أخبر الله ﷾ أنه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، وعلوه سبحانه على خلقه لا ينافي معيته العامة والخاصة، وقد بين أهل العلم ﵏ الفرق بين المعية العامة والخاصة، كما بينوا أقسام العلو الوارد في الشرع.
[ ١٠ / ١ ]
إثبات علو الله على مخلوقاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قال ﵀: [وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧]] .
[ ١٠ / ٢ ]
أقسام العلو الوارد في الشرع
هذه الآيات كلها في إثبات صفة العلو لله ﷾، وقد تقدم في المقطع السابق آيات تثبت صفة الاستواء لله ﷿، وقلنا: إن الاستواء علو خاص، فبعد أن ذكر الأدلة الدالة على علو الله ﷿ الخاص انتقل إلى ذكر الأدلة على ثبوت العلو العام لله ﷾، وهو العلو الثابت له على كل شيء، فالله جل وعلا عالٍ على كل شيء كما دلت على ذلك الأدلة.
واعلم أن العلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة للرب ﷾ ثلاثة أنواع: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات.
أما علو القدر فله المثل الأعلى جل وعلا كما قال ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وكما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧]، وكما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: البالغة في الحسن منتهاه، فهذا علو القدر.
وأما علو القهر فذلك في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] .
وأما علو الذات فذلك الذي دل عليه الكتاب بالآيات التي سمعناها، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة سيأتي شيء منها، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه العقل، واقتضته الفطرة، واتفق عليه الناس أجمعون، مسلمهم وكافرهم، فإن علو الله ﷿ مستقر في فطر بني آدم، فما قال قائل قط: يا الله! إلا ووجد من قلبه طلب العلو، وهذا من الأدلة الفطرية التي لا يملك أحد ردها، وهذا مما يتفق عليه أهل الإسلام وأهل الكفر، وذلك أن العلو صفة كمال لائقة بالرب جل وعلا، وقد تقدم لنا قول الشيخ ﵀: إن العلو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، وذلك لتنوع أدلته وكثرتها في الكتاب والسنة، حتى إن الإنسان ليقطع قطعًا لا ريب فيه ولا شك أن النبي ﷺ ألقى ذلك إلى أمته، وأن الله عالٍ على كل شيء، وهو فوق كل شيء ﷾، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ تقريره للعلو فيما ذكره من الصفات التي ركز عليها في بيانها كالعلو، والمعية، والكلام، والرؤية.
[ ١٠ / ٣ ]
الطوائف التي ضلت في إثبات صفة العلو
وقد ضل في هذه الصفة طوائف منها: الجهمية المعطلة الذين قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، وهذا منهم وصف لله ﷿ بالعدم؛ ولذلك لما قيل لأحد الأمراء هذا الوصف قال: فرق لنا بين هذا الرب الذي تصفه وبين العدم؟ فلم يملك جوابًا؛ وذلك لأن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا على العدم، فهي صفات سلبية محضة، لا تفيد ثبوتًا ولا كمالًا، وهذا هو مذهب الجهمية المعطلة، وهو قول كثير من المعتزلة.
الطائفة الثانية التي ضلت في هذا: هم الذين قالوا: إن الله في كل مكان، وهو قول الجهمية الحلولية، وقول غالب المتصوفة، فيعتقدون أن الله ﷿ في كل مكان، ولا شك أن هذا كفر، فهم يعتقدون وجوده ﷾ في الحشوش والأماكن القذرة، وفي أمعاء الكلاب والخنازير، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا! وقد دلت الأدلة على بطلان قولهم، وأنهم قد افتروا على الله كذبًا.
القسم الثالث ممن ضلوا في هذه الصفة: هم الذين قالوا: إن الله فوق العرش بذاته، وهو مع الخلق بذاته، فهؤلاء أثبتوا العلو، وأثبتوا نقيضه، فجعلوه ﷾ بذاته فوق العرش، وبذاته في كل مكان، والفرق بين هذا القول والذي قبله أن الذي قبله لم يصرحوا بأنه فوق كل شيء، وسيأتي مزيد بيان لهذه الصفة إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.
