شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٩]
لقد التزم أهل السنة والجماعة ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله فيما يخص صفات الله تعالى الذاتية والفعلية، بينما خالفهم في ذلك المتكلمة الذين نفوا عن الله ﷿ صفاته الفعلية، ولجئوا في سبيل ذلك إلى تأويل النصوص الشرعية بتأويلات باطلة، ولم يتوقفوا عند ذلك حتى أتوا بنصوص من عند أنفسهم دعمًا لمنهجهم، وترويجًا لباطلهم وضلالهم.
[ ٩ / ١ ]
من أعظم الأصول التي يعتمدها الاتحادية (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل.
ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة المدعون للتحقيق والعرفان ما يأثرونه عن النبي ﷺ أنه قال: (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان)، وهذه الزيادة وهو قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترى على رسول الله ﷺ، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري متكلمة الجهمية، فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم وهو التعطيل والإلحاد، ولكن أولئك قد يقولون: كان الله ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان، فقال هؤلاء: (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان) وقد اعترف بأن هذا ليس من كلام النبي ﷺ أعلم هؤلاء بالإسلام ابن عربي، فقال في كتاب (ما لا بد للمريد منه): وكذلك جاء في السنة: (كان الله ولا شيء معه) قال: وزاد العلماء: وهو الآن على ما عليه كان، فلم يرجع إليه من خلقه العالم وصف لم يكن عليه، ولا عالم موجود، فاعتقد فيه من التنزيه مع وجود العالم ما تعتقده فيه ولا عالم ولا شيء سواه.
وهذا الذي قاله هو قول كثير من متكلمي أهل القبلة].
قوله: (وهذا الذي قاله هو قول كثير من متكلمي أهل القبلة).
أي: أن هذه النزعة أثّرت حتى في المتكلمين الذين ليسوا من الملاحدة ولا من الفلاسفة، كمتكلمة الأشاعرة والماتريدية، أثّرت فيهم هذه النزعة الفلسفية كما هو ظاهر عند أبي المعالي الجويني قبل أن يرجع إلى السنة، وكما هو ظاهر أيضًا عند الغزالي، وظاهر جدًا عند الرازي بن الخطيب ومن سلك سبيلهم، فهذه النزعة، يعني: نزعة نفي المكان والزمان مطلقًا بدون تفصيل، أدت إلى إنكار الصفات الفعلية وتأويلها، وإلى إنكار الصفات الذاتية وتأويلها، وإن لم يشاركوا أصحاب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود الملاحدة في إنكار ذات الله ﷿ والقول بالحلول أو الاتحاد، ما شاركوهم في هذا الحد، لكن شاركوهم في نفي ما هو من الصفات الذاتية والفعلية لله ﷿؛ زعمًا منهم أن ذلك يقتضي الحدوث والزمان والمكان، قالوا: إذا قلنا: إن الله مستو على عرشه اقتضى ذلك المكان، أخذًا بالشبهة الفلسفية، والتي قالوا فيها الحديث الموضوع هذا: (وهو الآن على ما عليه كان) وأيضًا زعموا أن إثبات العلو يقتضي المكان، وزعموا أيضًا أن بعض أفعال الله ﷿ تقتضي الزمانية والمكانية، مثل: النزول وغير ذلك.
فأقول: إن الشيخ أشار إشارة إلى مسألة منهجية مهمة جدًا، تدل على التداخل العقدي بين الفرق، وأن كل فرقة من فرق أهل الكلام ابتداء من الغلاة الفلاسفة الملاحدة كهؤلاء الذين ذكرهم الشيخ، وانتهاء بمن هم من فرق أهل القبلة وهم متكلمة الأشاعرة والماتريدية، وعندهم قدر مشترك يشتركون فيه، وهو الخوض في هذه المسائل ما بين تعطيل مطلق، وما بين تأويل، وما بين اضطراب في ذلك، كل ذلك تحت شبهة الزمانية والمكانية والحدوث؛ لأنهم أيضًا يقولون: الزمان والمكان حادث، فأدخلوا هذه القضايا كلها تحت ما يسمى بالزمانية والمكانية والحدوث، فمن هنا وقفوا تلك المواقف تجاه ذات الله ﷿ وأسمائه وصفاته وأفعاله المتباينة ما بين معطّل ملحد، وما بين مؤول، كل ذلك راجع إلى هذه الشبهة.
[ ٩ / ٢ ]
زعم الملاحدة أن قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) فيه نفي لحدوث التغير والتحول في صفات الله الفعلية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو ثبت على هذا لكان قوله من جنس قول غيره، لكنه متناقض؛ ولهذا كان مقدم الاتحادية الفاجر التلمساني يرد عليه في مواضع يقرب فيها إلى المسلمين، كما يرد عليه المسلمون المواضع التي خرج فيها إلى الاتحاد.
