النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، أرسله الله تعالى إلى الثقلين بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فيجب وجوبًا عينيًا على كل أحد أن يعرف نبيه ﷺ.
[ ٧ / ١ ]
معرفة النبي ﷺ فرض عين على كل أحد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا، نُبِّئَ بـ (اقْرَأ)، وَأُرْسِلَ بـ (الْمُدَّثِّرْ)، وَبَلَدُهُ مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧] .
وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ): يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تَرْكُهَا وأهلها وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة] .
هذا هو الأصل الثالث من الأصول التي يحصل للعبد بها النجاة في الدنيا والآخرة، وهو معرفة النبي ﷺ، ومعرفة النبي ﷺ واجبة لا يتم الإيمان إلا بها؛ لأن من أركان الإيمان الإيمان بالرسل، ولأنه لا تثبت القدم على الإسلام إلاّ بالشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، فمعرفة النبي ﷺ أصل من أصول الإيمان، وهي بوابة الدخول إلى الإسلام؛ فإن النبي ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّي رَسُولُ اللَّهِ)، ولا تحصل الشهادة له بالرسالة إلاّ بعد العلم به والمعرفة له ﷺ، فهذا أصل أصيل لحصول الإيمان والإسلام، ولا يحصل لعبدٍ النجاة في الدنيا والآخرة إلا به؛ فإن أول منازل الآخرة القبر، وأول ما يسأل عنه المقبوض عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن وفق للجواب وفق للخيرات، وإن حيل بينه وبين الجواب لكفره أو نفاقه فإنه قد أُغلق عليه باب الفلاح في الدار الآخرة.
[ ٧ / ٢ ]
نسب النبي ﷺ
يقول ﵀ في بيان هذا الأصل والتعريف به: [وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم] .
هذا فيه بيان نسب النبي ﷺ، ونسبه ﷺ في الذروة من قومه، وقومه في الذروة من العرب، فهو ﷺ أشرف العرب نسبًا، فيجب معرفة اسمه ﷺ، فلو لم يعرف الإنسان أن أباه عبد الله، وأن جده عبد المطلب وصدق به وآمن بما جاء به لم يضره ذلك، لكن من تمام المعرفة به ﷺ المعرفة بنسبه.
قال المؤلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له: [وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نبينا أفضل الصلاة والسلام]، وإبراهيم ﵇ هو إمام الحنفاء، والنبي ﷺ جاء مجددًا لدعوته ومبعوثًا برسالته، فهو موصول به نسبًا ودعوةً، فنسبه ينتهي إلى إبراهيم الخليل، ودعوته موافقة لما جاء به إبراهيم ﵊.
[ ٧ / ٣ ]
عُمْر النبي ﷺ
قال: [وله من العمر ثلاث وستون سنة] أي: توفي عن هذا العمر، وهذا معروف ولا إشكال فيه عند أهل السير والتأريخ.
قال: [منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا]، والسر في بعثته على رأس الأربعين أنه يحصل بهذا السن كمال النضج والرشد، ولذلك قيل: إن الأنبياء لا يبعثون في أقلّ من ذلك، وما ورد بأن عيسى بعث في أقلّ من ذلك فليس بذاك.
وقوله ﵀: [وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا] أي أنه ﷺ من بعد الأربعين إلى وفاته كان نبيًا رسولًا، وأول الأمر كان نبيًا فقط، ثم أرسل، كما سيبين ذلك المؤلف ﵀، فبدأ ﷺ الأمر بالنبوة ثم عقب ذلك بالرسالة، وأول ما بدئ به من النبوة الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى الرؤيا إلاّ وتأتي مثل فلق الصبح، واستمر على ذلك ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحي إليه.
[ ٧ / ٤ ]
بعثة النبي ﷺ
قال: [نُبئ بـ (اقرأ)] أي: حصلت له النبوة بسورة (اقرأ)، وذلك أنه ﷺ حببت إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء، فجاءه جبريل وهو في غار حراء، وقال له: (اقرأ قال: ما أنا بقارئ.
قال: اقرأ.
قال: ما أنا بقارئ.
قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥])، وقول النبي ﷺ: (ما أنا بقارئ) ليس رفضًا للقراءة أو ردًا لها، إنما هو بيان لحاله، وأنه لا يحسن القراءة ﷺ؛ وذلك لأنه أميٌ لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، فما كان النبي ﷺ يعرف الكتاب قراءةً ولا كتابةً، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، ثم نبئ بـ (اقْرَأْ)، وهذه السورة فيها أن مفتاح النبوة القراءة، ومفتاح العلم القراءة، ولذلك جاء الأمر بالقراءة لتحصل الخيرات، ولذلك حصل للنبي ﷺ من الخيرات أنه كان مبدؤه وافتتاحه بأمره بالقراءة، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
ثم قال: [وأرسل بالمدثر] أي: السورة التي نزلت، وسميت بهذا الاسم لأن الله ﷿ ناداه بهذا الوصف، وذلك أنه ﷺ لما رأى جبريل بين السماء والأرض على الهيئة التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح عظم الأمر عليه، وذهب ترجف بوادره ﷺ إلى أهله، فقال لهم: دثروني دثروني.
من شدة ما وجد من الفزع، فأتاه الخطاب في هذه السورة، وفيها قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر:١]، وفيها بعثته وأمره ﷺ بالرسالة، أما (اقرأ) فلم يأمره الله فيها بالتبليغ ولا أرسله، إنما أمره بالقراءة لنفسه.
قال: (وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ) أي: بالإنذار عن الشرك الأكبر والأصغر، الدقيق والجليل، الظاهر والخفي؛ فإن النبي ﷺ حذر من الشرك كله، بل حذر منه ومن أسبابه المفضية والموصلة إليه، ولذلك تميزت هذه الشريعة بأنها سدت كل الطرق الموصلة إلى الشرك.
قال: (ويدعو إلى التوحيد) أي: يدعو الناس إلى عبادة الله وحده.
فهذه الشريعة وهذه الرسالة الخاتمة هي أكمل الرسالات وأتمها في تحقيق التوحيد لله ﷿، حتى إنه ما كان من الأمور التي تجوز في الأمم السابقة كالسجود تحيةً وإكرامًا مُنع في هذه الشريعة، فخلّصت كل ما يفضي إلى الشرك في الأقوال والأعمال والعقائد.
قال ﵀: (والدليل -أي: على إرساله ونذارته عن الشرك وأمره بالتوحيد- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧]، ومن بديع هذه الآيات أن الله ﷾ افتتح الأوامر فيها بالنذارة، فأول آية أمر النبي ﷺ فيها بالإنذار، وحصلت له بها الرسالة، واختتمت بالأمر بالصبر، وهذا فيه إشعار له ﷺ أنه لن يتحقق له القيام بالنذارة والرسالة إلاّ بتحقيق الصبر، ولذلك اختتم الأوامر بقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، وهذا حال كل من دعا إلى الله ﷿، وكل من علَّم الناس فإنه يحتاج إلى صبر، ولذلك تكرر أمر لله جل وعلا لرسوله بالصبر في آياتٍ كثيرة، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨]، وما إلى ذلك من الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالصبر.
بين الشيخ ﵀ هذه الآيات فقال: [وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ): يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد] .
واعلم أن كل ما نهى عنه النبي ﷺ فإنه إما أن يكون شركًا، وإما أن يكون سببًا موصلًا إلى الشرك، وإما أن يكون نقصًا في التوحيد، فالمعاصي التي نهى الله ﷾ عنها مثل الغيبة ليست شركًا، لكن هل هي من أسباب الشرك؟ الجواب: ليست من أسباب الشرك، ولكنها من نواقص التوحيد، وكل ذنبٍ ومعصيةٍ فإنه من نواقص التوحيد، ولذلك لما ذكر الله جل وعلا صرف السوء والفحشاء عن يوسف ﵇ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، وفي قراءة: (الْمُخْلِصِينَ)، فالإخلاص وكمال التوحيد من أعظم أسباب انصراف الإنسان عن المعاصي الدقيق منها والجليل.
وقوله: [يدعو إلى التوحيد] يعني: ببيانه وما يجب لله ﷿ منه، وأسباب تحقيقه، ويدعو إليه أيضًا ببيان عاقبة الموحدين.
فدعوة النبي ﷺ دائرة على النهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، مع أن الشريعة جاءت بأوامر كثيرة، لكن كل هذه الأوامر تدور في فلك تحقيق التوحيد، ولذلك قال ابن القيم ﵀: القرآن كله أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك.
