الأصل الأول: معرفة العبد ربه
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ١ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ.
_________________
(١) "١"هذه الأصول الثلاثة تجمع الدين كله من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهي التي يسأل عنها العبد في قبره.
[ ٣٨ ]
فَإِذَا قِيلَ لَكَ ١ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ٢: رَبِّيَ الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ. وَالدَّلِيلُ"٣" قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ وكل من
ــ
١. فإذا سأل سائل فقال: مَنْ رَبُّكَ؟
٢. فَقُلْ رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وربى جميع العالمين بنعمته. وهو معبودي ليس لي معبود سواه. هذا رب الجميع كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ ١.
والعالمون جميع المخلوقات كلهم عالمون - الجن والإنس والبهائم والجبال والأشجارـ كلها عالم. قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فهو رب الجميع له الخلق وله الأمر وهو المستحق بأن يعبد ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٣ الآية.. وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ.
٣. وَالدَّلِيلُ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾ ٤ يعني الثناء كله لله والعبادة من الثناء ومن الحمد.
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة، أية: ٢. ٢ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٣ سورة البقرة، آية: ٢١. ٤ سورة الفاتحة، جزء من آية: ٢.
[ ٣٩ ]
سِوَى اللهِ ١ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ٢ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ "٣": بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ، فَقُلْ"٤": بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته
ــ
وكل ما سوى الله عالم، من الجن والإنس والحيوانات والجبال كلها عوالم.
وأنا واحد من ذلك العالم الذي خلقه الله وأوجده وأوجب عليه طاعته. فعلى جميع العالمين من المكلفين من الجن والإنس أن يطيعوا الله ورسوله ويوحدوه جل وعلا. وهكذا الملائكة عليهم أن يعبدوا الله وحده، ولهذا قال تعالى عن الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ "٢٧" ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢..
إذا قيل لك أيها المسلم بم عرفت ربك الذي أنت تعبده؟.
فقل عرفته بآياته ومخلوقاته –أي بآياته الكثيرة، وبمخلوقاته العظيمة، التي تدل على أنه الرب العظيم، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق لأن يعبد، وأنه الذي يخلق ما يشاء، ويعطى ويمنع، وينفع ويضر، بيده كل شيء ﷾. فهو المستحق بأن نعبده بطاعته ودعائه واستغاثته وسائر أعمالنا وعباداتنا؛ لأن الله خلقنا لهذا.
_________________
(١) ١ سورة التحريم آية:٦. ٢ سورة الأنبياء، الآيتان:٢٧- ٢٨.
[ ٤٠ ]
السموات السبع والأرضون السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ــ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وهذه العبادة هي توحيده، وطاعته، واتباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه قولًا وعملًا.
"١" ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ كل هذه تدل على أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم. يأتي الليل بظلامه، ويذهب النهار بضيائه، ثم يجيء النهار، ويذهب الليل، وهذه الشمس تطلع على الناس في الدنيا كلها، وينتفعون بها، وهذا القمر كذلك وغير هذه من الآيات العظيمة، كالأرض
وما فيها من جبال وأنهار وبحار وأشجار وحيوانات. وهذه السموات التي يراها الناس، كلها من آياته الدالة على عظمته وأنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه المستحق للعبادة ولهذا قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢،يعني لا تعبدوا
_________________
(١) ١ سورة الذاريات،آية:٥٦. ٢ سورة فصلت،آية:٣٧.
[ ٤١ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى١: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
ــ
هذه المخلوقات، بل اعبدوا الذي خلقها وأوجدها ﷾، فهو المستحق بأن يذل له العبد ويخضع له، ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه ﷾؛ تعظيمًا وتقدسيًا له؛ وخوفا منه؛ ورغبة فيما عنده. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ ١يعني إن ربكم أيها العباد من الجن والإنس هو الله. وربكم يعني خالقكم، وهو معبودكم الحق وحده لا شريك له: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. أي ثم ارتفع على العرش، وعلا فوقه ﷾. فعلمه في كل مكان وهو فوق العرش. فوق جميع المخلوقات. والعرش سقف المخلوقات وهو أعلى المخلوقات، والله فوقه جل وعلا. استوى عليه استواءً يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤.
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ٥، أي يغطي هذا بهذا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٢ سورة الأعراف، آية:٥٤. ٣ سورة الشورى، آية: ١١. ٤ سورة الإخلاص، آية: ٤. ٥ سورة الأعراف، آية: ٥٤.
[ ٤٢ ]
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ــ
وهذا بهذا. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ . أي سريعًا وكل واحد يطلب الآخر.
إذا انتهى هذا دخل هذا. وهكذا.. حتى تقوم الساعة.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ١، أي وخلق الشمس والقمر والنجوم، خلقها مسخرات بأمره، ومطيعات مذللات لأمره سبحانه.
ثم قال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٢، فالخلق له والأمر له هو الخلاق الذي لا يخالف أمره الكوني الذي هو نافذ في الناس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ٤ فأمر الله الكوني القدري لا راد له ولهذا قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
﴿فتبارك﴾ يعني بلغ في البركة النهاية، وهي لاتصلح إلا لله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية:٥٤. ٢ سورة الأعراف، آية: ٥٤. ٣ سورة يس، آية: ٨٢. ٤ سورة القمر، آية: ٥٥. ٥ سورة الأعراف، آية: ٥٤،
[ ٤٣ ]
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ٢: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
ــ
فلا يقال للعبد تباركت يا فلان. هذا لا يصلح. وإنما هو خاص بالله كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ١، وإنما يقال للمخلوق بارك الله في. فلان. أو فلان مبارك، أما تباركت فإنها لا تصلح إلا لله وحده.
١. والرب هو المعبود "والعالمين" المخلوقات كلها من الجن والإنس والسماء والأرض، وهو ربها ﷾، وهو رب الجميع، وخالق الجميع، وخالق الجميع جل وعلا.
