شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٣]
أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية، وأنه خالقهم وخالق كل شيء؛ لأن ذلك أمر فطري فطر الله عليه جميع البشر، لكن لم ينفعهم ذلك، فقد حكم الله عليهم بالكفر؛ لشركهم بالله تعالى في توحيد الإلهية والعبادة، الذي هو المقصود والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين.
[ ١ ]
تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الثالث: أقسام التوحيد.
إن التوحيد قسمان: القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها.
ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع.
والقسم الثاني: توحيد العبادة ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها.
فهذا هو الذي جعلوا لله فيه الشركاء، ولفظ (الشريك) يشعر بالإقرار بالله تعالى.
فالرسل ﵈ بعثوا لتقرير الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني].
بين المصنف رحمه الله تعالى أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإقرار بوجود الله، وتوحيده في ربوبيته وأسمائه وصفاته، فتوحده سبحانه في أفعاله، التي هي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء وإنزال المطر، وتسبيب الأسباب، كل هذه أفعاله سبحانه، فتعتقد أن الله هو الخالق الرازق المالك المحيي المميت مدبر الأمور، مصرف الأمور، مسبب الأسباب، منزل المطر، وتعتقد بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا ما يسمى بالتوحيد العلمي أو التوحيد الخبري؛ لأن الله أخبر بذلك.
وأما توحيد العبادة، فهو أن توحد الله في أفعالك أنت أيها العبد! فتتقرب بأفعالك إلى الله عزوجل: بصلاتك وصومك وزكاتك وحجك وبرك لوالديك وصلتك لأرحامك وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وجهادك في سبيل الله، فتوحد الله فيها بأن تصرفها لله تعالى، وهذه الأفعال مقيدة بالشرع، فالعبادة لا تصح ولا تكون عبادة إلا بشرطين: الشرط الأول: أن تكون خالصة لله ﷿، مرادًا بها وجه الله والدار الآخرة.
الشرط الثاني: أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع، أي: جاء بها الإسلام، وشرعها الله في كتابه أو شرعها النبي ﷺ في سنته، فهذه العبادات توحد الله فيها، بمعنى: أنك تصرفها لله دون غيره، فتصلي لله لا لغيره، وتصوم لله لا لغيره، وتزكي لله لا لغيره، وتحب لله لا لغيره، وهكذا.
وعلى هذا فإن العلماء السابقين: كـ شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم قسموا التوحيد إلى قسمين: الأول: توحيد الربوبية، ويسمى: التوحيد العلمي الخبري، وهو: الإيمان بوجود الله، وتوحيده في أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
لكن لما كثر النزاع وأثيرت الشبه حول الأسماء والصفات، جعل العلماء توحيد الأسماء والصفات قسمًا ثالثًا، فقسموها إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وإلا فالأصل أن توحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية، فهما توحيد واحد، فالإيمان بوجود الله، والإيمان بأنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، والإيمان بأسمائه وصفاته توحيد واحد.
الثاني: توحيد الألوهية وهو: أن توحد الله بأفعالك أنت أيها العبد! ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الثالث: أن التوحيد قسمان: القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها.
فقوله: (توحيد الربوبية) أي: أن توحد الله بأفعال الرب، وأفعال الرب: هي الخلق والرزق وقوله: (والخالقية) أي: أن تعتقد أن الله هو الخالق، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣].
وقوله: (الرازقية) أي: أن تعتقد أن الله هو الرازق، ونحوها من أفعال العباد، كالإماتة والإحياء، ويدخل في ذلك أيضًا الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأسماء الله معروفة: كالعليم والسميع والبصير والخبير، وصفات الله: كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، وأفعال الله هي صفات الله: كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، وقد فسره المؤلف ﵀ فقال: ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم يقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع.
يعني: أن هذا التوحيد لا ينكره المشركون، بل يقرون به؛ لأن الله فطرهم على ذلك، والآيات في هذا كثيرة تدل على أنهم يقرون بهذا النوع، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١].
وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١].
