شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١١]
يتفاوت المؤمنون فيما بينهم في القرب من الله ﷾، وهذا القرب ناتج عن مقدار موافقة الواحد منهم لله ﷿، وأكثر الناس موافقة لله هم الأنبياء، وفوق ذلك المرسلون، وفوق ذلك أولو العزم، ونبينا محمد ﷺ له الوسيلة العظمى وذلك فوق كل مقام.
[ ١١ / ١ ]
فصل في اتحاد الأحكام والأسباب في العين واتحاد الأسماء والصفات في النوع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل.
وأما ما يشبه الاتحاد فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها، إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة، كاتحاد الماء واللبن، فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث وليس ماء محضًا ولا لبنا محضًا].
نحتاج أن نضع قاعدة أو مدخلًا لهذا الفصل؛ من أجل أن تنتظم المسائل في الذهن؛ لأن الشيخ استطرد استطرادات تفصيلية، فالتفريق بين معنى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وبين ما يشابهها من ألفاظ شرعية، قد يفهم منها من خلال النصوص والأحاديث أو من خلال كلام السلف بألفاظ مجملة، قد يفهم منها المعنى البدعي أو الكفري عند البعض، فأراد الشيخ أن يفصل بين المصطلحات الشرعية التي تشتبه على أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ومن شايعهم، وبين المعنى البدعي، فهناك ألفاظ شرعية مجملة جاءت في النصوص الشرعية، مثل حديث: (مرضت فلم تعدني)، فهذه تسمى ألفاظًا مجملة، وهي في ظاهرها قد تشعر عند من لم يكن عنده عقيدة سليمة وبنى عقيدته على الضلال تشعر بمعنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، فقد يستدل بها المبطلون ويوجهونها على توجيه باطل، لكن الشيخ سيبين أن توجيه هذه النصوص ينبغي أن يكون على الأدوات التي يفهم بها مقاصد الشرع، وهي منهج الاستدلال ومنهج التلقي الذي عليه سلف الأمة، والذي يمثل نهج النبي ﷺ ونهج الصحابة ﵃ في بيان الدين وتطبيقه، ونهج السلف الصالح كذلك في تفسير الدين والعمل به، هذا المنهج لا يمكن أن يستغنى عنه، خاصة في تفسير الألفاظ المشتبهة والمجملة، لا يمكن أن نلغي استصحاب منهج الاستدلال الذي يقوم على تفسير النصوص بالنصوص، بحيث ترد مثل هذه النصوص إلى نصوص أخرى تفسرها، وسيقوم الشيخ بعد ذلك بهذا من خلال رد معنى الحديث إلى حديث آخر، فالحديث الذي اشتمل على ألفاظ توهم وحدة الوجود والاتحاد والحلول فسرها الشيخ على المنهج السليم بنصوص أخرى.
إذًا: النصوص تفسر بمنهج الاستدلال السليم الذي يقتضي العمل بقواعد الشرع، ومقتضيات الدين وقواعد الدين التي لابد أن يرجع إليها عند فهم الدين، وخاصة النصوص المشتبهة المجملة التي سيذكر الشيخ بعد قليل نماذج منها.
قال رحمه الله تعالى: [وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال، ومن هنا يعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال؛ وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع].
يعني: أن الله ﷿ عند أهل الحلول والاتحاد يستحيل في خلقه على أي وجه، سواء قالوا: روح أو عقل، أو كما قال أصحاب وحدة الوجود: تتحد المادة اتحادًا ماديًا وروحيًا، يعني: يتحول إلى أن يكون عنصرًا متحدًا بالمخلوقات، تعالى الله عما يتصورون ويزعمون.
قال رحمه الله تعالى: [وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع مثل المتحابين المتخالين اللذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويتنعم بما يتنعم به، ويتألم بما يتألم به].
