الصحابة ﵃ هم خير الناس بعد الأنبياء، لم يكن ولا يكون مثلهم، هذا هو معتقد أهل السنة، الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، وقد خالف هذا الأصل الروافض والنواصب، فضلوا عن سواء السبيل.
[ ٢٦ / ١ ]
من أهل البدع: الروافض والنواصب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] .
(يتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم) الروافض: اسم لطائفة، وهم الذين رفضوا زيد بن علي لتوليه أبي بكر وعمر، سئل الإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: الذي يبغض أبا بكر وعمر.
وهذا حد ضابط؛ لأن من أبرز ما عرفوا به وأشهر ما اختصوا به بغضهم لـ أبي بكر وعمر ﵄، وهما الإمامان الجليلان وزيرا رسول الله ﷺ وصاحباه، فهؤلاء سبوا وأبغضوا، قال المؤلف: (الذين يبغضون الصحابة) وهذا أمر قلبي، (ويسبونهم) وهذا أمر قولي، فجمعوا في التقصير في حق أصحاب رسول الله ﷺ بين فساد القلب وسوء القول، وأهل السنة الجماعة هداهم الله إلى الطريق الوسط، والصراط المستقيم، فسلموا من هذه البدعة، فلم يقعوا في أحد من الصحابة، بل ألسنتهم بريئة من ذم أو همز أو سب أو نيل من صحابة رسول الله ﷺ، كيف وهم خير القرون الذين أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع عديدة؟ واعلم أن سب صحابة رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: القسم الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفرهم، أو يقتضي كفر أكثرهم، وهذا صاحبه كافر، يعني: سبهم بما هو كفر، وعابهم بما هو كفر كأن يقول: إن الصحابة ارتدوا، أو الصحابة خانوا وكذبوا، فهذا سب لهم بما هو كفر، وقائله كافر، لماذا؟ لأنه قادح في الكتاب والسنة، وطاعن في الرسالة.
القسم الثاني: سبهم باللعن والتقبيح دون الكفر، يعني: لا ينسبهم إلى ما هو كفر، إنما يلعن ويقبح ويذم، وهذا اختلف العلماء في كفره على قولين، لكن على القول بأنه لا يكفر فالواجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه.
القسم الثالث في السب: أن يسبهم بما ليس فيه نقص في دينهم، كأن يقول: هم جبناء، أو يقول: فلان منهم جبان، أو ما أشبه ذلك مما لا ينقص به دينهم، فهذا صاحبه يعزر ولا يكفر، هكذا قسم شيخنا ﵀ أحوال الساب.
واعلم أن شيخ الإسلام ﵀ أطلق الخلاف بين أهل العلم في سب أصحاب رسول الله ﷺ، لكن هذا التقسيم يبين لنا مواضع الخلاف ومواضع الاتفاق، فسب المجموع أو الجمهور من صحابة رسول الله ﷺ كفر، إذا كان السب من لازمه نسبتهم إلى الكفر أو الردة، وأما ما دون ذلك فهو الذي جرى فيه الخلاف بين أهل العلم، فهؤلاء سبوا أصحاب النبي ﷺ واستثنوا منهم بضعة عشر فتولوهم، وعليهم حملوا النصوص الواردة في فضل الصحابة وما يجب لهم من التقدير والاحترام، بل غلوا في بعضهم حتى أبلغوه درجة الإلهية، كما غلوا في علي بن أبي طالب، وكما غلوا في الأئمة الذين قالوا: إنهم معصومون.
قابل هؤلاء النواصب وأشار إليهم المؤلف في قوله: (وطريقة النواصب)، نواصب: جمع ناصب، وهو من ناصب العداوة أهل البيت، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ بعد رسول الله، فأفضل أهل البيت بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، آذوهم بقول إما بسب، أو شتم، أو لعن، أو تكفير، أو تفسيق، أو بعمل، وذلك بأن يوصل إليهم الأذى الحسي، ومنه أذى قبورهم إن عرفت بأن يلقى عليها القاذورات أو تمتهن، فإن هذا من الإيذاء وإن كان لا يصل إليهم بذواتهم، لكن هو إيذاء معنوي نظير السب والشتم، بل هو أشد.