إذًا: فهم مقرون بهذا التوحيد؛ لأنه أمر فطري فطر الله عليه طوائفه جميعًا، إلا من شذ ففسدت فطرتهم، وعميت بصيرتهم، فأشركوا في توحيد الربوبية، مثل: الدهريين الذين قالوا: إن هذا العالم ليس له مدبر، وإنما يسير بنفسه ويدبر نفسه، وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ومثلهم: الشيوعيون الملاحدة الذين يقولون: لا إله والحياة مادة، ومثلهم: الطبائعيون الذين يقولون: إن الطبيعة هي ذات الأشياء، فالطبيعة هي الخالقة لذات الأرض، أي: هي التي خلقت الأرض، وذات السماء خلقت السماء، وذات النبات خلقت النبات، وكذلك من يقول بالصدفة، وأن هذا العالم وجد صدفة، فهؤلاء شذوا عن المجموعة البشرية، وإلا فإن طوائف بني آدم كلهم مطبقون على الإقرار بهذا التوحيد والاعتراف به، وليس في هذا التوحيد نزاع بين الرسل وبين الأمم، ولهذا أخبر الله عن قوم صالح الذين تمالئوا على قتل نبي الله صالح، أنهم يكفرون بالله، وأخبر تعالى أنهم تمالئوا فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل:٤٥ - ٤٩] تقاسموا بالله يريدون قتل نبي الله، فهم يقرون بالله ولم ينكروا وجوده، وهم مع كفرهم مقرون بهذا التوحيد، كذلك قوم نوح وقوم هود، وقوم إبراهيم وقوم موسى وقوم عيسى وكفار قريش في زمن النبي ﷺ، كلهم مقرون بهذا التوحيد، ولهذا قال المؤلف: وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم يقرون به.
القسم الثاني: فهو توحيد العبادة، والعبادة معناها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
فالعبادة: كل ما أمر الله به، وكل ما نهى الله عنه، فالذي أمر الله به يفعله المسلم تعبدًا لله، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب، وكل ما نهى الله عنه فإن المسلم يجتنبه، سواء كان نهي تحريم أو نهي تنزيه، فهذه هي العبادة: الأوامر والنواهي، أي: تفعل الأوامر وتترك النواهي.
وقال بعضهم: العبادة هي: كل ما أمر به شرعًا من غير اضطراب عرفي ولا اقتضاء عقلي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
أي: كل ما يحبه الله قولًا أو عملًا أو اعتقادًا أو نية ظاهرًا أو باطنًا، فتصرفها لله وتفردها له؛ بأن تؤدي هذه العبادة ولا تجعل مع الله شريكًا، فتصلي لله ولا تصلي لغيره، وتزكي لله ولا تزكي لغيره، وتصوم لله ولا تصوم لغيره، وتدعو الله ولا تدعو غيره، وتذبح لله ولا تذبح لغيره، وتطوف ببيت الله تقربًا إلى الله ولا تطوف بغير بيت الله، وتنذر لله ولا تنذر لغيره، وهذا النوع هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وبين الأمم، وهو الذي فيه المعركة والقتال والنزاع بين الرسل وبين أممهم، فالنزاع والعداوات والحروب الطاحنة بين الأنبياء وبين الأمم بسبب هذا التوحيد، فالرسل تأمرهم بأن يخلصوا لله العبادة وهم ينازعون في ذلك، فيقولون: نريد أن نعبد الله ونعبد غيره، والرسل تقول: لا تعبدوا إلا الله، ولا تذبحوا إلا لله، ولا تنذروا إلا لله، ولا تدعو إلا الله، وهم يقولون: بل نذبح لله ونذبح لغير الله، ندعو الله وندعو غير الله، حتى قال المشركون للنبي ﷺ: اعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، وهذا صلح بيننا وبينك! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *
[ ٢ ]
إرسال الرسل لتقرير توحيد الربوبية ودعاء المشركين إلى توحيد العبادة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالرسل ﵈ بعثوا لتقرير الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠].
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله، فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل:٣٦] أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بهذا، ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة التقرير، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣].
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧].
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠].
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤].
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] استفهام تقرير لهم؛ لأنهم مقرون به].
