مذهب السلف إنما يعلم بالنقل وليس بالفهم، وأخذه عن طريق الفهم قد عمل به بعض أصحاب السنة من المتأخرين.
وأهل السنة والجماعة هم أحق من انتسب إلى مذهب السلف، وذلك أن معتقدهم الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع، فمن فارق واحدًا من هذه الثلاث فقد خرج عن السنة، ومن التزم بها فهو من أهل السنة والجماعة.
[ ٤ / ١ ]
أهل السنة هم القائلون بالكتاب والسنة والإجماع
[فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة].
شعار الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة: الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع، فمن فارق الكتاب والسنة والإجماع فهو خارج عن السنة، ومن التزم هذه الأصول الثلاثة فهو من أهل السنة والجماعة.
[ ٤ / ٢ ]
حكم زيادة لفظة: (على فهم السلف الصالح)
هنا طريقة يقررها البعض أحيانًا وهي أنه لابد أن يقال: الكتاب والسنة والإجماع على فهم السلف الصالح، فيذكرون هذا القيد وهو: على فهم السلف الصالح.
وهذا القيد هو قيدٌ بياني على الصحيح، وليس قيدًا لازمًا، بمعنى أنه قيد فاضل صحيح إذا اقتضت الحاجة إلى ذكره ذكر، وهو من جنس كلمة سهل بن عبد الله في الإيمان، حيث قال: "الإيمان قولٌ وعملٌ ونية واتباع".
فقوله: "واتباع" أي: للسنة، ليس خطأ، لكنه ليس قيدًا لازمًا؛ لأننا لو قلنا: الإيمان قولٌ وعمل ونية كان كافيًا، ولا يلزم أن نقول: "واتباع"؛ لأننا نقصد بلفظة "قول" القول الشرعي، وبلفظة "وعمل": العمل الشرعي ..
وهكذا، فهذا من القيود البيانية.
لكن هل الأفضل ذكره أو عدم ذكره؟
يقال: هذا بحسب الاقتضاء، فإذا شاع عند كثيرين دعوى الاتباع للكتاب والسنة على خلاف منهج السلف وفهمهم كان استدعاء ذكره استدعاءً مشروعًا ومقصودًا
إلخ.
وهذا هو المقصود، فإنه لا يقصد من هذا أن طالب العلم لابد أن ينفك عن هذا التعبير، حتى من التزم هذا التعبير في كلامه وتقاريره وكتبه ودروسه، فإن التزامه صحيح، وقد كان الشيخ الألباني ﵀ يلتزم هذا التعبير في الغالب -فيما أحسب-، وهو التزام سلفي صحيح.
لكن إذا عبر معبر من علماء السنة والجماعة فقال: ومذهب السلف معتبر بالكتاب والسنة، فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قد أخطأ، أو فاته التقرير لكلمة على فهم السلف الصالح، إلا إذا عُلم أنه كان يقصد عدم الاعتبار لفهم السلف.
وإذا قيل: إن من لم ينطق بكلمة فهم السلف الصالح يُتعقب ويقال: إنه لم يقرر التقرير المناسب، فإنه يلزم من هذا أن يتعقب الجمهور من السلف؛ فإن الناظر في كلام السلف وألفاظ الصحابة والتابعين والأئمة أنهم يذكرون الكتاب والسنة.
إذًا: لماذا لم يذكر أهل الطبقة الثالثة الفهم الذي سبقهم وهو فهم الطبقة الثانية؟ ولماذا لم يذكر التابعون الالتزام بفهم الصحابة؟ لم يذكروه لأنه معلوم علمًا ضروريًا.
أما من يحتج ويقول: إننا إن قلنا الكتاب والسنة لم نميز أهل السنة؛ لأن أهل البدع يقولون: الكتاب والسنة.