[ ٢٦ / ٢ ]
إمساك أهل السنة عما شجر بين الصحابة
قال ﵀: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ: (أنهم خير القرون) وأن: (المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم)، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله] .
يقول ﵀: (ويمسكون) أي: أهل السنة والجماعة (يمسكون عما شجر بين الصحابة) .
شجر يعني: اختلف وتنازع، والمقصود أنهم يمسكون عن الخلاف الواقع بين صحابة رسول الله ﷺ، وهل المراد الخلاف في المسائل العلمية؟ لا، إنما المراد الخلاف المشهور الذي عرف بالفتنة بين الصحابة، الفتنة التي وقعت بين الصحابة بعد مقتل عثمان ﵁، وقعت الفتنة بين صحابة رسول الله ﷺ، فانقسم الناس إلى فريقين: فريق مع علي ﵁، وفريق مع معاوية، وجرى بينهم قتال في الجمل وصفين، وهذا هو المراد بقول المؤلف ﵀: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة] أي: من الخلاف والفتنة.
والإمساك هو: عدم الخوض لا بالفكر، ولا بالبحث، ولا بالطلب، ولا بالقول، فهو إمساك كلي عما وقع بين الصحابة؛ والسبب في هذا أنه لا فائدة في هذا البحث؛ ولذلك هذا المنهج ليس خاصًا فيما شجر بين الصحابة فقط بل شيخ الإسلام ﵀ يقول: كل ما شجر بين أهل الإسلام مما لم يطلع عليه الإنسان لا يجوز له أن يتكلم فيه؛ لأنه إن كان مصيبًا فلا فائدة في الحديث، وإن كان مخطئًا فقد بغى على القوم، وتكلم بجهل.
وهذه القاعدة لو أعملها الإنسان فيما يقع من خلافات لاستراح قلبه، واشتغل بما ينفعه؛ لأن الدخول في مثل هذه الأمور يوغر الصدور، ويعمي عن الخير، ولو لم يكن فيه مذمة ولا سوء إلا أنه يشغل عن العلم النافع؛ لكان كافيًا في الانصراف عنه والبعد؛ لأنه علم لا ينفع، أولئك قوم مضوا وهم في علم عليم خبير لا تخفى عليه خافية، والله جل وعلا يقضي بينهم، ولا مصلحة لنا ولا نفع في الخوض.
ولذلك الذي يقول: أنا أريد أن أبحث حتى أستبين الحق، نقول له: يا أخي! لم يبق من الحق ما تحتاج إلى استبانته إلا هذه القضية! القضايا التي يحتاج الإنسان إلى أن يصل فيها إلى الحق كثيرة: في الأعمال والعقائد، فلينصرف الإنسان إلى ما ينفعه من العلم، وليعلم أن هذا من العلم الذي لا ينفع، ثم إنه من جهة ثانية قل من يخوض في هذا الأمر إلا ويقع في قلبه بغض لبعض الصحابة، وهذا في حد ذاته لوثة وسيئة يجب على المؤمن أن يطهر قلبه منها، فإن القلب إذا عمره بغض الصالحين وأصحاب رسول الله ﷺ أوشك أن يهلك، وأن ينصرف عن خير كثير، أقله إنه إذا ورد الحديث عن طريق هذا الصحابي الذي صار في قلبه عليه شيء لم يرفع به رأسًا، هذا أقل ما يكون.
ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: قل من خاض في هذا الأمر إلا وصار في قلبه من البغض والذم ما هو من قبيل المعاصي يعني: لصحابة رسول الله ﷺ، فيجب على المؤمن أن يحذر من هذا غاية الحذر، يحذر منه قراءةً، وكتابةً، وسماعًا، حتى الأشرطة التي تعرض فيها الفتنة يجب على المؤمن ألا يسمعها، بل يحرم عليه أن يسمعها؛ لأنها توغر صدره، وتشغله بما لا فائدة فيه.