٢. قال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ خلق الجميع الذين قبلنا، والذين بعدنا من آدم وما قبله وما بعده. ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ ٣ الآية فهو خلق الجميع ليتقوه ويعبدوه كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤ ثم بين سبحانه بعض أفعاله فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ ٥، فجعل الأرض فراشًا للناس، ومهادًا لهم. عليها يسكنون، وعليها يبنون، وعليها ينامون. وعليها يمشون، وأرساها بالجبال، ثم
_________________
(١) ١ سورة الملك، جزء من آية: ١. ٢ سورة البقرة، آية: ٢١. ٣ سورة البقرة، آية: ٢٢. ٤ سورة البقرة، آية: ٢٢. ٥ سورة البقرة، آية: ٢٢.
[ ٤٤ ]
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ١ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - الخَالِقُ لهذه الأشياء هو
ــ
قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ ١ فجعلها بناءً وسقفًا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون. وزينها بالنجوم والشمس والقمر ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي من السحاب: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أنواع الأرزاق في كل مكان ويحي الله به الأرض بعد موتها ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ أي أشباهًا ونظراء تعبدونها معه. لا صنمًا ولا جنًا ولاملكًا ولا غير ذلك. فالعبادة حق الله وحده. ليس له نديد ولا نظير ولا مثيل. بل هو الإله الحق وكان المشركون يتخذون له الأنداد والنظائر والأمثال من الأصنام والجن والملائكة ويعبدونهم من دون الله. ويستغيثون بهم فأنكر الله عليهم ذلك وبين أن هذه المخلوقات ليس لها حق في العبادة ولا قدرة لها على شيء إلا بإذنه سبحانه وتقديره.
"١" قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: الخالق لهذه الأشياء من سماء وأرض وثمار وأشجار ومطر وغير ذلك هو المستحق للعبادة ﷾، وأن يطاع؛ لأنه رب الجميع، وخالق الجميع، كما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ٢١. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٢.
[ ٤٥ ]
الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ. وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ١ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بها، مثل الإسلام
ــ
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
١. العبادة أنواع: فمنها الإسلام بأركانه. فكل ما أمر الله به من أعمال الإسلام عبادة، من صلاة وصوم وغير ذلك، وهكذا الإيمان بأعماله الباطنة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وكذلك الخوف والمحبة والرجاء إلى غير ذلك. فكل ما يتعلق بالقلوب داخل في العبادة بل هو أعلى أنواع العبادة وأعظمها. فالواجب على كل مكلف إخلاص العبادة لله وحده. فلا يدعو مع الله الأنبياء ولا الأولياء ولا الأصنام ولا الأشجار ولا الأحجار ولا النجوم لأن العبادة حق لله وحده. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤. وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.
وقال ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ١٦٣. ٢ سورة الجن، آية: ١٨. ٣ سورة الفاتحة، آية: ٥. ٤ سورة يونس، آية: ١٠٦. ٥ سورة المؤمنون، آية: ١١٧.
[ ٤٦ ]
وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ١. وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ،
ــ
دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١ فسمى سبحانه دعاءهم شركا. فالواجب على جميع المكلفين إخلاص العبادة لله وحده، رجاء وخوفا واستعانة واستغاثة وذبحا ونذرا وخشية لله وصلاة وصوما إلى غير ذلك، كله لله وحده فمن تقرب لغير الله من ولي أو نبي أو صنم أو شجر أو حجر بالدعاء أو بالذبح أو بالنذر أو بالصلاة أو بالصوم ونحو ذلك، فهو مشرك كافر أشرك بالله وعبد معه سواه، كفعل المشركين الأولين: من عباد القبور وعباد الأشجار والأحجار والأصنام، ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣.
وقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ٦٥بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
١. فكل هذه العبادات يجب إخلاصها لله. ومن صرف منها شيئًا لغير الله من صنم أو شجر أو حجر أو قبر فهو مشرك بالله.
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآيتان: ١٣ - ١٤. ٢ سورة الأنعام، آية: ٨٨. ٣ سورة المائدة، آية: ٧٢. ٤ سورة الزمر، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.
[ ٤٧ ]
وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ،
وَالاسْتِعَاذَةُ، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، كُلُّهَا للهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ١: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . وفي الحديث:" الدعاء مُخّ
ــ
١. لقوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . ولغيرها من الآيات السابقات. وهذا دليل على ما تقدم.
٢. وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة "، وفي لفظ آخر "الدعاء هو العبادة، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
_________________
(١) ١.سورة المؤمنون، آية: ١١٧. ٢. رواه الترمذي ٥/٤٢٥ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء ببرقم ٣٣٧١ من حديث أنس والحديث فيه ابن لهيعة وهو ضعيف إلا أن هذا الحديث يشهد له ما بعده. ٣. رواه أحمد ٤/٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦. ورواه أبو داود ٢/١٦١ في كتاب الصلاة باب الدعاء برقم ١٤٧٩. ورواه الترمذي ٥/٤٢٦ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء برقم ٣٣٧٢. وأخرجه أيضًا ٥/٤٢٦ في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء برقم ٣٣٧٢. وأخرجه النسائي في الكبرى ٩/٣ تحفة الأشراف للمزي. ورواه ابن ماجه ٢/١٢٥٨ في كتاب الدعاء باب فضل الدعاء برقم ٣٨٢٨ من حديث النعمان بن بشير والحديث صحيح. فقد صححه الحافظ بن حجر انظر الفتح ١/٦٤ =
[ ٤٨ ]
الْعِبَادَةِ". وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
ــ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، فسمى الدعاء عبادة في قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني عن دعائي. فالدعاء هو أن يضرع إلى الله يدعوه، ويسأله النجاة، ويسأله الرزق، كل هذا عبادة، فإذا صرفها للصنم أو للشجر أو للحجر أو لميت، صار مشركا بالله ﷿ فيجب الحذر من الشرك كله، دقيقه وجليله، وأن تكون العبادة لله وحده، لكن دعاء الحي الحاضر القادر، والاستعانة به في الشيء المقدور عليه، لا بأس به ولا يعتبر داخلا في الشرك فلو قلت لأخيك الحاضر يا عبد الله أعني على قطع هذه الشجرة أو على حفر هذه البئر فلا بأس بذلك كما قال سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢ الآية.
