شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٥]
لقد ظهرت فرق الحلولية والاتحادية منذ القرن الثاني واستمرت إلى يومنا هذا، وهم على صنفين: صنف يعتقدون الاتحاد والحلول الكلي، وهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، وحامل لوائهم هو ابن عربي وابن سينا وابن الفارض، وأما الصنف الثاني فهم من يعتقدون الاتحاد والحلول الجزئي، ومن هؤلاء الحلاج ومن سلك سبيله من المتصوفة.
[ ١٥ / ١ ]
فصل في الفرق بين أهل الحلول والاتحاد المطلق وأهل الحلول والاتحاد الجزئي
بسم الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
وبعد.
بعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا ونبدأ في الفتاوى المجلد الثاني، وسنقرأ اليوم من صفحة ٤١٤.
لا يزال الشيخ يتحدث عن أصحاب الحول والاتحاد ووحدة الوجود، وبيان كفرهم بالله ﷿ فيما ذهبوا إليه، وينقض أقوالهم بالأدلة العقلية والنقلية.
قال رحمه الله تعالى: [فصل.
وأما كفرهم بالمعبود، فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد، مثل: من يعبد الصور الجميلة، ويقول: هذا مظهر الجمال، أو الملك المطاع الجبار، ويقول: هو مظهر الجلال، أو مظهر رباني ونحو ذلك].
(مظهر الجلال) يزعمون أنه دلالة على الاتحاد، وكذلك (مظهر رباني) يعني: في المخلوق، فيزعمون أن الخالق تمثل بهذه الأمور، فيعبدونها من دون الله على أنها هي هو، أو مظهر من مظاهره، وهو إما اعتقاد لوحدة الوجود، وأن هذه الأشياء هي مظاهر لصفات الله في الخلق، أو أنها تمثلت فيها حقيقة ذات الله، أو أنهم أعطوها صفة القداسة، على أنها تختص ببعض خصائص الله ﷿، فعلى الوجهين كل ذلك شرك؛ لأن الذين يعبدون هذه الأمور يقدّسون الصور الجميلة، أو يقدسون من يعظمونه إما لقوته أو لجماله أو لأي نوع من أنواع التعظيم، فهؤلاء على درجات كما سيأتي بيانه.
منهم: من يعبد هذه الأشياء على أنها هي الله، وهم أصحاب وحدة الوجود، أو أنها حلّت فيها بعض صفات الله، وهؤلاء أصحاب الحلول، أو أنها أيضًا مشتملة على خصائص الله ﷿ اشتمالًا كاملًا، وهؤلاء أصحاب الاتحاد.
قال رحمه الله تعالى: [وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق، لكن يشبه ما فيه الحق من جهة؛ إذ كلاهما بالله ومن الله، وأنه لله؛ ولهذا يسوي بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله.
فهؤلاء الاتحادية والحلولية الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة].
يعني: الاتحادية الذين لا يفرقون بين الله وبين خلقه، والحلولية أصحاب الحلول الجزئي الذين يرون أن الخلق حل فيه جزء من الإله، تعالى الله عما يزعمون.
قال رحمه الله تعالى: [هم فرع على أولئك، ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق، كما مع أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين، ولكن مع هؤلاء قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقول الدجال: (أنا ربكم) ونحو ذلك.
فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين، ومعهم تشبيه الكونيات بالدينيات، والكونيات عامة لا اختصاص فيها؛ فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد والحلول المطلق منهم في المعين اعتقادًا وقولًا].
(أدخل) يعني: أظهر.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كانوا من جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان، كما هو الواقع لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام الكونية، وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد.
وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق، فنبهت على ذلك؛ ليفطن لموضع ضلالهم، فإذا علم حقيقة هذه الأمور عُلم حقيقة قول النبي ﷺ: (أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).
فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين].
