إن من الخطأ اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة صفات الله، وإنما هو تابع للسمع في ذلك، لكنه لا يحيل إثبات الصفات إلا إذا كانت المقدمات التي اعتمد عليها فاسدة؛ فإن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح بل يوافقه.
[ ٩ / ١ ]
بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلًا، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير.
ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله، فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء] .
[ ٩ / ٢ ]
وجوه بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات
قرر المؤلف ﵀ في هذا المقطع بطلان اعتماد العقل في باب أسماء الله وصفاته، بل وفي سائر أبواب الاعتقاد كما سيذكر ذلك في نهاية كلامه، وبطلان اعتماد العقل في باب الإخبار عن الله ﷿ بين من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المعتمدين على عقولهم في باب الأسماء والصفات في أمر مريج وفي أمر مضطرب، فمن أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: الاضطراب والتناقض، والتناقض في الشيء دليل على فساده، ولذلك ذكر الشيخ ﵀ أنهم في أمر مريج، ثم بين اضطرابهم وتناقضهم، وضرب لذلك أمثله من البدع عند أهل الكلام: (فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها -يعني: يمنعها- وأنه مضطر فيها إلى التأويل) إلى أن النصوص التي جاء فيها إثبات الرؤية تؤول، ثم يختلفون في تأويلها، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: (إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل)، كذلك أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ممن ينفي هذه الصفات يقولون: إن الذي حملهم على ذلك أن العقل أحال أن يوصف الله بهذه الصفات.
والشيخ ﵀ تدرج فبدأ بالرؤية التي ينكرها مثبتة الصفات كالأشاعرة والماتردية والكلابية ومن سار على طريقهم، ثم ذكر بدعة الذين ينفون الصفات بالكلية كالمعتزلة والجهمية، ثم أتى ببدعة مغلظة وهي بدعة الفلاسفة الذين ينكرون البعث.
قال: (بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد) يعني: من ينكر أن الأجساد تحشر يوم القيامة وتبعث، (والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك!) وكل هذه من أقوال ابن سينا وهي من أقوال الفلاسفة الذين ينكرون البعث ويقولون: ما أخبرت به الرسل مما يقع في الآخرة إنما هي خيالات؛ ليحملوا الناس على الطاعة ويزجروهم عن المعصية، والذي حمل أولئك على هذا قولهم: إن العقل أحال ذلك وهم مضطرون إلى التأويل (ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل) .
ثم قال: (ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء) وهم الذين اعتمدوا العقل في باب الأسماء والصفات، فأثبتوا ما أثبته العقل؛ ونفوا ما نفاه العقل؛ فيكفيك دليلًا على فساد قولهم: (أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل) فليس هناك قاعدة ثابتة يرجع إليها.
(بل منهم من يدعي أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله) فبعضهم يقول: العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، ومقابله يقول: العقل يمنع ويحيل أن يوصف الله بكذا، ويأتي ثالث ويقول: إن العقل لا يوجب ولا يحيل، بل العقل يجيز أن يوصف الله بكذا، فعقول الناس متفاوتة، بل الواحد منهم -كما ذكر ذلك بعض أهل العلم- تجده في الكتاب الواحد من كتبه يذكر في موضع أن العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، وفي نفس الكتاب يقول: يمتنع عقلًا أن يوصف الله بكذا، فهذا التناقض يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتمد العقل فيما يجب لله من الكمال والتنزيه إثباتًا ولا نفيًا، بل يرجع في ذلك إلى السمع، ويستضاء بالعقل في فهم ما ورد به السمع، أما أن يستقل العقل فيما يتعلق بالله ﷿ إثباتًا ونفيًا، فهذا ليس بصحيح.
ثم قال الشيخ ﵀ بعد أن بين هذا الوجه: (فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟!) فأي العقول التي تحتمل أن يوزن بها كلام الله وكلام رسوله، فقوله: (فيا ليت شعري) أي: ليتني أعلم أي العقول نرجع إليها في فهم كلام الله وكلام رسوله، (فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء وعقولهم) لا شك أن هذا من الضلال المبين والخطأ العظيم.
هذا الوجه الأول من الأوجه التي يبطل بها اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات.
الوجه الثاني: أن اعتماد العقل في هذا الباب مخالف لطريقة السلف، فالسلف ﵏ اقتصروا في هذا الباب على ما جاء عن الله وعن رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
الوجه الثالث من الأوجه التي تبطل اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: أنه من المحال أن يستقل العقل بمعرفة ما يتعلق بالله ﷿، فالعقل يحيل الاعتماد على العقل في معرفة ما يجب لله ﷿ من الأسماء والصفات.
إذًا: الوجه الثالث هو إحالة العقل أن يكون مستندًا ومعتمدًا في معرفة ما يجب لله ﷿ وما يجوز له وما يمتنع عليه؛ وذلك أن باب الأسماء والصفات من الأمور الغيبية التي لا تدرك بالعقل، فلا يستقل العقل بمعرفة ما يجب لله ﷿ وما يمتنع عليه.
