ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصولًا وأمثلة وقواعد لبيان مذهب السلف ﵏ في صفات الله تعالى ومناقشة مخالفيهم، والأصل الأول الذي ذكره هو: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فمن أثبت له تعالى بعض الصفات فيلزمه أن يثبت بقيتها كما أثبت تلك؛ لأنه لا فرق بين ما أثبته وبين ما نفاه، وكذلك من يثبت الأسماء فقط يقال له: لا فرق بين الأسماء والصفات، ومن أنكرها جميعًا بحجة أنها تشبيه، فإنكاره لها فيه تشبيه لله تعالى بالمعدومات والممتنعات، فقد فر من شيء فوقع في شيء أعظم منه.
[ ١٠ / ١ ]
الأصول والأمثلة والقواعد لبيان مذهب السلف ومناقشة مخالفيهم
قال المصنف ﵀: [ويتبين هذا بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين -ولله المثل الأعلى- وبخاتمة جامعة].
هذان الأصلان يقال فيهما: إنهما الدليل العقلي المبني على الكليات العقلية المجردة القطعية، وأما المثلان: فهما دليلان عقليان مبنيان على الاطراد الحسي الدال على القطع، وقد سبق أن الدليل العقلي يكون قطيعًا إذا بني على المقدمات الضرورية في حكم العقل.
فمثلًا: من المقدمات العقلية الضرورية: أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، هذه قضية عقلية قطعية ضرورية، ولا تحتاج أن تستعمل لها قياسات حسية؛ لأنه لا يوجد في الحس أصلًا أن النقيضين يجتمعان أو لا يجتمعان، فإذا قيل لأحد: أثبت أن النقيضين لا يجتمعان، قيل: المقصود هو النفي، فكيف تطالب بالإثبات؟!
إذًا: الأصلان فيهما تقرير بدليل عقلي مبني على النظر العقلي المجرد عن الاطرادات الحسية، أو عن المعطيات الحسية، وأما المثلان فهما مبنيان على المعطيات الحسية، أو على الأمثلة الحسية المطردة والقاضية بالقطع أيضًا، فيكون الدليل العقلي قطعي من جهتين: من جهة اطراده الحسي، ومن جهة ضرورته المجردة العقلية.
ومقصود المصنف بهذين الأصلين والمثلين: أن يبين أن التشبيه الذي نفته النصوص ليس هو الاشتراك في الاسم المطلق، وأن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص.
[ ١٠ / ٢ ]
الأصل الأول: القول في بعض الصفات كالقول في بعض
قال المصنف ﵀: [فصل: فأما الأصلان فأحدهما أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض].
هذا هو الأصل الأول العقلي المبني على الضرورة العقلية، وهو من جنس قولك: إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فكذلك من ضرورات العقل المطردة المعلومة بضرورة العقل: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإذا لم يلزم في بعضها التشبيه؛ لزم أن يكون هذا الحكم مطردًا في سائرها.
وقد قال بعض شراح هذه الرسالة: إن المصنف قصد بهذا الأصل الرد على متكلمة الصفاتية الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر، والأصل الثاني -وهو أن القول في الصفات كالقول في الذات- قالوا: هذا رد على نفاة الصفات.
وهذا القول من حيث أنه رد هذا صحيح، لكن أن يقال: إن المصنف قصد بالأصل الأول الرد على متكلمة الصفاتية، الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض فقط، وقصد بالثاني الرد على النفاة كالجهمية فقط؛ فإن هذا ليس بصحيح، والرسالة نفسها تمنع هذا؛ لأنه في الأصل الأول -وهو القول في بعض الصفات كالقول في بعض- ذكر أن هذا الأصل يُقصد به متكلمة الصفاتية من النفاة الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، وذكر بعد ذلك في نفس الأصل أنه يقصد به من ينفي الصفات ويثبت الأسماء، ثم ذكر بعد ذلك أنه يقصد به من ينفي الأسماء والصفات، وهذا هو ما صرح به المصنف.
وأيضًا إذا اعتبرت سياق كلامه -وهو صريح أيضًا- تبين لك أن الأصل الأول يُرد به على سائر الطوائف، فيرد به على من يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر، والرد على هؤلاء من هذا الأصل رد، مباشر، فيقال لهم: كما تثبتون بعض الصفات ولم يلزم من ذلك التشبيه، فأثبتوا البعض الآخر.
أيضًا: هذا الأصل رد على من يثبت الأسماء وينفي الصفات، كما ذكره المصنف عن عامة المعتزلة، وهو أيضًا رد على من ينفي سائر الأسماء، أو ينفي الأسماء والصفات كما سيأتي.
إذًا: فلا يقال: إن الأصل الأول ردٌ على هؤلاء المتكلمين من الصفاتية وحدهم، كأتباع أبي الحسن الأشعري، إنما هو رد على جمهور الطوائف كما سيأتي.
[ ١٠ / ٣ ]
مناقشة من يثبت الصفات السبع دون غيرها
قال المصنف ﵀: [فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حيٌ بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، ويجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته؛ بل القول في أحدها كالقول في الآخر].
من هو القائل بهذا المذهب؟
إذا قلنا: إن الأشعرية يقولون: إن الله ﷾ حي بحياة، متكلم بكلام
إلخ، فهذا لا إشكال فيه، فإنه معروف عن المتقدمين منهم وكذلك عن المتأخرين، وأما إذا فُهم من هذا السياق أنهم يثبتون الصفات السبع، فإن الصحيح أن مذهب الأشاعرة فيه تفصيل، فالصفات السبع التي هي: الحياة، والكلام، والسمع، والبصر، والإرادة، والعلم، والقدرة، هذه أجمعت عليها الأشعرية، أتباع أبي الحسن الأشعري، وأما أن الأشعرية لا يثبتون إلا هذه الصفات السبع، فمن حكى في مذهبهم أنهم يقتصرون على هذه السبع وحدها فقد أخطأ عليهم؛ بل إن متقدميهم وأخصهم أبو الحسن الأشعري إمام المذهب، ومتقدمو أصحابه؛ كـ القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني، وابن فورك، وجماعة سواهم، هؤلاء يثبتون ما يسمى بالصفات الخبرية؛ كالوجه، واليدين، ونحوها، وبعض متوسطيهم يثبتون بعض الصفات غير هذه السبع، وإنما الذين غلب عليهم الاقتصار على هذه السبع هم طبقة أبي المعالي الجويني ومن سار على نسجه، أي: من نسج على طريقة الجويني بعده من المتأخرين.
والإحاطة بتفصيل مقالة الأشعرية في الصفات مسألة مطولة، ولكن النتيجة العامة: أن الأشعرية منتسبون للسنة والجماعة، معظمون لمتقدم الأئمة، ليسوا من جنس المعتزلة ونحوها من الذين لا ينتحلون مذهب السنة والجماعة، فهم -أي: الأشاعرة- أقرب طوائف المتكلمين إلى أهل السنة والجماعة، كما يعبر بذلك الإمام ابن تيمية ﵀، وإمام المذهب - أبو الحسن الأشعري - حاله بعد رجوعه عن الاعتزال متسلسل من المفضول إلى الفاضل، فإنه أول ما رجع عن الاعتزال انتسب لأهل السنة والجماعة، لكنه لم يكن بصيرًا بمفصل مذهبهم، وكان علمه بعلم الكلام علمًا مفصلًا، فصار يأخذ من مقالاتهم المجملة ويحاول أن يفصلها، فربما فصلها تفصيلًا كلاميًا، فانحرف بها عن مقصودهم، ثم حسنت حاله في آخر أمره لما صنف كتاب الإبانة، فكتاب الإبانة إن كان عليه بعض المآخذ، إلا أنه في الجملة كتاب مقارب للسنة، وإن كان غير محقق على السنة والجماعة، لكنه مقارب للسنة والجماعة، وقد قال الإمام ابن تيمية ﵀ ما نصه: "وأما من قال منهم -يعني: الأشعرية- بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك -وهذا قيد مهم، وهو قوله: ولم يظهر مقالة تناقض ذلك- فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة"، وإنما كان الانتساب إلى الأشعري بدعة ليس لأجل الأشعري بذاته؛ بل لأنه في أصول الديانة لا ينبغي أن ينتسب إلى معين على وجه الاختصاص به، فإن قال قائل: فقد انتسب من انتسب إلى الإمام أحمد، وقالوا: إنه إمام السنة، قيل: أن يقال عن الإمام أحمد أو عن الشافعي أو عن أبي حنيفة أو مالك أو غيرهم: إنه من إئمة السنة، أو إمام أهل السنة، هذا وجه، وأما أن يقال: إن الحق في قول أحمد، وكأنه اختص به، فهذا هو البدعة.
ولذلك لما ناظر ابن تيمية بعض المتكلمين والقضاة في العقيدة الواسطية والحموية وغيرها، قال له بعض قضاة المالكية والشافعية: قل: إن هذا معتقد الإمام أحمد بن حنبل، فقال: لا، هذا المعتقد معروف قبل أن يولد الإمام أحمد بن حنبل.
