رسالة العبودية [١]
العبادة مفهومها واسع، فهي تتضمن كل عمل يقوم به العبد سواء بقلبه أو بجوارحه وبالعبودية لله سبحانه يحقق المرء لنفسه سعادة الدارين، وينجو من الاختلاط بمعتقدات المذاهب والفرق الضالة.
[ ١ ]
أهمية العبودية لله ﷾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا كتاب العبودية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وموضوع العبودية موضوع في غاية الأهمية، فالعبودية تعتبر أساس التوحيد.
وتوحيد الله ﷾ مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله ﷾، والأمر الثاني: ربوبية الله ﷾، والأمر الثالث: إثبات أسماء الله ﷾.
وهذه الثلاثة هي حقيقة التوحيد الذي لا يتم إيمان أحد إلا به.
والعبودية هي أساس دعوة الرسل، فإن كل رسول يرسله الله ﷾ إلى قومه يأمرهم بعبادة الله ﷿، وينهاهم عن الشرك، وهي وصية الله ﷾ لأنبيائه، وللأولين والآخرين، يقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ومن يقرأ سورة الأعراف يجد أن كل نبي من الأنبياء يأتي إلى قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ولا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا إذا كان عابدًا لله ﷿، مفردًا له هذه العبودية لا يجعل معه شريكًا من دونه.
والعبودية هي توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين وأصل الدين، ولا يستقيم إيمان أحد إلا به، والعبودية أيضًا هي التي توصل الإنسان إلى كمالات الإيمان، وإلى المقامات العلا عند الله ﷾، والعبودية يصل الإنسان بها -إذا استقام عليها وهذب نفسه على منهاجها- إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن سعادة الدنيا مرتبطة بعبودية الله ﷿، وسعادة الآخرة ودخول الجنة والنجاة من النار مرتبط أيضًا بإفراد الله ﷾ بالعبادة، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وقد أخبر الله ﷾ عن آثار ترك العبودية في الحياة، وأن من أعظمها الشقاء والهم والتعاسة على المستوى الفردي، والهزيمة والضعف والهوان على المستوى الجماعي، فالعبودية حكمة خلق الله ﷿ للإنس والجن، وهي التي من أجلها أنزل الله ﷾ آدم من الجنة، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر العباد بأوامر، ونهاهم عن نواه، ولهذا فالعبودية هي حقيقة الإسلام، وهي من أهم الموضوعات في العقيدة، وإذا استقامت عبودية الإنسان لله ﷿ فإن دينه سيكون مستقيمًا، وإذا انحرف في العبودية فإنه سيكون في غاية الانحراف.
وسوف يتبين لنا من خلال دراسة هذا الكتاب المختصر في باب العبودية الأهمية الكبرى للعبودية سواءً كان على مستوى العلم والفهم، أو على مستوى العمل والتطبيق، فإن حاجة الإنسان النفسية، وحاجته الاجتماعية، وحاجته العلمية للعبودية حاجة ماسة سنتبينها من خلال هذا الكتاب، وسيتضح لنا أهمية هذا الجانب من جوانب العقيدة من خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
والحقيقة أن هذا الكتاب يغطي جانبًا مهمًا من جوانب العبودية، إلا أنه بطبيعة الحال لا يمكن أن يغطي كل جوانب العبودية، فإن كتب أهل العلم في باب العبودية كثيرة، من أبرزها كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فهو كتاب متخصص في العبودية، وكذلك كتاب الأصول الثلاثة، وكشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وللمصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتب متخصصة في موضوع العبودية تطرق إليها من جوانب متعددة، من ذلك: كتاب التوسل والوسيلة له، وأيضًا الاستغاثة والرد على البكري، وأيضًا الرد على الأخنائي.
والبكري والأخنائي هم من دعاة القبورية الذين دعوا إلى عبودية غير الله ﷿؛ فرد عليهم المؤلف ﵀ بهذه الكتب.
ومن الكتب المتعلقة بالعبودية غير هذا الكتاب لـ شيخ الإسلام أيضًا كتاب الواسطة بين الحق والخلق، وله أيضًا كتاب اسمه: الجواب الباهر في حكم زيارة المقابر، وهو من أفضل الكتب فيما يتعلق بموضوع العبودية من هذه الزاوية، وهي زاوية الشرك الذي حصل عند كثير من الناس في موضوع التعبد للقبور ونحوها.
إذًا: موضوع العبودية موضوع شامل وكبير وواسع، وهو نفسه توحيد الألوهية، وله جوانب متعددة، والمذاهب المنحرفة في العبودية مذاهب كثيرة، ولها تأثير كبير في واقع المسلمين اليوم، وسنعرض شيئًا من هذه المذاهب، والمصنف هنا أشار إلى قضايا كثيرة ومتعددة فيما يتعلق في موضوع العبودية، وتحدث عن فرقة من هذه الفرق التي انحرفت في باب العبودية، وهناك فرق أخرى، ومذاهب أخرى انحرفت في موضوع العبودية، لكن المصنف لم يتحدث عنها بشكل مفصل، ولعل السبب هو أن هذا الكتاب هو عبارة عن فتيا ورسالة جاءت كجواب على سؤال، ولهذا سيأتي معنا في البداية أن
[ ٢ ]
المذاهب المنحرفة في موضوع العبودية
[ ٣ ]
مذهب العلمانية
لن نستعجل الحديث فيما يتعلق بحقيقة العبودية وشروطها وأركانها فهذه ستأتي معنا، لكن أحب أن أنبه إلى أن المذاهب المنحرفة في موضوع عبودية الله ﷿ أنواع: النوع الأول: مذهب العلمانية، فإن العلمانية مذهب منحرف في باب العبودية، فإنهم يفهمون العبودية على أنها أمر روحاني يقوم به الشخص في المسجد أو في بيوت العبادة فقط، وأما سائر الحياة فإنه لا صلة للعبودية بها، فالعبودية عند العلمانيين عبودية منحصرة في القضايا الروحانية في الصلة بين العبد وبين ربه، أما السياسة فلا تحكمها العبودية لله، والاقتصاد كذلك، والتربية كذلك، وكل جوانب الحياة الأخرى كذلك، ولهذا يعتبر هذا المذهب مذهبًا مخالفًا لأصل الدين وأساسه، وهو توحيد الله ﷿، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وحكم هذا المذهب هو أنه مذهب كفري يخرج صاحبه من الإسلام، وأن صاحبه لم يفهم حقيقة الإسلام الذي هو الاستسلام التام لله ﷿، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وأن هذا الدين جاء شاملًا لكل جوانب حياة الإنسان، وأنه لا يخلو جزء من حياة الإنسان إلا ولله ﷿ حكم ظاهر وواضح فيه، كما قال الله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وكما قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وكما قال الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
[ ٤ ]
مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة
المذهب الثاني: مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة، وهؤلاء حصروا معنى العبودية في اعتقاد أن الله ﷿ هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا هو توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية والعبودية أوسع من ذلك، فهو يقتضي أن الله ﷿ مألوه ومعبود في أفعال الإنسان، فلا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، وهذا ما سيأتي توضيحه وبيانه، أما اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت فهو جزء من أساس الدين إلا أن هذا غير كاف في الإيمان، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهذه الآية فيها بيان أن من الناس من يكون عنده جزء من الإيمان لكنه جزء ناقص غير كامل، وهو أنه يعرف أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنه لا يتعبد لله ﷿، وهكذا كان حال عامة الكفار من القرشيين وغيرهم، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله ﷿ هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنهم يعبدون مع الله غيره، كما قال الله ﷿: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم يعرفون الله، ولهذا كان المشركون يعظمون البيت في زمن النبي ﷺ ويحجون إليه، ويذهبون إلى منى وعرفات، وإلى مزدلفة، وكان القرشيون بشكل خاص يسمون أنفسهم الحمس، ويقولون: نحن حماة البيت لا نخرج من أرض الحرم، ويقفون عند مزدلفة؛ لأن مزدلفة تعتبر من الحرم، ويذهب عامة العرب إلى عرفات، ثم يعودون من عرفات ويلتقي العرب جميعًا في الحج في مزدلفة، ولهذا سميت جمعًا، يقول النبي ﷺ: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف).
وكان الكفار يعتقدون أن الله ﷿ موجود، وأنه خالق، ورازق، لكن هذا وحده لا يكفي، ولهذا قال قوم هود لهود، كما قال الله ﷿ عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠].
فقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠]، يدل على أنهم يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه أيضًا آلهة أخرى، وهذا يقتضي أنهم كانوا يعرفون الله، ويعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق، وهذا لا يكفي في الإيمان والعبودية، بل لا بد أن ينضاف إليه العمل، وأن يكون عمل الإنسان خالصًا لوجه الله ﷾، أما المعتزلة والأشعرية فإنهم يرون أن حقيقة التوحيد الأساسية هي اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق، وهذا فهم فاسد لمعنى العبودية، ولهذا فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع، فقالوا في شهادة التوحيد لا إلا الله: الإله معناه: القادر على الاختراع والإبداع والخلق، وهذا تفسير في غير موطنه، فإن الإله جاء على وزن فعال بمعنى: مفعول يعني: مألوه، والمقصود: أن الله ﷿ لا مألوه، ولا معبود غيره، ولا محبوب غيره، ولا مخوف غيره، ولا متوكل عليه غيره، وهو الإله وحده دون غيره، وهذا هو المتفق عليه في لغة العرب، فإن أهل العربية متفقون على أن الإله بمعنى: مألوه، يعني: معبود، ولهذا يقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي فجعل التسبيح والترجيع داخلًا في التأله.
وهذا المذهب ترتب عليه انحرافات كبيرة جدًا في حياة الأمة، منها: تسويغ القبورية والدفاع عن عبادة القبور في العالم الإسلامي، ولهذا انتشرت عبادة القبور من دون الله في البلاد الإسلامية انتشارًا كبيرًا، بسبب الانحراف الذي حصل في مفهوم الإله، ومفهوم شهادة أن لا إله إلا الله عند علماء المعتزلة والأشعرية، فسوغوا لبناء المساجد على القبور، وللطواف حول القبور، بل سوغوا للذبح والنذر لها، لكن هذا لا يعني أن كل علماء المعتزلة والأشعرية كانوا كذلك، فإنه يوجد من علماء المعتزلة، ومن علماء الأشعرية من كان ينكر عبادة القبور من دون الله ﷿، وينكر ما يقوم به الجهال عند القبور من التعبد والتذلل لغير الله ﷿، لكن أصل المنهج الأشعري والمعتزلي قائم على تفسير الإله بأنه القادر على الاختراع، فترتب على ذلك بأن حقيقة التوحيد هو توحيد الألوهية، وأن توحيد العبودية هو نفسه توحيد الألوهية، ففسروا الألوهية والعبودية بالربوبية وهذا تفسير فاسد، ودمج في غير محله.
