الأول الإيمان بالبعث ودليل ذلك
واليوم الآخر، (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) اليوم الآخر: يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازهم، وأهل النار في منازلهم.
والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غر لا غير مختتنين، قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤] . والبعث: حق ثابت دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآيتين: ١٥-١٦] .
وقال النبي ﷺ: " يحشر الناس يوم القيامة غرلًا " (١) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادًا يجازيهم فيه على ما كلفهم به على ألسنة رسله قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ١١٥] وقال لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٥] .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرفاق، باب: كيف الحشر. ومسلم، كتاب الجنة، باب: الدنيا وبيان المحشر يوم القيامة.
[ ١٠٠ ]
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء ودليل ذلك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء: يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [سورة الغاشية، الآيتين: ٢٥-٢٦] وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٦٠] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٤٧] .
وعن ابن عمر ﵄أن النبي ﷺ –قال: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى أنه قد هلك قال: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين". (١) متفق عليه.
وصح عن النبي ﷺ:"أن من هم بحسنة فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأ، من هم بسيئة ففعلها كتبها الله سيئة واحدة" (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب: قوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . ومسلم كتاب التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقائق، باب: من هم بحسنة أو سيئة، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء بالنبي ﵊ إلى السماوات.
[ ١٠١ ]
وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرياتهم، ونسائهم، وأموالهم. فلو لم يكن حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآيتين: ٦-٧] .
[ ١٠٢ ]
الثالث الإيمان بالجنة والنار
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الثالث: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل الأبدي للخلق، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [سورة البينة، الآيتين: ٧-٨] . وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٧] . وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب والنكال مالا يخطر على
[ ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) البال قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [سورة الأحزاب، الآيات: ٦٤-٦٦] . ويلتحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت مثل: (أ) فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه عن ربه، ودينه، ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ. ويضل الله الظالمين فيقول الكافر هاه، هاه، لا أدري. ويقول المنافق أو المرتاب لا أدري سمعت الناس لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. (ب) عذاب القبر ونعيمه: فيكون العذاب للظالمين من المنافقين والكافرين قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٣] . وقال تعال في آل عمران -: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر، الآية: ٤٤] . وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم
[ ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار. قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: تعوذوا بالله من عذاب القربر. قالوا. قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال (١) .
وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [سورة الواقعة، الآيات: ٨٣-٨٩] .
وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره مد بصره" (٢) رواه أحمد أبو داود في حديث طويل.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٤/٢٨٧، وابو داود، كتاب السنة، باب: المسألة في عذاب القبر، والهيثمي في " مجمع الزوائد ٣/٤٩-٥٠، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/١٠، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/٣٧٤، والآجري في " الشريعة " ص ٣٢٧، وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
[ ١٠٤ ]