يشير الشيخ إلى بعض معاني الاتحاد أو الوحدة، يعني: أن هذه الألفاظ المجملة أحيانًا تعني الشيء الجزئي، كما تقول: فلان لا يرى إلا من خلال صديقه، كأن العبارة تشعر بأنه حل فيه، يعني: أنه سلم له وخضع لقوله، فلذلك الشيخ عندما قال: (وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين) فرق بين الأسباب والأحكام، فاتحاد الأسباب: هو التأثر والتأثير المادي، مثل اتحاد الماء مع النبات، فإن الماء سبب للنبات، فهذا مادي يعود إلى خصائص المخلوقات، والنوع الثاني في الأحكام والعين: التأثير المعنوي، فهذا الأمر قد يكون كليًا وقد يكون نسبيًا، والنسبي منه أمر اعتباري، قد يكون فيما يتعلق بصلة صفات الله ﷿ بخلقه، فإن صفات الله ﷿ لها أثر في خلقه، فالرحمة والإرادة والقدرة والخلق صفات لها تأثير، فهل هذا التأثير يعني: الاتحاد؟ لا، إنما يعني: وجود نوع من العلاقة بين الخالق والمخلوق، وهذه العلاقة لا تعني الاتحاد، فهذا في باب الأسباب والأحكام، فكيف في الأسماء والصفات؟! قال رحمه الله تعالى: [وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط؛ فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد.
وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما، التي هي -مثلًا- المحبوب والمكروه هو واحد بالعين، كالرسول الذي يحبه كل المؤمنين، فهم متحدون في محبته، بمعنى أن محبوبهم واحد، ومحبة هذا من نوع محبته هذا، لا أنها عينها.
فهذا في اتحاد الناس بعضهم ببعض، وهي الأخوة والخلة الإيمانية، التي قال فيها النبي ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أخرجاه في الصحيحين، فجعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو
[ ١١ / ٢ ]
درجات الناس في الموافقة لله ﷿
قال رحمه الله تعالى: [وهم في ذلك على درجات: فإن كان نبيًا كان له من الموافقة لله ما ليس لغيره، والمرسلون فوق ذلك، وأولو العزم أعظم، ونبينا محمد ﷺ له الوسيلة العظمى في كل مقام.
فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ، سواء كان واجبًا أو مستحبًا].
وصل الشيخ إلى النتيجة التي يريد، وهي قرب المؤمنين من ربهم مع تفاوتهم، فأقربهم الأنبياء، وهذا نوع من الاتحاد، وليس اتحادًا كليًا، لا، بل قرب القلوب من الله ﷿، فقرب القلوب من الله ﷿ كما ذكر النبي ﷺ في وصف الإحسان: (هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا لا شك أنه قرب القلب المؤمن من الله ﷿ بقدر أعماله وأحواله القلبية والعملية، فإذا قويت أحواله القلبية وقويت أعمال الجوارح بخصال الإيمان قرب من ربه، وإذا شعر بنوع من الاتحاد الذاتي والاتحاد العقلي والروحي فإنما هو اتحاد القرب من الله ﷿، فهذا نوع تقتضيه معاني اللغة وهو الاتحاد السائغ، أما المعنى البدعي والكفري الذي يقتضي الاتحاد الذاتي، ويقتضي الاندماج والمخالطة بين الخالق والمخلوق بأي نوع من أنواع المخالطة، فلا شك أن هذا إساءة إلى الله ﷿، وسوء أدب مع الله وسوء تصور مبني على توهمات وعقائد باطلة، توارثها هؤلاء الاتحادية والوحدوية وغيرهم، توارثوها من الفلاسفة التالفة عقائدهم ومن الأمم الضائعة في عقائدها، ومن الاتجاهات الشركية والبدعية عند الأمم الأخرى، فإنها هي التي تعتقد هذه الاعتقادات الباطلة في معنى الحلول والاتحاد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مثل هذا جاءت نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]].
يعني: أهل الاتحاد ووحدة الوجود كـ ابن عربي وغيره ساقوا هذا النص على أنه دليل على مذهبهم؛ لأنهم ما فطنوا المعنى الشرعي، ولأنهم زاغت قلوبهم ومالت إلى المعنى البدعي، مع أنه لا شك عند المخاطب أن بيعة المؤمنين للنبي ﷺ لا تعني المصافحة المباشرة بينهم وبين الله ﷿، إنما تعني المعاني الأخرى، أي: أنهم سلموا قلوبهم وأمرهم لدين الله، وخضعوا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، فكان هذا الخضوع -والذي شعاره البيعة- بمثابة المبايعة المباشرة لله ﷿، لكن لا بعينها، فإن الله ﷿ أعظم وأجل من أن يختلط بخلقه على النحو الذي يتصوره هؤلاء المبطلون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧].
وقال تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٢٤].
وقال تعالى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١].
ومن هذا الباب قول المسيح ﵇إن ثبت هذا اللفظ عنه-: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) ونحو ذلك].