قوله: (فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا لتقرير الأول) أي: توحيد الربوبية، وهو القسم الأول، ودعاء المشركين إلى الثاني الذي هو توحيد العبادة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا لتقرير الأول؛ لأنهم يقرون الناس على توحيدهم -في الربوبية، وأن هذا التوحيد حق، لذا يجب على كل إنسان أن يوحد الله في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وفي ألوهيته وعبادته، فالرسل عليهم الصلاة والسلام قرروا الناس على توحيدهم للربوبية، وقالوا: نقركم على توحيدكم لله في الربوبية، لكن بقي عليكم أن تقروا بتوحيد الألوهية والعبادة لله، فلا يكفي في الدخول في الإسلام حتى توحدوا الله في الألوهية، ولهذا دعي المشركين إلى الثاني الذي هو توحيد الألوهية، ومثل المؤلف بقوله تعالى في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠].
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] أي: أنتم ليس عندكم شك بأن الله فاطر السموات والأرض، إذًا: أقروا بتوحيد الإلهية والعبادة، وأفردوه بالعبادة فهو يدعوكم سبحانه ليغفر لكم من ذنوبكم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] فهم معترفون بذلك، وقد اتبع الله بعد ذلك بتوحيد الإلهية فقال سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر:٣] أي: لا معبود بحق إلا هو، فاعبدوه ما دمتم تعترفون أنه ليس هناك خالق غير الله، وأفردوه بالعبادة، وانتهوا عن شرك العبادة، فإن الرسل قد بعثوا بالنهي عن الشرك في العبادة، والعبادة كما سبق: جميع ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي، فيفعل المسلم الأوامر ويترك النواهي تعبدًا لله ﷿، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فقد بين الله ﷾ أنه بعث في كل أمة رسولًا، يأمر الناس بأن يعبدوه ويوحدوه ويخلصوا له العبادة ويجتنبوا الطاغوت، والطاغوت: هو كل ما عبد من دون الله.
وطاغوت على وزن: (فعلوت) صيغة مبالغة، فكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو مطاع أو معبود وهو راض بذلك فهو طاغوت، فالذي يدعو الناس إلى عبادة نفسه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده، وحده: أن يكون عبدًا لله، فإذا دعا الناس إلى عبادته يكون قد شابه فرعون الذي ادعى الربوبية حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فهذا طاغوت، بل رءوس الكفر طواغيت، فإبليس طاغوت دعا إلى الشرك، ومن دعا إلى عبادة نفسه فهو طاغوت، ومن رضي أن يعبده الناس فهو طاغوت تجاوز حده، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، فحد العبد: أن يكون عبدًا لله ذليلًا خاضعًا ممتثلًا لأمر الله مجتنبًا لنهيه، فإذا تجاوز الإنسان حده صار طاغوتًا، أي: أن حدك أن تعبد الله، وأن توحد الله، وأن تدعو إلى عبادة الله، فإذا خرج الإنسان عن هذا الحد وتمرد على الله وعلى رسله وأنبيائه ودعا الناس إلى عبادة نفسه أو رضي بأن يعبد من دون الله أو أمر بمعصية الله، أو حكم بغير ما أنزل الله، أو دعا الناس إلى الشرك والوثنية صار طاغوتًا؛ لأنه تجاوز حده؛ لأن حد الإنسان أن يكون عبدًا لله، فإذا تجاوز هذا الحد صار طاغوتًا، فالرسل عليهم الصلاة والسلام بعثهم الله في كل أمة، يأمرون الناس بعبادة الله واجتناب الطاغوت.
وقوله: (أي قائلين لأممهم أن اعبدوا الله) أي: تقدير ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦] قائلين لأممهم: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقوله: (فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل:٣٦] أي: أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة).
إذًا: الرسل أرسلت لتطلب من الناس أن يوحدوا الله في العبادة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٧] لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم، وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بذلك، وإنما بعثوا ليأمروا الناس بعبادة من وحده، وخلاص العبادة له، وطلب توحيد العبادة له، فهم يطلبون من الناس أن يوحدوا الله في العبادة والألوهية، يطلبون من الناس أن يوحدوا الله بأفعالهم ودعائهم وذبحهم ونذرهم وصلاتهم وحجهم، وأن يصرفوها لله لا لغيره، هذا هو الذي بعثت به الرسل، ولم تبعث الرسل لتقول للناس: نعرفكم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت؛ لأنهم مقرون بهذا.
وقوله ﵀: (ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة التقرير)، أي: أن الآيات لم ترد في توحيد الربوبية إلا بصيغة التقرير، فتقرر الناس على ما يعتقدون، ومثل المؤلف ﵀ بقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [فاطر:٣] (هل) استفهام تقرير.