استغاثة الإسرائيلي على القطبي؛ لأن موسى قادر على إغاثته. يتكلم ويسمع. أما إذا اعتمد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله حاضرًا أو غائبًا أو ميتا، واعتقد أنه ينفع من دعاه أو يضر لا بالأسباب الحسية من الشرك بالله. كما قال تعالى عنهم أنهم قالوا:
_________________
(١) حيث فال: أخرجه أصحاب السنن بسند جيد. ١ سورة غافر، آية: ٦٠. ٢ سورة القصص، آية: ١٥.
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. فيظنون أنهم يستطيعون بعبادتهم إياهم أن يشفعوا لهم عند الله في حصول مطالبهم أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى.
كما قال الله سبحانه عنهم في الآية الأخرى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
وهذا من جهلهم وضلالهم بالشافع والمشفوع إليه. والله سبحانه له الشفاعة جمعيًا، وهو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فلا يأذن بالشفاعة إلا فيمن يرضى الله عمله. ولا يشفع أحد عنده إلا بعد إذنه. كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤، فالشفاعة لا تكون إلا بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع فيه. وهو سبحانه لا يرضى بالشفاعة إلا لأهل التوحيد، كما صح عنه ﷺ أنه قال: " لما سأله أبو هريرة قائلًا: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ . قال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه " ٥، أخرجه
_________________
(١) ١ سورة يونس، آية: ١٨. ٢ سورة الزمر، آية: ٣ ٣ سورة البقرة، آية: ٢٥٥. ٤ سورة الأنبياء، آية: ٢٨. ٥ رواه البخاري ١/٢٣٣ في كتاب العلم باب الحرص على الحديث برقم ٩٩ ورواه أيضا في ١١/٤٢٦ في كتاب الرقائق "باب صفة الجنة والنار " برقم ٦٥٧٠ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠ ]
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
البخاري في صحيحه. ولا تكون الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله من أهل التوحيد والإيمان.
١. ومن ذلك الخوف وهو أقسام ثلاثة:ـ
الأول: خوف السر وهذا خاص بالله لأنه القادر على كل شيء وهو الذي يخاف ويخشي.
كما قال تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾ ٣.
فالواجب خشية الله وخوفه؛ لأنه مصرف القلوب ومقلبها والقادر على كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، فالواجب تخصيصه بالخوف وألا يخاف هذا الخوف إلا الله في كل الأمور. ولكن خوف السر يختص به سبحانه وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصة سرية ليست حسب الحس. ولذلك يعتقد عباد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرف في الكون
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، آية: ١٧٥. ٢ سورة التوبة، آية: ١٨. ٣ سورة المائدة، آية: ٤٤.
[ ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع الله جل وعلا. ويعتقدون ذلك أيضًا في الأصنام والجن وغيرها، وهذا هو الشرك الأكبر. ويعتقد فيهم أيضًا أن لهم القدرة على العطاء والمنع، وزيغ القلوب، وموت النفوس دون أسباب حسية.
الثاني: خوف الأسباب الحسية كما قال تعالى في قصة أحد لما قيل للنبي ﷺ إن المشركين قد جمعوا لكم وسيرجعون إليكم فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، فالشيطان يخوف الناس من أوليائه، ويعظمهم في صدور الناس حتى يخافوهم، والله يقول: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾، بل اعتمدوا عليَّ، وأعدوا العدة ولا تبالوا بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢. وهذا الخوف الحسي لا بأس به لكن الخوف القلبي خوف السر هذا هو المنهي عنه أما الخوف الحسي، مثل أن يخاف من اللص أو السارق أو العدو، فيعد العدة من السلاح اللازم كل هذا لابد منه ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ٣ وقال سبحانه في قصة موسى لما خرج من مصر خائفًا من فرعون وقومه: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٤ فإن هذا الخوف خوف حسي لا بأس به لكن لا يجوز
_________________
(١) ١ سورة آل عمرن، آية: ١٧٥. ٢ سورة الأنفال، آية: ٦٠. ٣ سورة النساء، آية: ٧١. ٤ سورة القصص، آية: ٢١.
[ ٥٢ ]
ودليل الرجاء١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
ــ
خوف العدو خوفا يمنع من جهاده، ونصر الحق، وإنما يحمله هذا الخوف على الإعداد للعدو وأخذ الحذر.
الثالث: الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان وهذا لا حرج فيه مثل خوف الإنسان الحية والعقرب والسبع، فيتباعد عنها ويقتلها ويتباعد عن مظنة السباع حتى لا يتأذى بها. هذا أمر لابد منه والله جبل الناس على الخوف مما يؤذي حتى يتحرز منه يخاف البرد فيلبس الثياب الغليظة، ويخاف من الجوع فيأكل، ويخاف العطش فيشرب. هذه أمور طبيعية لا بأس بها.
١. وهكذا الرجاء عبادة لله فيرجو الله ويحسن به الظن كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١
فالرغبة إليه، ورجاء ما عنده، عبادة له ﷾: قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٢ فالرغب: الرجاء. والرهب: الخوف. وكلاهما عبادة. وعلى العبد أن يحسن ظنه بربه، ويعمل بالأسباب الشرعية. وإن الظن الحسن مع الأخذ بالأسباب يعود على العبد بالخير، وبالرحمة، وبدخول الجنة، وبمغفرة الذنوب.
_________________
(١) ١ سورة الكهف. آية: ١١٠. ٢ سورة الأنبياء، آية: ٩٠.
[ ٥٣ ]
َودَلِيلُ التَّوَكُلِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية.
ــ
١. وهكذا التوكل عبادة. وهو التفويض إلى الله، والاعتماد عليه في كل الأمور مع الأخذ بالأسباب. فتعتمد على الله في السلامة من الشر، والعافية من الفتن، وحصول الرزق، وفي دخول الجنة، والنجاة من النار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢، يعني كافيه.
٢. وهكذا الرغبة والرهبة والخشية من الله كل هذه عبادات. قال تعالى: عن الأنبياء والصالحين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣ يعني خائفين يخشون الله، ويخشعون لعظمته أي يذلون.