وهذه الصفة مرتبطة بصفة المعية؛ ولذلك إذا ذكر العلو ذكر معه معية الله ﷿ في كلام أهل العلم، وذلك لأن من الناس من توهم أن علوه ﷾ ينافي معيته، وأنه لا يمكن أن يكون عاليًا على كل شيء وهو معهم، وظنوا أن المعية تنافي العلو، وما ذاك إلا لأنهم قاسوا الله ﷿ على ما يعرفونه من أحوال الخلق، ولم يفهموا ما أخبر الله ﷾ عن نفسه.
وقد أجمع أهل العلم على أن من نفى علو الله ﷿ على خلقه فهو كافر، وذلك لتوافر الأدلة في الكتاب والسنة مع الإجماع والعقل والفطرة على وصف الله ﷿ بهذه الصفة، والعلو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل السنة وغيرهم هو علو الذات، أما علو القدر وعلو القهر فإنه ثابت له ﷾، ولم يخالف فيه أهل الكلام المخالفون لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، فيثبتون علو القدر وعلو القهر، وهم يؤولون العلو الثابت له بهذين، فعلو القدر وعلو القهر يجعلونه المراد في كل موضع وصف الله ﷿ فيه نفسه بالعلو.
[ ١٠ / ٤ ]
الآيات الواردة في إثبات العلو
قال في ذكر آيات العلو: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] والرفع: يقتضي العلو، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] والإصعاد والرفع دليل على علوه ﷾، وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] في قول فرعون: ﴿أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧] وهذا فيه دليل على ما ذكرنا أن الفطر مجبولة على طلب العلو فيما يتعلق بالله ﷾، ولذلك فرعون موسى لم يطلبه لا يمينًا ولا يسارًا ولا نقب في الأرض، إنما قال لوزيره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦-٣٧]، وهذا مما يدل على أن العلو هو الذي جاءت به كل الرسل، وأن صفة العلو جاءت في كلام كل من أرسلهم الله ﷿.
وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] في الآيتين، فقوله: (من في السماء) أي: على السماء، هذا إذا كانت السماء المراد بها السبع الطباق، وأما إذا أريد بالسماء العلو فليست بمعنى (على) يعني: أنه ﷾ في العلو، فهو عال على كل شيء ﷾، عال على خلقه بائن منهم ﷾.
وعلى هذا تكون السماء اسم جنس للعالي، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] إن كانت السماء هي السماء المبنية فقوله: (في) المراد به على، وإن كان المراد بالسماء جهة العلو أي: اسم جنس للعالي فالمراد أنه ﷾ في العلو.
وهذه الأدلة شيء يسير مما ذكره الله ﷿ في كتابه مما يدل على علوه، وإلا فالآيات الدالة على العلو أكثر من أن تحصر، وقد أطال ابن القيم ﵀ في ذكر الأدلة على علوه في النونية إطالة بينة، يقف عليها من يطالع هذه المنظومة.
المهم أن علو الله ﷾ ثابت بأدلة كثيرة لا يمكن حصرها، ولا يمكن رد مدلولها، ولذلك هم يؤولون هذا كله بعلو القهر وعلو القدر.
[ ١٠ / ٥ ]
إثبات معية الله لخلقه
قال ﵀: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]] هذه الآيات في إثبات صفة المعية لله ﷾، والمعية كما ذكرنا لكم يأتي ذكرها مع العلو في كثير من المواضع، ويقررها أهل العلم من أهل السنة والجماعة بعد ذكر العلو لنفي توهم أن علوه ﷾ ينافي معيته.
[ ١٠ / ٦ ]
أنواع المعية الثابتة لله تعالى
واعلم أن المعية الثابتة له ﷾ نوعان: معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة مقتضاها وحكمها أنه ﷾ بكل شيء عليم، وهو جل وعلا على كل شيء قدير، وهو ﷾ على كل شيء شهيد، هذا مقتضى المعية العامة، أما المعية الخاصة فمقتضاها يعينه السياق، ويدل عليه الموضع الذي وردت فيه، فالمعية ترد في مواضع، ويدل على معناها السياق في الموضع الذي وردت فيه؛ ولذلك لا تستغرب أن تكون في موضع المراد بها التهديد، وفي موضع المراد بها النصر والتأييد، وفي موضع يراد بها المعنى العام وهو الاطلاع والعلم وعدم خفاء حال الإنسان، وذلك أن المعية من حيث اللغة تفيد المصاحبة، ولكن هل من لازم المصاحبة المخالطة؟ الجواب: لا، ليس من لازم المصاحبة المخالطة؛ ولذلك تقول للشخص: أنا معك، وبينك وبينه مفاوز وقفار، والمراد بذلك المصاحبة في شيء ما، فلا يلزم من ثبوت معية الله ﷿ أي لازم باطل، كما سيأتي تفصيله وبيانه من كلام الشيخ وضرب الأمثلة في ذلك من كلام الشيخ ﵀ فيما يأتي من تفصيل في هذه الرسالة المباركة.