[ ٥ ]
مذهب الصوفية
الطائفة الثالثة المنحرفة في موضوع العبودية: هم الصوفية، وانحراف الصوفية في العبودية جاء متنوعًا، فهم انحرفوا في وسيلة العبودية لله ﷿، حيث جعلوا الخلوة والأوراد البدعية والذكر المبتدع بالاسم المفرد والاسم المضمر -كما سيأتي معنا- هي الطريق الموصلة إلى عبودية الله ﷾، وهذه لا شك أنها بدع، والبدع لا توصل إلى الله ﷿، وإنما تبعد عن الله ﷾.
وأما بالنسبة للغاية فإن الغاية من العبودية عند الصوفية هو الوصول للكشف، والوصول للكشف عندهم يعتبرونه منحةً قد تحصل للإنسان بعد ملازمة الطريق وقد لا تحصل، والكشف هذا هو خيالات، وأمور تحصل في النفس، وإشراقات -كما يسمونها- وتأملات، هذه الاشراقات وهذه التأملات التي تحصل في النفس يعتبرونها يقينية، وأنها مستمدة من العلم الإلهي، وأنه لا شك فيها، بل إن أبا حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين يرى أن الكشف يمكن أن تؤول النصوص القرآنية والنبوية بسببه؛ لأن الكشف عندهم قطعي، بينما النصوص الشرعية مع الأسف عندهم ظنية.
وأيضًا جاء الانحراف في باب العبودية من جهة أخرى عند الصوفية، وهو أنهم بنوا على منهج المعتزلة والأشعرية في التوحيد، وجعلوا حقيقة التوحيد هو توحيد الربوبية الذي فنوا فيه، فاشتغال الصوفية بالتعبد هو في حقيقته اشتغال بتوحيد الربوبية وترك للتأله الذي أمر الله ﷿ به، والذي جاءت النصوص الشرعية بالأمر به، مثل محبة الله ﷿، والتوكل على الله، ومقامات القلوب العظيمة، وجعلوا غاية التعلق هو بمعاني الربوبية كما سنتبين من خلال القراءة في هذا الكتاب.
ومن جهة أخرى لما بنوا على منهج الأشعرية ومنهج المعتزلة في باب التوحيد، ترتب على ذلك عندهم أن كثيرًا منهم صار يمارس الشركيات عند القبور ويستحلها، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في غير هذا الكتاب: أكبر من نشر القبورية في العالم الإسلامي طائفتان: الشيعة قبحهم الله، والصوفية، فإن الشيعة والصوفية هم الذين نشروا عبادة القبور في العالم الإسلامي، فأصبحوا يعظمون القبور التي لأوليائهم ولأئمتهم، ويجعلون لها صناديق متخصصة للنذور، ولها مطاف، وهناك مذبح ومنحر، وهناك سدنة أشبه ما يكون بسدنة المعابد -يعني: المخالفة للشرع- هذه الأعمال سوغت للشرك في حياة المسلمين تسويغًا كبيرًا، والشيعة أكبر خطر من الصوفية في باب العبودية، فإنهم يعبدون أئمتهم من دون الله ﷿، ويرون أن كلام أئمتهم معصوم ككلام الله، وككلام الرسول ﷺ، ويرون أنهم يكملون الدين، ويرون أيضًا أن كلام أئمتهم لا يجوز الاعتراض عليه، وأن من اعترض عليه فهو زنديق كافر، وهذا لا شك أنه خطير على عقيدة الإنسان، هذا فضلًا عن سبهم لأصحاب النبي ﷺ، وثلبهم لأمهات المؤمنين، وقدحهم في سادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
والمصنف في هذا الكتاب لم يتحدث إلا عن طائفة واحدة وهم الصوفية فقط، فالعلمانية لم تكن موجودة في زمانه، وأما المعتزلة والأشعرية فإنه تحدث عنهم في غير هذا الكتاب، والصوفية تحدث عنهم في بعض المواطن، ولهذا يمكن أن نوزع هذا الكتاب إلى مجموعة موضوعات.
[ ٦ ]
موضوعات كتاب العبودية لشيخ الإسلام
هذا الكتاب تقريبًا يدور على ثلاثة موضوعات أساسية لكنها طويلة: الموضوع الأول: حقيقة العبودية الشرعية، تحدث عنها المؤلف في بداية الكتاب في سبع صفحات تقريبًا، وشيخ الإسلام ﵀من سعة علمه- كثيرًا ما يستطرد، يعني: أحيانًا يبدأ في موضوع، ثم يدخل في موضوع آخر، ثم يعود إلى الموضوع الأول الذي بدأ فيه، وهذه الاستطرادات أحيانًا تكون متعلقة بنفس الموضوع لكن لها زاوية أخرى، فهو من بداية الكتاب بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وتحدث عنها في أربع عشرة صفحة تقريبًا، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع حقيقة العبودية الشرعية وتحدث عنها في ست صفحات، ثم انتقل إلى موضوع جديد وهو العبودية لغير الله وتحدث عنه في ثمان وعشرين صفحة تقريبًا، ثم رجع إلى موضوع الصوفية ونقد التصوف إلى أن انتهى من الكتاب.
إذًا: يلاحظ أن ابن تيمية في جوابه على السؤال المتعلق بالعبودية بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وبالذات في موضوع الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية، والعبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية وسيأتي الحديث عنها في مكانها، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع العبودية الشرعية، ثم انتهى إلى قوله: فصل، ولما بدأ بفصل بدأ في العبودية لغير الله، وأخذ يتحدث عن العبودية لغير الله، وذكر دقائق في التعبد لغير الله حتى في أمور مكروهة، يعني: أحيانًا التعبد لغير الله ﷿ قد يكون تعبدًا تامًا يخرج صاحبه من الإسلام، وأحيانًا يكون تعبدًا ناقصًا يكون صاحبه آثمًا، مثل من يطيع هواه وشهوته في معصية الله ﷿ فهذا نقص في العبودية، هذا اتخاذ للأهواء إلهًا لكنه ليس كفرًا مخرجًا عن الإسلام، فالله ﷿ يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣].
الشخص الذي يجعل هواه إلهًا يعني: يطيع هواه، ويعصي الله ﷿، وهذا نوع من العبودية لغير الله لكنه ليس مخرجًا عن الإسلام كما سيأتي بيانه.
بل إن ابن تيمية ﵀ ذكر مسائل في غاية الدقة فيما يتعلق بالعبودية لغير الله حتى في المسائل المكروهة، ولهذا قال: والأصل في مسألة الخلق أنها محرمة واستثنيت للحاجة كما سيأتي بيانه، يعني: حتى لو أن إنسانًا مثلًا فقيرًا يأتي إلى المسجد ويقف ويسأل الناس ويطلب منهم، ويفتقر إليهم، فإن هذا نوع من الحاجة للخلق، والواجب أن يسأل الله ﷿، ولهذا أخبر الله ﷿ عن الصحابة أنهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، يظنهم أغنياء وهم من أفقر الناس، قد يمر على الشخص شهر كامل لا يجد ما يأكله، وإنما يكون عنده الأسودان، كما جاء في حديث عائشة ﵂، والفقر ليس عيبًا في حد ذاته، لكن العيب عندما يكون الفقر سببًا في أن يكون الإنسان ذليلًا للخلق، ولهذا نقل أن السلف كان إذا سقط سوط أحدهم لم يقل لأحد: ناولنيه، بل ينزل بنفسه ويأخذه، وهذه من المقامات الدقيقة في موضوع العبودية، ثم عاد مرة أخرى إلى موضوع موقف الصوفية من العبودية.
إذًا هذه هي الموضوعات الأساسية الموجودة في هذا الكتاب.
[ ٧ ]
مدخل إلى العبادة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام وعلم الأعلام ناصر السنة وقامع البدعة: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ عن قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة؟ أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك.
فأجاب ﵀: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة].
هذا هو تعريف العبادة، وقوله: فالصلاة والزكاة، إلى قوله: وأمثال ذلك هي من العبادة، أي: أمثلة العبادة، وقد قسم الأمثلة كما تلاحظون إلى قسمين: الفقرة الأولى قوله: فالصلاة والزكاة والصيام هذه العبادات الظاهرة، وقوله بعد ذلك: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، هذه العبادات الباطنة.
قال: [وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، والتي خلق الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢].
وجعل ذلك لازمًا لرسوله إلى الموت كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، ونعت صفوة خلقه بالعبودية له، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤]، الآيات.
ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠]، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢]، وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
[ ٨ ]
تعريف العبادة
هذا المقطع يتضمن ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف العبادة، والمسألة الثانية: الأمثلة، والمسألة الثالثة: الأهمية.
فالمسألة الأولى: تعريف العبادة، جاء في قوله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وهذا التعريف من أدق التعاريف في العبادة، وهذا يذكرنا بكلام ابن القيم ﵀ الذي فيه أن العلماء كلامهم قليل لكنه كثير البركة، بينما كلام المتأخرين كثير لكنه قليل البركة، وانظروا إلى هذه البركة العجيبة في سطر واحد، فقد استطاع أن يشمل قضية من أوسع القضايا في حياة الإنسان، فقوله: اسم جامع له دلالة كبيرة جدًا، وهو أن العبادة مع الإنسان في كل وقت وفي كل حال.
ولهذا نلاحظ الشمول في العبادة في أمرين: الأمر الأول: فيما أمر الله ﷿ به، والأمر الثاني: في نشاط الإنسان الظاهر والباطن.
فالعبادة إذًا لها جانبان: الجانب الأول: ما أمر الله به، فالعبادة تشمل كل الواجبات وكل المستحبات، يعني: إذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية فإن علماء الأصول يقسمون الأحكام الشرعية إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية، الأحكام التكليفية هي الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب في فعل الإنسان، والأحكام الوضعية، هي الأحكام التي وضعت على شكل علامات في التعبدات المختلفة.