_________________
(١) ١سورة المائدة، آية: ٢٣. ٢ سورة الطلاق، آية: ٣. ٣ سورة الأنبياء، آية: ٩٠.
[ ٥٤ ]
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية.
وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي الحديث: "إذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ".
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ"٣" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وقوله
ــ
"١" وهكذا الإنابة عبادة: قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ١، والإنابة معناها: الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، والاستقامة على طاعته، فهذه عبادة لله. يجب على الإنسان أن ينيبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويتوبوا إليه، ويستقيموا على طاعته.
"٢" وهكذا الاستعانة عبادة كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وفي الحديث "إذا استعنت فاستعن بالله" ٣. فيستعين العبد بالله فتقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك. اللهم أعني على طاعتك. اللهم أعني على كل خير، إلى غير هذا تستعين بالله في كل المهمات.
"٣" وهكذا الاستعاذة عبادة: أن تستعيذ بالله من الشرور، وتلجأ إليه،
_________________
(١) ١ سورة الزمر، آية: ٥٤. ٢ سورة الفاتحة، آية: ٥. ٣ رواه أحمد، ١/٣٠٧. ورواه الترمذي ٤/٥٧٦ في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع باب ٥٩ برقم ٢٥١٦، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٥٥ ]
تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية.
ودليل الذبح٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله".
ــ
كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ١، وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٢، فالاستعاذة بالله من الشيطان، ومن كل مؤذ، ومن كل عدو، أمر مأمور به، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٣.
"١" وهكذا الاستغاثة عبادة أن تستغيث بالله في الشدائد من عدد، أو تطلبه إنزال الغيث المبارك، أو بكشف الضر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٤.
"٢" وهكذا الذبح عبادة: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الفلق، آية: ١. ٢ سورة الناس، آية: ١. ٣ سورة الأعراف، آية: ٢٠٠. ٤ سورة الأنفال، آية: ٩. ٥ سورة الأنعام، آية: ١٦٢.
[ ٥٦ ]
وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾
ــ
وهكذا النذر عبادة قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٢، الآية وقال ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ٣. فالنذر عبادة وطاعة لله. فإذا فعل الإنسان لزمه الوفاء، والنذر مكروه؛ لأن فيه التزاما؛ وفيه مشقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: "إن النذر لا يأتي بخير" ٤، ولكن إذا نذر طاعة لزمه الوفاء. لقول الرسول ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليطعه". فإذا نذر عبادة من صلاة أو صوم أو غيرهما لزمه الوفاء لما تقدم.
_________________
(١) ١ سورة الإنسان، آية: ٧. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٧٠. ٣ البخاري ١١/٥٨٩ في كتاب الأيمان والنذر "باب النذر في الطاعة " برقم ٦٦٩٦ وفي ١١/٥٩٤ في باب النذر فيما لا يملك وفي معصية برقم ٧٦٠٠ من حديث عائشة ﵄. ٤ رواه البخاري ١١/٥٠٨ في كتاب القدر "باب القاء العبد النذر إلى القدر " برقم ٦٦٠٨. ورواه أيضًا في ١١/٥٨٤ في كتاب الأيمان والنذر "باب الوفاء بالنذر " برقم ٦٦٩٣. ورواه مسلم ١١/٩٨ في كتاب النذر من حديث ابن عمر ﵄ واللفظ لمسلم.
[ ٥٧ ]
الأصل الثاني: معرفة العبد دينه
"الأَصْلُ الثَّانِي"
مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ١ بِالأَدِلَّةِ. وَهُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ:
"الإسْلامُ" و"الإيمان" و"الإحسان". وكل مرتبة لها أركان.
فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ٢: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصلاة،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"١"هذا هو الأصل الثاني. وهو دين الإسلام. وهو ثلاث مراتب بينها الرسول ﷺ. فأولها الإسلام وهو الإخلاص لله وحده: يعني الاستسلام لله بالعبادة، وتخصيصه بها دون كل ما سواه. والبراءة من الشرك وأهله. فإذا فعل ذلك فقد أسلم يعني: إنقاد وذل وخضع لله وحده بالعبادة دون كل ماسواه. وتبرأ من الشرك وأهله.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١، والكفر بالطاغوت معناه: البراءة من الشرك وأهله، وإنكار ذلك، واعتقاد بطلانه. وهناك مرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، وكلها داخلة في دين الإسلام، الدين الذي شرعه الله لعباده وأرسل به الرسل جميعًا. ومرتبة الإسلام تشمل الأعمال الظاهرة.
"٢" وأركانه خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ، وأن محمدًا رسول الله،
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ٢٥٦.
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا. كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في قولة: "بني السلام على خمس: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وصوم رمضان وحج البيت" ١.
فأول أركان الإسلام: شهادة أن لا اله إلا الله. وبها يدخل العبد في الإسلام فيشهد أن لا اله إلا الله: أي لا معبود حق إلا الله. وهي نفي واثبات، فلا إله نفي، وإلا الله إثبات قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وقال: ﴿مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ٤، أما قولها بدون العمل بها، فلا تنفع كأن يقول لا اله إلا الله، ولا يخص الله بالعبادة فإن شهادته لا تنفع، كالمنافقين فإنهم يقولونها ولا يعتقدونها فهم في الدرك الأسفل من النار. فالذي يقول لا اله إلا الله ويعبد القبور والأصنام لا تنفعه بل هي باطلة.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١ / ٦٤ في كتاب الإيمان " باب دعاؤكم وإيمانكم " برقم ٢. ورواه مسلم ١ / ١٧٦، ١٧٧ في كتاب الإيمان باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام كلاهما من حديث ابن عمرو ﵃. ٢ سورة الفاتحة، آية: ٥. ٣ سورة البينة، آية: ٥. ٤ سورة الحج، آية: ٦٢.
[ ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما الشهادة الثانية وهي: أن محمدًا رسول فدليلها قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١. يعني: محمدًا ﵊ تعرفونه؛ لأنه من أنفسكم وهو من أشرف قبائلكم من بني هاشم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ٢: أي يشق عليه ما يشق عليكم: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٣. يعني: على هدايتكم، وإنقاذكم من النار. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٤ وبعد هذه الشهادة، على العبد أن يطيعه فيما أمر، وأن يصدقه فيما أخبر، وأن يجتنب ما عنه نهى وَزَجَرَ، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ. فلا بد من هذه الأمور الأربعة.
الأول: طاعته فيما أمر من الصلاة والزكاة وغيرها.
الثاني: تصديقه فيما أخبر عن الآخرة والجنة والنار وغير ذلك.
الثالث: واجتناب ما عنه نهى وزجر، كالزنا والربا وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله.
الرابع: وأن لا يعبد الله بما شرع فلا يبتدع في الدين مما لم
_________________
(١) ١ سورة التوبة، آية: ١٢٨. ٢ سورة التوبة، آية: ١٢٨. ٣ سورة التوبة، آية: ١٢٨. ٤ سورة الفتح، آية: ٢٩.
[ ٦٠ ]
وإيتاءُ الزكاة١ وصوم رمضان٢،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يشرعه الله لقول النبي ﷺ "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد " ١. وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ " ٢ أي:هو مردود.
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٥.
َودَلِيلُ الصِّيَامِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٦.
إلى قوله تعالى سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ ٧، أي أن الصيام واجب
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١٢/١٦في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة. ورد محدثات الأمور من حديث عائشة ﵂. ٢ رواه البخاري ٥/٣٥٥ في كتاب الصلح باب " إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود " برقم ٢٦٩٧. ورواه مسلم ١٢/١٦، في كتاب الأقضية في باب الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور كلاهما من حديث عائشة رضي تعالى عنها. ٣ سورة البينة، آية:٥. ٤ سورة التوبة، آية: ١١. ٥ سورة التوبة، آية: ٥. ٦ سورة البقرة، آية: ١٨٣. ٧ سورة البقرة، آية: ١٥٨.
[ ٦١ ]
وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ" ١.
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ ٢: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله وحده. "لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ. وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
ــ
عليكم كل عام في شهر رمضان.
"١"ودليل الحج قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١ الآية وهو مرة في العمر لقول النبي ﷺ: "الحج مرة فمن زاد فهو تطوع" ٢،
"٢" هذه الصفحة والتالية، تابعة للمتن وقد تقدم شرحها فيما مضى.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، آية: ٩٧. ٢ رواه أبو داود ٢/٣٤٤ في كتاب المناسك باب فرض الحج برقم ١٧٢١ من حديث ابن عباس ﵄. ورواه النسائي ٥/١١٠ في كتاب مناسك الحج " باب وجوب الحج " برقم ٢٦١٩. ورواه ابن ماجه ٢/٩٦٣ في كتاب المناسك " باب فرض الحج " برقم ٢٨٨٦.
[ ٦٢ ]
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نهى عنه وزجر، وأن لا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ.
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
[ ٦٣ ]
(الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ)
"الإِيمَانُ ١. وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان".
ــ
الإيمان: هو ما يتعلق بالقلوب، من التصديق بالله، وأنه رب العالمين، وأنه هو المستحق للعبادة، والتصديق بالملائكة وبالكتب وبالرسل وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره. كل هذا يتعلق بالقلوب. فهو أصل من الأصول التي لا بد منها. فلا إسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام. فلا بد من هذا وهذا. لا بد من إسلام الجوارح، ولابد من إسلام القلوب وإيمانها. ولهذا جمع الله بين الأمرين في كتابه العظيم. وهكذا الرسول ﷺ. ذكرهما جميعًا. فالإسلام هو الانقياد الظاهر بطاعة الله وترك معصيته. والإيمان يشمل الأعمال الباطنة مما يتعلق بالقلوب وتصديقها، ويطلق الإسلام على الإيمان ويطلق الإيمان على الإسلام. فإذا قيل الإيمان عم جميع وإذا قيل الإسلام عم الجميع قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ١ فيعم ما يتعلق بالباطن والظاهر. وهكذا الإيمان إذا أطلق عم الجميع لقوله ﷺ في الحديث الصحيح "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأضلها قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق" ٢، فالإيمان هنا يعم الجميع فيعم أركان
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، آية: ١٩. ٢ رواه مسلم ٢/٣ في كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٤ ]
وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر وبالقدر خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .
" المرتبة الثالثة"
الإحسان ١. ركن واحد. وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
ــ
الإسلام، ويعم جميع الأعمال الظاهرة، كما يعم الباطنة. كما أنه يشمل الإحسان.
"١" أما الإحسان فهو إكمال العبادة ظاهرًا وباطنًا وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك،١ فمن عبد الله على هذا الاستحضار فقد أدرك مرتبة الإحسان، واجتمع له الخير كله، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٢،
وقال ﷿: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣
_________________
(١) ١ انظر إلى حديث جبريل الطويل وقد رواه البخاري ١/١٤٠ في كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإحسان وعلم الساعة برقم ٥٠ ورواه مسلم ١/١٦١ في كتاب الإيمان كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم أيضًا في ١/١٥٧ في كتاب الإيمان من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ٢ سورة النحل، آية: ١٢٨. ٣ سورة الأعراف، آية: ٥٦.
[ ٦٥ ]
لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية.
وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ استطع إِلَيْهِ سَبِيلا"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وبالقدر خيره وشره"، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال: أخبرني عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا
_________________
(١) والآيات في هذا المعنى كثيرة..
[ ٦٦ ]
وأن ترى الحفاة العالة رعاة الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ" قَالَ: فَمَضَى فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟ "قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ هَذَا: جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم".
[ ٦٧ ]
الأصل الثالث: معرفة العبد نبيه
" الأَصْلُ الثَّالِثُ" ١
مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ مُحَمَّدُ ٢ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا
ــ
١ هذا هو الأصل الثالث وهو معرفة نبينا محمد ﷺ فعلى الإنسان أن يعرف نبيه الذي أرسله الله إليه، وبلغه الرسالة، وبين له الشرائع التي أمره الله بها، وأوضح له العبادة التي خلقنا الله لها.
