مما يجب على المسلم أن يعلمه من أمر دينه أنه يجب عليه التصديق بما دلت عليه أخبار الصفات دون أن يتوقف ذلك على الثبوت العقلي، ومن جملة ذلك أخبار صفتي السمع والبصر، حيث توافرت طرائق الأدلة السمعية والعقلية على ثبوتهما لله تعالى، ومن جملة ما يجب التصديق به من صفات الله تعالى صفة الإرادة، سواء أكانت كونية قدرية، أم كانت شرعية، فكل ذلك مما ثبت صفة لله تعالى في محكم كتابه وخير نبيه ﷺ.
[ ٦ / ١ ]
إثبات صفتي السمع والبصر
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الحديث عن صفة الحكمة لله ﷾، وسنتحدث إن شاء الله في هذا الدرس عن صفتي السمع والبصر، وصفتي الإرادة والمشيئة.
وقد تحدثنا عن أدلة إثبات صفة السمع والبصر، وقلنا: إن الأدلة على إثبات السمع والبصر أدلة عقلية وشرعية، وعندما نقول: إن الاستدلال يكون بالأدلة العقلية والأدلة الشرعية لا يعني أن الإيمان بأن الله ﷿ سميع وبصير يتوقف على الاستدلال بالعقل، وإنما نذكر الاستدلال بالعقل على هاتين الصفتين لعدة أمور: منها: أن هاتين الصفتين من الوضوح والجلاء والبيان بحيث إن العقل دل عليهما، وأرشد القرآن إليهما.
ومنها: أن فيه الرد على الذين أولوا صفة السمع والبصر بالعلم أو بالإدراك.
[ ٦ / ٢ ]
وجوب الإيمان والتصديق بأخبار الصفات دون توقف على قيام الدليل العقلي على الصفة
أحب أن أنقل كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من كتابه العظيم: شرح العقيدة الأصفهانية، وهو كتاب شرح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا من كتب الأشاعرة، وقد تستغربون كيف يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا من كتب الأشاعرة، لكن أقول: إن الشروح تنقسم إلى قسمين: شروح يقصد منها توضيح مسائل الكتاب، والاستدلال له، وبيان المسائل التي تنطوي تحته.
وهناك نوع من الشروح وهو: الشروح النقدية، وهو أن يأخذ كتابًا من كتب أهل البدع فيشرحها لينقد ما فيها من الأخطاء والبدع، ولهذا شرح أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا آخر من كتب أهل البدع، وهو: المحصل للرازي، وهو محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وهذا الكتاب غير موجود الآن، لكنه شرحه شرحًا نقديًا، ومن الشروح النقدية مثلًا في أصول الفقه: أن أبا الوليد الباجي ﵀ شرح كتاب الرازي المحصول فانتقده تقريبًا في كل شيء، حتى في عنوان الكتاب، فمن المفروض أن يقول: المحصول إلى؛ لأنه يحتاج إلى تعدية بحرف الجر.
فكتاب العقيدة الأصفهانية هو للشيخ شمس الدين محمد بن الأصفهاني، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الكتاب وهو في الديار المصرية في سنة سبعمائة واثنتي عشرة وهذا الكلام هو فيما يتعلق بالاستدلال العقلي.
يقول رحمه الله تعالى: [ومما يوضح ذلك: أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنًا بالرسول، ولا متلقيًا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق، يعني بهم: المشتغلين بعلم الكلام ونحوه].
[ ٦ / ٣ ]
الطرائق السمعية والعقلية في إثبات صفتي السمع والبصر
وفي هذا الكتاب أيضًا اهتم اهتمامًا كبيرًا بالاستدلال على بعض الصفات بالعقل، ومن ذلك السمع والبصر، فمثلًا يقول: في صفحة (٧٣): [إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة]، ثم تحدث عن المثبتين للسمع والبصر، ثم قال: [وللناس في إثبات كونه سميعًا بصيرًا، طرق: أحدها: السمع، كما ذكره -يعني: المصنف- وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير، ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله فرق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر، وهو لا يفرق بين علم وعلم إلا لتنوع المعلومات]، وهذا من الاستدلال القوي على إبطال من أول السمع والبصر بأنه العلم، وذكر الدليل على ذلك، وهو قول الله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ففرق بين السميع والعليم، وهكذا كل آية ورد فيها سميع عليم.
