أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم، فأهل السنة وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، فهم وسط في باب الصفات بين المعطلة والممثلة، وفي باب الوعد والوعيد بين المرجئة والخوارج، وفي باب الصحابة بين الرافضة والخوارج وهكذا فأهل السنة وسط في جميع أمورهم وأحوالهم.
[ ١٤ / ١ ]
وسطية أهل السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج] .
هذا بقية ما ذكره المؤلف ﵀ من المسائل التي مثل بها لوسطية أهل السنة والجماعة، وهي من مسائل العقيدة.
قال ﵀: (وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية) الوعيد تقدم تعريفه، وأنه الإخبار بإيقاع ما يسوء، ويقابله الوعد وهو: الإخبار بإيقاع ما يسر.
فقول المؤلف ﵀: (في باب وعيد الله) هل الخلاف الذي بين المرجئة وبين القدرية هو فقط في باب الوعيد؟ الجواب: لا، بل هو في باب الوعد والوعيد، وإنما اقتصر على أحد الأمرين اكتفاءً بدلالته على الآخر، فالخلاف الذي توسط فيه أهل السنة والجماعة هو في باب الوعد والوعيد.
[ ١٤ / ٢ ]
الطوائف التي ضلت في باب الوعد والوعيد وموقف أهل السنة من ذلك
باب الوعد والوعيد ضل فيه طائفتان: طائفة غلت في النفي، وطائفة غلت في الإثبات.
وأهل السنة والجماعة سلكوا طريقًا وسطًا بين هاتين الضلالتين، فسلموا من ضلالة الإرجاء، ومن ضلالة القدرية.
نصوص الوعد والوعيد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ جاءت عامة مطلقة، وهذه النصوص العامة المطلقة عطل عمومها المرجئة، فقالوا: إنها لا تعم أهل المعاصي، إنما هي في أشخاص معينين، هذا أحد ما حملوا نصوص الوعيد عليه، وقالوا أيضًا: إن نصوص الوعيد إنما هي في الكفار، وليست في أهل الإسلام، فكل نص تضمن وعيدًا فإنه ليس في أهل الإسلام، إنما هو في أهل الكفر، فخصوا عمومها، بل إن غلاة المرجئة عطلوا العموم بالكلية فقالوا: لا عموم لهذه النصوص.
وقابلتهم طائفة أخرى وهم القدرية الوعيدية الذين قالوا: إن نصوص الوعيد يدخل فيها مرتكب الكبيرة، وهي متحققة الوقوع فيه، فكل من فعل كبيرة فإنه خارج عن دائرة الإيمان، وحكمه الخلود في النار، فقالوا بتخليد أهل التوحيد في النار وذلك فرع عن إخراجهم من الإيمان بالكلية، والبدع متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض، فالبدعة التي كانت في الاسم انتقلت إلى الحكم، كما سيأتينا أنهم أيضًا ضلوا في أسماء الإيمان والدين، وهذا الضلال في هذا الباب تبعه الضلال في باب الأحكام.
قوله: (وفي باب وعيد الله بين المرجئة والقدرية) البحث الآن هو في ضلالهم في الحكم، حيث حكم القدرية على أهل الإيمان بالتخليد في النار، وحكم المرجئة بأن نصوص الوعيد لا تتوجه لأهل الإسلام، ولا يدخل فيها أهل الإيمان، بل أهل الإيمان ليس لهم إلا الوعد، وأما الوعيد فهو في حق الكفار، أو أنه في شخص معين، وقالوا: يجوز ألا يعذب الله أحدًا بالكلية، فتكون هذه النصوص مقصودها التهديد، وليس معناها مرادًا، وإنما يقصد بها التهديد.
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نصوص الوعيد عامة، ولكن الوعيد مقيد، وكذلك نصوص الوعد عامة، ولكنها مقيدة، فكما أننا نقيد نصوص الوعد بعدم الكفر، فكذلك نقيد نصوص الوعيد بعدم التوبة.