وما يجوز عليه، فهذه ثلاثة أدلة تدل على بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات.
ثم بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من ذكر أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات ذكر أن من أدلة البطلان: التناقض الذي وقع فيه المتكلمون.
[ ٩ / ٣ ]
وجوه نقض أدلة المتكلمين ببعضها
قال رحمه الله تعالى: [وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه: أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.
والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات.
الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما يعلمه مجملًا إلى غير ذلك من الوجوه.
على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، فإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه] .
هذا المقطع بين فيه الشيخ ﵀ أن هؤلاء المختصمين فيما يجب لله ﷿ في الأسماء والصفات كل منهم اعتمد فيما ذهب إليه على العقل والتأويل، فبين الشيخ ﵀ أن كل واحد من هؤلاء يحتج عليه بما احتج به على صاحبه، فالحجة التي اعتمدها أحدهم في إبطال صفة من الصفات يحتج عليه بهذه الحجج التي استند إليها في إبطاله الصفات في إثبات الصفة التي احتج على إبطالها.
فمثلًا من يقول: إن العقل يحيل أن يكون الله جل وعلا مستويًا على العرش، أو أن يكون ﷾ مريدًا، أو موصوفًا بالصفة الفلانية، يقال له: إن إحالتك هذه باطلة ومنقوضة بدليلك، أي: بالدليل الذي استدللت به على إبطالها، فنبين من هذا الدليل أن ما قلته باطل، وهذا من بديع أساليب الرد على الخصوم أن ينقض قولهم من قولهم، ولذلك اعتمد شيخ الإسلام ﵀ على هذا في كثير من ردوده على المنحرفين في هذا الباب، فاعتمد على كلامهم في إبطال كلامهم؛ لأن كلامهم اشتمل على حق وباطل، فهم تمسكوا بالباطل في إبطال ما يجب لله ﷿ وغفلوا عن الحق الذي في كلامهم، فاستعمل الحق في إبطال كلامهم، وهذا طريق بديع لإقناع الخصم ببطلان ما هو عليه، فمن احتج بهذه التأويلات التي ذكرها الشيخ ﵀ أو احتج بالعقل على إبطال ما يجب لله ﷿ يقال له: إن اعتمادك على العقل في إبطال هذه الصفات باطل من وجوه:
[ ٩ / ٤ ]
العقل لا يحيل إثبات الصفات
(أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك) العقل لا يحيل ما زعمت أنه محال، فالعقل لا يحيل أن الله ﷾ مستو على العرش، وإنما جاءت الإحالة العقلية عندكم بسبب المقدمات الباطلة الفاسدة التي جعلتموها سبيلًا للتوصل إلى هذه النتيجة، فلما كانت المقدمات -أو بعضها- مقدمات فاسدة غير صحيحة كانت النتائج تابعة لها في الفساد والبطلان، فيقال لهم: إن العقل لا يحيل ما ذكرتم أنه محال، وإنما الإحالة جاءت ناتجة عن مقدمات فاسدة إذا أبطلتموها ورفضتموها زالت الإحالة العقلية.
لماذا منعوا الاستواء؟ قالوا: لأن الاستواء يقتضي التمثيل، فإذا قيل لهم: إن الاستواء أصلًا لا يقتضي التمثيل، فإثبات الاستواء لله ﷿ لا يقتضي المشابهة والتمثيل، فتكون المقدمة التي استدلوا بها على إبطال هذه الصفة منقوضة، فإذا نقضت المقدمة بطلت النتيجة التي توصلوا إليها وهي نفي الاستواء عنه ﷾.
إذًا: أول هذه الوجوه التي يحتج بها عليهم: أن العقل لا يحيل ذلك.
[ ٩ / ٥ ]
نصوص الصفات لا تحتمل التأويل
(الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل): النصوص الواردة في باب الأسماء والصفات كثيرة يعسر أن تصرف عن ظاهرها، فهي لا تحتمل التأويل ولا تحتمل الصرف، فالاستواء جاء في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة، ولم يأت في موضع واحد ما يدل على أنه مصروف عن ظاهره فكيف مع هذه الكثرة نقول إن النص يحتمل التأويل؟!
[ ٩ / ٦ ]
مشابهة المعطلة للباطنية
(الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار) لكثرة ما ورد عنه ﷺ في الإخبار عنها وفي ذكرها (كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان) يعني: كما جاء النبي ﷺ بالصلوات الخمس وجاء بصيام شهر رمضان وأقررنا بذلك وأثبتناه ولم ندخل في ذلك متأولين، بل ننكر جميعًا على الباطنية الذين يؤولون هذه العبادات بتأويلات فاسدة، فكذلك حالكم في تأويلكم صفات الله ﷿، فكما أنكم أنكرتم على أهل التأويل من القرامطة والباطنية الذين أولوا هذه العبادات بأمور باطلة لم يأت ما يؤيد ما ذهبوا إليه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، فكذلك نقول في باب الأسماء والصفات، فالأمر كله من باب واحد.