٢ هذا النبي هو محمد ﵊، خاتم الأنبياء، ورسول الله لهذه الأمة من الجن والإنس. أرسله الله للناس جميعا قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢. فاسمه محمد، واسمه أحمد، واسمه الحاشر، والماحي، والمقفي ٣؛ لأنه خاتم الأنبياء، وهو نبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة. هذه كلها أسماؤه ﵊ لكن أشهرها وأفضلها وأعظمها محمد الذي سماه به أهله وجاء به القرآن قال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية: ١٥٨. ٢ سورة سبأ، آية: ٢٨. ٣ انظر إلى الحديث الذي رواه البخاري ٨ / ٥٠٩ في كتاب التفسير في تفسير سورة الصف باب يأتي من بعدي اسمه أحمد برقم ٤٨٩٦. ورواه مسلم ١٥/١٠٤ في كتاب الفضائل باب في أسمائه صل الله عليه وسلم كلاهما من حديث جبير بن مطعم.
[ ٦٨ ]
أفضل الصلاة والسلام. وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولا، نُبيء بـ "اقرأ"١،
ــ
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١. وهكذا أحمد كما بشر به عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢ فهو محمد وأبوه عبد الله وجده اسمه عبد المطلب. وعبد المطلب لقب، وإلا فاسمه شيبة وأبو جده اسمه هاشم وهو سيد من سادات قريش كما أن عبد المطلب كذلك. وهاشم من قريش قبيلة عظمية وهي أفضل العرب. والنبي ﷺ من خاصتهم من بني هاشم وهم أفضل قريش. واسمه فهر بن مالك، وقيل قريش هو النضر بن كنانة جد فهر بن مالك، وقريش من العرب المستعربة التي استعرب لسانها فصار لها لسان عربي واضح، فهي أكثر عروبة من قحطان. ولهذا يقال لهم العرب العاربة والعرب المستعربة، وهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل.
١. وهذا النبي العظيم وهو محمد ﷺ نبيء باقرأ٣ فأول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ٤ وصار بها نبيًا.
وقال أتاه جبريل وهو في الغار. غار حراء فأقرأه هذه السورة.
_________________
(١) ١ سورة الفتح، آية: ٢٩. ٢ سورة الصف، آية ٦. ٣ انظر إلى الحديث الذي رواه البخاري ١/٣٠ في كتاب بدء الوحي. برقم ٣. ورواه مسلم ٢/١٩٧ في كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ كلاهما من حديث عائشة ﵂. ٤ سورة العلق، آية: ١.
[ ٦٩ ]
وَأُرْسِلَ بـ " الْمُدَّثِّرْ"١. وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، بَعَثَهُ اللهُ بالنذارة عن الشرك
ــ
١. ثم بعد مدة يسيرة جاءه بالمدثر١ فصار رسولًا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢. "والمدثر" الملتحف.
لأنه بعد ما جاءه الوحي، اشتد عليه الأمر وقال: زملوني زملوني دثروني دثروني من شدة ما أصابه من الخوف لما ضغط عليه جبرائيل عليه الصلاة السلام مرات. ثم قال: اقرأ تمهيدًا لأعباء الرسالة وعظمتها ثم قال الله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٣، أي: قم فأنذر الناس. فصار رسولًا بأمره بالنذرة: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٤ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٥ أي طهر أعمالك من الشرك؛ لأن تطهير الملابس غير مراده في هذه الآية، لأن الصلاة لم تفرض في ذلك الوقت، فالمراد هنا الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ٦ فالعمل يسمى لباسًا: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٧ فالرجز: الأصنام. وهجرها تركها، والبراءة منها وأهلها.
_________________
(١) ١ انظر إلى الحديث الذي رواه البخاري ١/٣٧ في كتاب بدء الوحي برقم ٤. ورواه مسلم ٢/ ٢٠٧ في كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ كلاهما من حديث جابر ﵁ تعالى عنه. ٢ سورة المدثر، الآيتان: ٢،١. ٣ سورة المدثر، آية: ٢. ٤ سورة المدثر، آية: ٣. ٥ سورة المدثر، آية: ٤. ٦ سورة الأعراف، آية: ٢٦. ٧سورة المدثر، آية: ٥.
[ ٧٠ ]
ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ .
وَمَعْنَى "قُمْ فَأَنذِرْ":يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد، "وربك فكبر" عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، "وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ" أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، "وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ" الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تركها وأهلها وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ١ سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر٢
ــ
١. أخذ على هذا الأمر عشر سنين. يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك، ويأمر بخلع عبادة ما سوى الله سبحانه، وترك عبادة الأصنام والأوثان، ويأمرهم أن يخصوا الله بالعبادة في دعائهم ونذرهم وذبائحهم وغير ذلك.
٢. ثم بعد العشر عرج ١ به ﷺ إلى السماء مع جبرائيل وفتحت له السموات إلى موضع رفيع فوق السماء السابعة. حتى سمع فيه صريف الأقلام. ثم ناداه الله جل وعلا وكلمه وفرض عليه الصلوات الخمس. فرضها خمسين صلاة ثم لم يزل يطلبه التخفيف حتى جعلها الله خمسًا.
_________________
(١) ١ انظر إلى حديث الذي رواه البخاري ١/٥٤٦ في كتاب الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء برقم ٣٤٩ من حديث أبي ذر ﵁. ورواه مسلم ٢/٢٠٩ في كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
[ ٧١ ]
عرج به السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ. وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ١ إِلَى المدينة.
والهجرة: الانتقال من الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
ــ
فقال الله سبحانه: هي خمس في العدد وهي خمسون في أم الكتاب. فمن حافظ على الصلوات الخمس وأداها، كتب الله له أجر خمسين. فالحسنة بعشر أمثالها. فنزل بذلك ﵊ فاستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. صلاهما في مكة ثلاث سنين قبل أن يهاجر.