فأما الأحكام التكليفية فهي خمسة: الواجب، والمستحب -وأحيانًا يسمى المندوب- والمحرم، والمكروه، والمباح، والعبادة تتعلق بالنوعين الأولين: بالواجب والمستحب، فما يحبه الله ﷿ ينقسم إلى قسمين: ما أمر به على شكل الإلزام وهذا هو الواجب، أو أمر به على غير شكل الإلزام وهذا هو المستحب أو المندوب، وكل الواجبات داخلة في العبادة، وكل المستحبات داخلة في العبادة، سواءً التي تتعلق بشئون الإنسان الفردية، أو شئونه الاجتماعية، وسواءً التي تتعلق بعلم الإنسان أو عمله أو خلقه، فهي تشمل كل حياة الإنسان، ونلاحظ هذا الشمول في قول المصنف: من الأقوال والأعمال، فكل الأقوال سواءً أقوال الظاهر أو أقوال الباطن، وكل الأعمال سواءً أعمال الظاهر أو أعمال الباطن داخلة في حقيقة الإيمان، وداخلة في حقيقة العبودية، ولهذا نلاحظ أن العبودية شاملة للدين كله، وهذا ما سيأتي في الفقرة الجديدة من كلام ابن تيمية وهي علاقة العبودية بالدين.
[ ٩ ]
أمثلة للعبادة
الأمثلة التي أشار إليها المصنف قسمها إلى قسمين: مجموعة في الأمثلة الظاهرة: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، صدق الحديث، أداء الأمانة، بر الوالدين، ونلاحظ في الأمثلة تنوعًا فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج هذه عبادات محضة، وصدق الحديث وأداء الأمانة هذا خلق، وبر الوالدين وصلة الرحم هذه قضايا اجتماعية، والوفاء بالعهود يمكن أن تدخل في القضايا الدولية، وإمام المسلمين إذا كان يحكم دولةً وأعطى أحدًا عهدًا فإنه يلزمه أن يفي به.
إذًا: كل حياة الإنسان تدخل ضمن العبادة.
وكذلك المقطع الثاني من الأمثلة: أمثلة قلبية: حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، وهي كثيرة جدًا.
ولهذا فإن العبادة أنواع مثل شعب الإيمان، وقد قال بعض أهل العلم: إن شعب الإيمان لا حصر لها، وإن الحديث الوارد في قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، المقصود بهذا العدد: هو بيان الكثرة، وليس المقصود: التحديد، كقول النبي ﷺ: (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، ولما قام بعض أهل العلم يعددها قال البعض بأنه ليس العدد: هو المقصود، فإن الشيعة وحدهم افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وإنما المقصود هو بيان الكثرة، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠].
وأيضًا يمثلون له بحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
هذا ما يتعلق بأمثلة العبادة، فأمثلة العبادة كثيرة جدًا، وهي داخلة ضمن شعب الإيمان الكثيرة التي لا حصر لها، سواءً الظاهرة أو الباطنة، ويكفي في هذا مقامات العبادة في كتاب مدارج السالكين، ففيه مقامات هائلة ومتعددة، ومختلفة بشكل كبير، وسيأتي الإشارة إلى هذا الكتاب مرة أخرى.
[ ١٠ ]
أهمية العبادة
ذكر الشيخ ست نقاط تتعلق بأهمية العبادة، الأولى: أن العبادة هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، واستدل عليها بآية الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وهذا يذكرنا بالكلام في توحيد الألوهية.
والأهمية الثانية: قوله: وبها أرسل جميع الرسل، فموضوع دعوة جميع الرسل هو العبادة، ولهذا أول واجب على المكلف هو العبادة لله ﷿، خلافًا لقول أهل الكلام أن أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك كما قال بعضهم، وكل هذا لا قيمة له؛ لأن النبي ﷺ لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، وفي رواية البخاري: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله)، وفي لفظ آخر: (إلى أن يعبدوا الله)، وهذا يدل على أن العبودية أول واجب على المكلف، وذكر مجموعة من الآيات الدالة على هذا الموضوع وهي كثيرة.
والثالثة قال: وجعل ذلك لازمًا لرسوله إلى الموت، فالعبودية ملازمة لأفضل الناس وهو الرسول ﷺ إلى الموت، وهذا يدل على أنه لا يمكن أبدًا أن يأتي فترة يكون الإنسان فيها قد سقط عنه التعبد، وهذا فيه رد على الصوفية -كما سيأتي بيانه- الذين قالوا: إنه قد يصل الإنسان من خلال التعبد إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف، وهذا خطأ كبير، فإن التكاليف لم تسقط عن أفضل الناس وهم الرسل الكرام فضلًا عن غيرهم، يقول الله ﷿: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وكل المفسرين يفسرون اليقين أنه الموت إلا الصوفية، فإنهم يفسرون اليقين بأنه بلوغ درجة في التعبد تسقط عنه التكاليف، وهذا قول شاذ مخالف لقول علماء الأمة الإسلامية.
الرابعة: وصف أفضل الخلق بالعبادة وهم الملائكة والأنبياء، وهذا يدل على أن العبادة وصف شريف، فأشرف المخلوقات وهم الأنبياء والملائكة، بالعبادة وصفوا.
الخامسة: قوله: وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، يعني: نعت النبي ﷺ في أكمل أحواله، في مقام الدعوة، وفي مقام التحدي، وفي مقام الإيحاء، وفي مقام الإسراء، وهذه مقامات عظيمة وصفه الله ﷿ بالعبودية في هذه المقامات، وهذا يدل على أهمية هذه القضية من قضايا العقيدة، وأنها تعتبر أساسًا من أسس الدين ومن أصوله.
[ ١١ ]
العلاقة بين العبادة والدين
قال المؤلف ﵀: [فالدين كله داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين.
والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان، أي: ذللته فذل، ويقال: يدين الله، ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضًا، يقال: طريق معبد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق وآخره التتيم يقال: تيم الله، أي: عبد الله، فالمتيم: المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبة فاسدة، وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فجنس المحبة تكون لله، ورسوله، والإرضاء لله ورسوله، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، والإيتاء لله ورسوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩].
فالإيتاء لله والرسول كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين: الله، ومن ظن أن المعنى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، والمؤمنون معه فقد غلط غلطًا فاحشًا، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ﴾ [الزمر:٣٦]].
هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀، فيه فوائد كثيرة جدًا، فهي في غاية الدقة وفي غاية الضبط؛ لأن موضوع العبادة موضوع حساس جدًا، يترتب عليه أن العبادة إذا جعلت لله ﷿ فهي التوحيد، وإذا جعلت لغيره فهي الشرك والكفر والعياذ بالله.
فمتى يعتبر الأمر عبادة؟ بمعنى: أنه إذا صرف لغير الله فإنه يعتبر شركًا أكبر مخرجًا عن دائرة الإسلام، وهذا هو الضابط الذي سيأتي معنا في كلام المصنف، وهو ضابط عام، وفي كل مثال من أمثلة العبادة هناك ضابط خاص يخصها ويميزها.
بدأ المصنف ببيان العلاقة بين العبادة والدين، وتوصل إلى أن العبادة هي الدين، وأن الدين هو العبادة، وبين ذلك من زاويتين: الزاوية الأولى: الدليل الذي جاء به وهو حديث جبريل الطويل فقد سئل النبي ﷺ عن الإسلام وذكر الأركان الخمسة، وسئل عن الإيمان وذ
[ ١٢ ]
اشتمال العبادة على الذل والمحبة
عندما ذكر الشيخ معنى العبادة في اللغة وأنها تأتي بمعنى الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام، والعبد هو الذليل الذي في أمر سيده دائمًا، زاد في الشرع معنى جديدًا، حيث قال: لكن العبادة المأمور بها -يعني: مع وجود الذل والخضوع الذي هو مقتضاها اللغوي- لا بد أن ينضاف إليها أيضًا معنى جديد في المصطلح الشرعي وهو: أن العبادة تشمل الذل مع المحبة، فالمحبة لا بد من دخولها في حقيقة العبادة الشرعية، وهذا كثير في اللغة أصلًا وفي الاصطلاح، فالصلاة أصلًا معناها في اللغة: الدعاء، فجاء الشرع واستعمل كلمة الصلاة -التي معناها الدعاء في اللغة- لأفعال مخصوصة بشكل مخصوص منه الدعاء، ومنه ما هو ليس بدعاء وإنما يتضمن معناه، مثل السجود والركوع ليس دعاءً، وأيضًا فيها دعاء الصلاة، وهكذا كالصيام، فالصيام معناه: الإمساك في اللغة، فاستخدم في الشرع بمعنى: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمفطرات في وقت محدد.
فأحيانًا الكلمة قد يكون معناها اللغوي عامًا، لكن يستخدم في المعنى الشرعي بنفس المعنى اللغوي أحيانًا، يزاد فيه، وأحيانًا يضبط بوقت، وأحيانًا ينقص منه شيء، لكن لا بد أن يكون هناك ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأنه لا يمكن استخدام كلمة في غير معناها تمامًا، يعني: بدون أن يكون هناك ارتباط لغوي بينهما.
فالعبادة إذًا في معناها الشرعي تشمل أمرين: الأمر الأول: الذل، والأمر الثاني: المحبة، فالذل بدون محبة ليس عبادة، والمحبة بدون ذل ليست عبادة، ومثال الذل بدون محبة: ذل بني إسرائيل تحت فرعون.
عندما يكون هناك طاغوت يحكم الناس بالحديد والنار وبالقوة، ويذلهم إذلالًا شديدًا، وهم يكرهونه في قلوبهم هل يقال إن المحكومين تعبدوا للحاكم هنا؟
الجواب
لا يعتبرون متعبدين للحاكم؛ لأنهم يبغضونه ويكرهونه، ولو انضاف مع هذا الذل محبة له لصارت عبادة تامة.