فإذا كنا لا نقبل تأويل القرامطة والباطنية في قولهم: إن الصلوات الخمس ليست على ظاهرها بل يراد بها كذا وكذا، وكذلك الحج لا يراد به ما فهم منه عوام المسلمون بل يراد به كذا وكذا، وكذلك نقول لكم في باب الأسماء والصفات: إنها على ظاهرها ويجب الإيمان بها كما أخبر بها الله ﷾ وأخبر بها رسوله ﷺ، فالتأويل الذي يحيلها، أي: التأويل الذي اعتمدتموه في إحالة الأسماء والصفات بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات، فالباب واحد ولا فرق، فكما أنكم تنكرون على أولئك تأويلاتهم الباطلة فيجب عليكم أن تنزعوا عن هذه التأويلات الفاسدة التي أولتم بها نصوص الصفات.
[ ٩ / ٧ ]
العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح
قال: (الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص) .
العقل الصريح السليم يوافق ما جاءت به النصوص الصحيحة الثابتة، وهذه قاعدة ذهبية تحل إشكالات كثيرة، فالعقل الصريح السليم لا يمكن أن يخالف نصًا صحيحًا ثابتًا؛ لأن الشريعة لم تأت بما تحيله العقول، بل جاءت بما تحار فيه العقول، وقد تعجز عن إدراكه إدراكًا تامًا، ولهذا فكل ما تبادر لك من النصوص الصحيحة أنه يخالف العقل الصريح فاعلم أنك إنما أتيت من قبل أمرين: الأمر الأول: فساد في العقل، بأن يكون العقل الذي اعتمدته -في مصادمة النصوص- عقلًا فاسدًا، إما في أصله أو في مقدماته، أو أن يكون النص الوارد غير صحيح، فهذان تبريران أو تعليلان للمصادمة التي قد ترد بين العقل والنص.
فإما أن يكون سبب ذلك فسادًا في العقل أو ضعفًا في النصوص، فإذا اجتمع عقل صريح ونص صحيح فلا يمكن أن تكون معارضة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀ تقريرًا بينًا جليًا في كتابه المبارك: (درء تعارض العقل والنقل)، وهو كتاب جليل فيه تقعيد لأصول أهل السنة والجماعة في باب أصول الدين والرد على المبتدعة وقواعدهم في هذا الباب.
قال: (وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملًا) وهذا ما ذكرناه قريبًا من أن الشريعة قد تأتي بما تحار فيه العقول وتعجز عن إدراكه إدراكًا تامًا، لكن لا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول وتمنعه، (إلى غير ذلك من الوجوه) في إبطال طريقتهم.
(على أن الأساطين من هؤلاء) أي: كبراء القوم وعظماؤهم ومنظروهم (معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية)، وذلك أن العقل لا يدرك الغيبيات إدراكًا تامًا، فقد يدركها في الجملة لكن لا يدرك تفاصيل هذه المغيبات، (فإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه) يعني: على ما جاءت به الرسل من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فالواجب الوقوف على ما جاءوا به من غير زيادة ولا نقصان، وأن من دخل في ذلك بعقله فقد ضل ضلالًا مبينًا.
[ ٩ / ٨ ]
ما اجتمع للنبي ﷺ من كمال بيان ونصح يبطل ما عليه المعطلة
قال ﵀: [ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.
والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث، كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] .
وقد بين الله على لسان رسوله ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده.
ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله ﷺ أعلم من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمة، وأفصح من غيره عبارة وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة.
ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان.
والرسول ﵌ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في قدرته على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد، فعلم قطعًا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم.
فكل من ظن أن غير الرسول ﵌ أعلم بهذا منه، أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدى الخلق منه؛ فهو من الملحدين لا من المؤمنين] .
هذا الوجه أيضًا يضاف إلى الوجوه السابقة في بيان إبطال ما اعتمده هؤلاء من تأويل أسماء الله ﷿ وصفاته، فإن النبي ﷺ أخبر عن الله ﷿ خبرًا تامًا اجتمع فيه تمام العلم بالمخبر، وكمال المخبر من حيث البيان، وتمام إرادته للبيان، وهذه الصفات إذا توفرت في المخبر عن الشيء علم أن خبره من أصدق الأخبار؛ لاشتماله على العلم والقدرة على البيان وإرادة البيان.
وقد سبق تقرير هذا في أول الرسالة، وأن التأويل غير مقبول في باب الأسماء والصفات؛ لأن الرسل إنما جاءت لبيان ما يجب لله ﷾ وجاءت بذلك مفصلًا، وقد صدقوا فيما أخبروا وصدقوا من الله جل وعلا في خبرهم، فدل ذلك على سلامة ما جاءوا به وصحته، وأن كل من سلك غير طريقهم فقد ضل ضلالًا مبينًا، وزاغ عن الطريق الذي يوصل إلى معرفة الله ﷾، وهذا الوجه واضح وسبق تقريره.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٩ / ٩ ]