هذا فضلًا عن أن هذا الصراط مخالف لطريق أهل السنة والجماعة، هل رأيتم عالمًا من أهل السنة والجماعة حرر هذه المسألة وبحثها، وكتب فيها، وألف؟ لم نعرف ذلك في سلف الأمة، ولا في المتأخرين ممن سار على طريق السلف الصالح، وهم أحرص منا على الحق وإظهاره.
ثم إن قول المؤلف ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يمسكون عما شجر بين الصحابة ليس من لازمه عدم ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى، فإن أهل السنة والجماعة مع إمساكهم عما شجر بين الصحابة يعتقدون أن الفئة المحقة هي فئة علي ﵁، وأن الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁، وهذا ليس من الخوض، ولا مما أمسك عنه أهل السنة والجماعة، بل أهل السنة الجماعة مع إمساكهم عما شجر بين الصحابة يقولون: علي ومن معه أولى بالحق؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في عمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، وعمار كان مع علي، وقتل في معسكره، وهذا من الدلائل على أن عليًا ﵁ كان هو المحق، وأن معاوية ومن معه كانوا هم الفئة الباغية.
لكن اعلم أنه يجب صون اللسان عن أكثر من هذا، فلا يجوز للمؤمن أن ينال من معسكر هؤلاء أو معسكر هؤلاء، ولا يجوز له أيضًا أن يعتقد أن كل واحد في معسكر هؤلاء أو معسكر هؤلاء إما مصيب أو مجتهد، قال شيخ الإسلام ﵀: وقد يكون في أحد العسكرين من هو مريد للدنيا أو صاحب هوى لكن الكلام عن المجموع، فينبغي صون اللسان وحفظه عما وقع بينهم ﵃.
[ ٢٦ / ٣ ]
حال الآثار المروية في مساوئ الصحابة
يقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية] .
المشار إليه في مساوئهم، يعني: الآثار المروية فيما شجر بين الصحابة ﵃، والتي هي في مساوئ الصحابة، والمساوئ هي: ما يعاب عليه الإنسان من السيئات والنقائص.
قال: [منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه] .
هذا الاحتمال الثالث، منها ما هو كذب، والكذب مخالفة الواقع، يعني: لم يقع، ومنها ما وقع لكن زيد فيه أو نقص منه، زيد فيه ما لم يقع مما هو ذم لهم، ونقص منه ما يجعل القارئ المطالع لهذه الآثار يذمهم، والثالث من هذه الآثار: غير عن وجهه، أي أنه: لم ينقل نقلًا سليمًا، ولم يفهم فهمًا صحيحًا، فالتغيير هنا نظير التحريف، وهو تحريف الكلم عن مواضعه، بأن يحمل ما لا يحتمل، ويؤول ويوجه على غير وجهه؛ ولذلك قال: وغير عن وجهه يعني: عن مساقه الذي وقع فيه، فقد تنقل القصة وهي واقعة حقيقية نقلًا على وجه يلحق الذم بعض من في القصة.
فإذا كانت هذه هي الآثار المروية عنهم: إما كذب، وإما زيد فيه، ونقص منه، وإما غير عن وجهه؛ فهذا مما يزهد المؤمن في النظر في هذه القصص وهذه الآثار، هذا قسم.
والقسم الثاني: الصحيح منه ما حاله؟ قال: [والصحيح منه هم فيه معذورون] .
وجه عذرهم هو أنهم: [إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون]، فهم مجتهدون ﵃، فلا يخلو الأمر أن يكونوا مجتهدين مصيبين، أو مجتهدين مخطئين، فالذي أصاب له أجران، والذي أخطأ له أجر، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الخوض في خبر ما وقع بينهم ﵃؛ لأننا نعلم أن ما كان منهم إنما هو باجتهاد وطلب للحق.