فلا يضاف إلى رجل معين، وحتى لو كان صاحب سنة فلا ينسب إليه بخصوصه، وكأن غيره من أهل السنة أو من الأئمة ليس الحق معهم، إنما الانتساب للمعين يكون في أمور الاجتهاد؛ لأنه لا غرو أن يقال: إن فلانًا حنبلي أو شافعي في الفقه؛ وذلك لأن الشافعي مجتهد في جمهور مسائل الفقه، فأنت قد انتسبت إليه فيما يختص به وهو اجتهاده، وأما العقائد والأصول الكبرى فليست من باب الاجتهاد، ولذلك مُنع أن ينتسب أو أن يتعصب لمعين فيها، فضلًا عن أن يكون هذا المعين عنده انحراف، أو غلط، أو عدم موافقه للسنة والجماعة.
قال المصنف ﵀: [فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضىً وغضب يليق به، وللمخلوق رضىً وغضب يليق به].
فالقاعدة واحدة، والتفريق تحكم، ومعلوم أن التحكم ممنوع في النظم العقلية، فلابد من جواب عقلي، وهذه مناظرة عقلية، فإذا قال المخالف: إنه يثبت الإرادة، قيل له: إن الله يقول: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] فأثبت للمخلوق إرادة، فلمَ لمْ يلزم أن تكون إرادة الرب كإرادة المخلوق؟ فإن قال: إن الله له إرادة تليق به، قيل: هذا صحيح، ولكن لمَ لا تقول: إن له رضى يليق به؟ فإن هذه الصفة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] فهذه آية من القرآن، وهذه آية من القرآن، وهذه صفة وهذه صفة، فالتفريق بينهما من باب التحكم.
قال المصنف ﵀: [وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق].
إذا قال المخالف: إن الغضب غليان دم القلب، وهذا لا يليق بالله تعالى.
قيل: هذا تعريف للغضب بمعناه المضاف المخصص للمخلوق، وإلا فلا يمكن أن يقول قائل: إن الله ﷾ ذكر أن الحياة مخلوقة، كما في قوله ﷾: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢] فالحياة ذكرت مخلوقةً في القرآن، ونحن نقول: إن الله حي بحياة، فهل الحياة التي أضيفت إلى الله هي الحياة المخلوقة؟ الجواب: لا.
إذًا: هذا التعريف للغضب هو في حق المخلوقات، وليس من باب ما يلزم في حق الخالق، تعالى الله عن ذلك.
قال المصنف ﵀: [وكذلك يُلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عن الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين؛ فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه.
قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة].
أي: إن قال: إنه لا يوجد للمحبة والرضا إلا صورة أو معنىً واحد، وهو المعنى اللائق بالمخلوق.
قيل: فيلزمك أن تقول: إنه لا يوجد للسمع والبصر إلا معنىً واحد، فلمَ صح في عقلك أن يكون للسمع والبصر ونحوها أكثر من مراد بحسب الإضافة والتخصيص، ولم يصح ذلك في حكم المحبة والرضا ونحوها؟!
قال ﵀: [فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات.
فهكذا يقول له المثبون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك].
قوله: (فإنه يبين) أي: هذا المتكلم من الصفاتية المنتسب للسنة والجماعة، ولكنه لم يحقق أصولهم من أصحاب الأشعري، يقول المصنف: إنه إذا ناظر الأشعريُ من هو من المعتزلة، وقال المعتزلي: إنه ليس لله إرادة ولا كلام
إلخ، قال له هذا المتكلم من الصفاتية: إن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات.
وهذا الجواب من هذا الصفاتي المتكلم جواب صحيح، لكنه يجب أن يطرد في بقية الصفات، فإن الحق لابد أن يكون مطردًا.
وقوله: (فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك):
أي: ما كان جوابه للمعتزلي، فهو جواب أهل السنة له.
[ ١٠ / ٤ ]
الاحتجاج بإثبات العقل لهذه الصفات والجواب عنه
قال المصنف ﵀: [فإن قال: تلك الصفات أُثبتها بالعقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك].
هذا إثبات للصفات السبع بالدليل العقلي، ولذلك سماها بعض متكلمة الصفاتية: الصفات العقلية؛ لأنهم أثبتوها بالدليل العقلي.
وهنا سؤالان: السؤال الأول: هل هذا الإثبات لهذه الصفات بالعقل إثبات صحيح أم غير صحيح؟ والجواب: أنه إثبات صحيح من جهة الطريقة، وصحيح من جهة أن العقل يمكن أن يُستدل به على إثبات بعض الصفات الثابتة في الشريعة.
السؤال الثاني: هل العقل يدل على هذه الصفات وحدها، أم أنه يدل على هذه الصفات السبع ويمكن أن يدل على غيرها؟
والجواب: أنه يمكن أن يدل على غيرها؛ كالعلو مثلًا، فإن علو الله ﷾ يثبت بالعقل، وإن كان لا يلزم من ذلك أن كل صفة معينة في القرآن يمكن أن يدل عليها العقل ابتداءً؛ بل هناك صفات لو لم يخبر الله تعالى بها في القرآن أو رسوله ﷺ فلن يمكن للعقل أن يبتدئ القول فيها، وذلك كالنزول المذكور في حديث النبي ﵌، وكالإتيان والمجيء، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] فهذه الصفات وأمثالها لا تثبت بالعقل، مع أنه إذا ذكرها القرآن والسنة فإن العقل لا يمكن أن يكون منافيًا لها.
إذًا: يقال لهؤلاء من متكلمة الصفاتية المنتسبين للسنة والجماعة: إن هذه الصفات تثبت بالعقل، لكن العقل يدل على غيرها من الصفات ..
هذه وجه.
الوجه الثاني: أنه لو فرض جدلًا أن العقل لا يدل إلا على هذه الصفات وحدها، فهل المعتبر في صفات الله تعالى هو العقل أم الشرع؟ لا شك أن المقدم هو الشرع، والعقل وإن جُوِّز الاستدلال به إذا أمكن فإنه لاشك أن الحق معتبره الأول هو القرآن، وهنا يقال: لو فرض جدلًا أن العقل لا يدل إلا على هذه السبع وحدها، فإن غيرها من الصفات يثبت بالشرع؛ فلم جُوِّز أن تثبت الصفات بالعقل ومنع أن تثبت الصفات بالكتاب والسنة؟ مع أن التحقيق أن العقل يدل على غير هذه الصفات.
[ ١٠ / ٥ ]
الجواب الأول: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين
قال المصنف ﵀: [قال له سائر الإثبات: لك جوابان: أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل؛ لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم].
طرق المناظرة تكون على عدة أوجه: منها: المنع -أي: منع الدليل- والقلب -أي: قلب الدليل- والتسليم -أي: تسليم جدل- ثم مناقضة الدليل، وهنا يقول المصنف: لو سلمنا جدلًا بأن العقل لا يدل إلا على هذه الصفات السبع وحدها؛ فإن عدم الدليل المعين -الذي هو هنا العقل- لا يدل على عدم المدلول الذي هو ثبوت الصفات؛ لأنه يمكن أن تثبت هذه الصفات بدليل آخر، فهنا تكون القاعدة في الدليل: أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول؛ لأنه يمكن أن يثبت المدلول بغير هذا الدليل المعين.
وغاية ما يمكن أن يقال: إن العقل دليل، فمن باب أولى أن يقال: إن القرآن دليل، مع أن تسمية العقل دليل مسألة فيها تفصيل، لكن لو سلِّم وقيل: إن العقل دليل في هذا الباب، والقرآن دليل، فعدم الدليل المعين -الذي هو العقل- لا يستلزم عدم المدلول الذي هو ثبوت غير هذه الصفات السبع؛ لكونها تثبت بدليل آخر وهو الشرع، أو الدليل السمعي.
وقوله: (فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه):
فإن العقل قد أثبت سبع صفات -كما يقولون- لكن هل نفى غيرها أم سكت عن ذلك؟ على هذا الفرض سكت عن ذلك، فسكوته عنه ليس نفيًا.
وقوله ﵀: (وليس لك أن تنفيه بغير دليل؛ لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم).
إن السمع -وهو الدليل من القرآن والسنة- قد أثبت الصفات لله ﷾، وهو قد سلم من المعارضة العقلية والشرعية، أما أنه سلم من المعارضة الشرعية فلأن الشرع -الذي هو الكتاب والسنة- لا يمكن أن يكون متعارضًا مختلفًا، وقد نزه الله كتابه عن ذلك.
وأما أنه سلم من المعارضة العقلية فهذا أيضًا معلوم بالقطع، فإن كل ما جاء في كلام الله يمتنع أن يكون معارضًا لشيء من حكم العقل، وكل من زعم حكمًا عقليًا معارضًا للقرآن، فإن حكمه العقلي حكم باطل، وليس حكمًا صحيحًا.
[ ١٠ / ٦ ]
الجواب الثاني: أنه يمكن إثبات سائر الصفات بالعقل أيضًا
قال المصنف ﵀: [الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته -وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى؛ لقوة العلة الغائية؛ ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم، أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة].
يبين المصنف ﵀ في الجواب الثاني أن ثمة طريقًا عقليًا لإثبات غير هذه الصفات السبع بالعقل، وذلك كصفة الرحمة، فيقال فيها: إن نفع العباد يدل على إثبات صفة الرحمة ..
