شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد لابن الأمير الصنعاني [٥]
بين الله تعالى أن إقرار المشركين به مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معه في العبادة لا تنفعهم، بل ولا تنقذهم من عذاب الله تعالى، لأن شأن من أقر بالله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، كما أن الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك بالله تعالى، ولا ينفعه إقراره بربوبية الله تعالى.
[ ٣ / ١ ]
قوادح التوحيد الكامل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الإقرار بالله تعالى لا يكفي في التوحيد مع الشرك في العبادة.
إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معه في العبادة، ولا أغنى عنهم من الله شيئًا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى، فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم، ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم، وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله تعالى بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين، ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية.
فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل، وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨].
مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام: قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] أي: ما يقر أكثرهم في إقراره بالله، وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان].
يبين المؤلف ﵀ أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية مع شركهم في توحيد العبادة لا ينفعهم ولا يفيدهم ولا يدخلهم في الإسلام، بل ولا يخرجهم من دائرة الكفر، ولا ينقذهم من عذاب الله عند دخولهم في النار، حتى يوحدوا الله ويفردوه بالعبادة، ولهذا قال: (فصل: الإقرار بالله لا يكفي في التوحيد مع الشرك به في العبادة) ولعل هذا العنوان من المحشي.
يقول: (إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معهم في العبادة، ولا أغنى عنهم من الله شيئًا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون).
قوله: (أن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم: أنهم يضرون وينفعون) فيه نظر؛ لأنهم لا يعتقدون في الأصنام أنها تضر وتنفع، بل يعتقدون أن الذي يضر وينفع هو الله، لكن هم عبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى وليشفعوا لهم، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فهم يعلمون أن الأصنام هذه لا تضر ولا تنفع، وأن الذي يضر وينفع هو الله، لكن يقولون: هؤلاء صالحون، أو أنبياء، أو أحجار تسبح الله، فهي تقربنا إلى الله، وتنقل حوائجنا إلى الله، وتشفع لنا عند الله، ونحن نعلم أنه ليس بيدها شيء من الضر والنفع، والذي يضر وينفع إنما هو الله ﷿.
[ ٣ / ٢ ]
علاقة توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله] هذا هو الصواب، وهو أنهم إنما عبدوهم لأنهم يعتقدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله، وهذا هو المعلوم عند كثير من المشركين، وقد يوجد بعض المشركين من يعتقد النفع والضر في غير الله، فيكون مشركًا في الربوبية، لكن هذا قليل، وإنما الغالب على المشركين أنهم يعتقدون أن الضر والنفع بيد الله، وشركهم إنما هو في العبادة، فيعتقدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عند الله، ولهذا قال المؤلف: فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم، ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم، وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين، ولم يعتد بإقرارهم هذا) بمعنى: أنه لا ينفهم إقرارهم بتوحيد الربوبية مع شركهم في العبادة.
(لأنه نافاه فعله) يعني: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية قد نافاه شركهم في العبادة، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية.
وقوله: (فمن شأن من أقر لله بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة) أي: ينبغي لمن أقر بتوحيد الربوبية أن يعبد هذا الرب الذي أقر بأنه الخالق الرازق المدبر المحيي الذي بيده النفع والضر، ولهذا قال الله تعالى محتجًا عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، ثم جاء الدليل ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] أي: الله تعالى الذي خلقكم وخلق الذين من قبلكم هو المستحق للعبادة، فيحتج عليهم ﷾ بإقرارهم بتوحيد الربوبية، يعني: كما أفردتموه بتوحيد الربوبية فأفردوه بالعبادة.
يقول المؤلف: (فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل).
وهو توحيد الربوبية.
قوله: (وقد عرفوا في ذلك وهم طبقات النار).
أي: لما دخل المشركون النار اعترفوا بأن سبب خلودهم في النار هو شركهم في العبادة، واسمع قول الله عنهم حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] فأخبر الله أنهم يقولون ذلك وهم في طبقات النار، والأصل أن يقول: دركات النار؛ لأن النار دركات، وكل دركة سفلى أعظم عذابًا من الدركة التي أعلى منها.
وأما الجنة فهي طبقات ودرجات، وكل درجة عليا أعظم نعيمًا من الدرجة التي تحتها.