هذه اللفظة مشكلة في الحقيقة، يعني: التعبير عن الله ﷿ بالأب هذا يؤيد النصارى في اعتقادهم بالأبوة والبنوة بين عيسى وبين الله ﷿، تعالى الله عما يزعمون، والله ﷿ أنكر ذلك، ولا شك أن هذا مما تنكره البدائه والعقول والفطر السليمة، فضلًا عن أن الله حكم بأنه شرك، فهذا المعنى عندما تأملته وجدت أنه راجع إلى الترجمات الطويلة التي تعرض لها الإنجيل والتوراة، وتعرضت لها النصوص المأثورة عن بني إسرائيل، والترجمات يعتريها النقص والانحراف المقصود، فإنه لما دخل قسطنطين ملك اليونان والرومان دين النصرانية فرض عليهم الشرك، فتحولت معاني النصوص الشرعية عندهم والآثار الشرعية إلى الألفاظ الشركية، قصدًا وعمدًا.
أيضًا هناك سبب آخر قد لا يكون مقصودًا عند بعض المترجمين، وهو أن المترجمين من لغة إلى لغة، لما أرادوا أن يحولوا كلمة الرب من لغة إلى لغة، فهموا منها جانبًا من جوانب الربوبية، وهو أن من معاني الربوبية لله ﷿ أنه المربي، ففهم بعضهم كلمة (مربي) أبًا؛ لأن أصل المربي هو الأب، فتحولت في أذهانهم مع الجهل ومع تراكمات الخرافات إلى جزء من المعاني اللغوية، وأخذوا الجانب الباطل من هذه التفسيرات.
إذًا: فالذي يوافق ما كان عليه المتأخرون من نصارى من اعتقاد البنوة والأبوة بين الله ﷿ وبين عيسى ﵇، أنهم ترجموا الرب إلى الأب؛ لوجود معنى من المعاني المشتركة، وهو أن من معاني الرب ﷿ أنه المربي، وأيضًا من صفات الأب أنه مربي، فأخذوا هذه اللفظة اللغوية الجزئية فجعلوها هي الأصل، فترجموا الرب بمعنى الأب.
وهناك أسباب أخرى أيضًا يطول فيها الكلام، لكن هذه في نظري أبرز الأسب
[ ١١ / ٣ ]
ما جاء في أولياء الله من نوع هذا الاتحاد
قال رحمه الله تعالى: [فصل.
وجاء في أولياء الله الذين هم المتقون نوع من هذا، فروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)].
[ ١١ / ٤ ]
شرح حديث: (من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة)
قال رحمه الله تعالى: [فأول ما في الحديث قوله: (من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة)، فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه عين معاداته، ليسا هما شيئين متميزين، ولكن ليس الله هو عين عبده، ولا جهة عداوة عبده عين جهة عداوة نفسه، وإنما اتفقا في النوع].
يعني: اتفقا في حال من الأحوال وليس في جميع الأحوال هذا أمر، الأمر الآخر: اتفقا في النوع لا في الذات؛ فليس هناك تحابب ذاتي أو عقلي أو روحي كما يقولون، إنما هو نوع من اتفاق الحال، وهذا يرد في أسماء الله وصفاته كما وصف الله ﷿ نفسه بأنه الرحيم، ووصف بعض عباده بأنه رحيم، ووصف نفسه بالعلم، ووصف بعض عباده بالعلم ووصف نفسه بالحكمة ووصف بعض عباده بالحكمة، فهذا اتفاق في النوع لا في الذات.
وهذا النوع أيضًا لا بد من إثبات التفاوت فيه، فهو في حق الله ﷿ على الكمال والجلال والعظمة التي لا تحدها حدود، وفي حق المخلوق على ما يليق بالمخلوق من النقص والضعف والمحدودية ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ثم قال: (فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله)، وفي رواية في غير الصحيح: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، فقوله: (بي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، بين معنى قوله: (كنت سمعه وبصره ويده ورجله)، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك، فإن العبد بحسب أعضائه وقواه يكون إدراكه وحركته، فإذا كان إدراكه وحركته بالحق، ليس بمعنى خلق الإدراك والحركة، فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، وإنما للمحبوب الحق من الحق من هذه الإعانة بقدر ما له من المعية والربوبية والإلهية، فإن كل واحدة من هذه الأمور عامة وخاصة].
قوله: (وإنما للمحبوب) لها عدة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون المحبوب له الحق الذي أوجبه الله ﷿ على نفسه، أي: الحق من الحق.
والثاني: أن المحبوب حقه من الحق الذي فرضه الله للعباد، يعني: الحق الجزئي من الحق الكلي، فهذه كلها معان محتملة، وأظن العبارة أقرب إلى هذا السياق، بمعنى أن كلمة الحق ليست مكررة وأنها على ما هي.