وهنا نعلم بطلان رأي وفكر أصحاب الغلو الذين يكفرون المسلمين، والذين يحكمون من قبل طواغيت بدلوا شرع الله ﷿، فهناك حكومات طاغوتية بدلت أحكام الله، وحكمت في حياة الناس بالقوانين الوضعية، كالقانون الفرنسي، والقانون البريطاني، والقانون الأمريكي، أو قانون مخلط من هذه القوانين، فبدلوا شرع الله وحكموا الناس لكنهم حكموهم بالقوة، والناس كارهون لهم، فجاء بعض أهل الغلو وقال: الناس كفار؛ لأنهم أصبحوا يعبدون الطاغوت، قلنا: كيف يعبدونه؟ قالوا: حقيقة العبادة هي الذل، والطاغوت أذلهم فذلوا، وهذه هي العبادة، قلنا: لكنهم يكرهون الطاغوت ويبغضونه، ولو كانوا يحبونه ويتعلقون به لهذا العمل الذي يعمله ويقوم به فإنهم يكونوا حينئذ عبدوا غير الله ﷾، لكنهم يكرهونه، ويكرهون عمله، وبعض الناس قد يقول: يوجد بعض الناس يحب بعض الطواغيت، نقول: لا يحبه لأنه بدل الدين، وإنما لأنه مخدوع إعلاميًا ومضحوك عليه، وأيضًا مخدوع من بعض الذين يفتون بالباطل من علماء السوء، ومثل هذا لا يصح تكفيره، ولهذا آراء أصحاب الغلو في مسائل التكفير يجب الحذر منها والبعد عنها والرجوع إلى السنة فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر.
أيضًا لو أن إنسانًا أحب لكن بدون ذل وخضوع فلا يعتبر عبدًا لمن أحبه، فأنت تحب ابنك، تحب زوجتك، وأمك، وأباك، وتحب أصدقائك وزملاءك، وتحب من يتعامل معك تعاملًا حسنًا، لكن ليس فيه ذل وخضوع، ولهذا لا يكون ذلك عبادة لغير الله ﷿؛ لأنها تسمى محبةً طبيعية، ولا تكون عبادة إلا إذا كان فيها ذل وخضوع، وانكسار للمعبود، مع محبة وتعلق به، حينئذ يكون الفعل هذا عبادة، مثلما يفعله الشيعة مثلًا عند قبور أئمتهم، فإنهم يشعرون بذل وانكسار وحاجة لأصحاب القبور مع تعلق ومحبة وتعظيم في قلوبهم لهم، وكذلك ما يفعله الصوفية بالنسبة لأئمتهم، فهذا تعبد لغير الله ﷿، ولا شك أنه يوصل إلى الشرك بالله ﷾.
ثم ذكر الشيخ مراتب المحبة، وأن المحبة على مراتب من ضمن هذه المراتب: التعبد، فالعلاقة نوع من أنواع المحبة، والتتيم نوع من أنواع المحبة، والعشق نوع من أنواع المحبة، والصبابة نوع من أنواع المحبة، وكل هذه فيها أشعار كثيرة ذكر جملة منها ابن القيم في الجواب الكافي، وسيأتي الحديث عن موضوع العشق -عشق الصور بشكل خاص- وحكمه في مكانه من هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
فقول المصنف: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، هذه قاعدة عظيمة في هذا الباب، يجب أن تحفظ، ثم ما ذكره بعد ذلك هي عبارة عن أمثلة، ثم ختم الشيخ هذا المقطع بأنه لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله ﷾، ولا يستحق العبادة إلا الله، وكل من أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل، ثم ذكر الآية في المجادلة.
[ ١٣ ]
تنوع بعض الأعمال إلى عبادة وغير عبادة
ثم ذكر قضية في غاية الأهمية وهي أن بعض الأفعال تنقسم إلى عبادة وغير عبادة، وبعضها ليست منقسمة، فالتي ليست منقسمة لا بد أن تكون لله خالصة، وأما المنقسمة فهي بحسبها، فالمحبة اسم عام منقسم، وأحيانًا الإنسان يحب محبة طبيعية فلا يكون عليه تثريب، وأحيانًا تكون محبته بذل وخضوع، وهنا يكون تعبد لغير الله ﷿، فيكون عمله شركًا.
فمثلًا: المحبة يمكن أن تضاف إلى الله وغيره، لكن هناك نوع من الأعمال لا يمكن أن يضاف إلا إلى الله، مثل الحسب، مثلًا، يقول الشيخ: فجنس المحبة يكون لله ولرسوله، والإرضاء لله ورسوله، فأنت ترضي الله باتباع أمره، وترضي الرسول ﷺ باتباع أمره، ولهذا يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوه، فجمع بين الله والرسول في الرضا، وهذا يدل على أن الرضا يمكن أن يكون لله، ويمكن أن يكون لرسول الله ﷺ، ولكن هذا بضوابطه كما سيأتي معنا إن شاء الله.
والإيتاء لله ولرسوله، لكن العبادة مثل الخوف والخضوع والتوكل هذا لا يكون إلا لله ﷿، ولهذا لم ترد إلا مضافة إلى الله.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
فالإيتاء يمكن أن يكون من الله ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]، لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ لأن الحسب عمل قلبي لا يكون إلا الله: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
وهذه الآية فيها من البيان العجيب: إيتاء لله ورسوله في البداية، وحسب لله وإيتاء لله ولرسوله في النهاية، وهذا يدل على أن الحسب لا يكون إلا لله فقط، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول، لكن في الوسط قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩].
ولم يدخل الرسول معه ﷺ؛ لأن الحسب عبادة، ومعنى الحسب يعني: الكافي، فالكفاية لا تكون إلا من القادر عليها وهو الله ﷾.
ولهذا يقول: وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فالحسب لله، لكن الإيتاء يمكن أن يكون من الله كالقرآن، ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ كأخبار النبي ﷺ في السنة وأوامره.
لكن كيف نخرج هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
فهم هذه الآية بعض القبوريين فهمًا فاسدًا، قال: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]: إن الله حسب للنبي، والمؤمنين حسب له أيضًا، وهذا فهم فاسد، فإن العطف في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] ليس على لفظ الجلالة، يعني: ليس: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وإنما عطف على النبي ﷺ، يعني: الله حسبك وحسب المؤمنين أيضًا، العطف هنا في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يحتمل أمرين: يحتمل أن يكون العطف على لفظ الجلالة، الله، وهذا يتضمن معنىً فاسدًا وباطلًا، وهو أن الرسول حسبه الله وحسبه المؤمنون، وهذا خطأ فإن الحسب وهو الكفاية لا يكون إلا من الله وحده، ويتضمن أن يكون العطف في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، عطفًا على الرسول، فيكون معنى الآية: (يا أيها النبي ومن اتبعك من المؤمنين حسبكم الله)، فيكون الحسب لله، ويكون الله حسبًا للنبي وحسبًا للمؤمنين أيضًا.
وهذه القضية ناقشها ابن تيمية في منهاج السنة، وناقشها أيضًا ابن القيم في بداية زاد المعاد.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[ ١٤ ]
رسالة العبودية [٢]
يلزم العبد أن يوحد الله في الربوبية والألوهية، فالعبادة عبادتان: اضطرارية، واختيارية، فالاضطرارية هي توحيد الربوبية يشترك فيها المؤمنون والكافرون، والاختيارية هي توحيد الألوهية، ولا تصح العبادة إلا بكلا العبادتين، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة عن المذاهب والفرق الضالة.
[ ٢ / ١ ]
العبودية الاختيارية والاضطرارية
يلزم الإنسان أن يوحد الله ﷿ في الربوبية، وأحيانًا يدخل الإنسان في تعظيم الربوبية العامة التي يدخل فيها المسلمون والكفار، ويدخل فيها الأحياء والجمادات، فيعظم هذا النوع من الربوبية، ثم يورثه هذا نوعًا من دعاء الله ﷿ والتوكل عليه والتضرع إليه لكن لا يدفعه إلى امتثال الأمر واجتناب النهي، فيكون حينئذ لا تزال عبوديته الاختيارية ناقصة؛ بل هي غير موجودة حتى يستقيم على الأمر والنهي، والآن كثير من الكفار يعرف العبودية العامة، ويعرف أن الناس كلهم عبيد لله وأنهم خاضعون لله، وأن الله ﷿ هو المدبر وهو المقدر لشئونهم، وقد يدفعهم هذا النوع من المعرفة إلى أن يسألوا الله؛ ولهذا فإن الكفار إذا كانوا في الفلك ولعبت بهم الأمواج دعوا الله ﷿ مخلصين له الدين، وقد يتوكلون على الله ويعزمون في التوكل عليه، لكن هذا لا ينفعهم حتى يأتمروا بأمر الله وينتهوا عن نهي الله ﷾.
إذًا: لا بد مع الإقرار بالعبودية الشاملة أن يكون معه عبودية اختيارية يفعلها الإنسان، ويكون مقتضاها العملي الالتزام بالأمر فعلًا، والالتزام بالنهي تركًا وحينئذ يكون عابدًا خاضعًا لله ﷾.
وبعض الشراح -من أهل العلم- فَهِمَ قول المصنف: وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، أن هذه هي العبودية الاختيارية.
والحقيقة أن هذا جزء منها؛ لكن هذا الجزء قد يوجد عند بعض من لم تتحقق فيه العبودية الاختيارية، التي هي الألوهية التامة لله ﷿، فقد يوجد من الكفار من يستغيث بالله، وقد يوجد من الكفار من يتوكل على الله، لكن هذا لا ينفعه.
يقول الله ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فأثبت للكفار نوعًا من الإيمان، لكن هذا الإيمان الذي أثبته لهم غير كافٍ، لا بد مع هذا الإيمان الجزئي أن ينضاف إليه: * أولًا: طاعة الرسول، والائتمار بأمر الله والانتهاء عن نهيه.
* ثانيًا: ترك الشرك.
وحينئذٍ يكون الإنسان موحدًا لله ﷿ خالص التوحيد له.
[ ٢ / ٢ ]
العبودية الاضطرارية لا تفرق بين أهل الجنة والنار ولا يصير بها الرجل مؤمنًا
قال ابن تيمية ﵀: [ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار].
لأن أهل النار يعرفون أن الله ﷿ هو الخالق الرازق المحيي الميت كما سيأتي معنا، لكن هذه لا تفرق بينهم، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فهم مشركون، لم ينفعهم هذا الإقرار المجرد بالربوبية والعبودية الاضطرارية.
قال: [ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمنًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم، وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر].
يريد شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بهذا المقطع من كلامه وما سيأتي أن يبين حالة الصوفية فإن الصوفية من أعظم الناس المشتغلين بالزهد والتعبد، ولكن العبودية التي يشتغل عليها ويعملها الصوفية ويفنون فيها ويهتمون بها، ويعظمونها هي العبودية الاضطرارية التي لا تفرق بين المسلم والكافر، فهم يشتغلون بتعظيم الله ﷿، في كونه الخالق والرازق والمحيي والمميت، ويعلمون أن الله ﷾ هو مدبر هذه الكائنات جميعًا، وأنه لا تصريف إلا لله ﷿، وهو ﷾ الذي بيده مقاليد كل شيء، وهذا جزء من الإيمان.