أي: أنتم تقرون بأنه ليس هناك خالق غير الله، فكما أنكم تقولون: لا خالق إلا الله.
فيجب عليكم أن تعتقدوا أنه لا إله غير الله، ولا معبود بحق غيره، فهذا استفهام تقرير.
ومثَّل بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] وهنا بصيغة التقرير، حيث يخاطب الله المشركين فيقول: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] أي: ألا تعتبرون أنكم تعتقدون أن الله هو الخالق والأصنام ليست خالقة، فتسوون بين الخالق وبين ما لا يخلق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] فهل يستويان؟ لا يستويان، فالذي يخلق هو الذي يستحق العبادة، والذي لا يخلق لا يستحق العبادة.
إذًا: هذا احتجاج يحتج الله به عليهم، فكما أنكم تعتقدون بأن الله هو الخالق اعبدوه، ولا تعبدوا هذا المخلوق الذي لا يستحق العبادة، ولا تسوون بين الخالق وبين غير الخالق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧].
ومثَّل بقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أي: هم يقولون: ليس هناك شك بأن الله فاطر السموات والأرض، إذًا: اعبدوا الله ما دمتم أنكم لا تشكون بأن الله هو فاطر السموات والأرض، فهو المستحق للعبادة؛ لأن فاطر السموات والأرض هو الذي يستحق العبادة.
ومثل بقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤] هذه صيغة تقرير، إذًا: اعبدوه وحده.
ومثَّل بقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هذا خلق الله، فهو الذي خلق السموات والأرضين والملائكة والبشر، والنبات والأشجار والأحجار والماء، فكلها خلق الله، وكذلك النجوم والكواكب، فقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله أروني ماذا خلقوا؟!
الجواب
لا يخلقون، إذًا: لا يستحقون العبادة.
وفي الآية التي بعدها: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] يعني: هؤلاء المعبودون من الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار أروني ماذا خلقوا من الأرض، هل خلقوا شيئًا من الأرض؟! الجواب: لا، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠] أي: هل هم لله شركاء في السموات؟! الجواب: لا، إذًا: لا يستحقون العبادة.
وقوله ﵀: (استفهام تقرير لهم؛ لأنهم به مقرون)، أي: حتى يلزمهم بتوحيد العبادة والألوهية، يلزمهم بما يقرون به على الالتزام بما ينكرونه، وهو توحيد العبادة.
[ ٣ ]
اعتقاد المشركين أن الأصنام والأوثان تقربهم إلى الله زلفى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه، فهم مقرون بالله تعالى في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨] فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركًا، ونزه نفسه عنه، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئًا؟].
قوله: (وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوه في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى) وهذا كما أخبر الله ﷾ عنهم، وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها مثلما ما عبدوا اللات والعزى، واللات كان رجلًا صالحًا، وكان يلت السويق للحجيج، أو هي: الصخرة التي يلت عليها، وكذلك من الأشجار العزى، وكذلك مناة، وهي: جذع كانت على الساحل، فهذه الأصنام والأوثان، وكذلك من عبد المسيح ﵇، ومن عبد أمه، وكذلك من عبد الملائكة، ما فعلوا هذا لأنهم يعتقدون أنهم شركاء لله في خلق السموات والأرض، فالذين عبدوا الأصنام، والذين عبدوا الأوثان، والذين اتخذوا المسيح وأمه، والذين اتخذوا الملائكة، كلهم لم يتخذوهم في أنهم شركاء لله في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لاعتقادهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما أخبر الله في أول سورة الزمر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] على تقدير: قائلين ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فقط، فهم يعتقدون أنهم لا يخلقون ولا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولكنهم عبدوهم، وذبحوا لهم، ونذروا لهم، ودعوهم من دون الله، وركعوا لهم، وسجدوا لهم؛ لاعتقادهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فكذبهم الله في أنهم يقربونهم إلى الله، بل يبعدونهم عن الله، وحكم بكفرهم بهذا العمل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].