وبه نفهم أن لنصوص الوعد شروطًا وموانع، فعمومها له شروط وموانع، وكذلك نصوص الوعيد لها شروط وموانع في تنزيلها على الأفراد، وهذه مسألة مهمة إلى الغاية؛ لأن الخطأ فيها كثير، والفهم فيها حسير عند كثير من الناس، فبعض الناس قد يظن أن إطلاق الوعد أو إطلاق الحكم في أمر معين يلزم منه انطباق هذا الحكم على كل من قام بهذا الفعل، وهذه مسألة خطيرة، وهي التي أوقعت أهل التكفير في التكفير، ولم يفهموا ما نقل عن السلف مثلًا في تكفير من أنكر العلو؛ لأنه قد نقل عن السلف أنهم قالوا: من أنكر العلو فهو كافر، فهل الذين يقولون الآن من عوام المسلمين: إن الله في كل مكان، كفار بأعيانهم؟ الجواب: لا، لا نقول بذلك، وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ بهذا، ومثل بهذا المثال بعينه، فقال: إن من السلف من أطلق التكفير على بعض من قال بمقالات الجهمية كنفي العلو، ولكن لا يلزم من هذا أن يكون كل من قال بهذا القول فهو كافر؛ لأن التكفير لابد فيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع، فلابد من قيام الحجة التي تنقطع بها المعذرة ممن قامت عليه.
فكذلك هنا نصوص الوعد مشروطة بعدم الكفر وهذا لا إشكال فيه، ولذلك قال الله ﷾ عن أعمال أهل الكفر الصالحة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والمقصود به: العمل الصالح، فلما لم يتوفر شرط الإيمان لم ينتفع به، فنصوص الوعد من موانع تحققها وجود الكفر، ومن شروط ثبوت فضلها لأهلها وجود الإيمان.
كذلك نصوص الوعد في كونها لمعين لابد من شرطين: الأول: الإخلاص.
الثاني: المتابعة.
ونصوص الوعد في تحقق الفضل لمعين يشترط لها الإخلاص، والمتابعة.
فمن تحقق فيه الإخلاص والمتابعة فإنه يثبت له الفضل.
ونصوص الوعيد -أيضًا- مقيدة بتوافر الشروط وانتفاء الموانع، فلو أن الإنسان فعل فعلًا مما توعد الله عليه بالنار فهل نحكم بأنه من أهل النار؟ الجواب: لا؛ لأنه لابد من أن ننظر هل الشروط متوافرة؟ فإن وجدت الشروط، فهل الموانع منتفية؟ فإن انتفت الموانع وتوافرت الشروط ثبت الحكم على المعين، ولذلك الحكم على المعين يحتاج إلى نظر، فأهل السنة والجماعة أطلقوا العمومات في نصوص الوعد وفي نصوص الوعيد، وقالوا: يدخل فيها أهل الإيمان كغيرهم، ولكن تنزيلها على أهل الإيمان لابد فيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع، والموانع كثيرة: منها: التوبة، فالتوبة من موانع نزول العقاب.
ومنها: الحسنات الماحية من موانع حصول العقاب.
ومنها: سابق الفضل والعفو من الله جل وعلا، وهذا أيضًا من موانع حلول العقاب والوعيد.
المهم أن الموانع متعددة، ولذلك كان أهل السنة والجماعة وسطًا بين هاتين الضلالتين، بين المرجئة الذين قالوا: لا يتوجه نص من نصوص الوعيد إلى أهل الإسلام، وبين القدرية الذين جعلوا نصوص الوعد حكمًا على الأفراد دون نظر إلى توافر الشروط وانتفاء الموانع، فجعلوا نصوص الوعيد في حق كل أحد، فكل من ارتكب كبيرة فإنه مخلد في النار، هذا من حيث الحكم.
[ ١٤ / ٣ ]
موقف أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والفرق التي ضلت في هذا الباب
أما توسط أهل السنة والجماعة من حيث الاسم فهو في قوله ﵀: (وفي باب أسماء الإيمان والدين) المراد بأسماء الإيمان والدين: (مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق) .