وهكذا.
بل إن بعض الصفات -غير الصفات السبع- حقيقتها أنها من جهة العقل أقرب من بعض الصفات التي أثبتوها، فإن إدراك العامة من المسلمين أن إكرام الطائعين يدل على محبة الله لهم، وعقوبة الظالمين والكافرين به ﷾ تدل على غضبه، ونحو ذلك -إدراكهم لهذا أقرب وأقوى من كلمة (التخصيص يدل على الإرادة)، فإن العامة ربما لا يستوعبون معنى هذه الكلمة أصلًا، فلا يفهمون معنى التخصيص ولا علاقة التخصيص بالإرادة؛ بل تحتاج إلى شرح حتى تفهم، كذلك مسألة الحكم وما تنتهي إليه المفعولات؛ ولهذا فإن من فقه المصنف أنه عبر هنا بالانتهاء، فإن بعض الأمور قد تبتدئ ويكون ظاهرها في حق بني آدم أنها ليست خيرًا لهم، وذلك كالإفك الذي وقع في حق عائشة رضي الله تعالى عنها، ومع ذلك قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
[ ١٠ / ٧ ]
مناقشة من يثبت الأسماء دون الصفات
قال المصنف ﵀: [وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء؛ كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء والصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا وتجسيمًا؛ لأنا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم.
قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمىً بأنه حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم، فانف الأسماء، بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم.
فكل ما يحتج به من نفى الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات].
هذه هي الطائفة الثانية التي يرد عليها بهذا الأصل، وذلك بأن يقال: إن هذا الباب باب واحد، بمعنى: أن قوله في الصفات مبني على مسألة الاشتراك، فإذا زعم المخالف أن هذه الصفات لا توجد في الشاهد إلا وتكون من باب التركيب، أو من باب الأعراض القائمة بالأجساد -وهذا ما يسمى بدليل الأعراض عندهم- فإن الجواب أن يقال: وكذلك هذه الأسماء التي تستعملها إثباتًا عندك فإنها لا تستعمل في الشاهد المخلوق إلا في حق هذه الأجسام المخلوقة، فإن بني آدم وغيرهم من الحيوان يقال عنهم: إن هذا حي، ويقال عن الآدمي: إنه عليم وقدير بقدرته البشرية ..
ونحو ذلك.
فالمقصود: أن هذا الاسم سواء سمي اسمًا أو سمي صفة، فإن بابه واحد من جهة امتناع الاشتراك في الاسم المطلق، إذا كان هو الشبهة التي يبني عليها هؤلاء منعهم لهذا الإثبات.
[ ١٠ / ٨ ]
مناقشة نفاة الأسماء والصفات
قال المصنف ﵀: [وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير؛ بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، كان كذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات].
بين المصنف ﵀ أنه يلزم أصحاب هذا المذهب ما فروا منه، ولذلك قدم المصنف أنهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره أو في شر منه.
وكما أنه يقال لمتكلمة الصفاتية: إنكم تقولون: إن الله حي بحياة، فيلزم أن تقولوا: إن له محبةً تليق به
وهكذا.
فيقال للطائفة الثانية والثالثة: إنكم تقولون: إن الله ﷾ موجود بوجود يليق به؛ وذلك لأن مسألة الوجود -كما أسلفنا- لا يمكن لأحد أن ينازع فيها، فالله تعالى موجود بوجود قائم بذاته، غني عما سواه، فإذا كان الوجود ثابتًا في حقه ﷾ مختصًا به، فإن القول في الوجود -المشترك بين الخالق والمخلوق إذا أطلق اسمًا- هو من باب الاشتراك في الاسم المطلق، مثله مثل القول في بقية الصفات.
[ ١٠ / ٩ ]
امتناع سلب النقيضين
قال المصنف ﵀: [فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات؛ فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، فيمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل].
لأن رفع النقيضين من جنس جمع النقيضين، وهذا من ضرورات العقل؛ ولهذا فكلما كان المذهب أبعد عن الشريعة أو عن السنة وعن الحق، فإن بعده عن العقل يكون كذلك، وكلما كان أقرب إلى الشريعة فيلزم أن يكون أقرب إلى العقل؛ لأن ثمة تلازمًا بين حكم الشريعة وحكم العقل، والمقصود بالعقل هنا: العقل الصحيح الثابت؛ وليس مجرد الظن أو الوهم الذي يعرض لبعض عقول بني آدم.
[ ١٠ / ١٠ ]
الرد على قول المعترض: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما
قال المصنف ﵀: [فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما].
لقد سبق قول المصنف ﵀ أن هؤلاء عندهم سفسطة في العقليات، وهذا من ضمن تلك السفسطات العقلية، وسيرد عليه المصنف في الفقرة التالية.
[ ١٠ / ١١ ]
الوجه الأول: أن نفي أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر
قال المصنف ﵀: [قيل لك: أولًا: هذا لا يصح في الوجود العدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر].
هذا المقام محصل تحت قاعدة: أن نفي أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر، فإنه يقال لنفاة الأسماء والصفات: إنكم تتفقون مع عامة المسلمين، بل وعامة المقرين بربوبية الله أن الله منزه عن النقص، ومما ينزه عنه من النقص: تنزيهه ﷾ عن العمى، فإذا نزهتم الباري عن العمى؛ لزم أن يكون موصوفًا بالبصر؛ لأنه إذا ارتفع أحد المتقابلين لزم ثبوت الآخر، ويقال لهم في صفة العلم: إنكم تسلمون بأن الله منزه عن الجهل، فيلزم من ذلك أن يكون موصوفًا بالعلم ..
وهكذا في جميع الصفات.
وما هو جوابهم عن هذه القاعدة فيما ينفونه من الصفات؟
يقولون: إن هذه القاعدة تصح في المتقابلين، أي: فيما كان قابلًا لهذه الصفة أو لضدها، فمثلًا: إذا قيل: إن زيدًا ليس بأعمى؛ لزم أن يكون مبصرًا.
[ ١٠ / ١٢ ]
الوجه الثاني: إلزامهم بتشبيه الله بالجمادات
وقولهم: وأما غير القابل لهذه الصفات، فإنه لا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الأخرى.
فيقال: إنكم فررتم من تشبيه الله ﷾ بالمخلوقات الحية، فشبهتموه بالموجودات الميتة الجامدة التي لا حياة لها، ولا شك -باتفاق العقلاء- أن المخلوق الحي أكمل من المخلوق الجامد غير الحي، ولهذا فليس في الجمادات أنبياء ولا رسل ولا ملائكة ..
وهذا من البدهيات.
إذًا: فهم فروا من تشبيه الله بالمخلوقات الحية، فلزم التشبيه بالموجودات الجامدة التي يقولون: إنها ليست قابلة، وذلك كالجبل، فإنهم يقولون: إذا قيل: إن الجبل ليس بأعمى، لم يلزم أن يكون الجبل مبصرًا ..
فنقول: بئس ما انتهى إليه النظر العقلي عندكم! لأن الجبل ليس بأكمل من الإنسان الحي، فإذا قلتم: إن هذا الإثبات تشبيه له بالإنسان، قيل: فطريقتكم الثانية في عدم القابلية تشبيه له بالجماد، وهذا مما يدل على أن هذا التركيب العقلي في أصله خطأ؛ لأن المقصود شرعًا وعقلًا هو أن ننزه الله ﷾ عن مشابهة كل شيء، سواء كان هذا الشيء حيًا أو ميتًا أو جمادًا، أو مخلوقًا، أو متصور الخلق، أو مفروضًا في الذهن، فالله منزه عن هذا كله.
[ ١٠ / ١٣ ]
الوجه الثالث: عدم وجود الدليل على ما يزعمون
ثم إنهم يقولون: إن هذه القاعدة صحيحة إذا كان الشيء قابلًا للصفتين والله ليس قابلًا، فنقول: ما هو الدليل على أن الله ليس قابلًا؟ الله ﷾ أخبر في كتابه أنه متصف بهذه الصفات، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذا في سياق تكليمه سبحانه لنبيه، وفي سياق الرسل قال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فالله ﷾ سمع كلامهم، وكقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران:٢٩] فالله ﷾ قد وصف نفسه بهذه الصفات وغيرها، فمن أين لكم -من الشرع أو من العقل- أن الله ليس قابلًا لهذه الصفات؟!
وقوله ﵀: (فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما.
قيل لك: أولًا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر).
هذا هو الجواب الأول: أن مسألة التفريق بين تقابل العدم والملكة، وتقابل السلب والإيجاب، وأن زيدًا إن قلت: إنه ليس بأعمى؛ لزم أن يكون مبصرًا، بخلاف الجبل، ونحو ذلك، نقول: هذا في مسألة العمى والبصر ونحوه، لكن هناك بعض المقدمات التي لا يمكن أن ننازع فيها أنها من باب تقابل السلب والإيجاب، ومعنى تقابل السلب والإيجاب: أن يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر، وهو الوجوب.