يقول: [وفرق بين السمع والبصر أيضًا عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].
ثم ذكر الطريق الثانية فقال: [لو لم يتصف بالسمع والبصر لاتصف بضد ذلك، وهو: العمى والصمم، كما قالوا مثل ذلك في الكلام] يعني: أنه لو لم يكن متكلمًا لكان أصم [لأن المصحح بكون الشيء سميعًا بصيرًا متكلمًا هو: الحياة، فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك، فالجمادات لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها، وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلًا لذلك، فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده]، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الطريقة، وقلنا: إن هذه طريقة قرآنية صحيحة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية عند القاعدة السابعة.
ثم استطرد في الرد على الفلاسفة استطرادًا طويلًا، ثم قال: [الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر: أن السمع والبصر من صفات الكمال، فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير، كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس بعالم، وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها لكان ناقصًا، والله منزه عن كل نقص، وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، وما كان جائزًا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له، فإنه لو لم يتصف به لكان ثبوته له موقوفًا على غير نفسه، فيكون مفتقرًا إلى غيره] إلى آخر كلامه ﵀.
ثم ذكر الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام فقال: [إن نفي هذه الصفات نقائص مطلقًا]، يعني: الطريقة الثالثة: الاستدلال بالكمال، [نقائص مطلقًا سواء نفيت عن حي أو جماد، ومتى انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث عنه شيء، ولا يخلقه، ولا يجيب سائلًا، ولا يعفوا ولا يعبد ولا يدعى]، ثم استدل على ذلك وبين أنها طريقة قرآنية بقول الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢].
[فدل هذا على أن الذي لا يسمع ولا يبصر أنه لا يغني شيئًا، وأنه لا يستحق العبادة، والله ﷿ مستحق للعبادة، وهو الخالق ﷾، فلزم من ذلك: أنه سميع بصير، وهذا استدلال عقلي قرآني]، يعني: القرآن أرشد إلى الاستدلالات العقلية الصحيحة التي ليس فيها مدخل من مداخل الباطل، وليس فيها شيء من اللوازم الباطلة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، وهو كلام نفيس في هذه المسالة.
[ ٦ / ٤ ]
آيتان في إثبات صفتي السمع والبصر
ذكر شيخ الإسلام ﵀ في إثبات صفتي السمع والبصر آيتين وجه الاستدلال منهما على صفة السمع والبصر واحد، فأما الآيتان فهما: قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].
وجه الاستدلال منهما: أن اسم الله ﷿ السميع واسمه البصير يتضمن كل منهما صفة، فاسمه السميع يتضمن صفة السمع، واسمه البصير يتضمن صفة البصر، والدليل على أن الأسماء تتضمن الصفات هو: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الاستدلال من هذه الآية على أن أسماء الله ﷿ تتضمن صفات هو لفظ الحسنى، فالحسنى على وزن فعلى، وهي تدل على أن أسماء الله ﷿ في غاية الحسن والجمال والكمال، فلو كانت لا تتضمن صفات لكانت ليست ببالغة الغاية في الحسن؛ لأن الأعلام المحضة التي لا معاني لها ليست من الحسن في شيء، فلما كانت أسماء الله ﷿ حسنى عرفنا من هذا أنها تتضمن معاني عظيمة جدًا.
ويلاحظ: أن الاستدلال بالآية الأولى والاستدلال بالآية الثانية وجههما واحد، وهو: الاستدلال بالأسماء على الصفات.
[ ٦ / ٥ ]
معاني اسم الله السميع
اسم السميع له أربعة معان: الأول: المجيب: يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩].
المعنى الثاني: أنه سامع الأصوات: فهو ﷾ يسمع الأصوات القليلة والكثيرة، الخفية والمعلنة، كما قال الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] إلى آخر الآية.
وسبق أن قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، جاء في كتاب التوحيد من صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في قصة خولة بنت ثعلبة عندما جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها الذي ظاهر منها، وكانت عائشة في نفس الدار، وهي لا تسمع شكوى خولة للرسول ﷺ، ومع ذلك سمعها الله ﷿ من فوق سبع سموات.
المعنى الثالث: أنه يراد به النصرة والتأييد، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
والمعنى الرابع: أنه يراد به التهديد والوعيد، يقول الله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠].
جاءت هنا هذه الصفة في مساق التهديد والوعيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به) رواه البخاري ومسلم.