هذه أسماء الإيمان والدين، وهي تمثل مراتب الناس في دينهم.
فأهل السنة والجماعة وسط في هذا الباب بين فرقتين: الحرورية والمعتزلة من جهة، والمرجئة والجهمية من جهة أخرى.
الحرورية هم: الخوارج، والمعتزلة معروفون، وجميع هؤلاء اتفقوا على بدعة وهي: سلب وصف الإيمان ممن ارتكب الكبيرة، فكل من ارتكب كبيرة فإنه غير مؤمن ولا مسلم فنفوا عنه الاسمين: الإسلام، والإيمان.
وأثبت الخوارج له وصف الكفر، فقالوا: إنه كافر، أما المعتزلة فقالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، هذا من حيث الاسم، لكن من حيث الحكم يتفقون أن من خرج عن وصف الإسلام والإيمان فإنه مخلد في النار، فمن حيث الحكم يتفقون، وأما من حيث الاسم فهم يختلفون، فالخوارج يسمونه كافرًا، والمعتزلة يقولون: لا نسميه كافرًا، إنما هو في منزلة بين المنزلتين.
يقابلهم المرجئة الجهمية، الذين قالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فأثبتوا له كمال الإيمان وتمامه ولم ينقصوا منه شيئًا، وأصل هذه البدعة بشقيها هو: اعتقادهم في الإيمان، وسيأتينا بيان ذلك مفصلًا في كلام الشيخ ﵀.
فإن الفريقين أصحاب هاتين الضلالتين يعتقدون أن الإيمان كل لا يتبعض.
وأنا أقول: من المهم لطالب العلم أن يعرف منشأ البدعة وأصلها حتى يتمكن من الرد عليها ومناقشتها.
والفريقان: الخوارج والمعتزلة من جانب، ومرجئة الجهمية من جانب، كلهم يعتقدون أن الإيمان كل لا يتبعض، فالمعتزلة والخوارج قالوا: إذا خالف الإيمان في شيء واحد سلب منه جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض، وإذا كان لا يتبعض وقد لعن النبي ﷺ من فعل الكبيرة؛ فهذا دال على نقص إيمانه، والإيمان لا يتبعض؛ فقد خرج منه الإيمان بالكلية، وإذا خرج منه الإيمان بالكلية فهو إما كافر على قول الخوارج، أو في منزلة بين المنزلتين على قول المعتزلة.
والآخرون الذين قابلوهم وهم مرجئة الجهمية قالوا: المعاصي لا تضر بالإيمان؛ لأن الإيمان كل لا يتبعض، فلو قلنا: إن الإيمان ينقص بالمعصية لزم خروجه؛ لأن الإيمان إما أن يبقى جميعًا أو يسلب جميعًا.
وسلم من هذه البدعة أهل السنة والجماعة فأثبتوا زيادة الإيمان ونقصه، وقالوا: صاحب الكبيرة لا يسلب عنه مطلق الإيمان، ولا يثبت له الإيمان المطلق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك في كلام المؤلف، وإنما المراد بيان وسطية أهل السنة والجماعة في اسم الإيمان والإسلام، والكفر والفسق.
[ ١٤ / ٤ ]
موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة والفرق التي ضلت في ذلك
ثم قال ﵀ في بيان وسطية أهل السنة والجماعة: (وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج) الرافضة غلوا في بعض أصحاب رسول الله ﷺ، فغلوا في علي بن أبي طالب ﵁ حتى أبلغوه درجة الإلهية فجعلوه رب العالمين.
ويقابلهم الخوارج الذين كفروا عليًا وعثمان.
والرافضة جمعوا بين البدعتين بين الغلو والتقصير في أصحاب رسول الله ﷺ، فوالوا بعضهم حتى رفعوهم إلى درجة الإلهية، وقصروا في أكثرهم حتى وصفوهم بالكفر والخيانة، فكفروا أبا بكر وعمر والزبير وجمهور صحابة رسول الله ﷺ.
