الإيمان هو الأصل الثاني من أصول الدين، والإيمان قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب والجوارح، وعلى هذا تواطأت تعريفات السلف له بالرغم من اختلاف ألفاظهم وتعبيراتهم.
[ ٥ / ١ ]
تابع أركان الإسلام والدليل عليها
بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [وَمَعْنَى شَهَادَة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ): طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ.
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]] .
[ ٥ / ٢ ]
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله وواجب العبد نحوها
قوله ﵀: [وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بما شرع] هذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، فكل من لهج بهذه الشهادة فإنه يجب عليه أن يستحضر هذه المعاني؛ فإن ما جاء به النبي ﷺ لا يخلو من أمرين: إما خبر فالواجب فيه التصديق؛ فالأخبار تقابل بالتصديق.
وإما أمر فالواجب فيه الانقياد والتسليم.
واعلم أنه تجب طاعة النبي ﷺ فيما أمر به سواءٌ علمنا حكمة هذا الأمر أو جهلنا الحكمة، وسواء أدركته عقولنا أو لم تدركه، وهذا فيما يتعلق بالأوامر، فمن علّق العمل بالأوامر على معرفة الحكمة فإنه لم ينقد للنبي ﷺ، ولم يحقق هذه الشهادة، وحقيقة من هذه حاله إنما هو عابد لهواه؛ لأنه لا يقبل من الأوامر ولا ينتهي عن شيءٍ إلاّ ما وافق عقله ورأيه، وهذا لا يكون قد حقق العبودية لله ﷿؛ لأن العبودية التامة أن ينقاد لأمر الله ﷿، ولأمر رسوله ﷺ، أدرك عقله الحكمة أو لا، فهذا فيما يتعلق بالأحكام.
أما ما يتعلق بالأخبار فالواجب على المؤمن إذا بلغه خبر الله أو خبر رسوله ﷺ أن يؤمن بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله ﷺ، علم معناه أو لم يعلم، فهذا هو الواجب؛ فإن الإنسان مهما بلغ علمه فإنه قد يخفى عليه بعض ما أمر الله به ورسوله، فلا يدرك معنى ما أمر الله به ورسوله على وجه الكمال، وعلى هذا فإن الواجب على مثل هذا أن يسلِّم بما جاء عن الله وبما جاء عن رسوله ﷺ، ويقول: آمنتُ بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ على مراد الله ورسوله ﷺ، وهذا الإيمان المجمل يكفيه، وتبرأ ذمته به، ولا يلزمه معرفة التفاصيل إذا كان لا يستطيع معرفة التفصيل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذا ما عمله سلف الأمة في معرفة كيفيات ما أخبر الله ﷾ به عن نفسه، وأخبر به عما يكون في اليوم الآخر، فإنهم آمنوا بذلك على ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ دون الدخول في تعيين الكيفيات أو تصويرها.
فمعنى شَهَادَة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) طَاعَتُهُ فِيمَا أمر، وتصديقه فيما أخبر، فشمل الواجب في الأمر، والواجب في الخبر.
ثم قال: [واجتناب ما نهى عنه وزجر]، هذا تابع للأمر، وهو التفصيل.
وقوله: [وألا يعبد الله إلاّ بما شرع] هذا فيه بيان وجوب لزوم طريقة النبي ﷺ على وجه الإجمال.
فالواجب أن يسلِّم العبد قياده للنبي ﷺ، وليعلم أن من رغب في الفوز والنجاة يوم القيامة أنه لا يمكن أن يحصل له مقصوده، ولا أن يفلح بمطلوبه، ولا أن يأمن مما يرهب إلاّ بسلوك طريق النبي ﷺ، فإن الله ﷾ قد سد الطرق الموصلة إليه جميعها إلاّ طريقه ﷺ، فمن رام الوصول إلى رضوان الله وجنته من غير طريق النبي ﷺ فإنما يطلب ضائعًا لا يمكن تحصيله، فهو لا يجني من سعيه خيرًا، ولا يحصل مطلوبًا، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر فيما أخبر مما يكون في يوم القيامة أن الذين يعبرون الصراط إذا منّ الله عليهم بمجاوزته وأردوا دخول الجنة فإنهم لا يتمكنون من الدخول حتى يستفتح لهم النبي ﷺ، كما ورد في الحديث عَنْ أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ.
فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)، وهذا يدل على أنه لا سبيل لدخول الجنة بعد بعثة النبي ﷺ إلاّ من طريقه، فإذا كانت الجنة لا يفتح بابها إلاّ باسمه فإن دخولها لا يتحقق إلاّ لمن تبعه واقتفى منهجه وسار على هديه، وهذا دليل هذه القاعدة أننا لا نعبد الله إلاّ بما شرع، وليعلم أن كل من عبد الله بغير ما شرعه الله ﷾ أو بغير ما جاء به النبي ﷺ فقد افترى على الله، وما افتراه واخترعه لا يزيده من الله جل وعلا إلاّ بعدًا، فهذه قاعدة مطردة في كل بدعة وفي كل محدثة؛ فإن الله ﷾ قد شرع من الدين أكمله، وأتم علينا النعمة، وأسبغ علينا الفضل بكمال هذه الشريعة، فلا مجال للزيادة، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فأكمله جل وعلا في القول، وأكمله في عمل الجوارح، وأكمله في عمل القلوب، ثم إنه أكمله على وجه رضيه ﷾، فمن زاد فقد سخط ما رضيه الله جل وعلا، ولم يكتفِ بما رضيه الله ﷾ لهذه الأمة، ودلائل هذه القاعدة أكمل وأكثر من أن تحصر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، ومن السنة قوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فاستمسك بهذا الصراط المبين والطريق القويم، واعلم المآل إلى جنة عرضها السموات والأرض، نسأل الله ﷿ أن يثبتنا عليه، وأن يزيدنا هدىً وتقىً فيه.
[ ٥ / ٣ ]
دليل الصلاة والزكاة
قال ﵀: [وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]] .
فهذه الآية تضمنت ثلاثة أمور: تضمنت بيان معنى التوحيد، وتفسيره، وتضمنت الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفيها أن هذا الدين عقيدةً وعملًا هو أقوم الأديان، وأن كل من رام استقامةً في غيره فإنه لا يحصل له ذلك؛ لقوله تعالى: (وَذَلِكَ) أي: المتقدم مما أمر به من التوحيد، ومن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، (دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: الدين القويم والصراط المستقيم.
[ ٥ / ٤ ]
دليل فرضية الصوم
قال ﵀: [َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]] .
وجه الدلالة قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
قال ﵀: [َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]] .
وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج.
وهذه هي أركان الإسلام وشرائعه التي لا يستقيم إسلام المرء إلاّ بها.
[ ٥ / ٥ ]
الإيمان وأركانه
قال رحمه الله تعالى: [الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ.
وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: (لا اله إِلا اللهُ)، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان.
وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] .
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .
[ ٥ / ٦ ]
العموم والخصوص بين الإسلام والإيمان
هذه المرتبة هي المرتبة الثانية، وقد فرغ الشيخ ﵀ من المرتبة الأولى وهي مرتبة الإسلام، وتلخص لنا أن الإسلام هو الطاعات الظاهرة، وهذا باعتبار ذكر الإسلام مع الإيمان والإحسان؛ لأن تعريف الإيمان والإسلام والإحسان يختلف فيما إذا اقترن شيء منها بالآخر، وفيما إذا جاء كلٌ منها على انفراد، ففي حال الانفراد يكون معنى الإسلام شاملًا كلًا من الإيمان والإحسان، وإذا جاء الإيمان منفردًا كان الإيمان شاملًا للإحسان والإسلام، وكذلك الإحسان إذا جاء منفردًا شمل الإسلام والإيمان، وانتبه لهذا التفريق.
أما إذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل فإن الإسلام يختص بالأعمال الظاهرة قوليةً أو فعليةً، والإيمان يختص بالأعمال الباطنة، والإحسان هو الكمال والغاية في هذين الأمرين أعمال الظاهر، وأعمال الباطن.
فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: [المرتبة الثانية الإيمان]، ثم بين الإيمان وعرّفه بقوله: [وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْلُ (لا اله إِلا اللهُ)، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ]، وهذا تعريف للإيمان بنص نبوي، وفي هذا فائدة ولفتة مهمة لطالب العلم، وهي أن الاصطلاحات الشرعية كالإسلام والإيمان والإحسان والبر والتقوى والصلاة والزكاة وغير ذلك من ألفاظ الشريعة إنما يستقى معناها ويستفاد مفهومها من الشريعة لا من لسان العرب، وهذه فائدة تهمك وتفيدك في تعريف الإيمان، فإن أقوامًا عرّفوا الإيمان بأنه مجرد التصديق، وقيل لهم: من أين لكم هذا؟ قالوا: أفادتنا اللغة بهذا.
قلنا لهم: إن الإيمان أمره كبير، وشأنه خطير، به تحصل النجاة من النار والفوز بالجنة، وهل يعقل أن مثل هذا يتركه الله ﷾، ويتركه رسوله ﷺ دون بيان أو توضيح؟ الجواب: لا يمكن تركه بدون بيان وإيضاح، ولذلك وجب الرجوع في تعريف الإيمان والإسلام والإحسان وفي غيرها من الاصطلاحات الشرعية إلى بيان الشارع، وإلى ألفاظه وبيانه وتوضيحه، فإنه الغاية والمنتهى في بيان حقائق هذه الأمور، فالشيخ ﵀ سلك هذا المنهج، فبين الإيمان بقول النبي ﷺ، ولا أظن أحدًا يقرأ هذا الحديث إلاّ ويتضح له الإيمان غاية الوضوح؛ فإن النبي ﷺ أخبر بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، ثم ضرب مثلًا لكل شعبةٍ من شعبه، فهذه المذكورات في هذا الحديث وهي ثلاثة أمور ترجع إليها بقية الشعب، فأعلاها قول: (لا إله إلاّ الله) هذا أعلى شعب الإيمان، وهذا يفيد أن الأقوال تدخل في مسمى الإيمان، فالقول من الإيمان، ولذلك جعل أعلى مراتب الإيمان قولًا، وهو قول: (لا إله إلاّ الله)، ثم قال: [والحياء شعبة من الإيمان]، والحياء عمل قلبي أصله في القلب، وقد تظهر ثماره في الجوارح والسلوك، لكن أصله في قلب الإنسان، وبهذا نعرف أن جميع الأعمال القلبية تدخل في مسمى الإيمان.
وثالث ما ذكره النبي ﷺ من شعب الإيمان في هذا الحديث (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وإماطته: إزالته عن الطريق المسلوك.
سواءٌ أكان طريق مشاةٍ، أم طريق سياراتٍ، أم طريق دواب، فكل ما استطرقه الناس ومشوا فيه بأرجلهم أو بدوابهم فإنه يدخل في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وإماطة الأذى من عمل الجوارح، وبه نعرف أن من مسمى الإيمان عمل الجوارح، وأن من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان فقد خالف ما أجمع عليه السلف، وما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.
فهمنا من هذا الحديث أن الإيمان يكون في القلب، ويكون في اللّسان، ويكون في الجوارح، واعلم أن قول النبي ﷺ: (فأعلاها قول لا إله إلاّ الله) ليس المراد مجرد القول الخالي عن تدبر ما تضمنته هذه الكلمة من العمل، فالحقيقة أن قوله: (فأعلاها قول لا إله إلاّ الله) يشمل القول وعمل القلب؛ لأن القول هو قول القلب واللسان، وقول القلب يكون بتصديقه وإخلاصه، وقول اللسان يكون بنطقه وتلفّظه.
إذًا فهمنا الآن ما هو الإيمان، وأنه قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وعلى هذا تواطأت كلمات السلف، فمهما اختلف لفظها وتنوع تعبيرها فإنها ترجع إلى أن الإيمان قول وعمل.
قوله: [والإيمان بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والحياء شعبة من الإيمان] هل هذا تعريف الإيمان إذا قرن به الإسلام؟ الجواب: لا؛ لأننا ذكرنا أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة إذا اقترن بالإيمان، وأن الإيمان يكون عمل القلب، والحديث تضمن قول اللسان وعمل الجوارح والقلب.
ففهمنا من هذا أن المؤلف ﵀ بدأ بيان هذه المرتبة بالبيان العام الذي لا يكون مع الإسلام والإحسان.