[ ٢٦ / ٤ ]
هل الصحابة معصومون من الكبائر؟
قد يقول قائل: لازم هذا التوجيه أن نقول بعصمة الصحابة، فبادر الشيخ ﵀ إلى بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بعصمة الصحابة فقال: وهم مع ذلك - يعني: ما تقدم من تلمسهم العذر لما نقل عنهم مما صح في الفتنة- لا يعتقدون أن كل واحدًا من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره فتجوز عليهم المعاصي، قال: [بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة]، وقد وقعت الذنوب منهم في عهد رسول الله ﷺ، فالذنوب جائزة عليهم، ولا يقول أهل السنة والجماعة بأنهم لا يذنبون، لكن انظر إلى قوله: في الجملة، يعني: جملة الذنوب، ويخرج من هذا الكذب، فإن الصحابة ﵃ عدول لا يكذبون على رسول الله ﷺ، فإنهم سالمون من الكذب على رسول الله ﷺ لعظيم ما ورد من التحذير في الكذب عليه ﷺ، وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة أن الصحابة عدول فيما ينقلونه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولعل هذا مراد الشيخ ﵀ في قوله: بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، يعني: أنواع الذنوب في الجملة، لكن ما يتعلق بالكذب على رسول الله فلا يكون منهم؛ لعظيم وغلظة ما ورد في الكذب عليه ﷺ، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدق، يعني: إذا كنا نجوِّز أن تقع منهم الذنوب فهل هذا مسوغ للنيل منهم؟ الجواب: لا، ولذلك قال: [ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدق]، يعني: إن صح وثبت، إن ثبت صدوره، وصحت نسبته إليهم، قال: [حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم]، وهذا صحيح، وشاهد ذلك قول النبي ﷺ لما جرى من حاطب ما جرى من المكاتبة لأهل مكة، قال في جواب عمر لما قال: دعني أضرب عنقه: (لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذه فضيلة لا يلحقهم غيرهم، ولا يحصلها غير هؤلاء، فهم ﵃ لهم من السبق والفضل ما يوجب مغفرة ما صدر عنهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ: (إنهم خير القرون، وإن المد من أحدهم إن تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم)، وجه ذلك أنهم سبقوا إلى الإسلام، وأن ما قام في قلوبهم من تعظيم الله ﷿ والانقياد للنبي ﷺ والنصرة لهذا الدين؛ لم يقم في قلوب غيرهم.
وبه علم أن التفاضل في الأعمال لا بصورها، إنما التفاضل بما يقوم في قلب العبد، وبنتائجها وعواقبها، فقد تكون صورة العمل واحدة من شخصين في وقت واحد وفي مكان واحد، ولكن بين هذا وهذا من الفضل كما بين السماء والأرض!
[ ٢٦ / ٥ ]
مكفرات الذنوب
قال: [ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه] .
هذا احتمال، إذا ثبت أن أحدهم صدر عنه ذنب فيحتمل أنه تاب منه،والتوبة تجب ما قبلها، وهذا شروع في بيان أسباب مغفرة الذنوب، وهي ليست خاصة بالصحابة ﵃ لكنهم أحق الناس بها.
أسباب مغفرة الذنوب متعددة، منها ما أشار إليه في قوله: فيكون قد تاب منه، هذا أول ما يكون: التوبة من الذنب، والتوبة من الذنب تمحوه وتزيل أثره، قال النبي ﷺ: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وقال: (التوبة تجب ما قبلها) .
ثم قال: [أو أتى بحسنات تمحوه] .
أيضًا الحسنات مما يكفر به الذنوب كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فالحسنة تذهب السيئة وتزيلها.
قال: [أو غفر له بفضل سابقته] .
بفضل سابقته إلى الطاعة والاستقامة، وهذا دليله واضح، كما في قصة حاطب ﵁، فإنما يغفر لهم لسابقتهم وفضلهم وجهادهم في أول وقعة في مقابلة الكفار، فبه حازوا هذا الفضل.