وإنما الحديث المأثور عن النبي ﷺ ما أخرجه البخاري عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض).
وهذه الزيادة الإلحادية وهو قولهم: (وهو الآن على ما عليه كان) قصد بها المتكلمة المتجهمة نفي الصفات التي وصف بها نفسه من استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، وغير ذلك فقالوا: كان في الأزل ليس مستويًا على العرش وهو الآن على ما عليه كان، فلا يكون على العرش، لما يقتضي ذلك من التحول والتغير].
من هنا ندرك الخطأ المنهجي الكبير الذي خالفت فيه الفرق الكلامية أهل السنة والجماعة، فهذا من الفوارق بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق المتكلمة الذي وقعت فيه جميع الفرق ما بين مقل ومكثر، وهو أن أهل السنة والجماعة التزموا ما جاء في الكتاب والسنة في صفات الله ﷿ الذاتية منها والفعلية، أي: ما كان متعلقًا بذات الله ﷿ أو بأفعاله، كما جاء في الكتاب والسنة دون التزام لهذه المستلزمات التي إنما هي تحكم من الخلق، وهي ما تسمى بالزمانية والمكانية والحدوث.
ومن هنا ندرك وجه الخطأ المنهجي الكبير الذي وقعت فيه الكلابية وورثتها ومن سلك سبيلها من الأشاعرة والماتريدية في نفي الصفات الفعلية عن الله ﷿، وإنما فعلوا ذلك بقبولهم بهذا الأصل، واعتمادهم له في تقرير الصفات، ولجأ إليه هؤلاء حينما خرجوا عن الحد الشرعي في جدال الفرق الفلسفية والتزموا لوازم باطلة.
[ ٩ / ٣ ]
الجواب الأول لأهل السنة على المتكلمين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية
قال رحمه الله تعالى: [ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين: أحدهما: أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية، ويسميها ابن عقيل: الأحوال].
هذه المسألة تعتبر من أكبر المسائل وأقواها حجة عند السلف ضد المخالفين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية، وهو أن المتجدد يعني: أفعال الله ﷿، ويمكن أن نقول: إن الله يفعل متى شاء، ونقول: إن الله ﷾ يتكلم متى شاء، وهذا حق وهذا كمال لله، وأنه ينزل متى شاء وكيف شاء، كما ورد في النصوص، وأنه ينادي عباده متى شاء، وقد نادى قبل ذلك، وسينادي يوم القيامة وهكذا، وأن صفاته سبحانه الفعلية متعلقة بالمشيئة، وأصول هذه الأفعال من صفات الله ﷿ الثابتة، وكذلك مفرداتها من صفات الله ﷿، فالأصل في صفة الكلام أنها ثابتة لله ﷿ بذاتها، وأن الله يتكلم كلامًا يليق بجلاله، في أفرادها ومفرداتها، أيضًا الله ﷿ يتكلم متى شاء، وهذا التكلم المربوط بالمشيئة سماه أهل الكلام حادثات، وقالوا: إنا إذا قلنا بأن الله يتكلم متى شاء.
فهذا يعني أن الله تحدث له حوادث، هكذا يتحكمون من عندهم، فزعموا أن الله تكون له قدرة لم تكن، وتنشأ عنده إرادة لم تكن إلى آخره! كل هذه من لوازم التزموها بناء على قياس الخالق ﷿ بالمخلوق، وعلى الخضوع لهذه القاعدة الفاسدة: أن الله كان، وأنه لم يتجدد له شيء بعد أن كان، أو كان الله ولم يكن قبله شيء، ثم هو أيضًا على ما كان لا زمان ولا مكان كما زعموا، فزعموا أن تجدد الحادثات يقتضي الزمانية والمكانية في حق الله، وأنه يقتضي الحدوث في أفعال الله، وهذه فلسفة كلها تخرصات وتوهمات وقياسات للخالق والمخلوق، وليس أمام العبد المسلم إلا أن يسلّم بما جاء عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ في صفات الله وأفعاله، والمستلزمات التي يراها في ذهنه ليست لازمة، والحق منها يلزم والباطل منها لا يلزم.