معناه: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به.
فمعنى الإذن هنا: الاستماع.
[ ٦ / ٦ ]
طرائق نصوص الوحي في إثبات صفة البصر
جاء إثبات صفة البصر بأكثر من طريق: الطريق الأول: إثبات صفة البصر مباشرةً كما هو في الآتين معنا.
والثاني: إثبات الرؤية لله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
وكقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
فالرؤية هنا بمعنى: البصر.
وكذلك حديث جبريل الطويل عندما ذكر أركان الإيمان وأركان الإسلام وجاء إلى الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
وكذلك ثبت أن الله ﷿ ينظر، يدل لهذا قول النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
ويقول النبي ﷺ: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).
فقوله: (لا ينظر إليهم) صفة منفية تدل على كمال الضد، وهو النظر في حال الرضا، وهذا استدلال بالمفهوم، هذا نوع من الاستدلال، ومعلوم أن الاستدلال تارة يكون بالمنطوق، يعني: بظاهر اللفظ، مثل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]، فمنطوق الآية: أن الله ﷿ يسمع دعاء الداعي، ويجيب دعاءهم.
وهناك نوع آخر من الاستدلال وهو الاستدلال بالمفهوم، والاستدلال بالمفهوم في باب العقائد استدلال صحيح، وقد عمل به الأئمة، فـ الشافعي ﵀ استدل على إثبات رؤية الله ﷿ بالمفهوم عندما نفى الله ﷿ عن الكفار الرؤية في سورة المطففين، دل هذا بالمفهوم على أنهم يرونه، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
استدل الشافعي ﵀ بهذه الآية على أنهم لما حجبوا في حال الوعيد والكراهة لهم، دل ذلك على أنهم يرونه في حال الرضا عنهم ومحبته لهم.
[ ٦ / ٧ ]
ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما من الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية
من المسائل المتعلقة بصفة السمع والبصر: مسألة: هل صفة السمع والبصر صفة ذاتية أم فعلية؟ سبق أن أشرنا إلى أن صفة السمع والبصر منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو فعلي، فصفة السمع متعلقة بالمسموعات، فإذا وجدت المسموعات؛ فإن الله عز جل يسمعها، وإذا وجدت المبصرات؛ فإن الله ﷿ يبصرها ويراها وينظر إليها، وهي بهذا الاعتبار صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة، لكن في السمع سمع الإجابة مثلًا، أو سمع الوعيد والتهديد، هذه من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية.
[ ٦ / ٨ ]
أقوال أهل البدع في صفتي السمع والبصر
أهل البدع ينقسمون إلى قسمين في صفتي السمع والبصر: أما المعتزلة فإن عامتهم لا يثبتون صفة السمع والبصر بناءً على أصلهم في التوحيد؛ فإنهم يعتقدون أن التوحيد يلزم منه نفي الصفات، ويوجد من المعتزلة من يثبت صفة الإدراك، وبعضهم: يثبت صفة السمع والبصر، لكن يقول: له سمع وبصر هي ذاته، فهو في الحقيقة ينفيها.
أما الأشاعرة فإنهم يتظاهرون بإثبات صفة السمع والبصر، وهم يثبتون سبع صفات، ويسمونها صفات المعاني، ومن هذه الصفات: السمع والبصر، ولكنهم يفسرونها بغير معناها الصحيح، فبعضهم يقول: إن السمع البصر هما: العلم، أو الإدراك، ولهذا التزم بعضهم بأن الله ﷿ يرى المسموعات ويسمع المبصرات؛ لأنها بمعنى واحد عنده كالعلم، وهذا باطل، وسبق في كلام شيخ الإسلام ﵀ في شرح العقيدة الأصفهانية: أن العلم غير السمع، ولهذا فرق الله ﷿ بينهما عندما قال: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]، فلو كان معناهما واحدًا لما فرق بينهما ﷾، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإنه قد سبق أن أشرنا إلى أن العليم قد يعلم وهو لا يرى، وقد يعلم وهو لا يسمع، فلا يلزم من العلم وجود السمع والبصر، وهذا يدل على أن العلم صفة، وأن السمع والبصر صفتان تختلف عن العلم.