١. ثم هاجر إلى المدينة بعد ما اشتد عليه أذى قريش له ولأصحابه، فأذن الله له بالهجرة من مكة؛ لأجل أذى وظلم قريش، إلى المدينة إلى الأنصار وقد بايعوه ١ في موسم الحج على أن ينتقل إليهم وينصروه ﵃ وأرضاهم. فلما تمت البيعة وأذن
_________________
(١) ١ انظر إلى الحديث الذي رواه البخاري ٧/٢٦٠،٢٥٩ في كتاب مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ بمكة وبيعة العقبة برقم ٣٨٨٩ إلى ٣٨٩٣. وانظر ما قاله الحافظ في الفتح ٧/٢٦١. وانظر البداية والنهاية لابن كثير المجلد الثاني الجزء الثالث صفحة ١٤٤.
[ ٧٢ ]
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ .
قال البغوي ﵀ سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغربها". فَلَمَّا اسْتَقَرَّ١ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإسلام، مثل
_________________
(١) الله له بالهجرة هاجر إليهم. وكان بعض أصحابه قد هاجر قبل ذلك إلى الحبشة ومكثوا عند النجاشي مدة. ثم هاجر بقيتهم إلى المدينة فلما استقر بالمدينة جاء الذين في الحبشة إلى المدينة واستقر الجميع في المدينة والحمد لله. ١. فلما استقر في المدينة بعد الهجرة أمره الله ببقية شرائع الإسلام من الزكاة وصيام رمضان وحج البيت والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المدينة صارت دار إسلام وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فلهذا أمروا بهذه الأمور؛ لأنهم يتمكنون حينئذ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا من ﵀ ﷿ أن أجل هذه الواجبات إلى أن هاجر إلى المدينة وكان أصل الزكاة
[ ٧٣ ]
الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ١، صلاة الله وسلامه عليه،
ــ
مشروعًا في مكة كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، ولكن أنصباؤها ومصارفها وتفاصيل أحكامها، كل هذا صار في المدينة وهكذا صيام رمضان شرع في السنة الثانية من الهجرة، وهكذا الحج شرع في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة وأنزل الله فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٢، في سورة آل عمران وهي مدنية. وهكذا الجهاد أمر به في المدينة، وكان في أول الأمر يجاهد من جاهده، ويكف عمن كف عنه، ثم أمر بأن يبدأهم بالقتال، وأن يجاهد الكفار وإن لم يبدأوا، فيدعوهم إلى الله يرشدهم إليه، فإن أجابوا وإلا قاتلهم؛ حتى يستجيبوا للحق إلا أهل الكتاب فإنه يقبل منهم الجزية. وسن الله في المجوس ٣ سنة أهل الكتاب. إما إسلام وأما جزية. وأما بقية الكفرة إما الإسلام وإما السيف مع القدرة.
١. وبعدما أكمل الله به الدين توفاه الله إليه بعد عشر سنين من الهجرة قال الله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، آية: ١٤١. ٢ سورة آل عمران، آية: ٩٧. ٣ سبق تخريجه ص ٣٣.
[ ٧٤ ]
وَدِينُهُ بَاقٍ، وَهَذَا دِينُهُ: لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ. وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا عنه الشرك وجميع ما يكرهه اللهُ وَيَأْبَاهُ.
بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ٣٠ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
والناس إذا ماتوا يبعثوا ١، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا
ــ
لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١.
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٢.
١. والناس إذا ماتوا يبعثون كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، آية: ٣. ٢ سورة الزمر، الآيتان: ٣١،٣٠. ٣ سورة النوح، الآيتان: ١٨،١٧.
[ ٧٥ ]
خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ .
وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ
ــ
وقال سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢، فهم محاسبون ومجزيون يوم القيامة، ويعطون كتبهم بأيمانهم وشمائلهم فالسعيد يعطى كتابه بيمينه، والشقي يعطى كتابه بشماله. السعيد يرجح ميزانه والكافر يخف ميزانه، وأصحاب المعاصي على خطر فقد يرجح ميزانهم بالتوبة، أو بعفو الله، أو بالحسنات، وقد يخف ميزانهم فيكونوا من أهل النار، فيعذبون فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم الله من النار بسبب موتهم على الإسلام. فالواجب على كل مكلف أن
_________________
(١) ١ سورة التغابن، آية: ٧. ٢ سورة النجم، آية: ٣١.
[ ٧٦ ]
لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
وَأَرْسَلَ اللهُ١ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
ــ
يحذر سيئات العمل، وأن يلزم التوبة والاستقامة؛ لأنه لا يدري متى يهجم عليه الأجل. فالحزم كل الحزم أن يأخذ المسلم بالعزيمة؛ ويجاهد نفسه حتى يستقيم على الحق، والتوبة النصوح من جميع الذنوب، حتى إذا هجم عليه الأجل إذا هو على خير عمل وعلى استقامة فيفوز بالسعادة والنجاة يوم القيامة.
١. والرسول ﷺ مرسل إلى جميع الناس إلى الجن والإنس، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢ فهو خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، وهكذا الرسل جميعًا أرسلوا إلى أممهم مبشرين ومنذرين، من أولهم إلى آخرهم، فأولهم نوح ٣ بعثه لما وقع الشرك في قومه.
وقبله آدم فإنه نبي رسول مكلف. أرسله الله إلى ذريته؛
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية: ١٥٨. ٢ سورة سبأ، آية: ٢٨. ٣ البخاري ١١/٤٢٥ في كتاب الرقائق باب صفة الجنة والنار برقم ٦٥٦٥. ومسلم ٣/٥٥ في كتاب الإيمان كلاهما من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٧٧ ]
َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا
ــ
ليعبدوا الله بالشريعة التي جاء بها أبوهم آدم ﵊، واستمروا على الإسلام والاستقامة، حتى وقع الشرك في قوم نوح، فلما وقع الشرك في قوم نوح، أرسل الله إليهم نوحًا ﵊، وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك. وكل أمة بعث الله إليهم رسولًا. فعاد أرسل الله إليهم هودا، ثم أرسل الله صالحًا إلى قومه ثمود، ثم أرسل إبراهيم ولوطًا وشعيبًا في زمان متقارب، ثم جاءت الرسل بعد ذلك تترى، ففيهم موسى وهارون وعيسى وأيوب وداود وسليمان، ثم ختموا بمحمد ﵊.