ويبين ذلك أن القرآن جاء بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، وبيان عاقبة المشركين، وبيان عاقبة الموحدين، وبيان ما يتم ويكمل به التوحيد، ولذلك كان التوحيد هو المحور الذي يدور عليه كتاب الله ﷿.
ثم قال ﵀: [﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه بالتوحيد] .
ولا شك أن أعظم ما يعظم به الرب ﷾ هو التوحيد؛ لأن التوحيد فرع عن تعظيم الله، وغايته محبة الله ﷿، فالتوحيد يقوم على هذين الأمرين: التعظيم، وهو الذل لله جل وعلا، والمحبة.
وبهما يحصل تمام التعظيم والتكبير لله جل وعلا، وبقدر ما يحصل من النقص في هذين الركنين العظيمين للتوحيد يحصل ما يقابله من نقص التوحيد والخلل فيه.
قال: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك) فجعل الثياب بمعنى الأعمال، وأصل الأعمال أعمال القلوب، فيجب تطهير أعمال القلب من كل شرك وكفر، وكذلك أعمال الجوارح، ولذلك قال ابن القيم ﵀: جمهور المفسرين من السلف على أن معنى قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: وقلبك فطهر، ويكون ذلك بإصلاح العمل والخلق، وكلا المعنيين صحيح وظاهر.
قال: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز: الأصنام) والأصل في الرجز أنه يطلق على النجاسات والمستقذرات، ولاشك أن الأصنام من النجاسات المعنوية، كما قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، فهي من النجاسات المعنوية التي يجب على المؤمن أن يتخلى عنها، وأن ينأى بنفسه عنها.
قال: (وهجرها -أي: هجر الأصنام- تركها وأهلها، والبراءة منها وأهلها) .
وذلك لأن الهجر أصله الترك والمفارقة، فأمر الله ﷿ بالترك والمفارقة للأصنام، وذلك بتركها وترك من يعظمها، وبالبراءة منها والبراءة من أهلها.
ثم توقف المؤلف ﵀ عن بيان بقية الآيات؛ لأن المقصود فيما يستدل له قد حصل بالآيات الأربع السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٢-٥] .
أما قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فمعناه: لا تعطِ عطاءً ترجو أن يُهدى إليك، أو تُعطى أكثر منه.
وقيل في معنى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تر ما تعمله أو ما تلقاه بسبب دعوتك الناس إلى التوحيد شيئًا كبيرًا، فيحملك ذلك على الاستكثار من العمل يعني أنك تتعاظم هذا العمل فتقصر عن الزيادة وعن مزيد العمل، هكذا قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، وكلاهما يصح تفسير الآية به.
وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] أمر الله ﷿ نبيه بالصبر له، وذلك بأن يخلص صبره لله ﷿؛ لأن من الناس من يصبر، لكن لا يستحضر أن صبره لله ﷿، والمأمور به من الصبر هو الصبر لله ﷾ احتسابًا، فقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اصبر احتسابًا له ورغبةً فيما عنده، ورجاءً لثوابه وإعانته ﷾.
ثم قال ﵀: (وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) أي: استمر على الدعوة إلى التوحيد عشر سنين يدعو إليه.
قال: (وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس) وهذا فيه أنه لم يسبق هذا أمر بالصلاة، وقد اختلف في وقت العروج هل كان قبل ثلاث سنوات أو قبل سنتين أو أكثر أو أقل، والمهم أنه كان في آخر مدة إقامته في مكة ﷺ، ولا يفهم من قوله ﵀ أنه اقتصر في الدعوة إلى التوحيد على العشر السنوات الأولى ثم انقطعت الدعوة، هذا ليس مرادًا ولم يقصده المؤلف ﵀، وإنما أراد بيان أن صلب ما كان يدعو إليه ويكرره على الناس طيلة العشر السنوات من الدعوة هو التوحيد فقط، ومع ذلك كان يدعو ﷺ إلى صلة الأرحام وغيرها من أنواع الخير التي هي من مكملات التوحيد ومن فضائل الأخلاق، لكن صلب الدعوة وأصلها وأساسها ومحور الخلاف مع المشركين هو دعوته ﷺ إلى عبادة الله وحده، ولذلك لم ينكر أهل مكة عليه غير هذه الدعوة، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فإنما استغربوا وتعجبوا من هذه الدعوة لا من غ
[ ٧ / ٥ ]