قال: [أو بشفاعة محمد ﷺ] .
وهذا واضح، فشفاعة النبي ﷺ يحصل بها مغفرة الذنوب، وهم أحق بشفاعته من غيرهم؛ لملازمتهم له، ونصرتهم إياه ﷺ، ويدل لذلك من الأثر حديث الحوض: (فيذاد عنه أقوام فأقول: أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنهم قد بدلوا وغيروا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا)، فكونه ﷺ يقول هذا القول يدل على عنايته بأصحابه، وأنه يشفع لهم، لكن هؤلاء لما غيروا وبدلوا تبديلًا لا تنالهم الشفاعة، قال النبي ﷺ: (فأقول: سحقًا سحقًا)، ومن هؤلاء الذين غيروا وبدلوا؟ هم المرتدون الذين كفروا بعد النبي ﷺ، هذا معنى التغيير والتبديل خلافًا لما تقوله الرافضة من أنهم أبو بكر وعمر وأفاضل الصحابة، سبحان الله العظيم! قال: [أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه] .
فالبلاء في الدنيا تكفر به الخطايا، وأدلة هذا كثيرة، وهذا في الذنوب المحققة.
المؤلف ﵀ ذكر هنا من أسباب تكفير الذنوب خمسة أسباب، وقد عدها في غير هذا الموضع عشرة أسباب يحصل بها تكفير الذنوب.
قال: [فإذا كان هذا في الذنوب المحققة] يعني: التي لا مجال لإنكارها، وهي ذنوب ثابتة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ العفو فيها أقرب، والتجاوز فيها أحرى وأجدر، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم قال: [ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم - من فعل بعض الصحابة - قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم] .
قليل: ضد الكثير، والنزر: تأكيد للقلة، فهو قليل لا يكاد يوجد، هذا معنى قوله: قليل نزر، مغمور، أي: أنه لا يوقف عليه إلا بطلب وكد، فإن الذي ثبت من فضائلهم يغمر ما جاء من مساوئ عن بعضهم ﵃.
قال: [مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة -هذا في المهاجرين- والنصرة - هذا في الأنصار - والعلم النافع والعمل الصالح] .
[ ٢٦ / ٦ ]
سيرة الصحابة ﵃
ثم ختم هذا الفصل بخاتمة بديعة تبين عظيم سلامة قلوب أهل السنة والجماعة على أصحاب رسول الله، وطريق الوصول إلى ذلك، فهو نتيجة ووسيلة، نتيجة للطريق، ووسيلة لتحصيل النتيجة، قال: [ومن نظر في سيرة القوم] فمن أراد أن يطيب قلبه على أصحاب رسول الله فلينظر في سيرة القوم: [من نظر في سيرة القوم -لكن انظر- بعلم وبصيرة] العلم: ضد الجهل، والبصيرة: هو العمق في العلم، والتدقيق في النظر، وهو أن ينفذ بصر الإنسان في هذا المقروء، وهي منة من الله ﷿ يهبها العبد، وفرقان يفرق به بين الحق والباطل، فليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم بأن يلقى في قلب العبد نور يستبصر به، ويرى به الحق حقًا، والباطل باطلًا.
قال: [من نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء ﵃]، فهم خير الخلق بعد الأنبياء، أي: خير من أصحاب موسى، وخير من أصحاب إبراهيم، وخير من أصحاب عيسى، وخير من أصحاب نوح، هم خير الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك كانت هذه الأمة صاحبة السبق والفضل في الدنيا والآخرة.
قال: [ما كان ولا يكون مثلهم] .
كان هنا تامة، يعني: لا وجد ولا يوجد مثلهم، لا وجد في الزمن المتقدم عليهم، ولا يوجد في الزمن اللاحق لهم مثلهم ﵃، فهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله جل شأنه.
[ ٢٦ / ٧ ]