والآن اقرنوا في أذهانكم تفسير المعاني الأولى في حديث (من عادى لي وليًا فقد بارزته بالحرب)، بما فسر به الحديث نفسه هنا، من أن المقصود هو المقصود الشرعي، يعني: الحديث نفسه الذي سيأتي في صحيح مسلم عن أبي هريرة فسر بعضه بعضًا، فسر المعاني المجملة التي يتكئ عليها أصحاب الحلول والاتحاد بالمعاني التي تميز الخالق عن المخلوق، كما سيأتي في النص نفسه، وأشير إليه أثناء أو بعد سياق الحديث.
[ ١١ / ٥ ]
شرح حديث: (يقول الله تعالى: عبدي! مرضت فلم تعدني)
قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض؟ فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي)، ففي هذا الحديث ذكر المعنيين الحقين، ونفى المعنيين الباطلين وفسرهما].
أحب أن أشير إلى المعاني المجملة التي أراد الشيخ أن يفسر النص بالنص وهذا ما ذكرته لكم في أول القاعدة: أنه إذا وردت هذه الألفاظ المجملة فإنا نفسرها بالألفاظ الأخرى الواردة في الأحاديث الأخرى، وأحيانًا يأتي التفسير في الحديث نفسه، فهذا الحديث هو تفسير نصي قاطع على أن المقصود بهذه المعاني المجملة هو المعنى الذي يميز الخالق عن المخلوق، ولذلك لما توهم الإشكال في قول الله ﷿ في الحديث القدسي: (عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟) فوجد التوهم عند المخاطب، فلما وجد فسر في الحديث نفسه، فيقول: (أما علمت أن عبدي فلانًا مرض) لكن يبقى الإشكال عند أهل الحلول والاتحاد على أنه اعتبر نفسه هو عبده، وهذا أيضًا يفسره الحديث فقال: (فلو عدته لوجدتني عنده)، العندية عقلًا وشرعًا ولغة تعني: التمايز، فلا أحد يقول عن نفسه: أنا عند نفسي لا عنده غير.
إذًا: العندية تعني التمايز ولا شك؛ فلذلك قال: (فلو عدته لوجدتني عنده)، وهل معنى هذا أن الله ﷿ بذاته يوجد عند المخلوق؟ لا، هذا منفي عقلًا وشرعًا، ومنفي بمقتضى النصوص وبداهة العقول، فيبقى ما معنى كون الله عنده؟ فسره بعد ذلك بأن عبده فلانًا مرض وفلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك، عندي، أي: لو أطعمته لوجدت أجر ذلك عندي، هذا معنى كون العندية لعبده تعني العندية الخاصة والقرب الخاص، والرعاية الخاصة من الله ﷿ لعباده الخلص، فلا شك أن المقصود أجر ذلك وثوابه وجزاء العمل؛ لأن العمل وجد.
فإذًا: الحديث فسر بعضه بعضًا على ثلاث درجات: أولًا: جعل العبد غير الرب سبحانه.
ومقتضى الحديث الثاني: أنه فسر المعنى على التمييز بين الله ﷿ وبين عبده.
ثالثًا: أنه فسر المعنى بالعندية (لوجدتني عنده) ثم فسر العندية بالجزاء فقال: (فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي) فانتفى المعنى البدعي الضال والمعنى الشركي الذي عليه أهل الأهواء والبدع من المتصوفة والاتحادية والحلولية وأصحاب وحدة الوجود وغيرهم، ممن مال إلى الباطل، واشتغل بهذه المتشابهات؛ ليصرف الناس عن الحق، وهذه المعاني المتشابهة هي التي جعلها الله ﷿ فتنة للذين في قلوبهم زيغ، كما قال ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، هذا المتشابه الغيبي، والمتشابه غير الغيبي الذي هو في مقدور البشر، قال الله فيه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]؛ لأن القراءة الصحيحة في القرآن بمثابة النص، يعني: كل قراءة كأنها آية، فمثلًا: الآية التي فيها ثلاث قراءات هي عبارة عن تفهم معنى ثلاث آيات، لكنها آية واحدة، وهذا من إعجاز القرآن، يعني: كل قراءة تحمل معنى غير الآخر، ولفظ القرآن واحد، لكن يكون على الوقف والوصل ونحو ذلك.