وإذا صح الأمر في صفة واحدة، أو في اسم واحد، أو في معنىً واحد؛ بطلت القاعدة التي يزعمون أنها تقول: إن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، فالإبطال الأول الذي ذكره المصنف هو بمسألة الوجود، وقد ذكرنا سابقًا: أن المصنف عني بتقرير مسألة الوجود ليس من باب عناية المتكلمين بها، فإن المتكلمين -ولا سيما غلاتهم- يعنون بتقرير مسألة الوجود لذاتها، لكن المصنف يقول: إن مسألة وجود الله تعالى مسألة فطرية، ولسنا نريد أن نثبت الأدلة على وجود الله؛ لأن هذه مسألة بينة بدليل الفطرة، ودلائل العقول المتواترة، ودلائل الشرائع، وغير ذلك، فهو لا يقصد إلى إثباتها كمسألة تحتاج إلى إثبات وتفصيل أو مجادلة، إنما يستعمل مسألة الوجود لأنها مبتدأ ضروري في مناظرة هؤلاء، فإنهم يقولون: إن الله موجود، وإن المخلوق موجود، ولا يلزم من الاتفاق في الاسم التطابق في الماهية -أي: في ماهية الوجود- عند الإضافة والتخصيص.
[ ١٠ / ١٤ ]
الاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية
قال المصنف ﵀: [وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية].
يشير المصنف هنا إلى منزع هذه الطرق والسفسطة العقلية، فهي ليست من أوائل عقولهم، وإنما تلقوها عن مقدمات مشائية، والمشاءون هم أتباع أرسطو طاليس من الفلاسفة اليونان.
ثم ذكر ﵀ قاعدة عقلية، وهي: أن الاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية؛ لأن الحقائق العقلية حقائق عقلية مشتركة في العقل البشري، سواء عبر عنها بلسان العرب أو غير العرب، وسواء عبر عنها بمصطلح متقدم أو مصطلح متأخر ..
إلخ، ولذلك يقال: إن أرسطو طاليس هو الذي وضع علم المنطق، ثم جاء من يسمى بالمعلم الثاني وهو أبو نصر الفارابي، ثم جاء ابن سينا وأكمل نظمه.
فما كان من هذا المنطق صحيحًا، فليس صحيحًا أن أرسطو هو الذي وضعه ..
نعم، هو موجود، لكن أرسطو اصطلح عليه، كما أنه يقال: إن الخليل بن أحمد هو الذي وضع علم العروض، فهل معناه: أنه هو الذي اخترع هذه الأوزان، ثم جاء الشعر ليقف على هذه الأوزان أو يجري عليها، أم أن الشعر سابق على مصطلح الخليل بن أحمد؟ لا شك أن الثاني هو الصحيح.
إذًا: هذا من باب الاصطلاح، وليس من باب الإيجاب.
قال المصنف ﵀: [وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢٠ - ٢١] فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرها].
محصل هذا الوجه: أن المصنف يريد أن يقول: إن قولك: إن الجبل ليس بميت، أو لا يقبل الموت والحياة، هذا اصطلاح، وظاهر القرآن والعرب تستعمل في كلامها أنه يمكن أن يقال عن الجبل: إنه ميت، كما قال الله تعلى عن هذه الأصنام، وهي من حجر أو خشب أو ما إلى ذلك: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١] فاسم الموت لا يلزم أن يكون ممنوعًا من باب المصطلحات، وعلى هذا فإنه قد ينازع في اصطلاحهم.
قال المصنف ﵀: [وقيل لك: ثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما، فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك].
وهذا بين كما سبق بيانه.
قال ﵀: [وأيضًا فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم؛ بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعًا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد].
وهذا ما ينتهي إليه غلاتهم؛ ولذلك سبق أن قال المصنف: إنهم يشبهونه بالموجودات، ثم قال: يشبهونه بالمعدومات، ثم قال: إن الغلاة يشبهونه بالممتنعات.
ومعنى هذا الكلام: أنهم يتسلسلون، فإذا خرجوا من التشبيه بالموجودات الغير الحية، وأرادوا أن ينفكوا من هذا الإشكال، قال: لزمهم أن يشبهوه بالمعدومات، فإذا خرجوا من هذا الإشكال لزمهم أن يشبهوه بالممتنعات.
فهناك حقيقتان: إما الإثبات، وإما النفي، والإثبات صفة للموجود الحي، والنفي إما أن يكون صفة للموجود غير الحي، وإما أن يكون صفة للمعدوم، وإما أن يكون صفة للممتنع، مع أن المصنف يقول: إن الموجود غير الحي يمكن أن يوصف بإثبات أو نفي، لكن لو اتبعنا طريقتهم فقلنا: إن الإثبات هو للموجود الحي، والنفي للصفات هو وصف الموجود غير الحي، أو وصف المعدوم، أو وصف الممتنع، فيقول المصنف: لو كان هذا هو التشبيه -الاشتراك في الاسم المطلق- الذي نفته النصوص؛ لكان الانفكاك منه ممتنعًا؛ لأنك إن أثبت شبهت بالموجودات الحية، وإن نفيت شبهت بالموجودات غير الحية، أو شبهت بالمعدومات، أو شبهت بالممتنعات، فيكون الانفكاك منه لا يسلم منه أحد؛ لا من أثبت الصفات، ولا من نفى الصفات، ولا من نفى النقيضين، ولا غير ذلك؛ مما يدل على أن هذا ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص.
[ ١٠ / ١٥ ]
ما كان قابلًا للوجود فهو أكمل مما لا يقبل الوجود
وقوله: (فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم):
قبول الوجود والعدم إما أن يكون قبولًا لأحدهما، وإما أن يكون قبولًا لهما، وإما أن يكون نفيًا لهما، فما كان قابلًا للوجود وحده فلا شك أنه أصدق وأكمل مما لا يقبل الوجود والعدم، ولذلك قال: (وأيضًا فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم)، وهذه من الأحكام البدهية في العقل: أن ما يقبل الوجود فإنه يكون أكمل مما لا يقبل الوجود.
لكنه قال بعد ذلك: (بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعًا)، ومعلوم أن اجتماع الوجود والعدم هو اجتماع للنقيضين، ونفي الوجود والعدم هو نفي للنقيضين، ومعلوم أن نفي النقيضين وجمعهما ممتنع، فكيف قال المصنف: بل ومن اجتماع الوجود والعدم؟
مقصوده: أن الممتنعات ليست درجة واحدة في الامتناع؛ بل بعضها أشد امتناعًا من البعض الآخر، ولذلك قال: كما أنه يعلم عند سائر العقلاء أن اجتماع النقيضين ممتنع، وأن نفيهما ممتنع، أي: أن اجتماع الوجود والعدم ممتنع، وأن نفي الوجود والعدم ممتنع في الشيء، قال: فكذلك أشد من هذا الوجه امتناعًا أن يقال عن الشيء: إنه ليس قابلًا للوجود والعدم، فتكون المراتب العقلية متسلسلة على هذا الوجه:
الأول: قبول الاتصاف بصفات يسمى بها الحي.
الثاني: عدم القبول لصفات الحي وقبول صفات الجماد.
الثالث: عدم القبول لصفات الجماد برفع النقيضين، ومعلوم أن رفع النقيضين ممتنع.
الرابع: عدم القبول للنقيضين، ومعلوم أن عدم القبول للصفة أعظم من نفي الصفة، فكما أن نفي النقيضين ممتنع، وجمعهما ممتنع، فكذلك أشد من هذا وهذا امتناعًا أن يقال: إنه ليس قابلًا للنقيضين، مع أن الثلاثة -وهي: عدم قبول النقيضين، أو رفع النقيضين، أو جمع النقيضين- كلها ممتنعة، لكن أشدها امتناعًا هو عدم القبول، فهو امتناع من جهتين: عدم فرض القبول، وعدم تصور الوجود، أما النقيضان فإنك إذا لم تقل بنفي قبولها إنما قلت برفع النقيضين، فإنك هنا منعت التصور، فيكون تصور النقيضين على حالة من الاجتماع ممتنعًا.
أما الفرض فإنه لم يرفع.
وقد يقول قائل: هل معنى هذا أنه إذا لم نقل برفع النقيضين أن هذا ممكن؟ والجواب: لا؛ لأن الذهن يفرض على جهتين، الجهة الأولى: ما يسمى فرض الذهن، والجهة الثانية: ما يسمى تصور الذهن.
وتصور الذهن يكون فقط في الممكنات، أما فرض الذهن فإن الذهن يفرض الممتنعات.
[ ١٠ / ١٦ ]
الفرق بين فرض الذهن وتصور الذهن
والفرق بينهما: أن فرض الذهن هو الخاطر الأول من الوهم العقلي الذي يرد على الذهن، فإذا دخله نظام التصور امتنع تصوره، بمعنى: أنه إذا عرض على الذهن قبل جمع النقيضين، هذا الخاطر الأول الذي يرد على الذهن يسمى فرضًا، إذا أدخله العقل نظام التصور هل يمكن أن يتصور صورةً يجتمع فيها النقيضان؟ الجواب: لا، ولذلك يقول ابن تيمية وغيره من النظار: إن الذهن يفرض المحال.
أي: يفرض الممتنع.
فيقول المصنف: إن جمع النقيضين أو رفع النقيضين يفرضه الذهن، والذهن لا عبرة بفرضه؛ لأنه يفرض المحال، وإن كان يمنع التصور له فضلًا عن امتناع وجوده.