قالوا وهم في دركات النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يقولونها للذين عبدوهم؛ لأن العابدين والمعبودين كلهم دخلوا النار، فلما كانوا في دركات النار صار بينهم محاورة، فاعترف الذين عبدوا الرؤساء والكبراء، فقالوا: لقد كنا في الدنيا في ضلال مبين، وأقسموا على ذلك فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] ووجه ضلالهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨]، فهم يخاطبون معبوديهم.
وما سووهم بأنهم يخلقون أو يرزقون أو يضرون أو ينفعون، وإنما سووهم بالمحبة والتعظيم والإجلال والدعاء والذبح والنذر، فلما سووهم بالمحبة والإجلال والتعظيم كانوا معهم في النار.
قوله: (مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام) يعني: كونهم أشركوا بالله في توحيد العبادة نقض إقرارهم بتوحيد الربوبية، وصيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام رب العالمين.
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]).
فإقرارهم بالله هو توحيد ربوبية، وشركهم كان في توحيد العبادة، فجمعوا بين الأمرين: توحيد الربوبية، والشرك في العبادة، فلم ينفعهم توحيد الربوبية، ولهذا قال المؤلف: [أي: ما يقر أكثرهم في إقراره بالله، وبأنه خلقهم وخلق السماوات والأرض إلا وهم مشركون بعبادة الأوثان].
[ ٣ / ٣ ]
شرك الرياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل سمى الله تعالى الرياء في الطاعات شركًا، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد الله لا غيره، لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة، وسماها شركًا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
بل سمى الله تعالى التسمية بعبد الحارث شركًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠].
فإنه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء -وكان لا يعيش لها ولد- طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله تعالى الآيات، وسمى هذه التسمية شركًا، وكان إبليس تسمى بالحارث).
والقصة في الدر المنثور وغيره].
يقول المؤلف ﵀: (بل سمى الله الرياء في الطاعات شركًا) يعني: كما قال الله في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) فسماه شركًا مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد الله لا غيره، لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل الله له عبادة، وسماها شركًا.
والمرائي فيه تفصيل، والرياء ينقسم إلى نوعين: رياء أكبر، وهو رياء المنافقين الذين أسلموا ودخلوا في الإسلام نفاقًا، وهذا مخرج من الملة.
ورياء أصغر، وهو الرياء الذي يصدر من المؤمن في العبادات، في الصلاة أو الصيام أو غيرها من العبادات وهو لا يخرج العبد من الملة، وإنما يحبط العمل الذي قارنه إذا استرسل فيه، أما إذا طرأ في العبادة ودافعه واستعاذ بالله فلا يضره، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن عبادته لا تبطل اعتمادًا على نيته الأولى، ومنهم من قال: إنه لما استرسل فيه بطلت عبادته.
وقول المؤلف هنا ليس على إطلاقه، ولهذا قال المؤلف: [كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا أغنى عن الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠].
فإنه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء -وكان لا يعيش لها ولد- طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لكِ ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات، وسمى هذه التسمية شركًا، وكان إبليس يتسمى بالحارث).
وقصته في الدر المنثور وغيره].
هذه القصة سندها ضعيف ولا تثبت، لكن الآية كافية في هذا، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف:١٨٩].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: حواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: ثقل الحمل، ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ [الأعراف:١٨٩] آدم وحواء، ﴿رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] سليم الأعضاء، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠] أي: لما وضعت سليمًا.
﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] وهذا الشرك إنما هو في التسمية لا في العبادة، كما قال: (جعلا له شركاء في التسمية لا في العبادة) وهذا لا يبعد أن يكون سببًا من الأبوين كما أكلا من الشجرة، فيكون ذنبًا آخر، لكون الشيطان خدعهم مرة أخرى كما خدعهم في المرة الأولى، خدعهما فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، ثم خدعهما بعد ذلك بعد إهباطهما إلى الأرض فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في التسمية ولهذا قلنا: هذا شرك في التسمية لا في العبادة، فإنهم ما أطاعوه في العبادة، وإنما طاعوه في شرك التسمية.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] قال كثير من المفسرين: هذا في الذرية.
أي: يشركون ما لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون.
فأول الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] أي: آدم وحواء جعلا له شركاء في التسمية، ثم قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] أي: في ذرية بني آدم.