نقول: حتى لو قالوا ذلك؛ فإن هذا لا يستدعي هجر هذه الاستعمالات؛ لأنها مستعملة في كلام الله ورسوله قبل أن نقول: إنها مستعملة في كلام أعيان السلف؛ فقد قال ﵊: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) وقال: (فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله) ولم يقل ﷺ في حجة الوداع: وسنتي، إنما قال: (وأنتم تسألون عني) فكان ﵊ تارة يذكر القرآن، وتارة يذكر هديه، وتارة يذكر الكتاب والسنة
إلخ، وكل هذا حق.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣] قال جملة من السلف: حبل الله القرآن، ومنهم من قال: حبل الله الإسلام، ومنهم من قال: حبل الله السنة وهدي محمد، فهل نأتي ونقول: هذا تقصير في التحقيق، كان يجب أن يقولوا: حبل الله القرآن والسنة وفهم السلف؟ لا؛ فإن كل هذه المعاني صحيحة.
وكمثال على هذا: قال الإمام أحمد: "نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث".
فهل يحق لأحد أن يأتي ويقول: فات الإمام ذكر الإجماع؟ الجواب: لا.
إذًا: هذه التعابير هي قيود بيانية إذا استدعت المصلحة إلى ذكرها ذكرت، وإذا لم تستدع المصلحة لا نقول: إنها لا تذكر، وإنما نقول: إن ذكرها أو عدم ذكرها أمر فيه سعة.
ونقول لمن يخطئ من لم يذكرها: دعك من فرضيات قد لا يكون لها وجود في الخارج، فإن من يلتزم ألا يذكر الإجماع ولا يذكر السلف ولا فهم السلف في كلامه لابد أن التفاته عن هذا الذكر في جميع كلامه يكون عن ابتداع وقصد للمخالفة.
إذًا هذه مسائل ينبغي أن تأخذ على هذا التحقيق.
[ ٤ / ٣ ]
الأسماء الشرعية لأهل السنة والجماعة
مما ينبه إليه هنا: هو أن الأسماء المضافة لهذه الطائفة كلها شرعية، فإذا قيل: السلفيون، أو قيل: أهل السنة والجماعة، أو قيل: المسلمون، أو قيل: المحققون، أو قيل: المؤمنون، أو قيل: الصالحون، فكلها أسماء شرعية، ولهذا ينبغي ألا يختص اسم واحد من هذه الأسماء بالالتزام، ويكون الذكر لغيره ليس تحقيقًا، فلا شك أن اسم المؤمنين والصالحين والصديقين والشهداء إلى غير ذلك أشرف وأعظم من اسم السلفية، فإن هذه أسماء عظمها الله ﷾ في كتابه.
وهذا لا يعني المنع من استعمال هذا الاسم -السلفية أو السلفيون- فإنه اسم شرعي، وهو يدل على الاتباع للسلف الذين هم القرون الثلاثة الفاضلة، لكن القصد: أنه ليس وحده المستعمل، بل يستعمل هو ويستعمل غيره.
[ ٤ / ٤ ]
دعوى بعض أهل البدع أنهم يلتزمون بفهم السلف الصالح
هناك أيضًا مسألة: من يقول إن أهل البدع يقولون: الكتاب والسنة ويخطئون في فهمهم.
يقال: حتى مسألة فهم السلف الصالح كثير من أهل البدع يقولون فهم السلف الصالح ويخطئون في فهمهم، كما أنهم غلطوا في فهمهم لكلام الله والمراد من كلامه ومراد الرسول، فإنهم يغلطون في فهمهم لكلام السلف.
مثلًا: الإمام أبو الحسن الأشعري أول ما ترك الاعتزال بعد ما أمضى فيه ما يقارب الأربعين سنة -كان فيها تلميذًا لشيخه وزوج أمه أبي علي الجبائي، الذي كان من كبار شيوخ المعتزلة- انتسب إلى مذهب الإمام أحمد مباشرة، أما ما يقرره بعض الباحثين من أنه رجع إلى طريقة ابن كلاب أولًا فهذا خطأ، فإنه لا توجد مسألة كلابية في الانتساب الأشعري أساسًا، وهذا الخطأ دخل على بعض الباحثين من كلام الإمام ابن كثير ﵀، فالصحيح هو الذي يقرره ابن تيمية، وهو المعروف في طريقة الأشعري ﵀: أن الأشعري أول ما ترك الاعتزال صرح أنه على مذهب الصحابة والتابعين والأئمة، وأنه على مذهب الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد وقتها كان هو المعروف بإمامة السنة أكثر من غيره.