أما إذا قيل عن الشيء بأنه ليس قابلًا للوجود والعدم، فإنه يمتنع فرضه ويمتنع تصوره، فضلًا عن امتناع وجوده، ومعلوم أن ما يمتنع في العقل مجرد الفرض له -حتى ولو كان فرضًا محالًا- فإنه أعظم امتناعًا مما يمكن أن يفرضه العقل وإن كان يمتنع وجوده.
إذًا: فهؤلاء إذا تسلسل عليهم الأمر ففروا من التشبيه -كما يزعمون، وإلا فالباب ليس من باب التشبيه أصلًا- لو فروا من التشبيه بالموجود الحي لشبهو بالجماد، فإن فروا من ذلك شبهو بالمعدوم، فإن فروا من المعدوم إلى الممتنع شبهوه بأول درجات الممتنع وهو رفع النقيضين، فإن فروا من التشبيه برفع النقيضين شبهوه بما هو أعظم امتناعًا وهو ما لا يقبل النقيضين، فتكون الدرجة الثالثة: رفع النقيضين، وتكون الدرجة الرابعة: عدم القبول للنقيضين، وهذا هو أشد الدرجات امتناعًا.
وقوله: (فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم):
الفرق بينهما: أن الأول: نفيت عنه الفرض الذهني فضلًا عن التصور، والثاني: نفيت عنه التصور فضلًا عن الوجود.
ثم قال: (وإذا كان هذا -أي: الثاني وهو رفع النقيضين- ممتنعًا في صرائح العقول، فإن ذلك -الذي هو عدم القبول للنقيضين- أعظم امتناعًا).
وقوله: (فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد):
أعظم الممتنعات: هو ما لا يقبل الوجود والعدم، ولك أن تقول: هو ما لا يقبل النقيضين.
[ ١٠ / ١٧ ]
أقوال بعض الباطنية في الوجود والعدم
قال المصنف ﵀: [وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما.
ومنهم من يقول: لا أثبت واحدًا منهما.
وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق].
وهذا من باب التحكم، ولذلك فإن من الطرق التي يسلكها بعض الغلاة من الباطنية في هذا الباب: -وهي من الطرق التي يعتبرها بعض الغلاة من المخالص لهم- أنهم يمنعون إجراء الأحكام العقلية على هذه المسائل، ويجعلون الأمر من باب التفسير الباطني المحض، الذي لا يعتمد لا على تفسير القرآن باللغة، ولا على تفسير وحكم العقل، فينفكون عن الحقائق العقلية، ويزعمون أن الحقائق العقلية ليست مناسبة لمسائل الربوبية، وما إلى ذلك، وهذا لا شك أنه تحكم على العقل؛ لأنه يستلزم إبطال الحقائق، فإن الحقائق إذا لم تعلم بالشرع ولم تعلم بالعقل فإنه يمتنع العلم بها.
وأما قول من يقول: إن الحكم العقلي حكم قياسي على الموجودات، وعلى المشبهات، وعلى المخلوقات، والله تعالى منزه عن هذا القياس، فيقال له: هذا غلط، فإن الحكم العقلي ليس بالضرورة أن يكون حكمًا قياسيًا، وإن كان من أحكام العقل: القياس على الشاهد ونحو ذلك، فهذا باب آخر، لكن هناك أحكام عقلية ضرورية ليست مبنية على الحكم في الشاهد، وهي الأحكام العقلية الأولى؛ كالقول بأن النقيضين يمتنع اجتماعهما ويمتنع ارتفاعهما، وأن الحي إذا نفيت عنه أحد الصفتين لزم قبول الأخرى
وهكذا، فهذه أحكام عقلية أولى ليست مبنية على القياس الحسي المعين، وإن كان القياس الحسي إذا كان مطردًا فإن حكمه يكون قطعيًا.
[ ١٠ / ١٨ ]
نفي الصفات مع كونه قابلًا لها أكمل من نفيها مع عدم قبوله لها
قال المصنف ﵀: [وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعًا مما يقدر قبوله لهما -مع نفيهما عنه- فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يقدر قابلًا لهما مع نفيهما عنه وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلًا وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب].
يبين المصنف ﵀ أن من كان مخالفًا ومخالفته بنفي الصفات، وقال: إن الله ﷾ تنفى عنه هذه الصفات، كما تقوله غلاة المعتزلة، فإنهم ينفون الصفات عن الله تعالى مطلقًا -أي: قيام الصفات بالذات- فيقال لهم: هل أنتم تنفون هذه الصفات مع إمكان قبولها، أم تنفونها مع امتناعها؟ فإن قالوا: إنها تنفى مع إمكان قبولها؛ كان هذا تناقضًا؛ لأن ما أمكن له ﷾ من الصفات اللازمة كان واجبًا.
وإن قالوا: إنها تنفى عنه ﷾ لعدم إمكانها؛ فإن هذا تشبيه بما هو أنقص من الممكن القابل لهذه الصفات، فيلزم على هذا أن يكون المخلوق متصفًا بكمالات، ويمتنع تحقق أصل هذا الكمال اللائق بالله ﷾ له ﷾، فيكون هذا من باب التشبيه بالجمادات، فضلًا عما قد يكون فوقها من المعدومات والممتنعات.
أي: لو قلتم -معشر نفاة الصفات- بأنه تنفى عنه الصفات وهو قابل لها، لكان هذا من حيث العقل الضروري أكمل من أن يقال: إنها تنفى عنه لأنه ليس قابلًا لها؛ لأن عدم قبوله للكمال أشد نقصًا من نفي الكمال مع القول بإمكانه.
فإذا قيل عن شيء -ولله المثل الأعلى-: إنه ينفى عنه هذا الكمال؛ كالعلم أو الحكمة أو ما إلى ذلك؛ لأنه ليس قابلًا له، وقيل عن شيء آخر: بأنه لا يتصف بالعلم مع أنه قابل له، فإن هذا أكمل من الأول، إذًا فما نفيت عنه صفة من صفات الكمال لا لعدم قبوله لها، وإنما لعدم قيامها به مع إمكانها، فهذا أكمل من أن يقال: إن هذه الصفة منفية لأنه ليس قابلًا لها، ولذلك فإن هذه الطريقة أنقص.
فإن قالوا: إنها منفية عنه مع أنه قابل لها.
قيل: هذا تحكم، فإن ما أمكن له ﷾ وجب، ولهذا فإن المصنف ﵀ يغلق على المعتزلة مسألة الجدل، فيقول: إما أن تنفوا الصفات وتقولون: إن سبب النفي هو عدم قبوله لها؛ فهذا أشد نقصًا من كونه قابلًا لها، وإما أن تقولوا: إنها تنفى عنه الصفات وهو قابل لها؛ فإذا قلتم: إنه قابل لها ونفيتم، تناقضتم؛ وذلك لأن الله تعالى ليس كخلقه، فإن الآدمي لك أن تقول: إنه ليس عالمًا، وهو قابل للعلم، بخلاف الباري ﷾، فإنه يمتنع أن يقال: إنه لا يتصف بالعلم وهو قابل له، فإن ما أمكن -أي: ما فرض إمكانه في حقه- من الصفات اللازمة؛ فإنه يكون واجبًا.
[ ١٠ / ١٩ ]
ما كان جائزًاَ لله تعالى من الصفات وجب له
وقوله: (وما جاز لواجب الوجود قابلًا، وجب له؛ لعدم توقف صفاته على غيره):
هذا هو الإغلاق، (وما جاز) أي: ما فرضتموه جائزًا -أي: ممكنًا- (لواجب الوجود) أي: لله ﷾، (وجب له) لماذا؟ قال: لعدم توقف صفاته على غيره؛ لأنه الأول، بخلاف المخلوق، فإنه يمكن أن يكون قابلًا للعلم وليس بعالم؛ لأن صفة العلم في المخلوق متوقفة على غيره، فإنه لابد أن يحصل هذا العلم، ووجود المخلوق ليس واجبًا؛ لأن وجوده متوقف على غيره، وهو إيجاد الخالق له.
إذًا: فصفات المخلوق الممكن تكون ممكنة، بخلاف صفات الخالق ﷾، وهو واجب الوجود، فإن صفاته تكون واجبةً.
وقوله: (فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب):
(فإذا جاز القبول) أي: جاز قبوله للصفات، (وجب) أي: وجب وتحقق ثبوت الصفات، وإذا جاز وجود المقبول من الصفات أيضًا كان هذا واجبًا.
وهذا من باب المناظرة، وإلا فإن المذهب الذي تقوله أئمة النفاة هو أنه ليس قابلًا؛ ولذلك لو فرض أن في القرآن دليلًا على نفي صفة من الصفات، ولا سيما الصفات المتعلقة بإرادة الرب ﷾ ومشيئته، فإن هذا النفي لا يدل على امتناع تلك الصفة.
مثال ذلك: صفة الرؤية، فإن المعتزلة يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة، ولا يراه المؤمنون، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهنا أحد جوابين: إما أن يقال: إن الآية لا تدل على ذلك، والإدراك قدر زائد على الرؤية؛ بل إن الآية تدل على الرؤية
إلخ.