أما هذا الأثر فهو ضعيف عند أهل العلم.
وهذا نفس ما ساقه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] ومقصوده: أن معنى الآية كاف، ويستفاد من الآثار التي وردت عن السلف -وإن كان في سندها ضعف-: أن الشرك الذي وقع منهما إنما هو في التسمية والطاعة لا في العبادة.
فمقصود المؤلف الفائدة، بقطع النظر عن صحة الآثار كما ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد.
[ ٣ / ٤ ]
الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الاعتقاد في غير الله تعالى في النفع والضر شرك.
قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله تعالى، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به، والتوسل إلى الرب تعالى -إلا ما ورد من حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ، أو نحو ذلك- فإنه قد أشرك مع الله تعالى غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات: من عافية مريضه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأي مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام.
والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني].
هذا الفصل يبين فيه المؤلف ﵀ أن من أشرك بالله في العبادة أو الربوبية فإن أعماله حابطة، ويكون مشركًا بالله ﷿، ولا ينفعه إقراره بربوبية الله، ولهذا قال: (قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من الحوائج بمجرد التشفع به والتوسل، فهو مشرك) أي: من اعتقد في الشجر أو الحجر أو القبر أنه ينفع أو يضر، فهذا أشرك في الربوبية.
لكن الغالب على المشركين أنهم لا يعتقدون أنهم ينفعون أو يضرون، وإنما الذي يعتقدوه في الأشجار والأحجار والقبور والملائكة والجن أنهم يقربونهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم، وهذا الذي عليه غالب المشركين.
أما من اعتقد أن أحدًا ينفع أو يضر فهذا إشراك في الربوبية، والواجب أن تعتقد أن الله هو الخالق الرازق المالك النافع الضار، ومن اعتقد أن أحدًا ينفع أو يضر فقد أشرك في الربوبية، زائدًا عن الشرك في العبادة والألوهية، وهذا يوجد في بعض المشركين على قلة، لكن غالب المشركين يقرون بالربوبية، ومن اعتقد أن أحدًا يقرب إلى الله، أو يشفع عنده فقد أشرك في العبادة كما قال المؤلف: [أو يشفع عندهم في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع، والتوسل إلى الرب تعالى] يعني: من اعتقد أن أحدًا يقرب إلى الله بمجرد التشفع والتوسل، كأن يدعو غيره أو يذبح له، ويعتقد أنها وسيلة إلى الله فقد أشرك مع الله.
[ ٣ / ٥ ]
حديث الأعمى وكلام العلماء فيه
وقوله: [والتوسل إلى الرب تعالى -إلا ما ورد من حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ- فإنه قد أشرك مع الله غيره].
الحديث الذي فيه مقال هو حديث الأعمى، وقد جاء من طرق متعددة، وخلاصته: أن رجلًا أعمى جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يرد إلي بصري.
فقال: إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت الله.
فقال: بل ادع.
قال: قم فتوضأ، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك، نبي الرحمة أن تقضى حاجتي)، فذهب الأعمى وتوضأ ودعا الله بأن يشفع فيه نبيه، ودعا له النبي ﷺ، فرد الله إليه بصره.
فالصواب في الحديث: أنه حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، كما بين ذلك المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فالحديث ثابت، وفيه أن الأعمى توسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ في أن يقبل الله شفاعة النبي ﷺ، فالرسول ﵊ حي حاضر دعا لهذا الرجل، فرد الله عليه بصره، وهذا ليس فيه شيء، والممنوع إنما هو: أن يتوسل بالميت، بأن يدعوه من دون الله، أو يتوسل بذاته، أو يجعل ذاته وسيلة، فهذا شرك، أما إذا كان حيًا حاضرًا يدعو، وأنت تؤمن فهذا لا شيء فيه، وهذا من التوسل المشروع، وهذا هو الذي فعله الرجل الأعمى مع النبي ﷺ، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يشفع له بأن يدعو الله أن يرد إليه بصره، فدعا النبي ﷺ الله، وسأل الأعمى الله تعالى أن يقبل فيه شفاعة نبيه، فشفعه الله فيه، فرد الله إليه بصره.