وفي الآية الأخرى: أخبر أنهم فعلوا ذلك لأنهم يرجون شفاعتهم، أي: حتى يشفعوا لهم عند الله.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فرد الله عليهم فقال: ليسوا شفعاء، فالله تعالى لا يعلم أن له شريكًا، وهل تنبئون الله بشيء لا يعلمه، وهو لا يعلم أن له شريكًا في السموات والأرض، ثم حكم عليهم بالشرك فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
والمؤلف ﵀ قد بين ما بينه القرآن الكريم، قال: (لم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى، لأنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله) أي: في نفس الكلمات الكفرية هم مقرون بالله، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:٣] إذًا: أقروا بالله، وهذا هو توحيد الربوبية في نفس الكلمات الشركية، ولكن لا يكفي هذا لدخولهم في الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركًا ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فهو شرك حينما يدعونهم ويذبحون لهم وينذرون لهم، ويزعمون أنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، فهذا جعله الله شركًا وكفرًا، ونزه سبحانه نفسه عنه، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨] فقد حكم عليهم بالشرك، ونزه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهو سبحانه لا يأذن أن يكون له شريك في العبادة.
[ ٤ ]
الشفاعة وشروطها
الشفاعة لا بد فيها من شرطين: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع.
الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له، والله لا يأذن لأحد أن يكون شريكًا له في العبادة، ولا يأذن له بالشفاعة، ولا يرضى عن المشرك؛ لأن الله تعالى لا يرضى إلا التوحيد، والمشرك ليس موحدًا، فلا يرضى الله عمله، ولا يمكن أن يشفع فيه، فلا يرضى عمل المشرك ولا قوله، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو سبحانه لا يأذن بالشفاعة يوم القيامة إلا لمن كان له مكانة عنده سبحانه، كالرسل والأنبياء والصالحين، لكن لا يشفعون إلا فيمن رضي الله قوله وعمله، وهم الموحدون، فالشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أنه سأل النبي ﷺ فقال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله صادقًا من قلبه) إذًا: أسعد الناس بالشفاعة هم أهل التوحيد، أما المشركون فليس لهم نصيب في الشفاعة، قال ﷾: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨].
وقوله: (فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركًا، ونزه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئًا؟) لأن الأصنام والأشجار والأحجار لا يأذن الله لهم في الشفاعة، وليسوا أهلًا لها.
[ ٥ ]
إقرار المشركين بأن الله هو خالقهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الرابع: إن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأنه هو الذي خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
وأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١].
﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله تعالى في حقه حاكيًا عن موسى ﵇ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢].
وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].
وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩].
وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦] وكل مشرك مقر بأن الله خالقه، وخالق السموات والأرض، وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧].
وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه].
هذا هو الأصل الرابع من الأصول التي ذكرها المؤلف، وهو: أن المشركين مقرون بأن الله خالق كل شيء، وقد سبق في الأصل الثالث أن التوحيد قسمان: توحيد الربوبية، وهذا أقر به المشركون.
وتوحيد الألوهية، وهذا أنكره المشركون، فالمؤلف رحمه الله تعالى جعله أصلًا مستقلًا بذاته، وهو جزء من الأصل الثالث؛ لأن الأصل الثالث قال فيه: إن التوحيد قسمان: توحيد الربوبية، وهذا أقر به المشركون، وتوحيد الألوهية، وهذا أنكره المشركون، والأصل الرابع قال فيه: إن المشركين مقرون بأن الله خالقهم، ومقرون بأن الله خالق السموات والأرض، وبأنه هو الرازق، وبأنه المحيي، وبأنه المدبر، وبأنه مصرف الأمور، فهم مقرون بأفعال الرب كلها، ومن ذلك أن الله خلقهم، فهذا كله أقر به المشركون، وهذا أمر معلوم من النصوص ولا إشكال فيه.
قوله: (إن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم)، ثم استشهد بالآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأخبر أنهم مقرون بأنه خلق السموات والأرض، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] ومقرون بأن الله هو الرازق، ومقرون بأن الله هو الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه هو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، فكل هذا واضح في الآيات الكريمة، ثم استشهد بالآيات: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس:٣١]
و
الجواب
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] فما دمتم تعترفون بهذه الأمور، أفلا تتقون الله وتعبدونه وتصرفون له العبادة، وتتقون ناره وغضبه وسخطه بترك الشرك، وقد احتج عليهم بذلك، قال الله في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] أي: ما دمتم معترفين بذلك، فتذكروا واعتبروا وأخلصوا العبادة له ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧] وهذا اعتراف، ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٧] أي: أفلا تتقون غضب الله وسخطه وناره، فتحذرون الشرك وتخلصون له العبادة.