قوله ﵀: (وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] هذا فيه ثبوت علوه سبحانه على عرشه، وهو علو خاص، ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤]، هذا فيه بيان سعة علمه جل وعلا، وأن علمه قد أحاط بكل شيء.
قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، هذا فيه إثبات معيته، وحكم ومقتضى هذه المعية أنه لا تخفى عليه من أحوالنا خافية، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فبين ﷾ حكم هذه المعية ومقتضاها، وهو علمه بحال الإنسان، فمن قال من السلف: إن المعية المراد بها العلم إنما فسر المعية بحكمها ومقتضاها، وليس ذلك من التأويل الذي هو تحريف اللفظ وصرفه عن ظاهره إلى معنى مرجوح بلا دليل، إنما هو ذكر لحكم ومقتضى هذه الصفة، وانظر كيف قدم ﷾ على ذكر المعية إحاطة علمه بكل شيء، وختم ذلك أيضًا بإحاطة علمه بما يعمل الخلق، فكان قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤]، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] .
ثم انظر أيضًا إلى إثبات علوه ﷾ على عرشه، وأن علوه على عرشه لا ينافي المعية، ولذلك ذكر المعية بعد ذكر استوائه على العرش، وذلك أنه جل وعلا ليس كمثله شيء في أي شيء من أموره: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
[ ١٠ / ٧ ]
الأدلة الواردة في إثبات معية الله
ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] هذه أيضًا فيها إثبات المعية العامة، والتي مقتضاها إحاطة علمه ﷾ بما عليه الخلق، وبما عليه الناس، مهما كثروا أو قلوا.
ثم قال في قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] هذه معية خاصة، وهي غير المعية السابقة، ووجه كونها غير المعية السابقة أن المعية السابقة ثابتة للنبي ﷺ وأبي بكر وخصومهما، والمعية هنا ليست تلك التي تكون لكل الخلق، إنما هي معية خاصة، ولذلك قال النبي ﵌ لـ أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، يعني: أنا وأنت لا خصومنا، فالله ليس مع خصومه -وهم كفار مكة الذين كانوا يطلبونه- فكانت معية خاصة، وما الذي أفادت هذه المعية هنا؟ أفادت تأييد الله ﷾ لرسوله، ونصره له ﷾، وحفظه للنبي ﷺ.
ثم قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، هذه أيضًا معية خاصة، وهي لموسى وهارون دون فرعون ومن معه.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، هذه معية خاصة بوصف، ما هو الوصف؟ التقوى والإحسان، وهي غير المعية العامة الثابتة في الآيتين المتقدمتين.
كذلك قوله: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، هذه معية بالوصف وهي صفة الصبر، وقوله: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] كذلك، هذه فيها المعية الخاصة.
[ ١٠ / ٨ ]
الطوائف التي ضلت في إثبات صفة المعية
والذين ضلوا في العلو هم الذين ضلوا في المعية: فالقسم الأول الجهمية الحلولية الذين قالوا: إنه في كل مكان.
القسم الثاني: الجهمية المعطلة الذين قالوا بالنفي، فوصفوا الله بالسلوب، وقالوا: لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، وليس يمينًا ولا يسارًا، ولا خلف ولا أمام.
القسم الثالث: الذين قالوا: إنه على عرشه بذاته ومعنا بذاته.
[ ١٠ / ٩ ]
إثبات الكلام لله تعالى
قال ﵀: [وقوله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]] .