فالوقف يعني معنى، والوصل يعني معنى آخر، ولا تضاد بين المعنيين، وكلاهما نص مستقل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقوله: (جعت ومرضت) لفظ اتحاد يثبت الحق.
وقوله: (لوجدتني عنده، ووجدت ذلك عندي) نفي للاتحاد العيني بنفي الباطل، وإثبات لتمييز الرب عن العبد.
وقوله: (لوجدتني عنده) لفظ ظرف، وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق، الذي هو بالإيمان لا بالذات].
هذه النصوص لا بد من الجمع بينها؛ لتعطي المعنى الفطري اليقيني الذي ينبني عليه التوحيد والإيمان، ولذلك لا يمكن أن تصفو عقيدة المسلم، ولا يكون عنده القدر اليقيني الصافي الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب، إلا إذا جمع بين نصوص الشرع على نحو ما كان يفعل أئمة السنة ﵏، وبذلك يجد العقيدة الصافية، ولو إنه اشتغل بغير هذا المنهج وضرب آيات الله بعضها ببعض لوجد عنده التشويش، ووجد عنده عدم اليقين.
وبعض الناس يقع في هذا الخطأ فيضطرب قلبه، وقد لا يفصح عن ذلك، ويكون سبب اضطراب القلب هو اتباع المتشابه، يعني: تأتيه هذه النصوص فيأخذها على ظاهرها، وقد لا يجيد القدرة على الجمع بين النصوص، أو لا يحفظ النصوص التي بعضها يرد إلى بعض، فلا يرجع إلى أهل الذكر الذين قال الله فيهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الن
[ ١١ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١١ / ٧ ]
المعنى المشترك بين المعية والعندية
السؤال
ما هو المعنى المشترك بين المعية والعندية؟
الجواب
يعني: المعية تعني العندية في كثير من الأحوال.
مداخلة: هل يمكن أن يقال: إن العندية يقصد بها المعية؟ الشيخ: بلى، العندية هي نوع من أنواع المعية، فيجوز أن تفسر بها في بعض النصوص حسب السياق، فالعندية والقرب والمعية بينها ترادف من وجوه كثيرة.
[ ١١ / ٨ ]
تنزه عيسى ﵇ مما نسب إليه من ادعاء النبوة
السؤال
أراك سلمت بمقولة المسيح: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) وقد وردت في الكتاب، وإن جاء هذا اللفظ عنه فيحتمل كذب نسبتها إليه؟
الجواب
نعم، صحيح، وأنا في الحقيقة ما كان في بالي الاحتراز، لكن أظنه واضح من سياق شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم هذا الكلام ما ورد بالإسناد، وأيضًا هو يدخل في أحاديث بني إسرائيل، فأقول: على أي الاعتبارات هذه الكلمة لابد أن نقف عندها، حتى لو كانت في أحاديث مكذوبة، فهم يجعلونها من أدلتهم على البنوة، تعالى الله عما يزعمون.
[ ١١ / ٩ ]
التعريف بالتأصيل العلمي الشرعي وغيره وطرق تحصيله
السؤال
ما المقصود بالتأصيل العلمي؟ وما كيفية تحصيله؟
الجواب
التأصيل العلمي: هو استخراج القواعد والأصول والمناهج والأحكام الشرعية على ضوء المنهج الشرعي الصحيح السليم، وذلك باستخلاص هذه الأمور في التلقي والاستدلال وسلامة المقاصد، وأيضًا استخلاص الفوائد، وأن ترجع الأمور إلى الأصالة الشرعية، سواء كانت في باب العقائد أو في باب الأحكام والمفردات والأصول والمناهج، فالتأصيل هو إرجاعها إلى أصل شرعي قوي يعتمد على الشرع تطمئن إليه النفس، هذا بالنسبة للتأصيل الشرعي.
أما التأصيل غير الشرعي فيرجع إلى أصحاب الاختصاص، والتثبت من المعلومة بالطرق العلمية المعتبرة.
[ ١١ / ١٠ ]
حكم إطلاق صفة الولي على من يوثق بدينه وصلاحه
السؤال
هل يصح إطلاق لفظ (ولي) في وقتنا الحاضر على من يوثق بدينه وصلاحه؟
الجواب
ليس هناك مانع؛ فقد وردت ألفاظ الولي والأولياء في القرآن والسنة، فإذا توافرت في الإنسان صفات الصلاح والاستقامة فيمكن أن يقال: هذا إن شاء الله ولي من أولياء الله، على اعتبار الرجاء من الله لا على اعتبار الجزم.
[ ١١ / ١١ ]