١. ثم ختموا بمحمد ﵊، وهو خاتمهم وآخرهم وأفضلهم ﵊، قال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١، فقوله مبشرين يعني: يبشرون من أطاعهم بالجنة. ومنذرين: يعني ينذرون الناس من الشرك بالله، ومن النار والعذاب الأليم، إذا خالفوا أمر الله. وهكذا محمد ﷺ أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِه
_________________
(١) ١ سورة النساء، آية: ١٦٥.
[ ٧٨ ]
إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾
وكل أمة بعث الله إليهم رسولًا من نوح إلى محمد يأمرهم ١
ــ
وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢، فالواجب على جميع الأمم اتباع رسلهم. فكل أمة يجب عليها أن تتبع رسولها، وتنقاد لما جاء به من الهدى، وقد وعدها الله على ذلك السعادة في الدنيا والآخرة، وأكثر الخلق قد عصوا رسلهم وخالفوا ما جاءت به الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣،وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
١. وكل رسول يدعو أمته إلى توحيد الله، وطاعته، وترك الشرك به ومعصيته. قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، اعبدوا الله يعني: أطيعوه ووحدوه واستقيموا على دينه، واجتنبوا الطاغوت.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٦،٤٥. ٢ سورة الأحزاب، آية: ٤٠. ٣ سورة يوسف، آية: ١٠٣. ٤ سورة الأنعام، آية ١١٦. ٥ سورة سبأ، آية: ١٣. ٦ سورة سبأ، آية: ٢٠.
[ ٧٩ ]
بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ. والدليل قوله
ــ
١. والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله وهو راض. وكل من حكم بغير ما أنزل الله أو دعا ذلك. والطاغوت هو الذي يتجاوز الحد إما بشركه وكفره، وإما بدعوته إلى ذلك، وشرهم ورأسهم إبليس لعنه الله. وهكذا كل من دعا إلى عبادة نفسه، أو رضي أن يعبد من دون الله، كفرعون والنمرود، أو ادعي شيئًا من علم الغيب، كالكهنة والعرافين والسحرة في الجاهلية وفي الإسلام. وكذلك من حكم بغير ما أنزل الله متعمدًا، فهؤلاء رؤوس الطواغيت، وكل من جاوز الحد، وخرج عن طاعته الله، يسمى طاغوت. قال تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١ فالرشد: الإسلام وما جاء به النبي ﷺ والغي: الكفر بالله والضلال. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. فيكفر بالطاغوت، يعني: يتبرأ منه، ويعتقد بطلانه، فيتبرأ من الشرك: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يعني: يصدق أن الله معبوده، وإلهه الحق، ويؤمن بالشريعة وبمحمد ﵊ وينقاد لذلك. هذا هو المؤمن. ثم قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ . يعني:استعصم: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهي لا إله إلا الله كلمة التوحيد. يعني: فقد
_________________
(١) ١ سورة النحل، آية: ٣٦. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٥٦.
[ ٨٠ ]
تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
ــ
استمسك بالعروة التي لا انقطاع لها. بل من استمسك بها صادقًا، واستقام عليها، وصل إلى الجنة والكرامة، لأن لها حقوقًا، وهي توحيد الله، وطاعته واتباع شريعته. ومحمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو رسول الله إلى جميع أهل الأرض. من الجن والإنس. فيجب على جميع المكلفين، طاعته واتباع شريعته. ولا يجوز لأحد الخروج عنها، وجميع الشرائع الماضية كلها نسخت بشريعته ﵊ كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١ الآية وقال قبلها سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٣، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار " ٤، أخرجه مسلم في صحيحه. والآيات
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، آية: ١٥٨. ٢ سورة الأعراف، آية: ١٥٧. ٣ سورة هود، آية: ١٧. ٤ رواه مسلم ٢/١٨٦ في كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة نبيينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨١ ]
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ، وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ، وفي الحديث: "رأس الأمر١
ــ
والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد أجمع أهل العلم ﵏ على أنه لا يسمع أحدًا من هذه الأمة الخروج على شريعة محمد ﷺ وأن من اعتقد ذلك فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة.
١. وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٥/٢٣٧،٢٣١ من حديث معاذ ﵁. ورواه الطبراني في الكبير ٢٠/٩٦. ورواه النسائي في الكبير ٦/٤٢٨ في كتاب التفسير باب " تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقوله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ". ورواه الترمذي ٥/١٣ في كتاب الإيمان باب ما جاء في حرمة الصلاة برقم ٢٦١٦. ورواه ابن ماجة ٢/١٣٩٤ في كتاب الفتن باب كف اللسان في الفتنة برقم ٣٩٧٣.
[ ٨٢ ]
الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سبيل الله". والله أعلم.
ــ
فعلى جميع المكلفين أن يوحدوا الله، ويعبدوه دون كل ما سواه، وأن يكفروا بالطاغوت، وينكروا عبادته، ويلتزموا بالتوحيد، واتباع شريعته ﷾، وتعظيم أمره ونهيه.
ورأس الأمر يعني: رأس الدين هو الإسلام. يعني: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله. فمن التزم بها دخل الإسلام، وعموده الصلاة وهي الركن الثاني وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، ثم يلي ذلك الزكاة والصيام والحج وبقية أوامر الله. وذروة سنامه، الجهاد في سبيل الله، لأن به صيانة الدين وحمايته، وبه دعوة الناس إلى دين الله وإلزامهم بالحق.
فهو ذروة سنامه، من جهة ما تضمنه من حماية الدين، والدعوة إلى الحق. والله أعلم.
_________________
(١) ورواه البيهقي في السنن الكبرى٩/٢٠ في كتاب السير باب أصل فرض الجهاد، والحديث: لا تخلو طرقه من الضعف ولكن بجموعها يتقوى الحديث. وقد سألنا شيخنا عبد العزيز بن باز عن الحديث فقال: الحديث صحيح. رواه أحمد وغيره.
[ ٨٣ ]