الذاتي فهو باعتبار أصل الصفة؛ فإن أصل الصفة: أن الله ﷿ سميع بصير، فهي ذاتية بهذا الاعتبار، بمعنى: أن الله ﷿ ليس أصمًا وليس أعمى كما هو عكس هاتين الصفتين.
وأما باعتبار تعلقها بالمسموعات وتعلقها بالمبصرات فهي فعلية، ولهذا لا تعلق للسمع والبصر بالمعدوم، بل السمع والبصر يتعلق بالشيء بعد وجوده، فالسمع يتعلق بالمسموعات بعد أن توجد، والبصر يتعلق بالمبصرات بعد أن توجد.
[ ٥ / ١٣ ]
العلاقة بين السمع والبصر والعلم والإدراك
هل معنى السمع والبصر هو العلم والإدراك أم أن له معنى آخر؟ السمع والبصر قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، فالعلم والإدراك صفة، والسمع والبصر صفتان زائدة على مجرد العلم، ولهذا ذكر العلماء ﵏: أن تفسير السمع والبصر بالعلم تأويل؛ لأن السمع والبصر قدر زائد على العلم؛ لأن الأعمى قد يعلم أن الأرض خضراء وهو لم يرها، والأصم قد يعلم مثلًا بالشيء وهو لم يسمعه، فهذا يدل على أن السمع والبصر كما قال الحافظ ﵀ قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، وأما من فسره بالعلم والإدراك فهو تأويل لهاتين الصفتين لله ﷾.
[ ٥ / ١٤ ]
إثبات إبصار الله بعينين
هل يبصر الله ﷾ بعينين؟ نعم.
إن إبصار الله ﷿ يكون بعينين ﷾، وقد نص على ذلك الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد؛ فإنه قال: نحن نقول: لربنا عينان يبصر بهما ما تحت الثرى إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فالله ﷿ يرى ورؤيته هي بصره، ويقول الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ويقول ﷾: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] إلى آخر الآية.
[ ٥ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١٦ ]
منفعة الخلق في خلق إبليس
السؤال
ذكرت أن الحكمة تعود على العبد بمنفعة، وذكرت أيضًا أن الله خلق إبليس لحكمة، فما هي منفعة الخلق في خلق إبليس؟
الجواب
منفعة الخلق في خلق إبليس هو الابتلاء؛ لأنه إذا وجد من يوسوس، ووجد من يرد هذه الوسوسة بالجهاد.
فهذا جميعًا يدل على أثر صفة من صفات الله ﷿، وهي العفو والمغفرة ونحو ذلك.
والمقصود من قوله: (ليعلم) أي: ليوجد الدفع من الإنسان، فيكون له المغفرة، وليس المقصود مجرد العلم.
[ ٥ / ١٧ ]
ما يلزم من يصعب عليه معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات
السؤال
يصعب علي معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات، فما الواجب علي؟
الجواب
لا يلزم أن تعرفها، لكننا ننبه عليها اتقاء لشرهم، فنحن لسنا في حاجة إلى ذكر كلام أهل الكلام، ومناقشة أهل الكلام، وإنما نحن نذكرهم من أجل الرد عليهم، ولكثرة الفساد الذي سببوه بسبب العقائد التي عندهم.
[ ٥ / ١٨ ]
حكم التحاكم إلى أعراف القبائل
السؤال
ما حكم التحاكم إلى أعراف القبائل في العرض والدم والقذف والشتم ونحو ذلك؟
الجواب
لا شك أن التحاكم إلى أعراف القبائل، بمعنى: أن يكون هناك دعوى، ويستمع لها، ونحو ذلك، فلا شك أنها من التحاكم إلى غير الشرع، ولهذا لو رجعتم إلى كتاب تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ ستجدون أنه ينبه على هذه المسألة، وأنها من التحاكم إلى الطاغوت، وكذلك نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة.
[ ٥ / ١٩ ]
معنى الحكم الكوني
السؤال
من أقسام الحكم: حكم كوني، ما معنى ذلك؟
الجواب
الحكم الكوني معناه: أن الله ﷿ أراد وقدر وحكم بوجود هذه المخلوقات التي في الكون، وأنه ليس هناك شيء من الأشياء قد قدرها الله ﷿ إلا وقد حكم بها، ولا يمكن أبدًا أن يحصل شيء في كون الله ﷿ وهو لم يحكم عليها.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٥ / ٢٠ ]