لكنهم يشتغلون به، ويهملون نوعًا آخر من الإيمان وهو: التعبد الاختياري له، بالمحبة والخضوع له، وأيضًا بالاتباع التام لرسوله في الأمر والنهي، فيهملون هذا النوع؛ ولهذا قد يورثهم هذا شيئًا من التوكل، لكنه بمفهوم سلبي سيأتي الإشارة إليه.
وخلاصة هذا الكلام -حتى نتصور المسألة تصورًا دقيقًا- هو أن العبودية نوعان: عبودية اضطرارية ومعناها: توحيد الربوبية، وعبودية اختيارية ومعناها: توحيد الإلوهية.
ومعنى لا إله إلا الله العبودية الاضطرارية التي يشترك فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات، فكلهم مضطرون أذلاء لله ﷿.
وأما العبودية الاختيارية: فهي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وهي التي يقوم الإنسان بها عن رغبة واختيار ويكون مقتضاها الإتيان بالأمر فعلًا والإتيان بالنهي تركًا.
[ ٢ / ٣ ]
الصوفية بين العبادة الاختيارية والاضطرارية
والصوفية اشتغلوا بالنوع الأول من أنواع العبودية، وهي العبودية الاضطرارية، وتوحيد الربوبية، فعظموها تعظيمًا كبيرًا، وسموا هذا: شهود الحقيقة.
ومعنى الشهود: حضور القلب والذهن بكامله، يعني: أن يكون قلبه وذهنه حاضرًا بكامله في شهود الحقيقة، وهذه الحقيقة التي يقولون: نحن نشهدها هي حقيقة العبودية الاضطرارية وحقيقة توحيد الربوبية.
هذا النوع من الربوبية إذا شهده الإنسان فإنه يورث له جزء من العبودية الاختيارية وهي سؤال الله والتوكل عليه، لكنه غير كافي حتى ينقاد للأمر والنهي، وحينئذ يكون هذا الثناء وهذا التعظيم وهذا الشهود للحقيقة الكونية ولتوحيد الربوبية يكون اشتغالًا في ما لم يأمر الله ﷿ به إلا على سبيل الوسيلة.
فالله ﷿ يأمر بتدبر مخلوقاته وتدبر الكون ليترتب على ذلك محبة الله ﷿ والخوف منه والتوكل عليه والإنابة إليه والرجوع إليه في كل شأن.
قال: [بل وإبليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار، قال إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢] وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه، بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره وكذلك أهل النار قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام:٣٠].
فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها، ولم يقم بما أمر به في الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار، وإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق -الذين سقط عنهم الأمر والنهى الشرعيان- كان من أشر أهل الكفر والإلحاد، ومن ظن أن الخضر أو غيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة، ونحو ذلك كان قوله هذا شر من أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدًا لله لا يعبد إلا إياه، فيطيع أمر الله وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين ويعادي أعداءه].
يبين شيخ الإسلام ﵀ من خلال هذه اللوازم بطلان ما توصلوا إليه، فهناك قاعدة عند العلماء يقولون: إذا بطل اللازم بطل الملزوم، يعني: إذا كان الأمر تترتب عليه لوازم فاسدة، فإن ملزومه يعتبر باطلًا وفاسدًا في ذاته.
فيقول ابن تيمية ﵀: إن العبودية الاضطرارية من اشتغل بها -وهي توحيد الربوبية- واعتنى بها وظن أنها هي كل شيء، وهي أول الأمر وآخره، وهي الواجب على كل العباد فإنه حينئذٍ لا يكون هناك فرق بينه وبين إبليس وغيره من الكفار، فإنهم يعرفون أن الله ﷿ هو الخالق وأن الله هو الرازق وأن الله هو المحيي والمميت.
وهذا لا شك أنه ليس هو المقصود ببعثة الرسل، لأنه لو كان هذا هو المقصود ببعثة الرسل لكان هؤلاء من الناجين، لكن الحقيقة أنهم من الهالكين؛ لعدم إتيانهم بألوهية الله ﷿ وعبوديته الاختيارية، فدل هذا على أن العبودية الاضطرارية ليست مقصودة في ذاتها، وإنما هي أمر معترف وأمر فطري يعرفه الناس من خلال فطرهم، ولا ينكره إلا الملاحدة؛ ولهذا يقول ابن تيمية في غير هذا الكتاب: ولا يوجد طائفة من بني آدم على أن هذا الكون له إلهان خالقان مدبران له في وقت واحد.
والاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر مفطور عليه الناس، وأمر يتفق فيه المسلمون والكفار، والأحياء والجمادات، أما الأمر الأساسي الذي جاءت الرسل لتقريره فهو: العبودية الاختيارية، وأن الله ﷿ هو الإله وحده دون سواه.
ولهذا فإن الصوفية فسروا لا إله إلا الله بأنه لا خالق إلا الله، وهكذا أهل الكلام فسروا لا إله إلا الله بأنه لا خالق إلا الله، ويوجد بعض الدعوات الإسلامية اليوم عندما تأتي وتقرر التوحيد للناس تقول: إن التوحيد ومعنى لا إله إلا الله: إخراج اليقين الفاسد وإدخال اليقين الصحيح.
ويفسرون اليقين الصحيح بالربوبية والعبودية الاضطرارية، فهم يتفقون في هذا المعنى، وإن كانوا يختلفون في ما يترتب عليه.
والذين يشهدون الحقيقة الكونية أصناف سيأتي الإشارة إليهم بإذن الله تعالى.
[ ٢ / ٤ ]
العبودية الاختيارية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه العبادة متعلقة بإلهيته تعالى].
بدأ في النوع الثاني: وهي العبودية الاختيارية.
وهذه العبودية الاختيارية هي توحيد الألوهية وهي معنى لا إله إلا الله، وهي التي عليها الأمر والنهي والثواب والعقاب، وهي التي من أجلها خلق الله ﷿ الناس وقسمهم إلى صنفين: مؤمنين وكفار، المؤمنون من آمن بها والكفار من جحدوها.
قال: [ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله بخلاف من يقر بعبوديته ولا يعبده، أو يعبد معه إلهًا آخر].
يعني: يقر بالعبودية الاضطرارية، ويقر بتوحيد الربوبية، لكنه لا يعبده وإنما يعبد معه إلهًا آخر.
قال: [فالإله: هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك].
وهذا هو معنى الإله في لغة العرب وفي الشرع؛ ففي لغة العرب كما سبق أن أشرت إليه أن الإله: فعال بمعنى: مفعول، يعني: إله بمعنى: مألوه، ولهذا يقول رؤبة: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تأله.
فجعل التسبيح والترجيع من التأله، والإله بمعنى: المألوه والمعبود، والألوهية: هي العبودية والتأله: هو التعبد، وهكذا معناها الاصطلاحي، فكل كلمة إله في القرآن فإن المراد بها المعبود ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] قال قتادة: معبود في السماء ومعبود في الأرض.
[ ٢ / ٥ ]
العبودية الاختيارية هي الفارق بين المؤمن والكافر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه العبادة: هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده وبها بعث رسله، وأما العبد بمعنى المعبد سواءٌ أقر بذلك أو أنكره فهذا المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر].
يعني: حتى لو أنكر أنه عبد لله فهو عبدٌ في الحقيقة حتى لو أنكر، فإذا اعترف فإنه يلزمه توحيد الألوهية والعبودية الاختيارية، فإن لم يلتزم به، فإنه يعيش في شقاء بين الاعتراف بربوبية الله ﷿ وعدم الالتزام بلازمها وهو توحيد الألوهية.
قال: [وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه، وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام، أو حال دون حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية.
].
والحقائق الدينية والحقائق الشرعية التي يحبها الله ويرضاها هي: توحيد الألوهية، وهي التي يسأل عنها العبد وهي حقيقة الإسلام.
وإذا قيل: الإسلام فإنه يراد به العبودية الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها وهي توحيد الألوهية.
هذا هو الإسلام وهذا هو الدين.
وأما العبودية الاضطرارية فهي معنى توحيد الربوبية، وهي يشترك فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات.
[ ٢ / ٦ ]
انحراف الصوفية في مقام العبودية
قال: [وهذا مقام عظيم غَلطِ فيه الغالطون وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والإعلان].
غلطوا فيه بأنهم جعلوا توجههم لتوحيد الربوبية والعبودية الاضطرارية التي يستوي فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات، وجعلوا الفناء فيه والتعلق به هو أساس الدين وأساس الإسلام، واشتغلوا به وانصرفوا عن الحقيقة الدينية الشرعية التي هي الإسلام، والتي يحبها الله ويرضاها، والتي فيها أوامر تقتضي الفعل ونواهٍ تقتضي الترك.
ولهذا وجد منهم من يقول: إن الإنسان إذا وصل إلى اليقين فإن التكاليف تسقط عنه.
لأن المتعلق بهذا النوع يقول: إذا فنيت فيه فإنك ستصل إلى اليقين.
والمقصود باليقين: أن الله هو الرب الخالق الرازق المحيي المميت، إذا وصلت إلى هذا اليقين التام -وهذا اليقين طبعًا يحتاج إلى رياضات كما يقولون- فإنه تسقط عنك الأوامر والنواهي؛ وهذا يدل على عدم تعظيم الأمر والنهي، وعلى عدم الاشتغال بها.
ولهذا سيأتي معنا أن هؤلاء جبرية يعظمون موضوع الفعل أكثر من تعظيمهم لموضوع الأمر.
[ ٢ / ٧ ]
انحرافهم في باب الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر ﵀ فيما ذكر عنه، فبين أن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعًا للقدر لا من يكون موافقًا للقدر].
يقول: وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو من علماء الحنابلة، كان في بغداد، وله كتاب الغنية، وله كتاب في ذم علم الكلام، وهو من علماء المسلمين الصادقين، ومن الأولياء الفضلاء الطيبين، وهو من أهل السنة والجماعة، لكن الصوفية تعلقوا به، ونسبوا إليه كثيرًا من الأمور كذبًا وبهتانًا، وما نسبوه إليه لا يصح عنه، وهو من شيوخ ابن قدامة المقدسي صاحب المغني، الكتاب المشهور في فقه الحنابلة.
يقول: إن الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، يعني: كثير من الناس إذا وصل إلى باب القضاء أو القدر فإنه يمسك فلا يدري كيف يفهم هذا الباب، وهذا السبب فيه يرجع إلى عدم اتباع السنة والجماعة ومعرفة هدي النبي ﷺ في هذا الباب.
