من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولزوم إقامة الأعياد والحج والجهاد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، مع إسداء النصيحة لهم ولسائر أفراد الأمة، ويرون التمسك بمعالي الأخلاق والتنزه عن سفسافها.
[ ٢٤ / ١ ]
أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
قال المصنف ﵀: [فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة].
وهذا مما لا يختص به أهل السنة والجماعة؛ لكنهم وإن شاركهم غيرهم فيه إلا أنهم أكمل من جهة التحقيق.
قال ﵀: [ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا]
فما داموا مسلمين -أي: ثبت إسلامهم ودينهم- فلهم السمع والطاعة وإقامة الصلاة خلفهم، ولا يوجب ما قد يعرض لهم من الفسق أو الظلم ترك هذه الشعائر الظاهرة.
[ ٢٤ / ٢ ]
السلفية منهج في العقائد والعلم والعمل
قال ﵀: [ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشده بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه)].
وهذا مشروع في حق الخاصة أكثر مما هو في حق العامة؛ ولذلك مما يعجب منه -وهذا من قلة الفقه بأخلاق الشريعة- أن بعض طلبة العلم إذا أراد أن ينكر على أحد من العامة فربما أحسن التلطف، وإذا خالف غيره من أهل العلم أو من أقرانه من طلبة العلم فيما هو من مسائل الاجتهاد، فربما صار عنده من الانغلاق والتعصب لقوله والانتصار لنفسه شيء كثير ..
فهذا ينافي مسألة النصيحة، وينافي مسألة أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.
فهذه الأخلاق التي يشير إليها المصنف لا بد أن تكون محققة؛ لأنها هي هدي صاحب الرسالة.
والسلفية ليست فقط مجموعة من العقائد تُقال، بل هي منهج في العقائد ومنهج في العلم ومنهج في العمل.
[وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء].
أي: أنهم يتكلمون في السلوك، والإشكال الواقع الآن: أن بعض من يتكلم في عقيدة السلف يحصرها في الأصول النظرية التي وقع الجدل فيها مع المتكلمين، والمتكلمون في الجملة نظار ما دخل عليهم التصوف إلا على يد بعض الأشعرية، أو بعض المنتسبين للسنة والجماعة من المتكلمين، أما أساطين علم الكلام الأوائل المعتزلة فكانوا أبعد ما يكونون عن التصوف، فلم يكونوا متصوفة على طريقة الصوفية التي تؤمن بالأحوال وما إلى ذلك، وإن كان من المعتزلة من هو من العباد، لكنه يختلف عن كونه صوفيًا، فهو عابد على طريقة التعبد الواضحة، ليس على طريقة التصوف الأحوالية المستعملة عند الصوفية بدرجاتها.
والمقصود من هذا: أن هذا المذهب -وهو مذهب أهل السنة والجماعة- يتعلق القول فيه بالعقائد النظرية، ويتعلق القول فيه بمسائل السلوك والأحوال، فلهم هدي في مسائل السلوك.
وبعض من يقصد إلى الرد على المخالف قد تغلبه الحال في رده، فيتأخر عن مقام الاعتدال، فمن يرد على الشيعة قد يقصر في حق آل البيت، ومن يرد على الصوفية قد يقصر فيسقط بعض مقامات السلوك من باب الرد على الصوفية، فهذا لا شك أنه ينافي العدل والاعتدال.
[ ٢٤ / ٣ ]
ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق
قال ﵀: [ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق].
هذه الجملة الأخيرة من كلامه ﵀ هي من جمل الفقه الشريفة: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.
والاستطالة بغير حق بينة الفساد؛ ولكن الاستطالة بحق قد تعرض لبعض أهل العلم، ولا سيما ممن لم يكن محققًا لمقام العلم، أو بعض العامة القاصدين للخير أو ما إلى ذلك، فيكون عندهم موجب للحق، كإنكار لمنكر قولي أو عملي أو ما إلى ذلك، فيزيدون في هذا الإنكار إلى قدر أن يستطيل أحدهم -أي: يحصل منه زيادة واعتداء- على غيره من المسلمين، بغض النظر عن كون هذا الغير سنيًا أو غير سني، ولكنه يكون أشد إذا كان هذا الغير الذي قصد الرد عليه من أقرانه من أهل السنة، وربما يكون أفضل منه علمًا وعملًا، فهذه حال موجودة.