فمن هنا أقول: قال السلف: (إن المتجدد -أي: من هذه الصفات الفعلية- نسبة إضافية بينه وبين العرش) لقد حصر الشيخ التجدد فيما يتعلق بالعلو والاستواء والنزول والمجيء؛ لأن أكثر أفعال الله ﷿ من هذا النوع؛ وذلك لأن العرش أعظم الخلق، فنسبة أفعال الله ﷿ جاء ذكرها في الكتاب والسنة مرتبطة بالعرش من حيث سياق نصوص القرآن والسنة، فالاستواء ربط بالعرش والعرش مخلوق، وما دون العرش داخل في العرش بالضرورة، الكرسي داخل في العرش، وكذلك بقية المخلوقات.
فالعرش هو أعظم الخلق، كثير من الصفات لله ﷿ ربطت في النص الشرعي بالعرش؛ لأجل أن يتصور الإنسان عظمة الله ﷿؛ ولأن ذلك دال على أن العرش مخلوق لله، ومع ذلك فإن الله ﷿ ذكر استواءه على العرش على ما يليق بجلاله، والعلو مرتبط بالعرش، والعلو كذلك مرتبط بالمخلوقات، علو الله ﷿ على المخلوقات ونحو ذلك.
أيضًا سيأتي من وجه آخر ما يدل على أن عند السلف عمقًا في التفكير، لكنهم لا يتمادون في التفلسف، وإذا قلنا: إن الصفات الفعلية كلها أو أغلبها مرتبط ببعض المخلوقات، فنزول الله ﷿ نزولًا يليق بجلاله لا نفهم كيف يكون، لكن النزول مرتبط بالعلو وبالفوقية لا شك، لكن حقيقة الارتباط أمر لا ندركه إطلاقًا، فعلى هذا لا يمكن أن يفهم الإنسان معاني العلو والفوقية والاستواء والنزول والمجيء إلا إذا عرف الفرق بين الخالق والمخلوق؛ إذا عرف أن العرش وما دونه غير الله ﷿، والمغايرة بين الخالق والمخلوقات هي أكبر رد عقلي وشرعي على أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود؛ لأنهم حينما زعموا أن الله هو المخلوقات، قيل لهم: ما معنى الاستواء؟ وما معنى الفوقية؟ وما معنى العلو؟ وهذا ما سيشير إليه الشيخ.
نقف عند قول الشيخ: (أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش) أي: بين الله ﷿ وبين العرش؛ لأن العرش أعظم الخلق، فالعلو والنزول والمجيء والاستواء إنما نفهم حقيقتها من خلال ما فهمنا من وجود العرش، وبربط هذه المخلوقات بأفعال الله ﷿ كالاستواء والنزول والمجيء وغيرها.
قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية، ويسميها ابن عقيل: الأحوال، وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين جميع أهل الأرض من المسلمين وغيرهم؛ إذ لا يقتضي ذلك تغيرًا ولا استحالة].
يشير الشيخ إلى ما ورد في النصوص، فهو لا يشير إلى اجتهاد من عنده، أن لما ذكر الله ﷿ خلق السماوات والأرض ذكر الاستواء، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فهذا له مفهومان: مفهوم يتعلق بالله ﷿، ومفهوم يتعلق بتصورنا نحن عن فعل الله، وأفعال الله على نوعين: أفعال تتعلق بصفاته، فهذه أزلية.
وأفعال تتعلق بآثار فعله في خلقه، فهذه تتجدد.
فالله ﷿ ذكر لنا أن الاستواء متجدد، والنزول والمجيء يتجددان، والتجدد لا يعني أنه تحدث لله قدرة لم تكن أو فعل لم يكن من صفاته، لا، وإنما آحاد التجدد وأفراده تكون بعد أن لم
[ ٩ / ٤ ]
الجواب الثاني لأهل السنة على المتكلمين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن ذلك وإن اقتضى تحولًا من حال إلى حال، ومن شأن إلى شأن، فهو مثل: مجيئه وإتيانه ونزوله وتكليمه لموسى، وإتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص، وقال به أكثر أهل السنة والحديث، وكثير من أهل الكلام، وهو لازم لسائر الفرق].