يقول: إلا أنا فإنه فتحت لي فيه روزنة، المقصود بالروزنة: النافذة، يعني يقول: فتحت لي نافذة في باب القضاء والقدر.
والنافذة هي قوله: فنازعت أقدار الحق، وأقدار الحق يعني: أقدار الله التي قدرها الله ﷿، يعني: الأقدار السيئة، التي قدرها الله ﷿ اختبارًا وابتلاءً للعباد بالحق وهو اتباع الأمر واجتناب النهي للحق، يعني: لغاية عظيمة وهي اتباع الحق، فالله ﷿ قدر أمورًا كثيرةً مما يحب ومما يكره، فقدر مما يحب: الإسلام، والصلاة، اتباع الرسول ﷺ، والزكاة، والأعمال الصالحة بكل أنواعها، هذه من مقادير الله ﷿.
وأيضًا قدر أمورًا أخرى مما يكرهها: فقدر الكفر، وقدر أيضًا العصيان والذنوب، كل هذه بقدر الله ﷿، فإنه لا يكون في هذا الكون إلا أمر قدره الله وقضاه، ولا يكون في هذا الكون إلا شيء أراده الله ﷿؛ فهذه الأقدار التي يبغضها الله ﷿ يقول: نازعتها، مع أنها من قدر الله لكن أنا نازعتها بقدر الله الآخر الذي أمرني به، وجعلني مكلفًا به للحق يعني: لغاية الحق وهو الله ﷾؛ فالله ﷿ خلق في كونه ما يحب وما يكره، وأمر الإنسان باتباع ما يحب، ونهاه عن اتباع ما يكره، مع أنه من قدره.
إذًا: الواجب الشرعي: أن أستعمل قدر الله الذي أمرني به في رد قدر الله الآخر الذي يبغضه وينهى عنه.
إذًا: ليس كل ما قدره الله ﷿ وقضاه في هذا الكون فهو محب له، فهناك أقدار يحبها وهناك أقدار لا يحبها.
فإن قال قائل: لماذا جعلها الله ﷿ وخلقها ما دام أنه لا يحبها؟
الجواب
ابتلاءً واختبارًا ونحن في دار ابتلاء واختبار.
ولهذا ابتلانا الله ﷿ بالسراء والضراء، وابتلانا الله ﷿ بالنعمة والنقمة، وابتلانا الله ﷾ بالخير والشر، وابتلانا الله ﷾ بالأمر والنهي؛ لينظر من يختار ما يحب الله، ويبتعد عن ما يبغض الله ﷿ وينهى عنه.
قال: [والذي ذكره الشيخ ﵀ هو الذي أمر الله به ورسوله، ولكن كثير من الرجال غَلطِوا فيه؛ فإنهم قد يشهدون ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقَدَّر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جارٍ بمشيئة الله وقضائه وقدره].
يعني: يفعلون المنكرات ويقولون: هذا قضاء الله وقدره؛ ولهذا سيأتي أن الذين يشهدون الحقيقة الكونية أنواع، منهم الذين يحتجون بالقدر ويقولون: هذا قضاه الله وقدره في الكون -يعني: الكفر الموجود الآن- ولو كان الله ﷿ لا يحب هذا الشيء فكيف يوجد في الأرض؟! ولهذا توصلوا إلى مقالات باطلة، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] وهم يقولون: بل يرضاه لهم؛ لأنه خلقه.
فكون الله ﷿ خلق الكفر، هذا لا يلزم أنه يحبه.
فخلق الكفار وهو يبغضهم، وخلق أعمال الكفار وهو يبغضها، وخلق كل ما في هذا الكون من الأمور المختلفة المتضادة ابتلاءً واختبارًا، وأمر الناس بأوامر، وأنزل عليهم كتبًا، وأرسل إليهم رسلًا، وسيحاسبهم يوم القيامة.
وإذا اعتذر إنسان بالمعصية مثلًا أو بالكفر، وقال: إنك يا رب خلقته في الدنيا.
يقال له: وهل كل ما خلقه الله أمرك به؟ هناك ما خلقه الله ﷿ ونهى عنه، والمطلوب من العباد هو اتباع الأمر والنهي وليس اتباع الخلق، هذا هو المطلوب من العباد.
قال: [ويشهد أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخلٌ في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك، دينًا وطريقًا وعبادةً، فيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] وقالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]،وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْ
[ ٢ / ٨ ]
أنواع الأقدار في باب الاحتجاج بالقدر
القدر نوعان: نوع يعتبر من المصائب، ونوع يعتبر من المعائب.
فأما المصائب فإن المسلم يرضى بها ويصبر عليها ويحتسب عند الله ﷿.
وأما المعائب وهي العيوب التي ينتقد الإنسان فيها فإنه لا يجوز له أن يمارسها.
والفرق بين المصائب والمعائب يكون من ناحيتين: الناحية الأولى: أن المصائب هي الأقدار التي يقدرها الله ﷿ على الإنسان دون اختيار من الإنسان وإرادة منه، مثل حادث سيارة، مثل مرض جسدي أو نفسيَّ أيًا ما يكون، فيصبر عليه الإنسان.
والنوع الثاني من الأقدار التي تكون من المصائب: هي التي تكون بعد الفعل، يعني: أحيانًا الإنسان قبل الذنب يعتبر الذنب بالنسبة له من المعائب، لكن بعد فعل الذنب وتوبته منه يعتبر من المصائب.
يعني: مثلًا إنسان أراد أن يأكل الربا؛ لأنه محتاج إلى المال وذهب إلى البنك وأثناء ذهابه إلى البنك يحتج بالقدر ويقول: هذا قدر الله عليّ! كيف قدره الله عليك وأنت قادر على الرجوع عن البنك؟ هذا كلام غير صحيح أبدًا، لأنك اخترت هذا الأمر بمشيئتك.
فإن قالوا: كيف والله ﷿ يشاء أن أفعل هذا العمل، وهو بقضائه وقدره؟ نقول: نعم كل فعل سواءً كان خيرًا أو شرًا بقضاء الله وقدره، لكن أنت اخترت الشر.
ولهذا لعل من القصص التي تبين هذه القضية بشكل دقيق كلام عمر بن الخطاب ﵁ عندما سرق رجل.
فلما جيء به إليه قال: سرقت بقدر الله.
قال: وأنا أقطع يدك بقدر الله) وهكذا قد يقول شخص: أنا زنيت بقدر الله.
ويحتج على الفواحش وعلى المحرمات بالقدر.
نقول: ويعذبك الله ﷿ يوم القيامة وعليك الإثم كذلك بقدر الله.
فإذا قال: كيف يعذبني وقد خلق هذه الأشياء؟ نقول: خلق الله ﷿ أمورًا محرمة، وخلق أمورًا ضارة في الكون وخلق السمّ؛ فهل تشرب السمّ؟ خلق الله ﷿ نباتات مؤذية وضارة لحكم يريدها ﷾، قد تبدو لنا وقد لا تبدو، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فهل يمكن أن تتناولها.
وخلق ﷾ مجرمين، فهل تذهب إليهم؟ ولهذا سيأتي كلام ابن تيمية ﵀ أنه لو أن شخصًا جاءك وأخذ مالك وسرق بيتك وأخذ سيارتك، فهل تسلم له كل هذا وتقول: هذا قضاء الله وقدره؟ حينئذٍ تكون عرضة للمجرمين، وستكون ميت الإرادة، ولن يكون لك أي إرادة؛ ولهذا مقتضى كلام هؤلاء أن يمسخوا إرادة الإنسان، ويقولون: يجب أن تفنى إرادة الإنسان في إرادة الله ﷿، فكل ما يريده الله في الكون يجعله الإنسان مراد الله ﷿.
فمقتضى ومعنى كلامهم: أنه لو أنك تمشي مثلًا في السوق وجاء رجل وأدخل يده في جيبك وأخذ النقود التي في جيبك، تقول: هذه إرادة الله؛ فلا بد أن أجعل إرادتي مع إرادة الله، وإلا لو ما أراد الله لما أخذ هذا الرجل النقود من جيبي! ولمَرَّ من جانبي من دون أن يأخذ مني شيئًا.
وهكذا لو أنه جاءك وأخذ منك مفتاح السيارة، وأخذ السيارة وذهب.
مع أن هذه أمور تأباها الفطر السليمة العقول الصحيحة، إلا أن هذا القول هذا لازمه، وقد يلتزم بعض الشيوخ الحمقى من الصوفية شيئًا من هذا القبيل، يعني: قد يأتي ويمر ويحذر من مصيبة دنيوية، ومع ذلك يقع فيها ويظن أنه بهذا العمل يتعبد لله ﷿.
وهذا من جهله وضلاله والعياذ بالله.
لكن بالنسبة للمصائب، يصح للإنسان أن يحتج بقضاء الله فيها، فإذا قدر الله عليك مصيبة بدون إرادة منك! أو فعلت ذنبًا ثم ندمت عليه ندمًا شديدًا بعد أن فعلته، وتبت إلى الله ﷿؛ فإن هذا الذنب يعتبر في حقك بعد أن تبت وشعرت بالألم والحرقة بسببه مصيبة؛ لأنه أمر فات لا يمكن أن ترجع عنه، فيجوز أن تحتج بالقدر عليه، أما قبل أن يفعل الإنسان الفعل ويحتج بالقدر فهذا احتجاج فاسد غير صحيح.
[ ٢ / ٩ ]
توجيه حديث: (احتج آدم وموسى)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبًا عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم.
قال: فحج آدم موسى).
هذا الحديث يعتبر حديثًا عظيمًا في باب الاحتجاج بالقدر، وقد فهمه بعض الناس على غير وجهه.
والحديث هو أن موسى لقي آدم فاحتج عليه، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء.
فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ومقصود موسى أنت عندما أكلت من الشجرة، كان أكلك من الشجرة سببًا في خروجنا من الجنة، ولو لم تأكل من الشجرة لبقينا نحن ذريتك في الجنة، هذا هو احتجاج موسى.
قال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبًا عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم.
قال: فحج آدم موسى، يعني: غلب آدم موسى؛ لأن موسى أنكر عليه الذنب بعد أن انتهى، وآدم بين له أن هذه مصيبة بالنسبة له.