الله تعالى شرع إنكار المنكر، وشرع الأمر بالمعروف، لكن إنكار المنكر ليس معناه ملكية العقوبة للآخرين، فبعض الناس وهو ينكر المنكر كأنه يعاقب بشكل شخصي هذا المنكَر عليه، فيستغل نقطة الضعف الموجودة عنده، ويتصرف معه كأنه يقدم له نوعًا من العقاب الشخصي.
وإنكار المنكر ليس هكذا، فمسألة الحد أو مسألة التعزير هي مسائل سلطانية، ومن المشروع في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ألا يكون على قدر من الاستطالة.
فقوله ﵀: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق هو من هذا الوجه، ولا سيما في مقام الرد على المخالف، سواء كان المخالف سنيًا أو غير ذلك، وإن كان الخلاف بين أهل السنة أتباع السلف الصالح لا ينبغي أن يؤخذ مساق النزاع الذي فيه فصل وقطع للعلائق ..
هذا غلط، وإن كان يقع من كثير من هؤلاء بقصد الانتصار للحق، وبكون الحق أغلى عندنا من الرجال؛ فهذه المقدمات المجملة مقدمات صحيحة، ولكن هذه المقدمات أحيانًا لما فيها من الإجمال توجب كثيرًا من الانحراف عن منهج النبي ﷺ أو عن هدي أصحابه.
وهذا التسابق إلى الرد على المخالف من أهل السنة ليس حكيمًا، ويكفي البيان، والردود المعروفة عند السلف لم تكن على أئمة السنة؛ بل كانت الردود المشهورة والجمل المشهورة هي على أهل البدع، أما إخوانهم من أهل السنة والجماعة فما كانوا يعنون بالرد عليهم، وليس مرد ذلك إلى التطابق التام في الاجتهادات وفي الآراء، فقد كان من المعروف ما بين الكوفيين من أهل الرأي وبين أهل الحديث، صحيح أن بعض المحدثين تكلم في الرأي وأهل الرأي كثيرًا، لكن هذا لم يكن على نوع من قطع العلائق على التمام، أو من جنس الكلام الذي كان يقال في أهل البدع.
أما من يريد أن يقتدي ببعض الآثار أو ببعض القصص التي عرضت، فهذا ليس مما يقتدى به، مثل: أن محمد بن يحيى الذهلي يُذكر عنه أنه طرد البخاري من مجلسه، أو أن مسلمًا خرج من مجلسه، وهذا من قوته ﵀ في السنة قد يكون الذهلي ليس مصيبًا فيه، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن يُكبَّر شأنها؛ لأنك إذا امتدحت الذهلي، فقد تذم الطرف الآخر، وهو البخاري، فيكون كلامك مشيرًا إلى أن البخاري مستحق لهذا، فهذه اجتهادات عرضت لها ظروفها الخاصة وليست سننًا عامة.
ومما يتعجب منه أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب يستدل بقصة مجملة، ولك أن تقول: هي من متشابه المواقف، وليست من محكم المواقف، بمعنى أنها من المواقف المبنية على المصالح والمفاسد، يختلف الاجتهاد فيها حتى عند العالم نفسه، فلا تجعل كالمنهج المطرد، مثلًا: الإمام أحمد استأذن عليه داود بن علي، وكان صاحبًا وصديقًا لـ صالح ابن الإمام أحمد، وكان داود بن علي قد أظهر في أصبهان أن القرآن محدث، وقد تكلم بهذه الكلمة لأنها جاءت في القرآن، وما كانت هذه الكلمة تعجب الإمام أحمد فبلغ الإمام أحمد أن داود بن علي قال هذا في أصبهان، فجاء داود إلى بغداد وتلطف لـ صالح ابن الإمام أحمد أن يدخله على أبيه، فقال صالح لأبيه: إن رجلًا من أهل أصبهان يريد أن يدخل عليك.
قال: من هو؟ قال: داود.
قال: داود ابن من؟ فقال: داود بن علي.
قال: لا يدخل، بلغني عنه أنه قال كذا وكذا.
فيأتي بعض الشباب الآن ويقول فيمن هو من كبار الصادقين أو الصالحين أو ممن انضبطت عقائدهم: لا يدخل ولا يخرج، ولا يتكلم، ولا نقبل منه صرفًا ولا عدلًا، وكأنه يطبق هنا موقف الإمام أحمد، وهذا اجتهاد من الإمام أحمد قد يكون صوابًا وقد يكون غير صواب، فالإمام أحمد ليس معصومًا.