لكن بقي سؤال، وهو: هل حقق الأشعري مذهب أهل السنة؟
الجواب: إن الإمام الأشعري كان عارفًا بعلم الكلام وطرق المعتزلة والجدل علمًا مفصلًا، وعارفًا بكلام السلف علمًا مجملًا، ولذلك إذا تكلم في المجملات ففي الغالب أنه يحسن، وإذا تكلم في المفصلات ففي الغالب أنه يخطئ، وذلك لأن علمه بكلام أهل السنة علم قليل، والدليل على هذا: إنك إذا قرأت في كتابه مقالات الإسلاميين -والذي يعد من آخر كتبه- تجد أنه تكلم عن المعتزلة بكلام تفصيلي، وفند آراءهم وذكر الفروقات الدقيقة بين أعيان المعتزلة، وشرح مذهب المعتزلة ومقالات المعتزلة في جوهر الكلام شرحًا دقيقًا؛ لكن لما جاء إلى مذهب أهل السنة ما استوعب عنده حتى ثلاث صفحات، فتراه جاء بجمل عامة، فقال: "جملة مقالة أهل السنة والحديث: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ..
يدينون بدين الإسلام ..
يؤمنون بالصلاة والزكاة ..
يؤمنون بصفات الله ..
يؤمنون بكمال الله، يؤمنون بالقدر خيره وشره " جمل عامة، ثم قال في الأخير: "وبكل ما قال أهل السنة نقول".
فهو في كتبه الكلامية المفصلة بعد الاعتزال ما استطاع أن يفصل تفصيلًا سلفيًا؛ لأن من يعرف الشيء مجملًا لا يعني أنه يعرفه على التفصيل.
والمقصود من هذا: أن الأشعري وجملة أصحابه -ولا سيما المتقدمون من الأشاعرة- جميعهم ينتسبون إلى الكتاب والسنة وإلى فهم السلف؛ فـ الأشعري في مقدمة الإبانة لما زجر أقوال أهل البدع قال: "فإن قيل: فما قولكم الذي تقولون به ودينكم الذي تدينون الله به؟ قال: هو ما كان عليه أصحاب محمد
إلخ"، ثم قال: "ونحن بكل ما قال به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولما يعتقده المعتقدون، فإنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل
إلخ".
فكان يتوهم أن فهمه فهمٌ مناسب لفهم السلف.
إذًا مسألة أن الناس قد يدّعون هذا فلابد أن نزيد التمييزات، يقال: هذه زيادات مناسبة إذا استدعت الحاجة ذكرها، وأما أنها لازمة فلا؛ فإن الرسول ﵊ لما ظهر النفاق في المدينة النبوية لم يقل: سنغير اسم الاسلام أو سنهجر اسم الإسلام إلى اسم لا يدخل فيه المنافق وهو اسم الإيمان -مثلًا-، فإن اسم الإيمان لا يدخل فيه المنافق، ولم يقل ﷺ كذلك للمسلمين من بعده: التزموا اسم الإيمان ولا تلتزموا اسم الإسلام.
إذًا: هذه مسألة لابد أن تفقه على هذا الوجه.
[ ٤ / ٥ ]
امتناع تعيين الثنتين والسبعين فرقة
[وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات؛ لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفه هي إحدى الثنتين والسبعين لابد له من دليل].
لابد له من دليل، ولا يمكن أن يكون عليه دليل.
إذًا العلم بتعيين أسماء هذه الطوائف على التفصيل والتمام علم ممتنع؛ لأنك إذا اعتبرت الطوائف من جهة أصولها قلّت، وإذا اعتبرتها من جهة مفصلها زادت وكثرت ..
هذه جهة.
الجهة الثانية: لو فرض جدلًا أن ثمة ثنتين وسبعين طائفة، فإن الجزم بأنها هي المقصودة في الحديث فيه أيضًا تأخر من جهة العلم والإمكان؛ لأنه قد يكون مقصودًا في كلامه ﷺ بعض الطوائف التي لم تظهر بعد، والنبي ﷺ ذكر أن كثيرًا من الافتراق سيقع في آخر هذه الأمة، كما أن بعضه أدرك صدر هذه الأمة، وقال في حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم في سياق طويل: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها) فهناك افتراق سيقع في آخر الأمة.