وإما أن يقال: لو فرضنا جدلًا أن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يقصد به نفي الرؤية، فهل الآية نفت وقوع صفة الرؤية، أم أنها نفت القبول لهذه الصفة؟ الجواب: أنها نفت الوقوع؛ ولذلك فإن حقيقة غلاة المتكلمين الأوائل الذين ينفون رؤية الله ﷾ أنهم لم يحصلوا هذا المذهب من القرآن على التحقيق؛ لأن القرآن لو فُرِضت دلالته لكان نافيًا، بخلاف مذهبهم، فإنهم يقولون بالامتناع، ومعلوم أن الذي يثبت امتناعًا ليس بحاجة إلى نص يدل على النفي؛ لأن النفي أقل درجة من الامتناع.
[ ١٠ / ٢٠ ]
وجوب صفات الكمال في حق الله تعالى
قال المصنف ﵀: [وقد بسط هذا في موضع آخر، وبُين وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه].
اتصاف الباري ﷾ بصفات الكمال واجب، وهذه الصفات واجبة في حقه ﷾؛ كصفة العلم، والسمع، والبصر، ونحوها.
فإن قال قائل: فصفات الأفعال كنزوله إلى السماء الدنيا ونحو ذلك؟
قيل: هذه الصفات من جهة نوعها وجنسها يقال عنه أنه واجب، ولذلك يمتنع على الله ﷾ أن يكون معطلًا عن الفعل، وأما آحاد الأفعال؛ كإتيانه ومجيئه ﷾، فهذا متعلق بمشيئته وإرادته، فإن الله كما أخبر عن نفسه يخلق ما يشاء ويختار، ويفعل ما يشاء، وهو فعال لما يريد ﷾، وقد أخبرنا الله بجملة من أفعاله اللازمة والمتعدية، ولم يخبرنا بأكثر من ذلك، فإن الله ﷾ لا يحيط بأفعاله وإرادته ومشيئته إلا هو سبحانه، ومن أفعاله التي أخبرنا بها: النزول إلى السماء الدنيا، فلما شاء ﷾ وأراد النزول إلى السماء الدنيا كان هذا من أفعاله اللائقة به، وهو ﷾ يشاء ما يريد؛ ولذلك شاء ﷾ إرادةً منه وربوبيةً وحكمةً أن ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ولم يقدِّر سبحانه ولم يرد أن يكون هذا النزول قبل ذلك.
فقول المصنف: (إن ما أمكن له من الصفات وجب)، لا يشكل ما يرد في باب الصفات الفعلية، فإن باب الصفات الفعلية من حيث النوع والجنس باب واجب، فإنه يمتنع أن يقال: إن الله ﷾ معطل عن الفعل، سواء كان هذا الفعل لازمًا أو متعديًا، فإن هذه الأفعال واجبة، وهي من صفات كماله الواجب.
[ ١٠ / ٢١ ]
اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة
قال المصنف ﵀: [وقيل له أيضًا: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به المخالف، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾].
قوله: (ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته النصوص السمعيات والعقليات):
وذلك لأن تنزيه الله ﷾ عن التشبيه معلوم بالشرع ومعلوم بالعقل، ولذلك فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذا حكم شرعي، وهو أيضًا حكم عقلي كقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وذلك لأنه منزه عن التشبيه؛ وإن كان قد قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] فإن المثل الأعلى ليس هو الأمثال التي نهى ﷾ العباد أن يضربوها في حقه.
[ ١٠ / ٢٢ ]
الاشتراك الذي نفته الأدلة بين الخالق والمخلوق من الأسماء والصفات
وقوله: (وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق):
فقد نفت النصوص الشرعية وكذلك القواعد العقلية ما يتعلق بباب الخصائص، فإن كل ما اختص بالمخلوق، أو جاز للمخلوق؛ امتنع في حق الخالق، وكل ما وجب لله ﷾، أو حصله فعلًا من أفعاله المتعلقة بإرادته ومشيئته؛ امتنع أن يكون المخلوق متصفًا بهذه الصفة أو بهذا الفعل، أي: متصفًا بماهيتها، لا أن يكون مشاركًا في اسمها، فإن الاشتراك في الاسم هو اشتراك لفظي حرفي، وكذلك الاشتراك في المسمى المعنوي الكلي هو اشتراك ذهني، وأما الخصائص: فهي المضافات التي تخص بمعين، فإن هذا هو الذي يمتنع في هذا الباب.
قال المصنف ﵀: [وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء وينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل.
وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة].
وهذه سفسطة في العقليات، كما قال المصنف سابقًا أنهم سموا باب الإثبات تجسيمًا، وهذا عنه جوابات وعليه سؤالات، وهذه طريقة حسنة في المناظرات: فإذا كنت مناظرًا في مسألة وأورد عليك المخالف إيرادًا، سواء كان اعتراضًا أو غيره، فإن ثمة طريقين في الرد عليه:
الأولى: أن يقال: الجواب عن هذا الإيراد كذا وكذا.
الثانية: هي فرض سؤالات على هذا الإيراد، وهذه الطريقة -في الغالب- أوسع في الذهن من طريقة الجواب، فإن بعض الناس قد يورَد عليه إيراد ولا يستطيع أن يجيب عنه، لكنه يستطيع أن يورد عليه سؤالًا، فإذا قالوا مثلًا: إن إثبات الاشتراك في الاسم المطلق هو التشبيه الذي نفته النصوص ..
فإن هذا عنه جواب فيما تقدم وما سيأتي، فإن تعذر الجواب على بعض الناس، أو لم يقرب من ذهنه، أمكنه أن يستعمل السؤال على المناظر له، فيقول مثلًا: وما هو المخرج من هذا التشبيه والتجسيم؟ وكيف السلامة من ذلك؟ وكيف يكون التنزيه لله ﷾ والتحقيق لكماله؟
فإن قال: يكون ذلك بنفي الصفات، قيل: فهذا يمكن أن نسميه تشبيهًا بالجمادات، فإن قال بعدم قبوله مطلقًا، قيل: فيمكن أن يقول قائل: إن هذا تشبيه بالمعدومات ..
وهلم جرا من هذا التسلسل.
[ ١٠ / ٢٣ ]
تسمية الحق بغير اسمه طريقة الملاحدة المفسدين
وقوله ﵀: [وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنىً سماه مسمٍ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس؛ ليكذب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والفساد]:
وهذا من أخلاق بعض الأمم المنحرفة عن كتابها، وقد ذكر الله تعالى عن قوم من أهل الكتاب أنهم يسمون بعض الحقائق من الحق بغير أسمائها -سواء كان هذا في باب المسائل العلمية، أو في باب العمليات والشرائع- فيكون هذا الاسم المخترع إما أن يتضمن تسويغًا لممنوع في الشريعة، وإما أن يكون تنفيرًا عن أمر مشروع.
وقد دخل هذا الأمر على طوائف من هذه الأمة، وقد يبتلى به بعض الشباب أحيانًا، فتجدهم -مثلًا- إذا رأوا عالمًا من العلماء يستعمل الحكمة، سموا هذا الحكمة التي يستعملها من باب الضعف، أو من باب المداهنة، أو من باب المماراة، وما إلى ذلك.
فتسمى الأمور -إما من باب الخفض أو من باب الرفع- تسمى بغير أسمائها، وهذا الأمر لا يأتي إلا من قلة العلم، ولا يستعمل مثل هذه الطرق إلا من قل علمه وقل دينه؛ لأن هذه الطرق هي التي تعوضه عن هذا النقص في أمانته وعدله، وفي علمه وإدراكه.
[ ١٠ / ٢٤ ]
شبهة التركيب
قال المصنف ﵀: [وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع].
هذه هي شبة التركيب، وقد سبق أن أشرت إلى أن أصول الأدلة الكلية عند هؤلاء النفاة فيما زعموه من العقل هي: دليل الأعراض، ودليل التركيب، ودليل التخصيص، أما دليل التخصيص فهو دليل مختصر لم يستعمله إلا قوم من المتأخرين، والمدار في الجملة على دليل التركيب ودليل الأعراض، والغالب على المتفلسفة المصرحين بالفلسفة هو التكلم بدليل التركيب، والغالب على المتكلمين التكلم بدليل الأعراض.
وهذان الدليلان: وإن كان ثمة فرقًا بينهما إلا أن بينهما قدرًا من الاشتراك، ولا سيما من حيث النتائج، فإن حاصل دليل الأعرض: أن نفاة الصفات من المتكلمين قالوا: إن هذه الصفات كالعلم ونحوها أعراض، وإن العرض لا يقوم إلا بجسم، فيلزم من إثبات الصفات التشبيه، ومن هنا نفوا الصفات.
وهذه ليست حقيقة لغوية ولا حقيقة عقلية، إنما هي حقيقة فلسفية، اصطلاح فلسفي يتضمن معنىً فلسفيًا، والمتكلمون الذين استعملوا هذا انقسموا إلى فريقين: فجمهورهم قالوا: لا نثبت الصفات حتى لا نقع في التجسيم، ومن هنا نفت المعتزلة قيام الصفات بالذات حتى لا يقعوا في التجسيم.