ثانيًا: إذا كان صوابًا وهو الصحيح: أن هذا كان صوابًا من الإمام أحمد من باب ضبط السنة وألفاظ السنة في مسألة القرآن، فهذا كان لائقًا بمثل الإمام أحمد مع من هو مثل داود، وداود يفقه مثل هذا المقام، فإن داود بن علي كان من علماء السنة والجماعة، ما عنده أغلاط في الصفات مثل ابن حزم؛ فـ داود بن علي مختص بمذهب فقهي واجتهاد فقهي، أما عقيدته فهي نفس عقيدة السلف تمامًا، نقل عنه مسألة أن القرآن محدث، وهذه مسألة لفظية مثل ما نقل عن البخاري في مسألة اللفظ، أو عن الذهلي أو عن أبي حاتم مسألة مقابلة لهذا.
والمقصود: أن المقامات التي تعرض من الأكابر ليست سننًا للأصاغر، السنن هي السنن النبوية الشرعية، ومعلوم أن الرسول ﵊ وهو المشرع قد هجر الثلاثة الذين خلفوا، مع أنه حصل في زمنه معصية حتى من بعض أصحابه، كمن شرب الخمر أو ما إلى ذلك، ولم يأمر بهجرهم.
والحق فيه من البيان والقوة ما لا يحتاج إلى كثير من الاستطالة معه في مسائل الردود، خاصة الردود بين أهل السنة أنفسهم -بين السلفيين- والردود يجب أن تسخر في الرد على شبه الكفار، وشبه أهل البدع، أما الردود على السلفيين في مسائل من الاجتهاد الممكن في الغالب، فهذا ليس حكيمًا، ولا مشهورًا زمن الأوائل ﵏.
[ ٢٤ / ٤ ]
التسمي باسم الإسلام هو الأصل
قال ﵀: [ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ].
طريقة السلف هي دين الإسلام، هذا هو الاسم الشرعي فالأصل أنهم مسلمون مؤمنون، وإنما ظهر اسم أهل السنة والجماعة أو ظهر اسم السلف لما أخبر النبي ﷺ أن أمته تفترق، فسمي هؤلاء القوم الذين التزموا الكتاب والسنة وهدي الصحابة بأهل السنة والجماعة وذلك بعد الاختلاف.
إذًا اسم السلف اسم عرض لموجب، فيكون باقيًا لكن لا يجوز أن يهجر الاسم الأصل، فالاسم الأصل أشرف من كل الوجوه، وهو اسم (الإسلام) قال تعالى عن الأنبياء: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧].
نعم، كلمة السلف تقال، لكنه لا يوجب هجر غيره كاسم أهل السنة أو ما هو أشرف من هذا الاسم وأصدق في الديانة لله كقولك: المؤمن، والمسلم، وما إلى ذلك.
[ ٢٤ / ٥ ]
حكم أهل البدع
قال ﵀: [لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة].
قوله: (كلها في النار) ليس حكمًا على أهل البدع أنهم من أهل النار كالحكم على الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، بل المقصود من قوله: (كلها في النار) أن أصحابها الذين خرجوا عن الأصول الشرعية المنضبطة مستحقون للوعيد، كقول النبي ﷺ: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، ونحن لا نجزم لكل من أكل مال يتيم بهذا، إنما يقال: أكل مال اليتيم من موجبات العقاب، فكذلك الخروج عن هذه الأصول السلفية من موجبات العقاب.
أما تقدير هذا العقاب فهو على علم الله وحكمته؛ ولذلك المصنف -أعني شيخ الإسلام - في أول الرسالة قال: أما بعد ..
فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.
فقال بعض أهل البدع في ذلك الوقت له: يلزم أن أئمتنا الذين ماتوا ليسوا ناجين عند الله! فقال: أنا أقول: من اعتقد هذا المعتقد كان ناجيًا، ومن خالف ما هو منه، فهذا بحسب علم الله وحكمته، فقد يكون معذورًا في بعض مخالفته، وقد لا يكون معذورًا في بعضها
وهلم جرًا.
لكن مما يعلم أن من خالف في أصل من أصول أهل السنة الكبار، فلا بد أن عنده تفريطًا فيما هو من الحق، لا يمكن أن تكون هذه المخالفة على اجتهاد مأذون فيه مقبول، لا بد أن يكون عنده من النقص والتفريط ما ينزله عن مقام الاجتهاد المأذون فيه.
[إلا واحدة وهي الجماعة.
وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة].
قوله: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم) هذه اللفظة تُكُلِّمَ في صحة سندها، لكن سواء صح سندها أو لم يصح، فإن معناها صحيح.
[وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة).
نسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمةً إنه هو الوهاب.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا].
[ ٢٤ / ٦ ]