قبل أن نتجاوز هذه المسألة يحسن أن نضرب أمثلة لمن قصدهم الشيخ هنا؛ لأن هذه الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني والثالث والرابع وما بعده موجودة الآن، هذه المذاهب التي تعتقد الحلول الجزئي أو الحلول الكلي موجودة في عصرنا.
أما أصحاب الحلول الكلي أو الاتحاد الكلي فهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، كـ ابن عربي والقونوي والسهروردي وابن الفارض وابن سينا، فهؤلاء يعتقدون الحلول الكلي، وأول ما أعلن ذلك هم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، والإسلام منهم براء، وأصحاب الحلول الجزئي، هم أمثال: الحلاج ومن سلك سبيله من الصوفية، وغالب الصوفية أصحاب حلول جزئي، يعتقدون في الأولياء بعض خصائص الإلهية، وليس كل خصائص الإلهية، ويتفاوتون بذلك تفاوتًا كبيرًا، فمنهم من يرى أن الأولياء لهم تدبير في الربوبية مع الله ﷿، ويعتقدون أن لهم قدرات جزئية في ذلك.
ومنهم من يعتقد أنهم يعلمون الغيب.
ومنهم من يعتقد أن فيهم روحًا مقدسة أو عقولًا مقدسة أو نحو ذلك، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم فهم يتفاوتون، لكن سائر غلاة الصوفية يعتقدون الحلول الجزئي.
وكذلك الرافضة يعتقدون في الأئمة الحلول الجزئي، فهم يعتقدون أن أئمتهم اشتملوا على بعض خصائص الألوهية أو الربوبية، أو هما معًا وهو الغالب.
قال رحمه الله تعالى: [فإن الباطل ضد الحق والله هو الحق المبين.
والحق له معنيان: أحدهما: الموجود الثابت، والثاني: المق
[ ١٥ / ٢ ]
وجه بطلان أعمال الكفار وذكر أنواع الباطل
قال رحمه الله تعالى: [والباطل نوعان أيضًا: أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدومًا كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلًا؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلًا كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب.
الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص:٢٧] وكقول النبي ﷺ: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق).
وقوله عن عمر: (إن هذا رجل لا يحب الباطل) وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل.
ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل.
فالصحيح ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده.
والباطل ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصوده؛ ولهذا كانت أعمال الكفار باطلًا.
فإن الكافر من جهة كونه كافرًا يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلًا، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضًا باطلًا، ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق].
يعني: يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال، لا بد من تقييد العبارة، والشيخ يريد ذلك، ويتبين هذا من خلال استدلاله، حينما كان لهم أعمال وأقوال صار أهل الباطل يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال فيما يبدو لنا، والأمر لا يشتبه على من أعطاه الله ﷿ التمييز بين الحق والباطل، ومن امتلأ قلبه بالإيمان واليقين لا يشتبه عليه الحق بالباطل، حتى إن الله ﷿ يعطيه من الفراسة ما يتبين له وجوه الحق ووجوه الباطل، كما بين الله ﷿ لرسوله ﷺ كيف يعرف المنافقين بسيماهم وبلحن القول منهم، وكذلك كل مؤمن له من هذه الفراسة بقدر اتباعه للرسول ﷺ، وكل مؤمن له من هذه الفراسة التي يميز فيها بين الحق والباطل بقدر ما في قلبه من النور والهدى.
قال رحمه الله تعالى: [فلذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٣] إلى قوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وقال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٦٤].
فبيّن أن المن والأذى يبطل الصدقة فيجعلها باطلًا لا حقًا، كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضًا، وقد عمم بقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ولا فائدة].
[ ١٥ / ٣ ]
ظن طائفة من الاتحادية أن الحق هو الموجود وأن العالم ليس فيه باطل
قال رحمه الله تعالى: [وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كـ ابن عربي فرأوا أن الحق هو الموجود، فكل موجود حق، فقالوا: ما في العالم باطل؛ إذ ليس في العالم عدم].