وأما الخوارج فكفروا عليًا وعثمان، وكفروا من كان معهم من صحابة رسول الله ﷺ.
وأهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الضلالتين، فيوالون أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا، ويعتقدون أنهم خير القرون، وأنه لا كان ولا يكون مثلهم ﵃، وسيأتي بيان موقف أهل السنة والجماعة تفصيلًا في كلام الشيخ ﵀.
والمراد: أن الشيخ ﵀ بين لنا وسطية أهل السنة والجماعة في خمسة أبواب من أبواب الاعتقاد: في صفات الله ﷿.
وفي أفعال الله جل وعلا.
وفي وعيده ﷾.
وفي أسماء الإيمان والدين.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ.
وهذه الأمور سيأتي لها تفصيل في بقية هذه الرسالة المباركة.
[ ١٤ / ٥ ]
وجوب الإيمان باستواء الله على عرشه وعلوه على خلقه
قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه] .
هذا المقطع فيه إثبات علو الله ﷾، وذكر المصنف أدلته إجمالًا بعد إن بين ذلك بنوع من التفصيل فيما تقدم، فإنه في فصل الآيات ذكر الآيات الدالة على علو الله ﷿ بأنواع من الدلالة، وكذلك فيما ذكره من أحاديث النبي ﷺ بين ثبوت ذلك بالنصوص النبوية الدالة على علو الله ﷿ على خلقه.
ثم ذكر الدليل الثالث الذي يستند إليه أهل السنة والجماعة في إثبات علو الله ﷿ وهو: إجماع سلف الأمة، فقال: (وأجمع عليه سلف الأمة)، وهذه الأدلة واضحة جلية بينة لا مرية فيها ولا شك، فإن من تأمل النصوص وكلام السلف أيقن إيقانًا هو من العلوم الضرورية أنهم كانوا يعتقدون بأن الله ﷾ فوق كل شيء، وهذا مما استقرت عليه كلمتهم واتفقت ولا خلاف بينهم في هذا، والذين ينكرون العلو ينكرونه بشبه باردة، وقد سول لهم الشيطان هذه الشبه وزينها في أعينهم لرد ما استقر في الفطر، وأجمعت عليه الأمم.
ومن أبلغ شبههم التي ينفون العلو لأجلها قولهم: إن إثبات العلو يقتضي أن الله جسم، وإثبات العلو يقتضي الجهة والحيز والمكان، وكل هذه ترهات وضلالات لا تستند على حق، بل في أعظم مجمع في موقف عرفة والنبي ﷺ يخطب لما أشهد الله ﷾ على الأمة بأنه قد بلغ كان يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، وهذا من تحقيق معنى العلو لرب العالمين، كما جرى ذلك في عدة صفات كصفة السمع والبصر، وكصفة القبض للسماوات والأرض، فإن فعل النبي ﷺ ليس تشبيهًا ولا تمثيلًا، إنما هو لتحقيق اتصافه سبحانه بهذا المعنى، ولم ينكر هذا أحد من الصحابة ﵃، ولم يقولوا: كيف تشير إلى رب العالمين؟! ولو أننا طلبنا منهم نصًا يعتمدون عليه في إبطال هذه الصفة العظيمة لرب العالمين لما أتوا بشيء، وإنما يستدلون بدليل جمهور علماء الأمة على أنه موضوع، ومنهم من قال: إنه غريب، ولكن الجمهور على أنه موضوع، وهو أن النبي ﷺ قال في وصف ربه: (هو الذي أين الأين) ويتركون ما دلت عليه النصوص الدالة على علوه ﷾ على خلقه.