فقول المؤلف: (إلا ما ورد في حديث فيه مقال) هو حديث الأعمى، وحديث الأعمى الصواب فيه: أنه صحيح، وليس فيه مقال ولا توسل ممنوع، وإنما الأعرابي توسل بدعاء النبي ﷺ وهو حي حاضر.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقده المشركون في الأوثان) أي: هم يعتقدون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم.
وقوله: (فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي).
أي: من نذر لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله من الحاجات، فيطلب من الميت أن يقضي حاجته، أو يشفي مريضه، أو أن يرد غائبه، فهذا هو الشرك، ولهذا قال المؤلف: (من عافية مريضه، أو قدوم غائبه) فيدعوهم يا فلان! اشف مريضي، واردد غائبي، وأنا في حسبك وفي جوارك، فهذا شرك.
وقوله: [فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام، والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كان تفعله الجاهلية].
أي: أن الذي ينذر بالمال للميت حتى يشفع له، أو ينحر على قبره أو عند قبره، أو يتوسل به، بأن يعبده من دون الله، أو يدعوه من دون الله، يقول المؤلف: [هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا].
فالجاهليون كانوا يتقربون بالذبح والنذر للأصنام والأوثان.
[ ٣ / ٦ ]
الأسماء لا تغير المعاني والحقائق
قال المصنف: [وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا] يقول: لا فرق بينهم إلا في تغيير الأسماء، فالمشركون القدامى يذبحون وينذرون لأي شيء من الأصنام والأوثان، والمتأخرون يذبحون وينذرون للولي، ولصاحب القبر الذي يسمونه وليًا أو قبرًا، ولا فرق بين فعل هؤلاء وهؤلاء إلا في التسمية، والتسمية لا تغير من الحكم شيئًا، ولهذا قال المؤلف: [والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية.
وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، وصدق ﷺ؛ فإنه قد أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذًا، وأول من سمى ما فيه غضب الله تعالى وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين: إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم ﵇: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها شجرة الخلد؛ جذبًا لطبعه إليها، وهزًا لنشاطه إلى قربانها، وتدليسًا عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة.
وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله تعالى ظلمًا وعدوانًا أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين، وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس، حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد].
يقصد المؤلف بكلامه هذا: أن الأسماء لا تغير المعاني والحقائق، وإنما العبرة بالمعاني والحقائق.
فالمشركون السابقون يتقربون للأصنام والأوثان، فيذبحون وينذرون لها، والمتأخرون يتقربون للقبور والمشاهد والأولياء، والحكم واحد.
فهؤلاء يسمونه صنمًا وهؤلاء يسمونه قبرًا ومشهدًا، وكل منهم يصرف له العبادة والمعنى واحد، فكلهم يشركون وإن تغيرت الأسماء، فالعبرة بالمعاني والحقائق.
ولهذا لما قال الذين أسلموا حديثًا للنبي ﷺ في غزوة حنين حين مروا على المشركين، ولهم سدرة يعكفون عندها ويعلقون عليها أسلحتهم، قالوا: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط.
فقال النبي ﷺ: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة).
فالنبي ﷺ جعل مقالتهم مثل مقالتهم، فبنو إسرائيل قالوا: اجعل لنا إلهًا، وأصحاب النبي ﷺ قالوا: اجعل لنا ذات أنواط.
فالرسول ﷺ قال: المقالة هي المقالة،؛ لأن العبرة بالمعاني وليست بالألقاب.
كذلك هؤلاء الأوائل يذبحون للأصنام والأوثان، والمتأخرون يذبحون للقبور والمشاهد، فالحكم واحد.
وكذلك من شرب الخمر وسماها شراب الروح، فهي خمر وإن سماها شراب الروح، والذي يتعامل بالربا ولا يسميه ربا، بل يسميه فائدة أو عمولة أو ربحًا مركبًا، لا تخرج عن كونها ربا.
قوله: (وأصل ذلك تدليس) أي: أن إبليس هو الذي شرع للناس تغيير الحقائق، إذ أمر آدم وحواء أن يأكلا من الشجرة التي نهى الله آدم عنها، وسماها شجرة الخلد حتى يهز النشاط ويلبس عليهما، ويجرهما إلى الأكل منها فيطيعوه في المعصية.
قوله: [فإن من شرب الخمر وسماها ماء ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه بالتدليس].
يعني: يستحق عقابًا أشد.