يعني: الثاني مما يرد به السلف على أهل البدع والأهواء: أن أفعال الله ﷿ وإن سماها أهل الكلام تحولًا من حال إلى حال فإن ذلك دليل الكمال؛ لأن هذا لا يعني النقص، والنقص منفي عن الله جزمًا، ثم التحول من حال إلى حال إذا كان نقصًا عند المخلوقات، فليس هذا لازمًا في حق الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فنحن نعلم يقينًا أن كثيرًا من أحوال العباد التي يكون فيها قدرة على التحول من حال إلى حال أنها إلى الكمال أقرب، فلماذا لا يكون الله ﷿ أولى بالكمال، وعلى سبيل المثال: أليس الإنسان الذي يقدر أن يتكلم متى شاء أكمل وأقدر من الذي لا يستطيع أن يتكلم أبدًا، أو أحيانًا يتعثر في الكلام؟ فلماذا تنسب الكمال للمخلوق وتنفيه عن الله ﷿، وهذه التعبيرات الأحوال وغيرها تعبيرات يجب أن نتفاداها، لكن لما وقعوا فيها نلزمهم بها؛ نلزمهم بالقواعد العقلية، نقول: الأحوال إذا كانت تدل على كمال واتفقت مع نصوص الكتاب والسنة، فلا شك أن وصف الله بها ﷿ هو الحق بدون تأويل، فالاستواء على العرش كمال، والقدرة على النزول والمجيء أكمل من عدم القدرة عليه، والقدرة على الكلام أكمل، وكون القادر على الكلام يتكلم متى شاء أكمل ممن يقدر، لكن لا يستطيع أن يتكلم إلا أحيانًا وهكذا.
فإذًا: وصف الله ﷿ بالصفات الفعلية وإن اقتضى تحولًا من حال إلى حال ومن شيء إلى شيء، فإنه كمال وليس نقصًا، لكن نثبته لله كما يليق بجلاله، واللوازم التي تلزم في التحولات عند المخلوقات لا تلزم في حق الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولأن له الكمال المطلق سبحانه، وكذلك اللوازم التي تلزم من الصفات الفعلية، من بعض الجوانب التي يعتبرونها نقصًا، مثل: الحدوث بعد العدم وهكذا، هذه أمور أيضًا بالنسبة لله تدل على الكمال لا على النقص، لكن إذا كانت للمخلوق نقصًا، فالجانب الذي فيه نقص ينفى عن الله، ولا ينفى أصل الصفة التي هي كمال كما يتوهمه هذا المتوهم، يعني: جوانب النقص ينفى عن الله، ولا تنفى عن الله الصفة بذاتها، فالمجيء والإتيان والنزول والتكليم إلى آخره، هذه كلها شئون لله ﷿، والله هو كل يوم في شأن، والذي يكون كل يوم في شأن أكمل ممن تنقطع الشئون في حالة من الأحوال.
قوله: (وهو لازم لسائر الفرق): هذه مسألة مهمة، وهو أن كل فرقة لابد أن تقر بجانب من هذه الجوانب فتلزم به، وببقية الأمور الأخرى.
فنبدأ بأخف الفرق: الأشاعرة والماتريدية التزموا إثبات سبع صفات لله ﷿، منها: السمع، والبصر لله سبحانه وهذا حق، بالنسبة لله ﷿ يتعلق بالسمع والبصر المطلق الذي هو الكمال، ويتعلق أيضًا بالمسموعات والمبصرات، والمسموعات والمبصرات تتجدد.
فهم أثبتوا السمع والبصر وفيه الأحوال والشئون والتجدد، فلما جاءوا إلى الاستواء والنزول والمجيء نفوه بدعوى أن هذا يقتضي التجدد والحدوث، نقول: أيضًا السمع والبصر يستلزم التجدد والحدوث، قد يكون السمع والبصر له صفاته المعينة، فنقول: حتى الإرادة، إرادة الله ﷿ إرادة مطلقة وإرادة خاصة بالمرادات وهي المخلوقات، فالله ﷿ إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، كذلك الأشياء تتجدد، والله ﷿ يتجدد له من الشئون في خلقه ما لا يحصى.
إذًا: الإرادة تتجدد لله، تتجدد في مفرداتها لا في كونها صفة لله، في كونها صفة هذه لازمة، لكن متعلقها بالمرادات يتجدد، فلماذا نفيتم تعلق مشيئة الله بالمجيء والاستواء والنزول والصفات الفعلية والكلام لله ﷿ ونحو ذلك، ثم أثبتموها في الصفات الأخرى؟ وهكذا بقية الفرق كالجهمية الذين لا يثبتون لله ﷿ إلا مجرد الوجود، نجد عندهم ما يلزمهم بأن الوجود في حد ذاته يلزم منه أن الموجود لابد أن يكون حيًا وقادرًا وإلى آخره، أما وجود بدون صفات فيكون عدمًا، ويكون نقصًا، فحتى الجهمية الذين لا يقرون إلا بالوجود، نلزمهم من خلال إثبات الوجود، فنقول: أليس من الكمال للموجود أن يكون كذا وكذا وكذا؟ الموجود الحي أكمل من الموجود الميت، أليس كذلك؟! إذًا: إذا اعترفوا بأنه موجود بأنه حي، فالحي من كماله أن يكون قادرًا، والقادر من كماله أن يكون مريدًا، والمريد من كماله أن يكون سميعًا وبصيرًا وهكذا.