ثم إن علوه على خلقه ﷾ ثابت له بجميع أنواع الأدلة، ولا مناص لأهل التأويل من إثباته؛ ولذلك ذكر عن أبي المعالي الجويني أنه كان يخطب على المنبر ويقول: كان الله ولا عرش، وهو على ما كان عليه قبل أن يخلق العرش، يريد أن ينفي الاستواء، فأتى أبو الفضل جعفر الهمذاني فقال له: يا أستاذ! دعنا من العرش واستواء الرب عليه، بماذا تجيب عن هذه الضرورة التي يجدها كل أحد في قلبه: ما قال قائل قط: يا رب! إلا وجد في قلبه تحركًا إلى طلب العلو قبل حركة لسانه؟ فما كان منه إلا إن ضرب رأسه وقال: حيرني الهمذاني، حيراني الهمذاني.
وهذا هو منتهى كل من عارض ما دل عليه الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨]، وقال جل وعلا: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، أي: مضطرب، فيه اختلاف، وحيرة، وتناقض لا يعلمه إلا الله، ولو أنهم سلموا للنصوص، واتبعوا هدي السلف الصالح في هذا لسلموا، ولقدروا الله على طريقة السلف.
ثم بين أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، فذكر العلو العام والعلو الخاص فقال: (فوق سماواته على عرشه) هذا العلو العام، و(على عرشه) هذا العلو الخاص، (عليٌّ على خلقه جميعًا) .
[ ١٤ / ٦ ]
وجوب الإيمان بمعية الله لخلقه وأن ذلك لا ينافي علوه سبحانه
قال المصنف ﵀: [وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]] .
هذا فيه إثبات معية الله ﷿ لخلقه، فهو ﷾ مع خلقه، لكن أعلم أن (مع) في كلام العرب تفيد مطلق المقارنة، ولكن لا يلزم منها مماسة ولا مخالطة، وهذا ما سيبينه المؤلف ﵀، وإنما بين المؤلف هنا أن الله ﷾ متصف بمعيته لخلقه، فهو معهم أينما كانوا، ثم بين مقتضى ولازم هذه المعية فقال: يعلم ما هم عاملون، وهذا -يا أخي- ليس تأويلًا ولا تحريفًا كما يزعمه المشاغبون على أهل السنة والجماعة، فإنهم يقولون لأهل السنة: أنتم أولتم المعية بالعلم.
فنقول: ليس بصحيح، نحن لم نؤول المعية بالعلم، بل نقول: إن المعية ثابتة لله ﷿، ومن مقتضاها وحكمها ولازمها أنه ﷾ مهيمن على خلقه، مطلع عليهم، عالم بهم، فكثير من معاني الربوبية يثبت بإثبات معية الله ﷿ للخلق، ولكن لا نقول: إنه ليس مع خلقه، أو ننفي عنه هذا الوصف الذي وصف به نفسه؛ ولذلك المؤلف ﵀ قدم إثبات الوصف ثم بين لازمه، وهم يقولون في الصفات التي ينفونها: لا يد لله، ولا سمع لله، ولا حكمة لله، فينفون الصفة ويحرفونها، وأهل السنة ما فعلوا هذا، وإنما أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، ثم بينوا لازم ذلك وحكمه ومقتضاه، هذا هو الفارق بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل البدعة والضلالة.
ولذلك قال: (وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون)، وقوله: (يعلم ما هم عاملون) يشمل الفعل والقول، عمل القلب، وعمل الجوارح.
قال: (كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد:٤]، مع استوائه على العرش جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤])، هذه جملة حالية، أي: قوله: (يعلم) جملة حالية، من قوله: استوى على العرش، يعني: استوى على العرش حال كونه جل وعلا عالمًا ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فاستواءه جل وعلا على عرشه لم يمنعه من أن يحيط علمه ﷾ بشئون خلقه وبأمر مملكته ﷾، بل هو المحيط بكل شيء.
ثم قال: (﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]) بعد أن ذكر العلم أثبت المعية.
ثم قال: (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]) فأعاد ذكر سعة علمه ﷾، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، مع أنه داخل في عموم قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤]؛ لأن مما يخرج من الأرض عمل بني آدم، فالعمل الصالح يرفع إلى الله جل وعلا، وتعرض أعمال العباد على الله ﷿، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل كما في الصحيح، والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٤ / ٧ ]