هذه الآيات فيها إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وهي صفة يثبتها أهل السنة والجماعة كما يثبتها مثبتة الصفات من الأشاعرة وغيرهم، وينكرها الجهمية المعتزلة الذين لا يثبتون لله ﷿ الصفات، بل ينكرون اتصافه بالصفات، وسيأتي بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الكلام مفصلًا.
والذي نقوله هنا: إن الكلام صفة ذاتية لله ﷾، هذا باعتبار أصل اتصافه بهذه الصفة، وأما باعتبار أفراد كلامه ﷾ فهو صفة فعلية، فإنه ﷾ يتكلم متى شاء، ويكلم من شاء.
قال ﵀ في إثبات هذه الصفة: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] والحديث: كلام، فهذا فيه إثبات صفة الكلام له ﷾، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] والقول: الأصل فيه أنه قول كلام وليس قول فؤاد.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠] هذا أيضًا فيه إثبات القول له ﷾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، والكلمة: إنما تكون كلامًا، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، كل هذا فيه إثبات صفة الكلام له ﷾.
[ ١٠ / ١٠ ]
الطوائف التي ضلت في كلام الله
وقد ضل في هذه الصفة الجهمية المعتزلة الذين سعوا في فتنة أهل الإسلام في عهد الإمام أحمد ﵀، ففتنوا الناس وقالوا: ليس لله كلام يتصف به، إنما كلامه شيء خلقه، فهو من باب إضافة الخلق، لا من باب إضافة الصفات، وقد رد الله بدعتهم، وثبت الله ﷿ الأمة بثبات الإمام أحمد، وظهرت السنة، وانقمعت البدعة ولله الحمد.
الفريق الثاني ممن ضل في هذه الصفة: الأشاعرة الذين يثبتون أن لله كلامًا، لكنهم يقولون: إن كلامه ليس بحرف وصوت، وإنما كلامه كلام نفساني، يعني: كلامًا معنويًا لا يتبين منه شيء، ولا يعرف منه شيء بلفظ أو بحرف، إنما هو أمر في نفس الله ﷿، وتصور هذا القول يكفي في رده، كما أن معرفة كلام العرب يكفي في رده، فضلًا عن تواتر الأدلة في الكتاب والسنة، وإجماع السلف على أنه ﷾ متصف بالكلام، وأنه يتكلم جل وعلا بحرف وصوت، فإن تكليمه لموسى إنما كان بكلام مفهوم، وهؤلاء لا يفهمون إلا الكلام الذي يكون بحرف وصوت، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام الذي يأتي في هذه الرسالة عن القرآن.
فإن الذين ينكرون رسالة الرسل إما أن ينكروا أن يبعث الله إلى الناس رسولًا بشرًا منه، وإما أن ينكروا أن يكون الذي أتى به هو كلام الله، ويقولون: إن هو إلا قول البشر، فينفون أن يكون كلامًا له ﷾.
ومن هنا كان الإلحاد في هذه الصفة له خطورة متميزة عن غيرها من الصفات.
ثم ذكر المؤلف ﵀ بعد ثبوت اتصاف الله ﷿ بهذه الصفة في هذه الآيات ذكر الآيات الدالة على أن كلامه بصوت وحرف فقال: [وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]] .
هذه الآيات كلها فيها إثبات النداء لله ﷾، وإنما أتى بها المصنف ﵀ لأن النداء في لغة العرب لا يكون إلا لما كان بحرف وصوت، فهو أراد بهذه الأدلة إبطال مذهب الأشاعرة الذين يقولون: إن كلامه كلام نفساني ليس بحرف وصوت، فالنداء لا تعرفه العرب إلا للنداء الذي يكون بصوت رفيع ويكون بصوت وحرف، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل، بل إثباته كسائر صفات الله ﷿ هو من كماله ﷾؛ لأنه إنما اتصف بالصفات العليا الكاملة المنتهية في الحسن والكمال، ونداؤه ﷾ لموسى، ونداؤه لآدم وحواء ونداؤه يوم القيامة إنما هو بكلام له حرف وصوت، وليس نداءً نفسانيًا كما يزعمه أهل الكلام، والنداء قد أثبته الله ﷿ لنفسه في كتابه في أكثر من عشرين موضعًا، ويأتي إن شاء الله تعالى تقرير أن كلامه بحرف وصوت فيما نستقبل.
والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.
[ ١٠ / ١١ ]