إذًا الجزم متعذر من أوجه متعددة.
[ ٤ / ٦ ]
تحريم القول بلا علم عمومًا وخصوصًا
[فإن الله حرم القول بلا علم عمومًا، وحرم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]].
وهذا أصل في كتاب الله ﷾، وهو التغليظ على من يقول عليه ﷾ بغير علم، ويجب على طلبة العلم -وعلى العامة من المسلمين- أن يربوا العامة والشباب على هذا: وهو التحذير من القول على الله ﷾ بغير علم.
وهذا لا يختص بالقول في صفاته ﷾ وأفعاله، بل يشمل -أيضًا- القول فيما هو من خصائص علمه ﷾، كعلم ما في الصدور؛ فإن العلم بما في صدور المكلفين مما اختص به الله سبحانه تعالى، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لما قام ذو الخويصرة التميمي -في الحديث المتواتر- وقال: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، فقام خالد بن الوليد -أو عمر بن الخطاب كما في رواية في الصحيح- وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه.
قال: لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصلِّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
فقال النبي ﷺ: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس) هذا مع أن هذا الرجل أظهر الشر، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "لو قال هذا القول في عصرنا هذا لوجب قتله بإجماع العلماء؛ لأنه حق بشري، حقٌ للنبي ﷺ والنبي في حياته أسقط حقه، ولكنه بعد وفاته ﷺ لابد من إقامة الحد عليه".
[وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع ..
وهذا ضلال مبين].
وهذا استعمله كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن، وكذلك استخدمه بعض الصوفية، وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة المتعصبين لبعض الطرق الضيقة المنسوبة إلى أهل السنة، أحيانًا يخرجون بعض أصحابهم الفضلاء عن دائرة أهل السنة بمثل ذلك، كما تراه في كلام -مثلًا- أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀، فإنه أخرج بعض شيوخ المذهب وطعن عليهم بما ليس موجبًا للطعن عند التحقيق.
[ ٤ / ٧ ]
أهل السنة لا يتبعون إلا رسول الله ﷺ
[فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة].
وهذه مسألة لابد أن تحقق عند الخاصة والعامة، وهي أنه لا يمكن أن تجتمع الأمة على رجلٍ واحد، مهما بلغ من العلم والإدراك والتقوى، فالأمة لا تصدر عن رجل واحد أبدًا إلا أن يكون محمدًا ﷺ، أما من بعده فلا، حتى الخلفاء، فإن الخلفاء من سنتهم المراجعة، ولهذا لما قدم عمر ﵁ الشام وأخبر أن الطاعون قد وقع فيها -كما في حديث ابن عباس - أمر أن ينادى بالمهاجرين، فاستشارهم فاختلفوا عليه، منهم من يقول: أقدم، ومنهم من يقول: ارجع، ثم استشار الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين، ثم أمر أن ينادى بمشيخة قريش من مهاجرة الفتح فاستشارهم فاتفقوا أن يرجع، فقال عمر: "إني مصبحٌ على ظهرٍ فأصبحوا عليه.
فقال أبو عبيدة -وكان ممن يرى الإقدام-: أفرار من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم.
نفر من قدر الله إلى قدر الله .. ".
الشاهد من ذلك: أن عمر ﵁ كان يسعه الاجتهاد في هذه المسألة، لكنه مع ذلك جمع؛ لأن الأمة في القضايا الكلية لا يجوز أن تصدر عن واحد، نقول: في القضايا الكلية، وهذا أمر يقصِّر فيه لا نقول العامة أو بعض طلبة العلم، بل -مع الأسف- يقصر فيه بعض الشيوخ، وذلك حين يضع له منزلة مطردة، فيستصدر الأمة في أمور كلية عامة.
الأمور الكلية لابد أن تكون مدروسة بين علماء الأمة، وأن تكون معنية بالتقرير والاستدلالات، وأما الصدور عن الواحد صدورًا كليًا في كل شؤون الأمة، في كل مصر من أمصار المسلمين ..