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٨ - ٨٩] وهذا إقرار منهم ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] أي: كيف تصرفون؟ وأين ذهبت عقولكم؟ فعبدتم معه غيره، وأنتم معترفون بذلك.
وقوله: (وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء -التي ذكر الله عنه أنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]- يقول الله في حقه حاكيًا عن موسى ﵊: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]) أي: أن فرعون مع غلوه في كفره، ومع أنه إمام في الكفر -كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] أي: أن هناك أئمة في الكفر، وأئمة لأهل النار، ومنهم فرعون، وهناك أئمة في التوحيد، فالأنبياء أئمة عليهم الصلاة والسلام في التوحيد، وأئمة للمؤمنين، وفرعون من أئمة الكفر، نعوذ بالله من ذلك- ادعى أقبح دعوى، ونطق بالكلمة الشنعاء، وادعى الربوبية والألوهية، وقد أخبر الله عن موسى أنه قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] والعلم بمعنى: اليقين، أي: أن فرعون يعلم ويعتقد في قرارة نفسه: أن الله رب السموات والأرض: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] وأنه ليس عنده شك، بل هو عالم ومتيقن، لكنه جحد الحق، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] أي: جحدوا بها وقلوبهم متيقنة.
وهنا أخبر الله عن موسى أنه قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] ولم يقل: لقد شككت؛ لأن فرعون عنده علم بهذا، ومع ذلك ما نفعه هذا العلم وهذا الإقرار، لأنه عاند وكفر، ولم يتبع وينقاد لشرع الله ولدينه، بل صار كافرًا، وإقراره الذي يقوله في توحيد الربوبية لم ينفعه؛ لأنه لا بد من الانقياد والاتباع والتوحيد في العبادة، وكذلك إبليس، فإنه إمام كل كافر، وإمام كل شر وفتنة، وإمام كل قائد إلى النار، وهو معترف ومقر بوجود الله، بل يوحد الله في ربوبيته، ومع ذلك فهو إمام الكفر وإمام الضلال، ولا يكفيه اعترافه بالربوبية لله تعالى، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] فقد أثبت ربوبية الله للعالمين، لكن لا ينفع هذا، ولا يكفيه لإخراجه من الكفر، بل حتى يعبد الله ويخلص له العبادة، وقال الله عنه في آية أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فالشاهد: ربي، حيث أنه اعترف بربوبية الله، وقال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦] وهنا أيضًا اعتراف منه بربوبية الله تعالى.
قوله: (وكل مشرك مقر بأن الله خالقه، وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم) أي: أن كل مشرك مؤمن بهذا.
وقوله: (ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]) أي: ألا تعتبرون، فالذي يخلق هو الذي يستحق العبادة، والذي لا يخلق لا يستحق العبادة.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: أن كل الذين تدعون من دون الله، لو اجتمعوا جميعًا ما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، ومع ذلك وقعوا في خطيئة الشرك في العبادة، لذلك يقول: (والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه).
[ ٦ ]
العبادة هي أقصى باب الخضوع والتذلل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأصل الخامس: أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، وكان لذلك حقيقًا بأقصى غاية الخضوع كما في (الكشاف).
ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله، الذي تفيده كلمته، التي إليها دعا جميع الرسل، وهي: (قول لا إله إلا الله)، والمراد اعتقاد معناها، والعمل بمقتضاها، لا مجرد قولها باللسان.
ومعناها: إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]].
إن أساس العبادة توحيد الله تعالى، ومن لم يوحد الله فعبادته فاسدة، وإذا دخل الشرك العبادة أفسدها، فالصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، فهذه العبادة لا تصح إلا بالتوحيد، فإذا دخل الشرك فيها فسدت وبطلت، كما أن الصلاة تصح بالطهارة، وهذا شرط في صحة الصلاة، فإذا دخل الحدث بطلت الطهارة وفسدت العبادة، وكذلك الشرك إذا دخل في التوحيد بطلت العبادة وفسدت، فتوحيد الله أساس العبادة.
