يؤمن أهل السنة والجماعة بما أخبر الله ﷾ به عن نفسه: من أنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه بالكيفية التي يعلمها وحده جل شأنه، وقد جحد هذا أهل البدع بخيالاتهم الفاسدة، وشبههم الباطلة.
[ ٩ / ١ ]
إثبات صفة الاستواء لله سبحانه
بسم الله الرحمن الرحم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبعة مواضع في سورة الأعراف في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، وقال في سورة (آلم السجدة): ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]] .
هذه الآيات كلها لإثبات صفة عظيمة لله جل وعلا تواتر النقل بإثباتها، وهي صفة الاستواء لله ﷾، وصفة الاستواء صفة ثابتة بالكتاب وبالسنة، وأجمع عليها سلف الأمة، وقال شيخ الإسلام ﵀: (أجمع عليها المؤمنون الأولون والآخرون بل هي ثابتة في كل كتاب أنزله الله ﷿ على كل نبي مرسل)، وعلى كل حال نحن يكفينا في إثباتها أنها صفة أثبتها الله ﷾ لنفسه في كتابه، وأثبتها رسوله ﷺ فيما ورد من سنته، وأجمع عليها سلف الأمة، فهذا يكفي في إثبات هذه الصفة ولو لم يتقدم لها ذكر في الكتب المتقدمة، وهذه الصفة صفة سمعية خبرية، أي: أن طريق إثباتها هو السمع (الكتاب والسنة)، فليس لأحد أن يقول: استدل على إثبات صفة الاستواء بالعقل؛ لأنه لو لم يرد الخبر عن الله ﷾ وعن رسوله ﷺ بأن الله جل وعلا مستو على عرشه لم يمكن لنا أن نهتدي إلى ذلك ولا أن نتوصل إليه.
ومما يقال في هذه الصفة أيضًا: إنها صفة فعلية؛ لأنها صفة كانت بعد عدم، فإنه ﷾ اتصف بها بعد خلق السماوات والأرض كما دلت على ذلك الأدلة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالاستواء على العرش إنما كان بعد خلق السماوات والأرض، فهو صفة فعلية خبرية سمعية.
[ ٩ / ٢ ]
الاستواء علو خاص بالعرش
ومن المهم في بحث الاستواء: أن نعلم أنه علو خاص، فالله ﷾ موصوف بالعلو العام، كما قال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فعلوه ﷾ عام على كل الخلق، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف ﵀، ولكن علوه على العرش علو خاص بالعرش، ووجه الخصوصية: أن الاستواء المضاف إلى الله ﷾ الموصوف به لم يضفه إلى غير العرش، فليس في الكتاب أنه استوى على السماء أو البحر أو الأرض، إنما الاستواء مضاف إلى العرش دون غيره من المخلوقات، ومن هذا نفهم: أن الاستواء علو خاص، وهو من الألفاظ المختصة بالعرش دون غيره، فلا يضاف إلى غيره لا على وجه الخصوص ولا على وجه العموم، فلا تقل: استوى الله على كل شيء، هذا لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولا تضيفه أيضًا إلى شيء مقيد كالاستواء على الأرض، أو السماء، أو غير ذلك من المخلوقات، وبه نعلم أن الاستواء أمر اختص به الله ﷾ على عرشه دون غيره من مخلوقاته.
[ ٩ / ٣ ]
معاني الاستواء عند السلف
هذه الصفة -أيها الإخوان- صفة عظيمة، تكرر ذكرها في كتاب الله ﷿ في سبعة مواضع، وجاء ذكرها في السنة في أحاديث كثيرة، وهي من الصفات الفعلية التي يجري فيها أهل السنة والجماعة على الصراط المستقيم؛ كغيرها من الصفات، فيثبتونها من غير تحرف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فما معنى الاستواء الذي يثبته أهل السنة والجماعة، أهل الفرقة الناجية لله ﷾؟ الاستواء الذي يثبتونه دار كلام السلف في معناه على أربعة معاني، وفسروه بأربع كلمات: فسر الاستواء بالعلو، وبالارتفاع، وبالصعود، وبالاستقرار.