ولما جاء متكلمة الصفاتية - ابن كلاب، وأبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن الأشعري - استعملوا هذا الدليل -الذي هو دليل الأعراض- مع أن ابن كلاب وأمثاله يثبتون الحياة، والعلم، والسمع، والبصر؛ بل إن ابن كلاب يثبت الغضب والرضا، ولكنه يجعله واحدًا، والأشعري يتأوله على الإرادة، وهذا من الفروق بين ابن كلاب والأشعري.
فالمقصود: أن هؤلاء المنتسبين للسنة والجماعة من المتكلمين أثبتوا قدرًا من الصفات، مع أنهم يعتمدون في بناء هذه الطريقة على دليل الأعراض، لكنهم فسروه بتفسير آخر، فقالوا: إن العرض ليس هو الصفة مطلقًا؛ بل إن العرض -الذي يقوم بالأجسام، وإذا تحقق في شيء كان هذا الشيء جسمًا- هو ما يعرض ويزول، ولا يبقى زمانين.
ومن هنا تأول هؤلاء المتكلمون من الصفاتية ما يسمى بصفات الأفعال التي يسميها هؤلاء: حلول الحوادث، فتأولوا مسألة النزول، والمجيء، والإتيان؛ لأن هذه عندهم هي الأعراض.
أما الحياة والعلم ونحوها فقالوا: لا نسمي الحياة والعلم عرضًا؛ لأن العرض هو ما يعرض ويزول، والعلم قائم لازم، بخلاف النزول فإنه يعرض ويزول.
وهذا -كما هو معلوم- من باب التحكم، وهناك قوم آخرون من المتكلمين، كـ محمد بن كرام السجستاني، يؤمن بدليل الأعراض، ويؤمن بأن الأعراض على معنى المعتزلة أنها هي الصفات، ولكنه صار أمام أحد نتيجتين: إما أن ينفي الصفات حتى يسلم من مسألة التجسيم، وإما أن يقر بالصفات، وعلى فهمه وإدراكه وظنه سوف يقر بالتجسيم، فاختار ابن كرام الخيار الثاني، وقال: نثبت الصفات ونقول: إن الله جسم، ولكنه ليس كالأجسام ..
تعالى الله عن هذه الإطلاقات التي لم ينزل الله بها من سلطان!
إذًا: مسألة الأعراض هي في الغالب من استعمال المتكلمين على هذا الوجه، فبعضهم التزم نتيجتها وأقر بها، وبعضهم نفى الصفات حتى لا يقع في نتيجتها وهي التجسيم.
ثم يأتي بعد ذلك دليل التركيب، وكأن الأمر تسلسل في النتيجة، فإذا قال القائل: إن الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، فقال قائل -كما قاله ابن كرام -: إن المخرج أن نقر بالتجسيم، مع القول بأنه جسم لا كالأجسام، فإن أهل التركيب -أي: الذين يقررون مسألة التركيب- يقولون: إن الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، ولا يسوغ لك أن تقول: إنه جسم؛ لأن الأجسام مركبة، فهل تلتزم أن تقول -أي: يا من تقر بالتجسيم-: إنه مركب؟ سيكون الجواب عندهم: لا ..
قالوا: لأن المركب لا يكون إلا ممكنًا، والممكن ليس هو واجب الوجود.
إذًا: مسألة التجسيم التزمها قوم، وهم الكرامية ومن قبلهم من المجسمة الذين هم أشد التزامًا لها.
لكن مسألة التركيب إذا قيل: إن الجسم مركب، والمركب ممكن، فلا يمكن لأحد أن يقول بالتزام الإمكان.
فهذه هي شبهة التركيب، وهي تنتهي إلى قدر مشترك مع شبهة الأعراض.
وهذا كله سفسطة، فإن هذه المقدمات ليست مقدمات معلومة لا بالشرع، ولا بالحقائق العقلية المبنية على الألسنة الآدمية، سواء العرب أو غير العرب، ولا بالحقائق العقلية المجردة.
[ ١٠ / ٢٥ ]
الرد على شبهة التركيب
قال المصنف ﵀: [قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا].
هذا هو تعبير المتفلسفة كـ ابن سينا وغيره، فإنه يقول عن واجب الوجود -كما في كتبه-: إن واجب الوجود عقل وعاقل ومعقول
إلخ.
وقوله: (أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا):
أي: أنه يثبت جملة من التعددية في المعنى، فإنه يقول: عاقل، وعاشق، ومبدأ، وعالم بعلم كلي
وما إلى ذلك، فهذه الحقائق العامة التي يثبتها وهي متعددة، يمكن أن ينازع فيها فيما هو من قيام الصفات بالذات، كقيام صفة العلم والسمع والبصر ونحو ذلك.
[ ١٠ / ٢٦ ]
اتصاف الذات بالصفات اللازمة هو توحيد وليس تركيبًا ممتنعًا
قال المصنف ﵀: [فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.
قيل لهم: اتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس هو تركيبًا ممتنعًا، وذلك أنه من المعلوم بالصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا].
وهذا من البدهيات: أن العلم ليس هو القدرة، وأن الذات ليست هي نفس العلم والقدرة.
قال ﵀: [فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف، فهو من أعظم الناس سفسطة].
أي: من جوز أن تكون صفة القدرة هي صفة العلم، أو أن تكون الصفة هي الموصوف، كأن يكون العلم هو العالم، فإن هذا سفسطة في العقليات، وقد خالف أوائل العقول والفطر.
[ ١٠ / ٢٧ ]
إلزام القائلين بالتركيب بأن يكون الوجود واحدًا بالعين
قال المصنف ﵀: [ثم إنه متناقض، فإنه إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع].
فإذا فرض أن الوجود واحد بالعين لا بالنوع، فإنه يمتنع فيه تعدد الحقائق، ومعنى ذلك: أن العقليات في سائر مواردها تكون ساقطةً، وهذا إفساد مطلق للعقل، وهذا المذهب -وهو أن الوجود واحد بالعين- أشد الدرجات امتناعًا، ولا أحد يلتزم به، حتى أهل وحدة الوجود، فإن مذهبهم درجة فوق هذه الدرجة من الإمكان، ولم يلتزم به حتى النظار من المتفلسفة الأوائل؛ لأن هذا المذهب يتعذر ويمتنع أن يفرض بأدنى طرق العقل، فهو مذهب تام الانغلاق، ويستلزم إسقاط الكليات العقلية فضلًا عن مفصلاتها، بمعنى: أنه هدم مطلق للعقل.
فما دام أنه كذلك، ولا يقول به أحد، فلماذا استعمله المصنف هنا؟
استعمله من باب أنه لازم لهؤلاء، فإنه يقول: إذا قلتم: إن تعدد الصفات يكون تركيبًا، فما هو المخرج من ذلك؟ يقول المصنف: إنه ليس هناك مخرج ممكن إلا أن يكون الوجود واحدًا بالعين.
بمعنى: أنهم إذا قالوا: إن العلم والسمع والبصر تستلزم التركيب، فالمخرج يكون بالنفي، فيلزم من ذلك أنه ما من معنىً يفرض إلا ويرد عليه هذا الإشكال، حتى المعاني التي يفرضونها هم بفلسفتهم، وهذا لا مخرج منه إلا أن يقولوا: العلم عين العالم، والقدرة عين العلم
ونحو ذلك، فيجعلون الصفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف.
ولا يمكن عقلًا أن تكون الصفة هي الأخرى، أو الصفة هي الموصوف، إلا إذا جوز العقل أن الوجود واحد بالعين ..
وهذا لا يمكن فرضه في العقل، فضلًا عن أن يكون متصورًا في العقل؛ بل إنه من أعظم الممتنعات؛ أن يكون الوجود واحدًا بالعين، فضلًا عن أن يكون مما يمكن للعقل أن يتصوره.
قال المصنف ﵀: [وحينئذ فإذا كان الوجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق -يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم].
قد يقول قائل: لماذا قال المصنف: إن كون الوجود واحدًا بالعين من أشد الممتنعات عقلًا؟
والجواب: لأنه يقود إلى حقائق ظاهرة الامتناع، من أوائلها: أنه لا فرق بين الوجود الممكن والوجود الواجب، ولذلك قال المصنف: (وحينئذ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود المخلوق هو وجود الخالق بالعين)؛ ولذلك فإن القائلين بوحدة الوجود يخرجون من هذا بمخرج لا ينجيهم، لكنهم لا يلتزمون إلى هذه الدرجة أن الوجود واحد بالعين.
بل إن هذا المذهب يستلزم تعطيل الوجود، فإن المصنف يقول: إن هذا يستلزم أن يكون الوجود واحدًا، لا فرق بين وجود الممكن ووجود الواجب.
ويقال بعد ذلك: بل يلزم منه ما هو فوق ذلك، وهو أنه يقود إلى تعطيل الوجود مطلقًا؛ لأنه ما من معنىً يعين به الوجود بالعين إلا ويمكن أن يعين يغيره، وهذا الغير متسلسل إلى غير نهاية؛ لأنه ما من معنىً تفرضه أنه هو الموجود بالعين، إلا ويمكن أن يفرض غيره، وهذا يستلزم تعطيل الوجود.
إذًا: هذه النتيجة إن التزموها؛ لزم من ذلك ألا يقع تفريق بين وجود الخالق ووجود المخلوق؛ بل لزم من ذلك التعطيل للوجود نفسه.