هذا لا يتحصل، وإن ما كان يتحصل فيما سلف من الأزمنة أن بغداد كان لها إمام معروف فيها يعتبر هو إمام بغداد ومفتيها ..
فهذا أمر جرى عليه عمل كثير من المسلمين في دولهم وأمصارهم، هذا -مثلًا- مفتي بلاد مصر، وهذا مفتي الشام، وهذا مفتي الحجاز، وهذا مفتي المملكة، وهذا مفتي كذا، هذه الإفتاءات المختصة في مسائل الفقة مما يسوغي تصدر شخص لها، وقد انتشر هذا منذ زمن بعيد في الأمة.
لكن الأمور الكلية العامة التي تمس جميع الأمة في شرقها وغربها، عربها وعجمها
إلخ هذه الأمور الكلية لا يصدر فيها عن رجل واحد، ولا ينبغي لرجل واحد أن يستصدر وأن يفتات على الأمة في تصرف يختص به، المنزلة الكلية التي تكون للأمة هي منزلة محمد ﷺ، وأما من بعده فلابد أن يراجع غيره من أهل العلم، وأن يكون على قدر من التشاور والمراجعة والبحث
إلى غير ذلك.
وهذه كلمة فاضلة في كلام الشيخ ﵀ لما قال: "وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة".
ولهذا لا ينبغي أن يعظم عالم من العلماء لا معاصر ولا سابق تعظيمًا مطلقًا، ويلتف على جميع أقواله أو جميع ما يقرر، فإن هذا من التكلف، ومما لا يشرع أبدًا، وهو من التقليد المذموم الذي ذمه السلف ﵏.
[ ٤ / ٨ ]
كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﵊
[بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة -كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك- كان من أهل البدع والضلال والتفرق].
وهذا من فقه المصنف ﵀: أنه لا يجوز أن يبتلى المسلمون بالأعيان، حتى لو كان هذا المعين عالمًا من علماء السنة؛ لأن المخاطب لم يكلف شرعًا أن يعرف هذا الرجل بعينه، وإنما كلف شرعًا أن يعرف من الأشخاص محمدًا ﷺ، فإذا ما استجاب لرسول الله وأقر بسنته والتزم هديه، فإنه لا يلزمه أن يعرف فلانًا أو فلانًا من أعيان العلماء، فضلًا عن أن يلتزم الثناء عليه ومدحه والتعظيم له، اللهم إلا إذا ذكر له إمام من أئمة السنة، فطعن عليه، مع أنه يعرف أنه من علماء السنة، فهذا لا يصدر إلا عن صاحب بدعة.
وأما الجهل فالجهل كثير، وقد كان كثير من عامة المغاربة لا يعرفون كثيرًا من أئمة المشارقة، والعكس.
فابتلاء الناس بالأسماء المعينة من أهل العلم هذا ليس ابتلاءً فاضلًا، إنما يبتلى الناس بالحق، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] فمن قال بالحق: الكتاب والسنة والاتباع لهدي النبي ﷺ وهدي صحابته؛ كان من أهل الحق.
وكذلك يكون الابتلاء لمن عُرف وعرَّف الله به في كتابه من أعيان أصحاب نبيه محمد ﷺ؛ لذلك من طعن في الصحابة لابد أن يكون صاحب بدعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] أما أعيان العلماء من بعدهم فلا يلزم المسلمين العلم بهم.
وقد تقدم: أن هذه مسائل صار فيها كثير من الزيادة على المذهب السلفي، وظهر بعض المتعصبين من أتباع الأئمة الأربعة ولا سيما من بعض شيوخ المذهب ﵏أي: من الحنابلة- وإن كان الحنابلة هم أجل الطوائف في السلامة من البدع، وهم أسلم الطوائف من علم الكلام، لكن في بعض شيوخهم قدر من الزيادة، ولهذا وضعوا بعض السؤالات التي يعرف بها السني من البدعي، وزادوا بعض الزيادات التي قد تكون إن صحت مناسبة لزمن ما أو لوقت ما، ولكن الأصول الشرعية هي أصول الإسلام، والإيمان، الذي كان عليه الصحابة في مكة والمدينة النبوية.
[ ٤ / ٩ ]