يقول المؤلف: (إن العبادة: أقصى باب الخضوع والتذلل) أي: أن العبادة لا بد فيها من الخضوع والتذلل، ولا بد فيها من المحبة، وهذان الركنان لا بد منهما، بأن يخضع الإنسان، ويذل لله مع محبته وتعظيمه وإجلاله، فإذا انفرد أحدهما فلا تكون عبادة؛ لأن الإنسان قد يخضع ويذل لسلطان ظالم، وقد يخضع لعدو لا يحبه، وقد يحب شخصًا لكن لا يخضع له ولا يذل، فإذا أحبه وخضع له وذل، فهذه هي العبادة، فيصير بذلك عابدًا له، بكمال المحبة وكمال الذل والخضوع، ولهذا قال المؤلف: (إن العبادة: أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله)، أي: أن العبادة في الخضوع له، يعني: مع محبته وإجلاله وتعظيمه، فالعبادة هي المحبة مستلزمة للخوف والرجاء، فالخاضع الذليل هو: الخائف لله الراجي له؛ لأنه مولي أعظم النعم.
والعبادة أركانها ثلاثة: محبة، وخوف، ورجاء، والرجاء داخل في الخضوع والتذلل، فالخضوع والتذلل مستلزم للخوف والرجاء والمحبة، فهذه هي أركان العبادة التي ذكرت في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] دلالة على المحبة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] دلالة على الرجاء، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] دلالة على الخوف.
قوله: (وكان ذلك حقيقًا بأقصى غاية الخضوع)، أي: الرب ﷾.
[ ٧ ]
توحيدالله هو رأس العبادة وأساسها
وقوله: (ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله) أي: أن توحيد الله هو رأسها وأساسها، بل ولا تصح العبادة إلا بالتوحيد (الذي تفيده كلمته التي إليها دعا جميع الرسل، وهي: (قول لا إله إلا الله)، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، والإله هو المعبود، و(لا): نافية للجنس، تنصب الاسم وترفع الخبر، وإله: اسمها، والخبر محذوف تقديره: لا إله حق إلا الله، لا معبود حق إلا الله، والمراد كما يقول المؤلف: هو: (اعتقاد معناها، والعمل بمقتضاها، لا مجرد قولها باللسان)، أي: لا يكفي النطق باللسان، بل لا بد أن تعرف معناها، وأنها مشتملة على نفي وإثبات.
فلا إله: نفي، إلا الله: إثبات، والشيء الذي تنفيه: جميع أنواع العبادة تنفيها عن غير الله، والشيء الذي تثبته: جميع أنواع العبادة تثبتها لله، والقول بـ (لا إله) براءة من الشرك، وكفر بالطاغوت.
و(إلا الله) إيمان بالله.
وعليه فلا بد من أمرين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، ولا يوجد توحيد إلا بأمرين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] وكلمة التوحيد مشتملة على كفر وإيمان، ولا يوجد توحيد إلا بأمرين: نفي، وإثبات، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: نعبدك ولا نعبد غيرك، وقولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] تساوي معنى (لا إله إلا الله)؛ لأن تقديم الظرف يفيد الاختصاص، فليس هناك عبادة إلا بأمرين: نفي، وإثبات، كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، فـ (لا إله) براءة من كل معبود سوى الله، براءة من الطاغوت، وكفر به أيًا كان، (إلا الله): إثبات العبادة بجميع أنواعها لله، ولا بد من العمل بمقتضاها، ومقتضاها: أن تلتزم الأوامر وتجتنب النواهي، ولا بد من الإخلاص، أي: أن كلمة التوحيد لابد لها من شروط، لا بد أن تعرف معناها، ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك، ولا بد من الصدق المانع من النفاق، ولا بد من الانقياد بحقوقها، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا هو العمل بمقتضاها، ولا بد من القبول لها المنافي للترك، ولا يكفي مجرد قولها باللسان.
قوله: (ومعناها: إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية) كما سبق، والنفي هو: البراءة من كل معبود دونه كما سبق، وهذا في صدر الكلمة (لا إله)، وإفراد الله بالعبادة والإلهية هذا في عجزها (إلا الله).
قوله: (وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي)، ولذلك لما أمرهم النبي ﷺ بكلمة التوحيد (قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]) وقد سبق أن ذكرنا أن أبا جهل نفض يديه ونكص على عقبيه، وقال: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
[ ٨ ]