أما الإيمان الذي يقصد ويراد عند ذكر الإسلام -أي: عند اقترانه بذكر الإسلام- فهو ما قاله ﵀ في قوله: [وأركانه ستة، وهي أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وبالقدر خيره وشره]، فهذه كلها أعمال قلبية.
ولذلك سماها شيخ الإسلام ﵀: (عقود القلب)، وسماها (حقائق الإيمان)، فعقود القلب وحقائق الإيمان كلها من الأعمال القلبية، فإذا قيل لك: ما الإيمان؟ فإن أردتَ أن تعرِّفه تعريفًا عامًا دون اقترانٍ بذكر الإسلام فقل: ما ذكره المؤلف ﵀ أولًا: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْلُ: (لا اله إِلا اللهُ)، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ.
وإذا جاء ذكر الإيمان والإسلام في سياقٍ واحدٍ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] حيث ذكر الأمرين: الإسلام والإيمان فالمسلمون في قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) هم الذين أتوا بالأعمال الظاهرة، والمؤمنون في قوله: (وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) هم الذين أتوا بالأعمال الباطنة، وتنبه إلى هذا الفرق.
فقول المؤلف ﵀: [وأركانه ستة] هذا باعتباره مع الإسلام، فلو أن شخصًا أتاك وقال لك: عرِّف الإيمان فقلت: الإيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وبالقدر خيره وشره إذا لم يسبق سؤال عن الإسلام فإنك لا تكون قد أوفيت الإيمان ببيان كافٍ؛ لأنه بقيت الصلاة، والصيام، والحج لم يأتِ ذكر لواحدٍ منها، فتنبه لهذا، ولذلك لما قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟)، فسره بقوله: (أن تشهدوا ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم)، فعرَّف الإيمان بالإسلام؛ لأنه لم يأتِ سؤال عن الإسلام هنا، فكان الإسلام هو الإيمان، وهكذا حيث ذكر الإيمان أو الإسلام مستقلًا؛ فإنه لابد في البيان أن تبينه كما بينه النبي ﷺ بيانًا عامًا يشمل القول والعمل والاعتقاد، أما إذا سئلت عن الإسلام كما هو الحال في حديث جبريل، ثم جاءك السؤال عن الإيمان ففي هذه الحال يكون الإسلام متعلقًا بالأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان متعلقًا بالأعمال الباطنة.
[ ٥ / ٧ ]
شرح أركان الإيمان
[ ٥ / ٨ ]
الإيمان بالله
قال المؤلف ﵀: [وأركانه ستة] .
أركان: جمع ركن.
والركن: هو الذي لا يقوم الشيء إلاّ به.
ففهمنا من هذا أن اختلال وصفٍ من هذه الأوصاف المذكورة ثلمةٌ في الإيمان تؤدي وتفضي بصاحبها إلى ارتفاع وصف الإيمان عنه، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر فإنه لا يكون مؤمنًا، ولا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه فقد ركنًا من أركان الإيمان الذي لا يثبت ولا يقر إلاّ به.
يقول ﵀: [أن تؤمن بالله] الإيمان بالله يتضمن أمورًا، هي الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبإلهيته، وبأسمائه وصفاته، ولو أننا لم نذكر الوجود لما ضر؛ لأنك إذا أقررت بالثلاثة الأمور لزم منها أن يكون موجودًا من تثبت له الإلهية، والربوبية والأسماء والصفات؛ لأنها أوصاف، والأوصاف لا تثبت إلاّ لموجود، ولا تثبت لمعدوم، وإنما نص على الوجود لمقابلة شبهة الملحدين أهل التعطيل الذين يقولون: لا وجود للإله.
أو: لا إله والكون مادة.
فهؤلاء الجواب على شبهاتهم بأنه لا يحصل الإيمان إلاّ بهذه الأمور الأربعة.
[ ٥ / ٩ ]
الإيمان بالملائكة والكتب
ثم قال ﵀: [وملائكته] .
الإيمان بالملائكة بأنهم عالم غيبي نوراني أحياء ناطقون خلقهم الله ﷾ من نور، ولهم شأن عظيم مفصل في الكتاب والسنة، فالإيمان بهم أن تؤمن بوجودهم على وجه الإجمال، وأن تؤمن بما ذكره الله عنهم في كتابه، وما ذكره رسول الله ﷺ فيما صح من سنته، وأن تؤمن بمن سمي منهم، وأن تؤمن بأنهم خلق عظيم لهم أحوال وقدرات مكنهم الله منها، وأنهم مذللون لرب العالمين لا يخرجون عن أمره، فهذا مما يتضمنه الإيمان بالملائكة.