هل الكلام بين آدم وموسى هذا قبل أن يأكل من الشجرة؟ وهل قال: يا موسى هذا أمر قدره الله عليّ أنا سآكل من الشجرة وسأنزل إلى الأرض؟ لو كان الأمر بهذه الصورة لكان احتجاج آدم غير صحيح، لكن الأمر مخالف لهذا الذنب الذي حصل، وندم آدم وتاب ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] وأصبحت هذه مصيبة بالنسبة لآدم فجاء موسى واحتج عليه، فلما احتج آدم بالمصيبة دل هذا على أن الاحتجاج بالمصائب صحيح، أما الاحتجاج بالعيوب والذنوب فغير صحيح.
قال المؤلف ﵀: [وآدم ﵇ لم يحتج على موسى بالقدر ظنًا أن المذنب يحتج بالقدر، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذرًا لكان عذرًا لإبليس، وقومِ نوح، وقومِ هود وكل كافر، ولا موسى لام آدم أيضًا، لأجل الذنب، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة].
إذًا: الموضوع كله يتعلق بالمصيبة، والمشكلة التي حصلت عند بعض الناس هو أن المسألة فيها ذنب والذنب هو أكل آدم من الشجرة، لكن الذي لم يتنبهوا له هو أن هذا الاحتجاج حصل بعد انتهاء الأكل، وبعد أن عوقب، فالمصيبة التي حصلت هي العقوبة؛ فموسى يلومه على هذه المصيبة، وآدم يحتج بالقدر على هذه المصيبة.
إذًا: إذا سألك سائل: ما هو نوع الاحتجاج في حديث آدم وموسى؟ تقول: على المصائب.
والذي جعل الخوض موجودًا في المسألة هو وجود ذنب في هذه المسألة، وهو أكل آدم من الشجرة، لكن إذا تبين للإنسان أن هذا الاحتجاج حصل بعد الأكل، وبعد العقوبة وبعد التوبة، عرف أن المقصود بها المصيبة.
قال: [ولهذا قال له: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: إن هذا كان مكتوبًا عليّ قبل أن أخلق.
فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرًا وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له فإنه من تمام الرضا بالله رَبًَّا].
يعني بعد حصولها، لكن قبل حصولها يدافع القدر بالقدر، أما بعد حصولها وبعد أن ابتلي الإنسان بها فإنه حينئذٍ يرضى ويسلم بها.
قال: [وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]].
فجمع بين الصبر والاستغفار، فالصبر على المصائب، والاستغفار من المعائب.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]].
الصبر على المصائب، والتقوى تكون من المعائب.
قال: [وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] وقال يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]].
يعني: الذنوب إذا كانت فردية فالإنسان يستغفر منها، وإذا كانت ذنوب العباد الآخرين فإنه يحتسب عليها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ٢ / ١٠ ]
تسوية أصحاب شهود الحقيقة الكونية دون الدينية بين أهل الحق والباطل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله].
جهاد الكفار أحيانًا يكون بالدعوة، وأحيانًا يكون بالقتال، وجهاد المنافقين يكون بالرد عليهم وبيان خططهم وما يمكرون به لأهل الإسلام؛ وهذا كله من دفع القدر بالقدر.
قال: [ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:١ - ٤]] كل هذه النصوص تميز بين المؤمنين والكفار، وبين أهل الطاعة وأهل المعصية، وبين أهل البر وأهل الفجور.
وهذا يدل على أن المطلوب من الإنسان هو العبودية الاختيارية التي هي توحيد الألوهية، أي: معنى لا إله إلا الله.
قال: [وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٥ - ٧٦]، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
ونظائر ذلك كثير مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد، وأهل الصدق والكذب.
فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوّى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام].
هذا لازم له وقد التزمها بعض طوائف الصوفية وهم أهل وحدة الوجود والحلول والاتحاد كما سيأتي معنا.
قال: [كما قال تعالى عنهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ ن
[ ٢ / ١١ ]
تسوية بعضهم لله بكل موجود وصرفهم العبادة لغير الله
قال: [بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سوّوا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقًا لكل موجود].
هؤلاء هم أصحاب وحدة الوجود، وفكرة وحدة الوجود: هي أن هذه المخلوقات جميعًا هي الله ﷿! وكل جزء من هذه الأجزاء هي من الله ﷾! فالناس من الله والكائنات من الله والأرض كلها بما فيها من المخلوقات المتناقضة العجيبة هي من الله والكون كله من الله، وعندما قيل لهم: كيف تجعلون هذه الأجزاء كلها من الله ﷿ مع أن الله واحد؟ قالوا: إن هذه أجزاء من نفس الجنس وهي كموج البحر، فأمواج البحر ما لا يحصى عددًا عندما تأتي موجة والثانية والثالثة وكلها من البحر؛ هكذا يصورونها.
ولهذا يقول زعيمهم زعيم الكفر ابن عربي الطائي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا، نثره ونظامه فنثر الأدباء وشعر الشعراء وكلام الحمقى والمغفلين، وكل ما يوجد في الدنيا من الكلام، هو من كلام الله ﷿! قبحه الله؛ ولهذا يقول: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت: رب أنى يكلف يعني: كيف يكلف؟ فلا تكليف إذًا! وعلى هذا المبدأ قامت الباطنية الذين أبطلوا الشرائع وألغوا الأحكام التكليفية، لما قام علي بن الفضل خطيبًا واستحل المحرمات، فهي فلسفة واحدة اختلفت الفرق في التعامل معها، لكن الجميع يسقطون التكاليف ويجعلون الإنسان إلهًا.
ولهذا عند الصوفية عقيدة مشهورة تسمى الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية، ويعتقدون أن الإنسان الكامل هو الله ﷿، وأن الله ﷿ هو الكون وأن كل مخلوق فهو خالق، لا يفرقون بين الخالق والمخلوق؛ فهم أشد كفرًا من النصارى الذين وحدوا بين عيسى وبين الله ﷾، لأنهم وحدوا بين الله وبين كل المخلوقات حسنها وقبيحها.
قال المؤلف ﵀: [إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد.
وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبودون ولا بمعنى أنهم عابدون، إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم، كـ ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله].
هذا كتاب اسمه فصوص الحكم وهو كتاب مطبوع ومشهور، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نقد لهذا الكتاب موجود في المجلد الثاني من الفتاوى اسمه الرد القويم على صاحب الفصوص، وهو رد رائع وممتاز بين فيه ما في هذا الكتاب من الضلال.
قال: [وأمثاله الملحدين المفترين، كـ ابن سبعين وأمثاله ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون].
حتى ابن سبعين يحكى عنه أنه ذهب إلى غار حراء، وجلس شهرًا ينتظر النبوة هناك، لأنه أخذ فكرة من الفلاسفة وهو: أن الإنسان بالرياضة يمكن أن يحصل على النبوة.
قال: [وهذا ليس بشهود لحقيقة لا كونية ولا دينية، بل هو ضلال وعمىً عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتًا للخالق وللمخلوق، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم!].
[ ٢ / ١٢ ]
البرمجة اللغوية العصبية ومشابهتها لعقيدة وحدة الوجود
الحقيقة أن هؤلاء يبنون هذه الآراء على فلسفة وهي: أن الإنسان فيه قدرة كامنة قادرة على أن توصله لكل المعارف ولكل الحقائق، وأن هذه القدرة هي الله.
ولهذا فإن هذه الفلسفة فلسفة خبيثة، وهي مبنية بناءً فكريًا دقيقًا أساسه: أن الله هي القدرة الموجودة في هذه الأجساد جميعًا، هذه الأجساد وهذه الكائنات كلها تمتلك قدرة، هذه القدرة نافذة وقادرة ومؤثرة وحقيقة الإله عندهم القادر المؤثر.
وبناءً على هذا، فهؤلاء كلهم يوجد فيهم العنصر الإلهي القادر المؤثر، ولهذا دفعهم هذا إلى القول بأن الإنسان إذا كان عنده الرياضة والممارسة والقوة النفسية والبدنية يمكن أن يصل إلى النبوة.
ولهذا بدأت الآن تنتشر في الأوساط، ومع الأسف أن كثيرًا من الإسلاميين والدعاة يتبنون مثل هذه الأمور، وهي خطيرة، فهذه الدورات التي تسمى البرمجة اللغوية العصبية، وغيرها من هذه الدورات، لها جوانب وأهداف سلبية وسيئة جدًا.
- منها: أن الإنسان يمكن أن يمشي على الجمر دون أن يتأثر.
- ومنها: أنه يمكن له أن يطير في السماء.
- ومنها ما يسمونه بالتخاطب عن بعد.
وهو: أن يكون الإنسان مثلًا في جدة، والآخر في الدمام، ويمكن له أن يوجّه أسئلة نفسية وإرادية ويستقبلها ذاك ويجيب عليها وتكون هذه الإجابات وهذه الأسئلة حقيقة مائة بالمائة.
ولا شك أن هذا نوع من الكهانة والشعوذة، وهي مبنية في الحقيقة على فكرة فلسفية إلحادية.
طبعًا أنا لا أقول بأن كل دورات البرمجة اللغوية العصبية كذلك!.
هذه الدورات لها قسمان: قسم فلسفي: مثل الكلام الذي يقولونه حول موضوع التخاطب عن بعد، وحول التأثير، وقدرة الإنسان، وصاحبها إلى الآن موجود وحي، وكثير من الناس يأخذ عليه دورات، حتى يكون إسناده عاليًا.
سئل: هل يمكن للإنسان بتعامله الذاتي وقدرته الذاتية أن يصل إلى النبوة؟ فقال: يمكن أن يصل إلى النبوة بهذا.