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكرنا نزاع الناس في ذلك في قاعدة الفرق بين الصفات والمخلوقات، والصفات الفعلية.
وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا: وهو الآن على ما عليه كان، ليس معه غيره كما كان في الأزل ولا شيء معه، قالوا: إذ الكائنات ليست غيره ولا سواه، فليس إلا هو، فليس معه شيء آخر لا أزلًا ولا أبدًا؛ بل هو عين الموجودات ونفس الكائنات، وجعلوا المخلوقات المصنوعات هي نفس الخالق البارئ المصور.
وهم دائمًا يهذ
[ ٩ / ٥ ]
أدلة بطلان قول الاتحادية: (وهو الآن على ما عليه كان)
قال رحمه الله تعالى: [فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العماء، وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] وفي ذلك آثار معروفة.
والدليل على أن هذا الكلام -وهو قولهم: (وهو الآن على ما عليه كان) - كلام باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار من وجوه: أحدها: أن الله قد أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عمومًا وخصوصًا، مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
وقال: «وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»، في موضعين.
وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢].
﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، وكان النبي ﷺ إذا سافر يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا)، فلو كان الخلق عمومًا وخصوصًا ليسوا غيره ولا هم معه، بل ما معه شيء آخر، امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته، فإن المعية توجب شيئين: كون أحدهما مع الآخر، فلما أخبر الله أنه مع هؤلاء علم بطلان قولهم: (هو الآن على ما عليه كان) لا شيء معه، بل هو عين المخلوقات.
وأيضًا فإن المعية لا تكون إلا من الطرفين، فإن معناها المقارنة والمصاحبة، فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر امتنع ألا يكون الآخر معه، فمن الممتنع أن يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلًا، بل هم هو].
هذه الحقيقة بدهية، لكن أحيانًا في مثل هذه المقالات الشاذة والموغلة في الضلال ينبغي التنبيه على البدهيات، وإن كان التنبيه على البدهيات أحيانًا يؤدي إلى إشكال، لكن لا بد منه مادام هذا المذهب وجد ووجد له أتباع ودعاة، والآن دعاة هذا المذهب بدءوا يخرجون أعناق هذه البدعة من حداثيين، وبعض الكتاب الذين يعجبون بهذه المذاهب يسمونها: مذاهب فلسفية، فالشيخ يقرر بدهيًا أنه مادام أن الله ﷿ ذكر أنه مع خلقه ومع بعض خلقه، فهذا دليل على أنه مغاير لخلقه، ولله المثل الأعلى لو كان على ما يزعمون أن الله هو الخلق والخلق هو الله، فعلى هذا يكون خطاب الله لنفسه، ولو رأينا شخصًا يخاطب نفسه على أنه غيره لقلنا: إن هذا مجنون، فكذلك هم حكموا على الله ﷿ بمثل هذه الصورة الشنيعة في حق الله، كما كانت اليهود تفعل، الله ﷿ يقول: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢]، ويخاطب عباده على أنه معهم جملة ومع بعضهم في المعية الخاصة، ثم يقولون: هم هو، أين عقولهم؟ إذا كان الله ﷿ قد أعمى بصائرهم عن تدبر آيات الله، فأين العقول التي تميز بين الواضحات والبدهيات؟ فهؤلاء تجاوزوا البدهيات العقلية، ما كأن عندهم عقولًا، بل استخدموا عقولهم لدفع هذه البدهيات.
قال رحمه الله تعالى: [الوجه الثاني: أن الله قال في كتابه: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩].
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣].
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلهًا آخر ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقًا، أو يقول: إن معه عبدًا مملوكًا أو مربوبًا فقيرًا، أو معه شيئًا موجودًا خلقه، كما قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]، ولم يقل: لا موجود إلا هو، أو لا هو إلا هو، أو لا شيء معه إلا هو؛ بمعنى: أنه نفس الموجودات وعينها].
من هنا ندرك مدى خطأ المتكلمين من الأشاعرة الماتريدية الذين فسروا لا إله إلا الله: بأنه لا موجود إلا الله، ولا إله في الوجود إلا الله، نحن نقول: لا إله، أي: لا معبود بحق، فتفسيرهم لا إله إلا الله، بمعنى: لا موجود، أو لا إله في الوجود إلا الله.
هذا خطأ.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا كما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، فأثبت وحدانيته في الألوهية، ولم يقل: إن الموجودات واحد، فهذا التوحيد الذي في
[ ٩ / ٦ ]