فهذه الكلمات الأربع عليها مدار ما نقل عن السلف في تفسير الاستواء، وقد جمعها ابن القيم ﵀ في نونيته فقال: فلهم عبارات عليها أربع عليها يعني: الاستواء.
قد حُصِّلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني يعني: رابع المعاني التي ورد تفسير السلف فيها للاستواء.
يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن إذًا: تحصل لنا أربعة معان من معاني الاستواء: العلو والارتفاع والصعود والاستقرار، واعلم أنه مهما قيل من تفسيرهم بأي نوع من التفاسير التي وردت عن السلف -وهي محصورة في هذه الأربع معاني- فإننا نثبت ذلك على القاعدة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
[ ٩ / ٤ ]
شبه نفاة الاستواء والرد عليها
ومنشأ ضلال من ضل ممن أنكر الاستواء من طوائف المبتدعة المخالفين لأهل السنة والجماعة: أنهم اعتقدوا في إثبات الاستواء النقص، ولهم في ذلك شبه عديدة متنوعة، فمنهم من قال: إن إثبات الاستواء يلزم منه الجسمية، أي: أن الله تعالى جسم، ومنهم من قال: إن إثبات الاستواء يلزم منه وقوع الحوادث بالرب جل وعلا، ومن قامت به الحوادث فهو حادث، ومنهم من قال: إن إثبات الاستواء لله ﷿ يلزم منه أنه مفتقر إلى العرش.
وكل هذه ظنون كاذبة في الله جل وعلا، وخيالات فاسدة، وإنما قذفها في قلوبهم فساد تصورهم وانحراف منهجهم، وإلا فإنه لا يلزم من إثبات هذه الصفة لله ﷿ أي لازم باطل، فما قالوه من لزوم الجسمية لا نقرهم عليه، ونقول: لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، وما قالوه من قيام الحوادث نقول: ما الذي يمنع من قيام مثل هذه الحوادث؟ لا دليل، أما الذي قالوه من أنه مفتقر إلى العرش، نقول: كذبتم، فالعرش وحملته والسماوات والأرض كلها إنما تقوم بإقامة الله لها، فكل مخلوق مفتقر إليه جل وعلا، وهو الغني الحميد الذي لا يفتقر إلى شيء.
ومنشأ هذه التأويلات والتحريفات والشبه: أنهم اعتقدوا التمثيل، ولو أنهم سلموا للنصوص ونزهوا قلوبهم عن الخيالات والتصورات وطلب الكيفيات لسلموا، ولكنهم ضعفوا وقدموا العقل الفاسد على النص الصريح الصحيح؛ فإن علو الله ﷾ كما يقول عنه شيخ الإسلام ﵀: من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، فقد جاء إثباته في كتاب الله في سبعة مواضع، وفي السنة في مواضع كثيرة، فثبت بما لا يدع مجالًا للشك ولا مكانًا للريب أن النبي ﷺ قد أخبر أمته بأن الله جل وعلا قد استوى على العرش؛ ولذلك يندهش الإنسان من هؤلاء كيف يجرءون على تحريف وإبطال ما ثبت هذا الثبوت في الكتاب والسنة، مع أنهم في أمور دون ذلك يتورعون عن التأويل فيها، ويقولون: لا نستطيع أن نصرف اللفظ عن ظاهره، سواء كان ذلك في الأحكام أو فيما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ وابن القيم وغيرهما من أئمة السلف في الرد على المبطلين المحرفين لصفة الاستواء.
واعلم أن أول من دعا إلى إنكار الاستواء: هو الجهم بن صفوان، وتلقى هذه المقالة عن الجعد بن درهم، وكلاهما منحرف ضال عن منهج أهل السنة والجماعة، وكلاهما لم يعرف بعلم ولا بدين، والعجيب أنه قد نقل بالسند من طريق ابن أبي حاتم والبخاري في كتاب خلق أفعال العباد، ومن طريق عبد الله بن أحمد عن الجهم بن صفوان أنه قال: (لو وجدت سبيلًا إلى أن أحك من المصحف ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لفعلت)، وهذه ليست مقالة غير معروفة ولا ثابتة كما يزعمه البعض، ويقول: إن هذه من المقالات التي تنقل بدون أسانيد، بل ذكرها البخاري ﵀ وابن أبي حاتم وعبد الله بن أحمد، وهي مقالة مشهورة معروفة عن هذا الزنديق، فكيف يسوغ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقبل مثل هذا القول، وإنما ضاق صدره بهذا لجهله وضعف علمه.