أراد الشيخ ﵀ أن يفرّق بين الحق بمعناه الكوني والحق بمعناه الشرعي، فالحق بمعناه الكوني يعني: أن كل موجود هو حق، لكن هذا معنى كوني قدري يتعلق بالربوبية لا علاقة له بالعبادة وتوحيد الإلهيات.
والنوع الثاني: هو الحق بالمعنى الشرعي، وهو ما شرعه الله، وهو اتباع أوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، وهو الالتزام بشرع الله ﷿ بالمعنى الشرعي، فأهل الاتحاد التفتوا إلى المعنى الكوني ولم يلتفتوا إلى المعنى الشرعي؛ ولذلك ادعوا الربوبية لجميع الخلق، وأعرضوا عن شرع الله ﷿.
إذًا: فالحق هنا كلمة مجملة، قد يراد بها الحق بمعنى الموجود، فكل الموجودات حق على هذا الاعتبار، لكن الحق الذي هو الله ﷿ حق كامل، والحق الذي للمخلوقات حق ناقص، يعتريه النقص والفناء والخلل، وكل العوارض التي تعرض للمخلوق.
والمعنى الآخر: الحق بمعنى الهدى والشرع الذي يريده الله، الذي تعبد الله به العباد، فهذا ضده الباطل وهو الشرك والعصيان ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [قالوا: والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلًا، وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل.
فإن الشيء له مرتبتان: مرتبة باعتبار ذاته، فهو إما موجود فيكون حقًا، وإما معدوم فيكون باطلًا.
ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان واللسان والبنان، وهو العلم والقول والكتاب؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشيء، فإن كانت مطابقة موافقة كانت حقًا، وإلا كانت باطلًا، فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق موجود، وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم، كان الخبر والاعتقاد حقًا، وإن كان بالعكس كان باطلًا، وإن كان الخبر والاعتقاد أمرًا موجودًا، فكونه حقًا أو باطلًا باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه.
ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجودًا إلا بقرينة تبين المراد.
وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة، فإن حصلت وكانت نافعة كان حقًا، وإن لم تحصل، أو حصل ما لا منفعة فيه كان باطلًا.
وبهذين الاعتبارين يصير في الوجود ما هو من الباطل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف، خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة، قال الله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]].
هذه الآية اشتملت على المعنيين، على ذكر الحق الباقي وهو السيل، والباطل الزائل وهو الزبد الرابي الذي يطفح فوق السيل، وهو عبارة عن نفاخات الماء، مجرد ما يلامسها أدنى شيء تنفقع؛ لأنها ما هي إلا هواء، والزبد هو هواء ينتفخ لفترة قصيرة ثم يزول، ولا يبقى أكثر من دقائق معدودة على أكثر تقدير، ولا يعرف أن الزبد يبقى مدة طويلة، فهذا مثال للحق وهو السيل، والباطل وهو الزبد الرابي الذي يخالط السيل، وبينهما فرق يدركه كل عاقل، فالحق باق ونافع، وينتج عنه النافع، والباطل زائل وضار، وينتج عنه الضار.
قال رحمه الله تعالى: [شبّه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن، فيختلط بالشبهات والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد، وبالذهب والفضة والحديد ونحوه إذا أذيب بالنار، فاحتمل الزبد فقذفه بعيدًا عن القلب، وجعل ذلك الزبد هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فهو مثل الحق النافع، فيستقر ويبقى في القلب.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣].
فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم، وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم، فكفرت سيئاتهم، وأصلح الله بالهم، أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولًا وعملًا، اعتقادًا واقتصادًا، خبرًا وأمرًا، وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم، وإن كان حقًا من وجه.
وهذا تحقيق ما قلناه؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه، وللمقصود بالعمل، فإذا كان ذلك باطلًا لا حقيقة له كان التابع كذلك وإن كان موجودًا، وكذلك ما تقدم من قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة
[ ١٥ / ٤ ]
خمسة أوجه في الاحتجاج بقوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) على الاتحادية
قال رحمه الله تعالى: [وقالوا: قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو المعدوم، فكل ما سوى الله معدوم، والموجود ليس بمعدوم.