[ ٦ / ٩ ]
استعمالات النظر في القرآن
النظر له استعمالات متعددة، فمنها: أنه قد يتعدى بنفسه، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وليس المقصود من هذا: انظرونا بأبصاركم، وإنما المقصود: انتظرونا، وتوقفوا لنا، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.
فإذا عدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.
ومنها: أن يعدى بـ (إلى)، فإذا عدي بإلى فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، انظروا يعني: بالعين.
وتلاحظون أن الآيات أو الأحاديث التي ورد فيها إثبات النظر معداة (بإلى)، كقوله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم -ثم قال: ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فهذا النظر بمعنى الإبصار.
[ ٦ / ١٠ ]
أقوال أهل البدع في تعلق الصفات بالمخلوقات
أهل البدع عندما يأتون إلى تعلق الصفات بالمخلوقات، يقولون: إرادة الله ﷿ واحدة وقديمة لا تتعدد، وتعلقها بالمخلوقات هو من جهة تنوع المخلوقات فقط، ويسمونه: تعلقًا اعتباريًا، يقولون: تعلق اعتباري إضافي، ولا يعتقدون أنه وجودي ثبوتي.
وكذلك في السمع والبصر؛ فعندما يدعو داع من الذين يدعون الله ﷿ يسمعه، وقد كان قبل أن يسمعه سميعًا، فلما دعاه سمعه ﷾، وهم يقولون: إن هذا يلزم منه حدوث السمع، فإذا كانوا يقصدون: أنه يحدث لله سمع، ولم يكن من قبل سميعًا فهذا باطل لا يريده أهل السنة، وإن كانوا يقصدون أنه يسمع دعاء الداعي عندما يدعوه في ذلك الوقت، فهذا حق تثبته الأدلة وهم ينفونه، فيقولون: إن المبصرات والمسموعات الموجودة تتنوع، وقد رآها الله ﷿ من قبل برؤية واحدة، وبسمع واحد، وهم يعتبرون السمع والبصر مثل العلم، كأنه علمها بعلم واحد، وأنه لا يتجدد لله ﷿ سمع أو بصر، ويسمون هذا: حدوثًا.
وهذه الألفاظ لا ينبغي للمسلم أن يستعملها؛ لأنها ألفاظ اصطلاحية؛ كما أنه لا ينبغي للإنسان أن ينفيها نفيًا مطلقًا، يعني: أن لفظ الحدوث والحيز والجهة، ونحو ذلك من الألفاظ التي يستعملها أهل الكلام ألفاظ مبتدعة مخترعة تتضمن معاني صحيحة وباطلة، فلا يصح للإنسان أن ينفيها؛ لأنه قد ينفي معها شيئًا من الحق، ولا يصح أن يثبتها؛ لأنه قد يثبت معها شيئًا من الباطل.
والصحيح: أن يستفصل عن مراد القائل بها، فإذا قال: إن هذا يلزم منه الحدوث، نقول: بين لنا معنى الحدوث؟ وماذا تقصد بالحدوث؟ فإن كنت تقصد أنه إذا وجد الأمر المبصر، أو المسموع، والله ﷿ سمعه وأبصره، فهذا يحدث لله صفةً لم تكن موجودةً من قبل، بمعنى: أن الله لم يكن سميعًا ولا بصيرًا حتى وجدت المسموعات والمبصرات، فهذا باطل لا نقره، فالله ﷿ سميع بصير ﷾، وعندما يحدث المخلوق يراه ويسمعه ﷾.
وإن كنت تعني بالحدوث أنه عندما يوجد المخلوق يسمعه الله ويراه، وقد حدث قريبًا، ثم إذا حدث مخلوق آخر سمعه الله أو رآه، فهذا معنى حق لا ننكره، فالله ﷿ يسمع ويرى الأشياء حتى مع تأخرها وحدوثها، فهو ﷾ يراها ويسمعها.
وهكذا كلمة الجهة؛ فإن أهل البدع ينفون صفة العلو لله ﷿، ويقولون: إن هذا يلزم منه أن نثبت الجهة، فنقول: ما معنى كلمة الجهة عندكم؟ إن كنتم تقصدون أن الله في العلو؛ فنحن نثبت أن الله ﷿ في العلو ﷾، حتى لو سميتموها أنتم جهة فلا تعكر على إثباتها تسميتكم لها بالجهة، وأما إن كنتم تقصدون أنه في جهة محددة محصورة، فهذا معنى باطل لا نقره.