وقد أنكر الاستواء الجهمية، ولما أنكروه من حيث المعنى اضطروا إلى أن يئولوا اللفظ؛ لأن اللفظ موجود، وهذا أمر يشترك فيه الاستواء مع بقية الصفات، فلما لم يتمكنوا من إنكار لفظه عمدوا إلى تحريف معناه، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، وهذا من أشهر ما أُول به الاستواء، واستشهدوا على ذلك بالبيت المشهور في كتبهم، وهو: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق قالوا: هذا دليل من اللغة على أن الاستواء معناه الاستيلاء، ولو أننا استدللنا عليه بنص من سنة النبي ﷺ لطالبونا بصحة الإسناد، وإن كان الحديث صحيحًا ثابتًا، قالوا: هذا من طريق الآحاد، ونحن نطالبهم بإثبات صحة هذا البيت في اللغة العربية، وقد أنكره أئمة اللغة كـ الخليل بن أحمد وابن الأعرابي وغيرهما، وقالوا: هذا البيت لا يصح، وليس في اللغة أن الاستواء بمعنى الاستيلاء.
هذا من حيث ثبوت ما استندوا إليه.
أما من حيث إبطال هذا التأويل من جهة المعنى فقد بين شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى من اثني عشر وجهًا بطلان تأويل الاستواء بالاستيلاء، وأما ابن القيم فأبلغها إلى اثنين وأربعين وجهًا -كما في مختصر الصواعق -لإبطال تأويل الاستواء بالاستيلاء، وهذا هو التأويل الشائع المنتشر عند جمهور المسلمين ممن لم يسلكوا السبيل المستقيم؛ طريق أهل السنة والجماعة.
وأصل هذا التأويل من الجهمية، ثم انتقل إلى الأشعرية، وأول من نقله إليهم أبو بكر الرازي في تفسيره، وأما متقدمو الأشعرية فإنهم يثبتون الاستواء ويقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهم يثبتون الاستواء الذي ذكره الله جل وعلا في كتابه، إلا أنهم ضلوا من جهة ثانية، وهي: أنهم جعلوا الاستواء فعلًا يقوم بالعرش لا بالرب ﷾، وأهل السنة والجماعة يثبتون الاستواء وصفًا يقوم به ﷾؛ لأنه أضافه إليه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فأضاف هذا المعنى إليه ﷾، فلا وجه لصرفه عن غيره وإضافته إلى العرش.
هم يقولون: إن الاستواء أمر يحدثه الله في العرش، يصير به الرب مستويًا على العرش، وسبب هذه المقالة الفاسدة وإن كانت أهون من مقالة أولئك؛ لأنهم يثبتون الاستواء من حيث هو، ولا يئولونه بالاستيلاء؛ سبب هذه المقالة الفاسدة: أنهم يمنعون قيام الحوادث بالرب ﷾، ويقولون: إن الله ﷿ لا يفعل ما يشاء؛ لأن قيام الفعل به دليل على الحدوث، ومن قامت به الحوادث فهو حادث.
وهذه قواعد إذا طلبت دليلها من الكتاب والسنة لم تجد لها مستندًا، إنما هي شبه وخيالات تتهافت عند النظر السليم والعقل الصريح والنقل الصحيح؛ ولذلك يجب على المؤمن ألا ترعبه هذه الشبه، فهي كما قال القائل: شبه تهافت كالزجاج تخالها حججًا وكل كاسر مكسور ليس فيها شيء مستقيم، وليس لها شيء تستند إليه؛ ولذلك هم يتناقضون تناقضًا كبيرًا، وتجد أن أحدهم يثبت ما ينفيه في آخر كلامه، وينفي ما يثبته في أول كلامه، وبعضهم يلعن بعضًا، ويكفر بعضهم بعضًا، مع اعتمادهم وانطلاقهم من أصول واحدة، لكن لما كانت هذه الأصول من عقول بني آدم دَبَّ إليها الضلال، وعرفت بالتناقض والاضطراب، أما من استمسك بالصراط المستقيم والحبل المتين بالكتاب المبين وبسنة النبي ﷺ خاتم النبيين؛ فإنه آمن من هذا الاضطراب؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يفرح أن الله ﷾ دله على هذا الصراط، وأن يثني عليه خيرًا بذلك، وأن يسأله الثبات والزيادة منه.