فالموجود ليس فيه سوى، وإنما السوى هو العدم.
فإن هذا مبني على المقدمتين الباطلتين: إحداهما: قولهم: إن الباطل هو المعدوم، فإنه ليس كذلك، بل المعدوم باطل وليس كل موجود باطلًا، بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو باطل كما تقدم، وهو الأعمال التي لا تنفع، والأخبار التي ليست بصدق، وما يندرج في هذين من المقاصد والعقائد.
الثانية: لو كان لا باطل إلا المعدوم؛ لكان الموجود حقًا، وكل موجود فقد يسمى حقًا مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده، وإن كان باطلًا؛ لانتفاء حقيقته التي بها جاز إطلاق الحق عليه، لكن الحق حقان: حق خالق، وحق مخلوق.
وقد كان النبي ﷺفي الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس - يقول إذا قام من الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت).
وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة، ومنه ما هو حق من مخلوقات الله ليس هو الله؛ ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو السوى وهو العدم، وأما الموجود فهو هو.
وأيضًا فنفس الحديث حجة عليهم؛ فإن قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) لفظ عام يدخل فيه كل موجود سوى الله، فإن لفظ (الشيء) يعم كل الموجود بالاتفاق، ويدخل فيه ما له وجود ذهني أو لفظي أو رسمي كتابي، وإن لم يكن له وجود حقيقي من المعدومات والممتنعات، فهذا نص في أن كثيرًا من الموجودات باطل، ولا يجوز أن يراد به: كل معدوم ما خلا الله فهو باطل؛ لخمسة أوجه: أحدها: أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات، ومثل هذا الاستثناء يدل على التناول، بخلاف الاستثناء من غير موجب، كقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء:١٥٧]، فإن ذلك لا يدل على التناول، فلو كان التقدير: كل معدوم ما خلا الله باطل؛ للزم أن يكون الحق تعالى معدومًا، وهذا أبطل الباطل.
الثاني: أن (كل شيء) نص في الوجود، لا يجوز قصرها على المعدومات بالاتفاق.
الثالث: أن المعدوم لا يدخل في لفظ (كل شيء) عند أهل السنة وعامة العقلاء، فضلًا عن كونه يختص به.
الرابع: أنه لو كان المعنى: كل معدوم فهو باطل؛ لكان هذا من باب تحصيل الحاصل، بل لفظ (العدم) أدل على النفي من لفظ الباطل؛ فكيف يبين الجلي بالخفي؟ الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: (كل ما سوى الله باطل)، فإن هذه العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ، وإن كانت تلك العبارة لا تدل أيضًا على مرادهم.
وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه؛ فقد عرف أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهي الباطل اللذين تقدم تفسيرهما: أحدهما: وهو المقصود النافع، والباطل ما لا منفعة في قصده، وكل شيء ما خلا الله إذا كان له القصد والعمل كان ذلك باطلًا، والأمر به باطل، وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله، أو يعبدون الله بغير أمر الله ولا شرعه.
فإن قيل: فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس العين المقصودة؛ قلت: بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذي قُصِدت له، كما جاء في الحديث: (أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم).
وذلك أنه إذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو المنفي؛ فالشيء ينفى لانتفاء وجوده في الجملة، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤].
و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥].
وقول النبي ﷺ: (لا نبي بعدي).
وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التي هو بها هو، كما ذكرناه، فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل، والباطل معدوم].
يعني: والباطل معدوم من هذا الوجه.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا (كقوله ﷺ لما سئل عن الكهان: ليسوا بشيء).
ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة:٦٨].
وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه؛ إما مطلقًا، وإما بالنسبة إلى غيره].
يعني: في الصورة الأولى ينفى الشيء لانتفاء فائدته، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه
[ ١٥ / ٥ ]