فالذي يشرب الخمر عقابه ثمانين جلدة، أما الذي يغيرها ويسميها شراب الروح، فينبغي أن يزاد له في العقوبة؛ للتدليس والكذب في التسمية.
قوله: [وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين: إبليس لعنه الله؛ فإنه قال لأبي البشر آدم ﵊: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فسمى الشجرة التي نهى الله آدم عن قربانها شجرة الخلد؛ جذبًا لطبعه إليها، وهزًا لنشاطه إلى قربانها، وتدليسًا عليه بالاسم الذي اخترعه لها) وهو: شجرة الخلد، فلو قال: الشجرة التي نهى الله عنها ما قرب إليها آدم.
لكن لما قال: شجرة الخلد.
صار فيه تلبيسًا وتدليسًا.
وقوله: (كما يسمي إخوانه) يعني: إخوان إبليس.
قوله: (المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة) الحشيش محرم، وهو نوع من المخدر، ويسميه البعض: لقمة الراحة، حتى يغر الناس.
قوله: (وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا أدبًا).
يعني: الضرائب التي يأخذونها بغير حق، يسمونها أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة.
فيروج لها بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب.
وقوله: (كما يحرفون في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة) كأن هذا كان في زمن المؤلف، يسمونها النفاعة، مثل: الذي يسمونها عمولة، أو مساعدة، أو معاونة، وهي محرمة.
وقوله: (وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين، وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس، حيث سمى الشجرة المنهية شجرة الخلد) فاقتدى به الفسقة، وصاروا يسمون الخمر بغير اسمها، ويسمون الحشيشة بغير اسمها، والربا بغير اسمه، اقتداء بإبليس حيث سمى الأسماء بغير اسمها تغريرًا بالناس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك تسمية القبر مشهدًا، ومن يعتقدون فيه وليًا لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن؛ إذ هم معاملون لهم معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونها استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه، فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه يقولون: يا زيلعي، يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس، وأهل مصر: يا رفاعي، يا بدوي، والسادة البكرية وأهل الجبال: يا أبا طير، وأهل اليمن: يا ابن علوان.
وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر.
وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام كما قلنا في الأبيات النجدية: أعادوا بها معنى (سواعًا) ومثله (يغوث) و(ود) بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم نحروا في سوحها من نحيرة أهلت لغير الله جهرا على عمد وكم طائف حول القبور مقبلا ويلتمس الأركان منهن بالأيدي].
يقول المؤلف ﵀: (إن من ذلك تسمية القبر مشهدًا) فيسمون القبر الذي يعبدونه من دون الله مشهدًا؛ حتى يلبسوا على الناس، لأنهم لو سموه معبدًا لانصرف الناس عنه، ولكن عندما سموه مشهدًا صار تلبيسًا.
وقوله: (ومن يعتقدون فيه وليًا لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن) يعني: إذا قال: هذا قبر ولي.
وهم يعبدونه من دون الله فهو صنم ووثن، ما داموا يصرفون له العبادة من دون الله فهو وثن، ولو سموه قبرًا أو مشهدًا.
قوله: (إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونها استلامهم لأركان البيت) يعني: كثير من المشركين صرفوا العبادة لأصحاب القبور، حتى إن بعض المشركين من الشيعة ألف كتابًا سماه: (حج المشاهد) يعني: حج القبور، إذا أقبل على القبر يقول: يحرم من مسافة كذا كما يحرم الحاج والمعتمر، ثم إذا وصل إلى القبر استلمه وطاف به، ثم بعد ذلك يذبح، ثم يحلق رأسه، ثم يهنئ بعضهم بعضًا، فيقول: تقبل الله منك، فإذا قيل له: هل تبيع هذه الحجة إلى القبر بحجة إلى بيت الله.
فيقول: لا.
فيدعو الميت حتى يشفي مريضه ويرد غائبه، أنه لابد أن يقرب له الذبائح.
والطواف بالقبور شرك ومحرم، وهو عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، وما يفعله القبوريون عند أهل القبور هو عين ما يفعله عباد الأصنام عند أصنامهم.
ثم يقول المؤلف بعد ذلك: [فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك؛ وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى الناس؛ يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله؛ فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين] أي: أن يقاتلوا ويجاهدوا.
[ ٣ / ٧ ]