إذًا: عرفنا أن الجهمية ومتأخري الأشعرية أولوا الاستواء بالاستيلاء.
ومنهم من أوله بالقصد والإقبال، فقالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يعني: أقبل عليه.
قيل لهم: لماذا أقبل عليه؟ قالوا: ليخلقه، قيل لهم: العرش مخلوق قبل خلق السماوات والأرض، كما دل على ذلك ما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء)، أخبر النبي ﷺ بسبق خلق العرش على خلق السماوات والأرض، فلا وجه لما أولوه به.
ومما أولت به هذه الصفة قولهم: إن معنى (استوى على العرش) أي: دبر الملك، ففسروا العرش بالملك، والاستواء عليه بالتمكن منه، وهذا من جملة ما أولوا به كلام الله ﷿ وحرفوه، وإلا فالعرش معلوم أنه خلق من خلق الله عظيم، وليس هو الملك لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، وهل يكون ملك الله فقط على الماء؟ ملك الله للماء ولما في السماوات والأرض، وفي الحديث الصحيح: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فهل يمكن أن يقال: معنى: (سقفه عرش الرحمن)، أي: أن سقفه ملك الرحمن؟ هذا ليس صحيحًا؛ لأن الجنة وما فيها ملك للرحمن جل وعلا، فتبين بطلان هذا التأويل، وإنما ذكرنا تأويلات هؤلاء لكثرة تشبيههم، وكثرة تقريرهم خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة من اتصاف الله ﷿ بهذه الصفة العظيمة.
[ ٩ / ٥ ]
معاني الاستواء الواردة في الكتاب والسنة
اعلم أن الاستواء في اللغة ورد على نحوين، وهو كذلك في بعض المواضع في كتاب الله ﷿، ورد مطلقًا وورد مقيدًا، فالمطلق في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤]، ومعنى الاستواء هنا: الكمال والنضج، وهذا لم يعد بالحروف، وهو غير مقيد بحرف، وقد ورد في اللغة مقيدًا على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مقيد بـ (إلى)، ومعنى الاستواء هنا: الارتفاع والعلو بإجماع السلف، وذلك في مثل قوله ﷾: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]، فهنا بإجماع السلف وإجماع أهل اللغة أنه بمعنى: علا وارتفع.
الثاني: تعديته بـ (على) كالآيات التي معنا، وهذا بإجماع السلف أنه العلو والارتفاع، وذكرنا لكم ما ورد عن السلف من كلمات في بيان معنى الاستواء.
الثالث: تقييده بالواو، كقول القائل: استوى الماء والخشبة، فهنا يفيد المعية أو التسوية والمعادلة، وهذا لم يرد له ذكر في كلام الله ﷿.
نقرأ ما ذكر المؤلف ﵀ من الآيات التي أوردها في إثبات هذه الصفة.
قال ﵀: وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: ذكر الاستواء في سبعة مواضع، أولها في سورة الأعراف، في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، والعرش خلق من خلق الله عظيم؛ وصفه الله ﷿ في كتابه بالمجيد، ووصف الشيء بهذا الوصف دليل على سعته وكمال صفاته، وهو من حيث اللغة سرير الملك، وهو خلق من خلق الله عظيم استوى عليه الله جل وعلا.
وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، هذا أيضًا فيه ما تقدم.
وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] .
وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومن تشبيه بعض المشبهين: أنه جعل الوقف لازمًا على قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ)، ثم جعل ابتداء الكلام من قوله: (استوى له ما في السموات)، وهذا من التحريف البارز؛ لأنه إذا استقام له هنا فكيف يستقيم له في الآيات السابقة التي لا يمكن له فيها مثل هذا التحريف، فهناك: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في سورة الأعراف والرعد.
وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، وقال في سورة (آلم السجدة): ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، كل هذه الآيات فيها إثبات هذه الصفة الخبرية السمعية الفعلية لله ﷾.
[ ٩ / ٦ ]