ولهذا في بعض الأحيان قد يأتي بعض هؤلاء المبتدعة فيطرحون على بعض أهل السنة مصطلحات، وقد يتفاعل معها بعض أهل السنة فينفيها مطلقًا، فإذا نفاها مطلقًا نفى شيئًا من الحق، أو قد يثبتها فإذا أثبتها أثبت شيئًا من الباطل.
والصحيح هو: أن نقف عند المصطلحات الشرعية، فالعلو يسمى: علوًا، والسمع يسمى: سمعًا، والبصر يسمى: بصرًا؛ فإذا جاءتنا ألفاظ من هؤلاء نستفصل عن معناها، فنثبت المعنى الحق، وننفي المعنى الباطل.
هذه هي القاعدة في الألفاظ التي ترد من عند هؤلاء.
[ ٦ / ١١ ]
إثبات صفة الإرادة
[ ٦ / ١٢ ]
أدلة إثبات صفة الإرادة
يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩].
هنا تقدير، يعني: قلت: هذا ما شاءه الله.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، موضع الشاهد: (يريد).
وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]، فيها إثبات صفة الإرادة.
وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
ففي هذه الآيات إثبات صفة الإرادة لله ﷾، وهي صفة ثابتة لله ﷿ بالعقل وبالشرع، وقد أشار شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية إلى جانب الاستدلال العقلي، وأشهر دليل يستخدم في إثبات صفة الإرادة: إن الله ﷿ عندما خلق المخلوقات خصص بعضها بأشكال وألوان في الطول والقصر، والبياض والسواد، وخصصها بأنواع مختلفة.
هذا التخصيص دليل على وجود إرادة عند المخصص وهو الخالق ﷾، فلو لم تكن هناك إرادة لما كان هناك تخصيص، فبعض الخلق جعلهم الله ﷿ بيضًا، وبعضهم سمر، بعضهم طويل، وبعضهم قصير، بعضهم عمره طويل، وبعضهم عمره قصير، بعضهم ذكر، وبعضهم أنثى، بعضهم إنسان، وبعضهم حيوان، بعضهم حي، وبعضهم جماد.
هذا التخصيص يدل على أن الخالق الذي خلقهم له إرادة جعلت بعضهم هكذا، وبعضهم هكذا لحكمة، ففيه إثبات صفة الإرادة، وفيه إثبات أيضًا: صفة الحكمة.
[ ٦ / ١٣ ]
الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والفرق بينهما
والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية.
فمعنى الإرادة الكونية: أن الله ﷿ قد أراد أن يخلق هذه المخلوقات الموجودة بكل أنواعها وكل صورها الضار منها والنافع الخير والشر ونحو ذلك، فلا يمكن أن يوجد شيء في المخلوقات إلا وقد أراده الله ﷿، ولا يمكن أن يحصل شيء لم يرده الله ﷿ من قبل، بل كل شيء أراده الله ﷿ حتى الكفر والمعاصي أرادها لحكمة، كما سبق أن أشرنا عند حديثنا عن صفة الحكمة لله ﷿، فهذه إرادة عامة، ويدل على هذه الإرادة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
هذه الآيات تدل على هذه الإرادة الكونية، وهذه الإرادة الكونية هي نفسها المشيئة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، هي المشيئة، معناها: أن الله ﷿ شاء كونًا هذه المخلوقات جميعًا بكل أنواعها وأصنافها.
والنوع الثاني: هي الإرادة الشرعية، وهذه الإرادة الشرعية معناها: أن الله ﷿ أراد من العباد الأعمال الصالحة، ولهذا أمرهم ونهاهم، فهي موافقة لمحبة الله ﷿، فالفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من وجهين: الوجه الأول: أن الإرادة الكونية لابد أن تحصل في الكون، فلا يمكن أن يوجد شيء في الكون إلا وقد أراده الله ﷿، وأما الإرادة الشرعية فإنها قد تحصل وقد لا تحصل، فنحن نرى أن الأوامر الشرعية هي: ما أراده الله ﷿ من العباد شرعًا، وقد يطيع البعض وقد لا يطيع.
الوجه الثاني: أن الإرادة الكونية منها ما يحبه الله، ومنها ما لا يحبه الله ﷿، فقد أراد الله ﷿ وجود الأعمال الصالحة في الكون.