ثم قال ﵀: [وكتبه] .
أما الإيمان بالكتب فإنه الإيمان بأن الله ﷾ أنزل إلى رسله كتبًا، والله أعلم بها، وتؤمن بما سماه الله منها كالزبور، والإنجيل، والتوراة، والقرآن، وهو أعظمها، ويزيد القرآن خاصيةً وميزةً في الإيمان أن تؤمن بأن أخباره يجب تصديقها، وأن أحكامه يجب الانقياد لها، فهذا ما اختص به القرآن دون غيره من الكتب، وأيضًا أن تؤمن بأن الجميع كلام الله، حتى التوراة هي من كلامه ﷾، مع أنه كتبها لكنه كتبها وتكلم بها.
[ ٥ / ١٠ ]
الإيمان بالرسل
ثم قال ﵀: [ورسله] .
الإيمان بالرسل يحصل بأن الله ﷾ بعث رسلًا لا يحصيهم إلاّ هو، وأن تؤمن بمن سماه الله منهم، وأن تؤمن بأنهم بلّغوا البلاغ المبين، ونصحوا أممهم، وقاموا بما أمرهم الله به، ويختص محمد ﷺ بأن تؤمن أنه خاتم الرسل، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وأن من أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وأنه لا ينتظر نبي بعده، ولا يرتقب كتاب غير كتابه، فلا كتاب بعد كتابه، ولا نبي بعده ﷺ، ويضاف إلى هذا وجوب الطاعة والانقياد، وذلك بتصديق أخباره، وقبول ما جاء به من الأحكام.
[ ٥ / ١١ ]
الإيمان باليوم الآخر
ثم قال ﵀: [واليوم الآخر] .
والإيمان باليوم الآخر ملخصه أن تؤمن بكل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت، فهذا ملخص الإيمان باليوم الآخر، فاليوم الآخر يبتدئ بالموت، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] (بالحق) أي: بما أخبرت به الرسل مما يكون بعد الموت من الثواب والعقاب، كما في التفسير.
[ ٥ / ١٢ ]
الإيمان بالقدر خيره وشره
قوله: [وبالقدر خيره وشره] هذا فيه إثبات القدر، والقدر: هو حكم الله الكوني.
هذا تعريف القدر وأحسن ما قيل في تعريفه، فتؤمن بأن الله ﷾ علم بالأشياء قبل وقوعها، وأنه كتبها ﷾ في اللوح المحفوظ، وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه، وبهذا تعلم أن القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وقوله ﵀: [بالقدر خيره وشره] المقصود بالقدر هنا المقدور، أي: بما قدره الله من الخير والشر واعلم أن الله ﷾ ليس في فعله شر، كما قال النبي ﷺ في ثنائه على ربه (﴿والشر ليس إليك)، فالشر لا يضاف إلى الله ﷿، ولا ينسب إليه، إنما الشر في المفعولات والمقدورات والمخلوقات، أما تقديره وفعله وخلقه فلا شر فيه ﷾، بل الخير كله في يديه.
[ ٥ / ١٣ ]
الدليل على أركان الإيمان
قال ﵀: [وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]] .
هذه خمسة أركان.
ثم قال ﵀: [ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .
وقد جمعت في حديث جبريل الذي سيأتي الحديث عنه قريبًا، واعلم أن الأدلة على هذه الأصول كثيرة، وإنما يذكر أهل العلم هذين الدليلين؛ لأن الدليل الأول جمع خمسة أركان من أركان الإيمان، والثاني نص على الركن السادس، وإلاّ فإنه لا ينحصر الاستدلال على هذه الأركان بهذا الدليل، وإنما نبهنا على هذا حتى لا يتوهم متوهم أن العلماء إذا ذكروا هذا الدليل فلا دليل غيره، بل الأدلة كثيرة، وإنما هذا الدليل يذكر ويكرر لكونه جمع أكثر أركان الإيمان.
[ ٥ / ١٤ ]