[ ١٠ / ٢٨ ]
لوازم فاسدة تلزم هذا المذهب
قال المصنف ﵀: [وإذا قدر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير].
إذا قدر هذا؛ لزم منه أن يكون الوجود الواجب موصوفًا بالنقائص؛ لأنه موصوف بصفات الممكنات.
وقوله: (كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود الذين طردوا هذا الأصل الفاسد):
أي: طردوا هذا الأصل الفاسد على منهج آخر، فهناك فرق بين هذه الطريقة التي يقول المصنف: إنه لا يلتزمها هؤلاء، لكنها لازمة لمذهبهم، فأراد باستعمالها الإبطال، وليس أنهم يقولون بها.
ومن المعلوم أن الأئمة، وبعض المتكلمين الذين يردون على غيرهم أو على الفلاسفة، يستعملون الحقائق من باب اللوازم على الأقوال، وليس لأن المخالف أو المناظر يقول بها، ومن المعلوم أن لازم المذهب ليس مذهبًا.
[ ١٠ / ٢٩ ]
أصل مقالة وحدة الوجود
مقالة وحدة الوجود مقالة انتحلها غلاة المتفلسفة الذين انتسبوا إلى التصوف، وقد نقلوا هذه المسألة نقلًا، وقد سبق أن المذهب الذي نظره ابن سينا في الصفات ينتهي إلى الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أما هؤلاء المتفلسفة المنتسبون للتصوف والباطنية، فقد انتهى مذهبهم إلى الوجود المطلق لا بشرط، وهذا هو الذي ذكره ابن عربي في الفتوحات المكية، وفي فصوص الحكم، وذكره كذلك العفيف التلمساني، فقد نظّروه تنظيرًا فلسفيًا إشراقيًا على معالم وكلمات معروفة عندهم.
وقد تكلم المصنف ﵀ عن هذا المذهب بكلام كثير في بغية المرتاد، وفي المجلد الثاني من فتاواه.
[ ١٠ / ٣٠ ]
إلزام نفاة الصفات بإثبات موجود متصف بصفات تميزه عن غيره
قال المصنف ﵀: [وهذا بابٌ مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئًا فرارًا مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه].
بل يلزمه شر منه؛ لأنه يفر من تشبيهه بالموجود الحي فيشبهه بالموجود غير الحي، ومعلوم أن الموجود الحي أكمل من غير الحي، ويفر من تشبيهه بالموجود فيشبهه بالمعدوم، ولا شك أن الموجود أكمل من المعدوم، ويفر من تشبيهه بالمعدوم الممكن فيشبهه بالمعدوم الممتنع ..
وهكذا.
قال ﵀: [فلا بد له في آخر الأمر من أن يُثبت موجودًا واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلًا لخلقه].
هذا هو الذي أراد أن يصل إليه المصنف، بمعنى: أنه لا يمكن أن يقدر في العقل إلا أحد حقيقتين:
إما إثبات واجب الوجود المتصف بصفات الكمال، المنزه عن صفات النقص.
وإما النفي لواجب الوجود.
أما إثبات وجوده واجبًا غنيًا عما سواه، مع نفي الصفات عنه، فهذا من باب التناقض؛ لأن معنى كونه واجبًا غنيًا عما سواه هو: أن باب الصفات متضمن في هذا الوجوب، فإن من وجوبه ﷾ ومن غناه عما سواه: أنه متصف بصفات الكمال، والأفعال اللائقة به وحده ﷾، فكونه سبحانه يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، هو من معاني أنه غني عما سواه، فهؤلاء النفاة إذا قيل لهم: ألستم تؤمنون بأن الله هو واجب الوجود؟ قالوا: بلى.
ألستم تؤمنون بأنه غني عما سواه؟ قالوا: بلى.
وقوله: (واجب الوجود) أي: أن من معاني وجوب وجوده اتصافه بصفات الكمال، ومن معاني وجوب وجوده وأنه غني عما سواه: اتصافه بهذه الأفعال ..
وهكذا.
فيقول المصنف: إن من يقول: إنه واجب الوجود، غني عما سواه، ثم ينفي الصفات أو الأفعال، فهذا متناقض، فتكون النتيجة أن العقل لا يمكن أن يقدر إلا أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يقال: إنه ﷾ هو الأول الآخر، الظاهر الباطن، واجب الوجود، الغني عما سواه، المتصف بصفات الكمال، وأفعال الكمال، الذي ليس كمثله شيء، لا شيء مخلوق قائم موجود، ولا شيء يقدر وجوده من المخلوقات، ولا شيء يمكن وجوده؛ بل ولا شيء من الموجودات يمكن تخيله أو تصوره أو حتى فرضه في الذهن؛ فإن كلمة (ليس كمثله شيء) تعم كل شيء موجود مشاهد، وكل شيء موجود ولكنه ليس مشاهدًا، وكل شيء يمكن وجوده، وكل شيء يتخيل وجوده، ولذلك لا يمكن للعباد أن يعلموا أو أن يحيطوا بكيفيات الله ﷾ وأفعاله وصفاته، قال الإمام مالك وغيره من الأئمة: "الكيف غير معقول"، أي: أن العقل يمتنع عليه إدراكه؛ لأن الله تعالى وتقدس ﷾ لا يُحاط به علمًا.
الأمر الثاني: أن ينفي وجود الله ﷾، تبعًا لنفي الصفات.
إذًا: لا يمكن للعقل أن يقدر إلا أحد أمرين: إما الإثبات وإما النفي، وكأن هذا هو ما أشار إليه المصنف عندما قال سابقًا: (إن باب الصفات هو من باب الخبر)، والخبر إما أن يكون حقيقة خبرية متصلة غير منقوصة، وإما أن يكون نفيًا ..
إما أن تثبت بالتصديق، وإما تنفي بالتكذيب.
[ ١٠ / ٣١ ]
الاشتراك في المسمى الكلي الذهني
قال المصنف ﵀: [فيقال له: وهكذا القول في جميع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات].
لقد سبق أن علق المصنف على هذا الأمر في أكثر من موضع، وهو ما يقال عنه: الاشتراك في المسمى الكلي الذهني، وهنا يثبت المصنف هذا الأمر، والأئمة يثبتونه كذلك، وإثباته لا يحتاج إلى أن يُصرح به فلان وفلان؛ لأنه ضرورة عقلية.
وهذا الكلي الذهني يقول عنه المصنف: ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص؛ بل هذا التواطؤ الكلي الذهني هو قدر عام غير مخصص يحمله الذهن، به يُفقه ويُفهم الخطاب.
مثلًا: قول الله ﷾: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] عندما يقرؤه من يعرف اللسان العربي سوف يفهم من كلمة (التكليم) معنى، هذا المعنى يقول المصنف: إنه يتحصل إدراكه وفقهه من هذا الكلي الذهني، وإذا عدم هذا الكلي الذهني امتنع فقه الخطاب.
وقوله: (فلا بد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات):
ليتضح المعنى نقول: تواطؤًا كليًا ذهنيًا، أما التواطؤ المخصص، أو التواطؤ الإضافي، فإنه هو التشبيه الذي نفته النصوص، أما من يقول من أهل الحد والمنطق: إنه إذا أُضيف أو خصص خرج عن مسألة التواطؤ، فإن هذه اصطلاحات، وليس المهم هنا أن نسير على المصطلح بدقته، لكن علينا أن نسير على المعنى؛ لأنه قد يشكل على البعض ممن لا يعرف حدود هذا المنطق، أو هذا العلم، أو هذا الاصطلاح، أن هذا التواطؤ قد يدخل في الإضافات أو لا يدخل، وهذه مسألة اصطلاحية، لكن نقول: إن باب المخصص وباب المضاف هو التشبيه الذي نفته النصوص، فلابد إذًا أن تتواطأ تواطؤًا كليًا ذهنيًا.
قال ﵀: [ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال].
إن ما اختص الله به أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، فضلًا عن الموجود، فالله تعالى منزه عن مشابهة الموجودات التي نشاهدها، أو الموجودات التي أخبرنا بها، فإن الله أخبرنا أن في ملكوت السماوات والأرض من الخلق ما هو أكبر من خلق الناس، فالله ﷾ أعظم وأجل من ذلك كله، ولا يمكن أن يكون مشابهًا لأي مخلوق، سواء كان هذا المخلوق مشاهدًا للعباد، أو كان غائبًا عنهم متصفًا بحقائق غائبة عنهم، أو كان مما يفرضه أو يتصوره الذهن.
فإن قال قائل: هل يمكن للذهن أن يفرض صفة واحدة لواجب الوجود؟
فالجواب: أن الذهن يمتنع عليه أن يتصور صفةً، أو أن يتخيل كيفية صفة، وأما أنه يفهم المعنى، فلا شك أن المعنى معقول، كما قال الأئمة: الاستواء معلوم، أي: معلوم المعنى، لكن إذا تكلمنا في الكيفيات فإن العقل يمتنع عليه أن يتصور كيفية صفة من الصفات، فضلًا عن أن يتصور كيفية الموصوف ﷾ الذي لا يُحاط به علمًا.
[ ١٠ / ٣٢ ]