وهذا مما يحبه، كما أراد ﷾ وجود الأعمال السيئة في الكون من أعمال الكفار ونحو ذلك، وهذا أيضًا مراد لله ﷿، ولكن ليس معنى أنه مراد أنه محبوب لله.
أما الإرادة الشرعية فإنها تكون محبوبة لله ﷿، فهو عندما أمر بالأوامر ونهى عن النواهي كان يحب من العباد أن يطيعوه فيما أمر، وأن يجتنبوا ما نهى عنه ﷾، فهذا هو الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وسيأتي الحديث عن هذا الأمر وفائدته في باب القدر، عند حديثنا عن خلق أفعال العباد، وعند حديثنا عن مراتب القدر بإذن الله تعالى.
[ ٦ / ١٤ ]
بيان ما تختص به صفة الإرادة من كونها واحدة أو متعددة بحسب المرادات
هناك مسائل متعلقة بالإرادة وهي: هل إرادة الله ﷿ إرادة واحدة غير متعددة؟ أو أنها متعددة بحسب المرادات؟ الجواب على هذا: أن الله ﷿ قدر الأشياء قبل وجودوها، وهو عندما قدرها علم ما سيفعله ﷾، وأراد فعله في المستقبل، فهو علمها وأراد أن يفعلها في المستقبل، وهذه هي الإرادة القديمة، وهي: إرادة الله ﷿، وهي التي يسميها العلماء: العزم، ثم بعد ذلك عندما أرادها الله ﷾ قديمًا لم يفعلها في تلك الحالة؛ لأنه أرادها في المستقبل، فإذا جاء وقتها أراد فعلها؛ لأن الفعل المعين المحدد لابد له من إرادة، وهذا هو القصد، فالأول: عزم، والثاني: قصد.
فالله ﷿ عندما قدر المقادير أراد أن يفعل ما يفعله في المستقبل.
هذه إرادة قديمة، وهي التي يسميها العلماء العزم، فإذا جاء وقتها أراد الله ﷿ فعلها، فيفعلها ﷾، وهذا يسميه العلماء قصدًا.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلاف أهل العلم في وصف الله ﷿ بالعزم، هل يجوز أن يوصف الله ﷿ بالعزم أو لا يجوز؟ فذكر فيها قولين: أصحهما: القول الثاني وهو الجواز، واستدل على ذلك بقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور: ﴿فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
والقراءة الثانية: قراءة عكرمة وأبي جعفر وغيره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فتصبح التاء هنا تاء المتكلم.
وكذلك يدل على إثبات صفة العزم لله ﷿: ما رواه مسلم عن أم سلمة ﵂ عندما توفي زوجها أبو سلمة، وحزنت عليه حزنًا شديدًا، فعلمها النبي ﷺ الدعاء المشهور، فقالت: (ثم عزم الله لي فتزوجت رسول الله ﷺ)، بمعنى: أراد الله ﷿ لي قبل أن أتزوج رسول الله ﷺ.
[ ٦ / ١٥ ]
الفرق بين الإرادة والمشيئة
وهل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة أو ليس هناك؟ ذكرت هذه المسألة في أثناء حديثي عن أقسام الإرادة، ونستطيع أن نقول: الإرادة عامة تشمل الإرادة الكونية.
وهذه هي المشيئة، وتشمل الإرادة الشرعية.
وليست هي المشيئة، فالمشيئة إذًا: موافقة للإرادة الكونية، فهي أخص من الإرادة، والإرادة بشكل عام تشمل المشيئة وزيادة ما عليها الإرادة الشرعية.
والدليل على أن المشيئة هي الإرادة الكونية؟ الدليل على ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩]، فدل ذلك على أن المشيئة هنا هي المشيئة الكونية، أو هي الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة الشرعية معناها: أن الله ﷿ يريد من العباد أن يؤمنوا، ومع هذا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩].
[ ٦ / ١٦ ]
نقد كلام القرضاوي في نسبة السلف إلى التفويض واتفاقهم مع المؤولة ودفاعه عن الأشاعرة
هذه مجلة المجتمع العدد مائة وسبعة وثلاثين في خمسة وعشرين جماد الآخر ألف وأربعمائة وعشرين، هناك موضوع يتعلق بموضوع توحيد الأسماء والصفات للدكتور القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون سبعين عامًا في الدعوة والتربية والجهاد، وتعرض الدكتور القرضاوي لآيات الصفات وأحاديثها التي نتحدث عنها في هذه الدروس.
يقول: (قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله ﵎: أن يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله ﵎ عن مشابهة خلقه).
ولا شك أن هذا الكلام ليس بسليم وليس بصحيح؛ لأن مذهب السلف هو: إثبات أسماء الله ﷿ وصفاته من غير تعطيل ولا تحريف، وأما ما حكاه عن مذهب السلف فهو مذهب المفوضة الذين لا يثبتون معاني صفات الله ﷾.
والمفوضة مع كونهم لا يثبتون معاني صفات الله ﷿ فهم ينفونها في الحقيقة، يعني حقيقة مذهب المفوضة: هو أنهم ينفون الصفات لكن لا يحددون المراد من الآية، فالمفوضة والمعطلة من الأشاعرة الجهمية وغيرهم يتفقون جميعًا على نفي صفات الله ﷿، لكن المفوضة يقولون: لا نعرف معنى الآية، والمؤولة يقولون معناها: كذا وكذا، إذًا: لجميع يتفق على نفي صفات الله ﷾، ومع هذا يقول: إن هذا هو مذهب السلف وهذا ليس بصحيح.
يقول: (كل منهما) يعني: من الطائفتين اللتين حكاهما، وهم جميعًا ينفون الصفات، ونسب إلى السلف أنهم مفوضة، يقول: (كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله غير ظواهرها -وهذا كلام باطل- التي وضعت لها هذه الألفاظ بحق المخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه).
يعني: نفس كلام الأشاعرة ونفس كلام المفوضة، ومع أن موضوع الأشاعرة والمفوضة انتهى منذ زمان بعيد، وصار عدد كبير -ولله الحمد- من الدعاة وطلاب العلم يعرف أن الأشاعرة والمفوضة ليسوا من أهل السنة، وتعلمون أن إثبات الصفات هو عقيدة أهل السنة والجماعة، ومع هذا يحاول الدكتور القرضاوي أن يبرر للمفوضة وللمعطلة؛ لأن شيخه حسن البنا ﵀ قد حكى أن مذهب السلف: هو التفويض، ولا شك أن هذا من التعصب -والعياذ بالله- للأشياخ.
يقول: (وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله ﵎ من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق كالتحكم في تحديد المعاني لألفاظ التغرير.
وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما بأن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظًا لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجةً ولا إعناتًا).
هو في الحقيقة لم يفهم مذهب السلف الصالح، فمذهب السلف الصالح: إثبات الصفات وليس تفويضها وعدم الإقرار بمعانيها، فهو -إذًا- حكى أن مذهب السلف: هو نفي الصفات لكن بدون تحديد للمعنى المراد من الآية؛ لأنه قال: وقد اتفق الجميع -يعني: السلف والخلف في تصوره- بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله ﵎ غير ظواهرها.
مسألة هل ظواهر النصوص مرادهَ أو غير مرادهَ؟ هذه تحدث عنها العلماء قديمًا، منهم ابن تيمية ﵀ في الفتوى الحموية المشهورة، وبين أن مقولة: (إن منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم) أنها مقولة باطلة مبنية على أن مذهب السلف هو التفويض، كما فهمه الدكتور القرضاوي.
ثم نقل عن الشيخ البنا ﵀ أنه يقول: (ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله ﵎ أسلم وأولى بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل).
وهو في الحقيقة: نفي للصفات لكي لا يفهم من معانيها شيء.
يقول: (ونعتقد إلى جانب هذا: أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق -والكلام للبنا - ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا وحديثًا).
كأنه يظن أن النزاع صوري ولفظي، مع أن المعركة التي حصلت بين السلف الصالح رضوان الله عليهم وبين المفوضة والمعطلة معركة حقيقية لها بناء عميق، وخلاف منهجي قوي جدًا، ومع هذا يقول: هذه المسألة لا تحتاج إلى نزاع، وكأنه يقول: إن هؤلاء كانوا ينازعون في أمور لفظية.
يقول: (وقد لجأ أشد الناس تمسكًا برأي السلف رضوان الله عليهم إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل ﵁؛ من ذلك تأويله لحديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) وقوله: (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن) وقوله ﷺ: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن).
انظروا: يظنون أن هذه من التأويلات.
هذه المسألة بحثها الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه القواعد المثلى، وأنا أطلب
[ ٦ / ١٧ ]