وهذه فكرة أصلًا فلسفية مشهورة وهي: أن الإنسان بذاته وقدرته الذاتية يمكن أن يصل إلى النبوة، بل يفسرون المعجزات بهذه الطريقة، ويقولون: المعجزات -كانفلاق البحر لموسى- حقيقتها قوة إرادية عند موسى، فموسى ليس رجلًا طبيعيًا كغيره من الناس! بل هناك قوة إرادية عنده أراد أن ينقذ قومه فنظر إلى البحر فانفلق هذا البحر! وهكذا يفسرون التأثير مثلًا في القمر، وأن هذه قوة من النفس جعلت القمر ينفلق نصفين! طبعًا ليس كل من يتعلم هذه الدورات يقول هذا الكلام، وليس كل قواعد البرمجة اللغوية والعصبية كذلك، هناك قواعد قد يكون فيها فائدة فيما يتعلق بالاهتمام بالذات والعناية بها، وتنمية قدرات الإنسان الداخلية، وقد تكون هذه القواعد قواعد صحيحة وإنسانية ومعروفة، وهي تتعامل مع النفس البشرية تعاملًا صحيحًا؛ لكن يوجد في مثل هذه العلوم -وهي: البرمجة اللغوية والعصبية- جوانب وقواعد فلسفية لا أشك في كونها إلحادًا، وبعضها من جنس السحر والشعوذة؛ ولهذا يحكون أمورًا غير طبيعية، مثل: طيران الإنسان في الهواء! وأن الإنسان قادر على هذا إذا نجح مع نفسه! ولهذا فإنهم يفسرون أي حالة، مثلًا: شخص لا يقدر أن يمشي على النار، قالوا: هذا إخفاق في نفسك، لكن يمكن للإنسان أن يكون عنده جمر مبسوط يمشي عليه، ولا يشعر بالألم، قد تتمزق رجله! لكن لا يشعر بالألم! وهذه من جنس التصرفات ومخاريق الرفاعية الذين كانوا يأتون إلى ابن تيمية ﵀ ويقولون: نحن ندخل في النار ولا نتأثر.
فطلب منهم أن يغتسلوا وإذا اغتسلوا فإنه يدخل معهم في النار.
وهذا تهديد لهم، لأنهم كانوا يطلون أنفسهم بزيت يمنع احتراق أجسادهم بالنسبة للنار فهذه الفلسفات كثير من الأحيان مبناها واحد، وفكرتها واحدة يعبر عنها إنسان بطريقة ويأخذ منها مقالة، ويعبر عنها إنسان بطريقة أخرى، ويعبر عنها إنسان بطريقة ثالثة.
لكن مما أحب أن أؤكد عليه هو: أنه ليس كل من يتعامل مع البرمجة اللغوية العصبية، أو يدرب عليها، أو يتدرب فيها أنه يقول بهذه الأفكار، لكن يوجد في أصل الفكرة، ويوجد من الناس من يؤمن بهذا، وبالذات موضوع التخاطب عن بعد، وموضوع الطيران في الهواء، والسير على النار، وما إلى ذلك من المخاريق التي يقولون بها عندما ينجح الإنسان مع نفسه وإرادته.
[ ٢ / ١٣ ]
أصحاب وحدة الوجود ضالون عن شهود الحقيقة الكونية والدينية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا ليس بشهود لحقيقة، لا كونية ولا دينية، بل هو ضلال وعمىً عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتًا للخالق والمخلوق، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم، وأما المؤمنون بالله ورسوله، عوامهم وخواصهم، الذين هم أهل القرآن، كما قال النبي ﷺ: (إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق، ليس هو حالًا فيه، ولا متَّحدًا به، ولا وجودُه وجودَه.
والنصارى إنما كفّرهم الله بأن قالوا بالحلول، واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عامًا في كل مخلوق؟! ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره، ويستعينوا به على ذلك، كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق؛ فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به، دافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع به الجوع المستقبل، وكذلك إذا آن أوان البرد ودفعه باللباس، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه، كما قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها ورقىً نسترقي بها، وتقاةً نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال (هي من قدر الله)، وفي الحديث (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض).
فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين لله وكل ذلك من العبادة].
نلاحظ أن ابن تيمية ﵀ لا يرى أن أصحاب وحدة الوجود هم جزء ممن يشهد الحقيقة الكونية، بل يرى أن أصحاب وحدة الوجود لا يقرون بالحقيقتين، لا الحقيقة الكونية التي هي توحيد الربوبية، ولا الحقيقة الدينية التي هي توحيد الألوهية، بل هم لا يقرون بالربوبية ولا الألوهية؛ لأنهم لا يميزون بين الخالق والمخلوق، ولا بين الإنسان وبين الله ﷾.
[ ٢ / ١٤ ]
المعنى الصحيح لقوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
وخلاصة كلام ابن تيمية ﵀ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، وسبق أن ذكرنا أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أن العطف في قوله: «ومن اتبعك» هي معطوفة على النبي ﷺ، والمعنى: حسبك الله وحسب الله أيضًا للمؤمنين، فالله ﷿ حسب لك وحسب لأتباعك من المؤمنين، وليست معطوفة على لفظ الجلالة، يعني: ليس المعنى: يا أيها النبي حسبك الله وحسبك المؤمنون، فإن الحسب خاص بالله ﷾.
هذا الجزء المتعلق بهذا الموضوع في كتاب منهاج السنة النبوية، فإن ابن المطهر الحلّي صاحب (منهاج الكرامة) وهو من الشيعة، استدل بهذه الآية على أن المؤمنين حسب لله، فهو يستدل بها على الشرك.
ويقول ابن تيمية: فصل.
قال الرافضي: البرهان الرابع والعشرون قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي، يعني: (ومن اتبعك من المؤمنين) المقصود بها: علي، فـ علي حسب للنبي مثل الله، وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره فيكون هو الإمام.
يعني: ومن أخذ الإمامة كـ أبي بكر وعمر قبله فهم ظالمون له، وبناءً على هذا كفّرهم الشيعة قبّحهم الله.
قالوا: والجواب من عدة وجوه: * أحدها: منع الصحة، يعني: منع أن هذا الطريق صحيح، الذي هو من طريق أبي نعيم، وتفسير الآية غلط، فليس قوله: «من اتبعك من المؤمنين» المقصود بها: علي وإنما هي عامة في المؤمنين.
* الثاني: أن هذا القول ليس بحجة.
* الثالث: أن يقال: هذا الكلام من أعظم الفرية على الله ﷿، وذلك أن قوله: «حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» معناه: أن الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، فهو وحده كافيك وكافي من معك من المؤمنين، وهذا كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم.
ثم أطال الكلام في هذا الموضوع، وهذا ما يتعلق بهذا الموضوع.
[ ٢ / ١٥ ]
رسالة العبودية [٣]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان المؤمن إلا به، والإنسان خلق الله له إرادة واختيارًا، وبين له طريق الخير والشر مع كتابة الله له ذلك في علمه السابق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وبذلك تستطيع أن تميز هذا المذهب المعتدل عن الفرق الضالة والمنحرفة.
[ ٣ / ١ ]
انحراف الصوفية في مقام العبودية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: في الدروس الماضية تحدثنا عن تعريف العبودية، وأيضًا تحدثنا عن حقيقة العبودية الشرعية وعن أهميتها وأمثلة منها، وعن العلاقة بين العبودية والدين والعلاقة بين العبودية والإسلام، كما تحدثنا أيضًا عن تعريف العبودية شرعًا والضابط في هذا، وتحدثنا في الدرس الماضي عن أنواع العبودية، والعبودية الاضطرارية الموافقة لمعنى الربوبية، والعبودية الاختيارية الموافقة لمعنى الألوهية، وتحدثنا عن انحراف الصوفية في هذا الباب وأنهم اشتغلوا بتوحيد الربوبية وأهملوا توحيد الألوهية مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعظم من إنزال الكتب وإرسال الرسل وخلق الجن والإنس، وهو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وهو الذي يسأل عنه العباد يوم القيامة، وهو الغاية العظمى، وهو أول الأمر وآخره، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله - وهذا هو توحيد الألوهية - دخل الجنة كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ.
ومع أهمية توحيد الألوهية ووضوح أن توحيد الألوهية هو الغاية، وأن توحيد الألوهية هو الأساس في دعوة الرسل؛ إلا أن أهل الكلام والصوفية انحرفوا في هذا الباب واشتغلوا علمًا وعملًا بتوحيد الربوبية الذي لا يكفي وحده للإيمان، فقد أخبر الله ﷾ أن هناك من يؤمن، لكن هذا الإيمان لا يكفي إذا كان معه الشرك، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
فأثبت لهم جزءًا من الإيمان، إلا أنه ليس الإيمان المنجي عند الله ﷿، وهذا هو توحيد الربوبية.
والإيمان المنجي عند الله ﷿ هو توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ليس بينهما تضاد، وإنما بينهما اتفاق.
فتوحيد الربوبية هو الأساس لتوحيد الألوهية، فمن آمن بالربوبية فإنه يلزمه الإيمان بالألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وكل موحد توحيد الألوهية فهو موحد توحيد الربوبية، إذ لا يمكن للإنسان أن يعبد الله ﷿ مع اعتقاد أن الخالق غيره، أو الرزاق غيره، أو المحيي غيره، أو المدبر غيره، فهذا غير موجود وغير واقع.
وعبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه الرسالة في رسالة العبودية عن الصوفية بقوله: إن هؤلاء هم الذين يشهدون الحقيقة الكونية.
وقد سبق أن بينا معنى الشهود، وقلنا: إن الشهود معناها: استغراق العقل والنفس والعمل في أمر ما، كأن الاستغراق النفسي شبه برؤية العين وهي المشاهدة، فسمي شهودًا، يعني: من شدة تعلق ومن شدة استحضار المعنى سمي شهودًا والشهود في العادة إنما يكون بالعين.
وأما الحقيقة الكونية فهي مقتضيات توحيد الربوبية: من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحو ذلك، فمعنى شهود الحقيقة الكونية: الاستغراق والهم والاستحضار الدائم والتعمق في هذا الباب للحقيقة الكونية وهي لخلق الله وتدبيره ورزقه وتصريف الكائنات.
وهذا المعنى وإن كان جزءًا أساسيًا في الإيمان، إلا أنه ليس هو الإيمان الكامل الذي جاءت به الرسل؛ لأن شهود الحقيقة الكونية واستحضار الحقيقة الكونية ليس أمرًا مختلفًا فيه بين الأمم، فالكفار الذين بعث إليهم الأنبياء كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر ولم ينفعهم هذا الاعتراف، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
قال المفسرون: وأنتم تعلمون أنه الخالق الرازق المحيي المميت.
وجاءت دعوة الأنبياء جميعًا لتقرير: أن الله ﷾ معبود وحده، وأنه لا بد للعبد أن يشتغل في علمه وفي عمله، في إرادته وفي عمله الظاهري وعمله الباطني بالتعبد لله ﷿.
فالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والاعتماد لا يكون إلا على الله ﷾، والتصديق والتعظيم إنما يكون لله ﷾، هذا هو التوحيد وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
والصوفية اشتغلوا بأمر لم يكن هو موضوع دعوة الرسل، وهو شهود الحقيقة الكونية، وهذا الشهود ليس شهودًا عاديًا، يعني: ليس نظرًا عاديًا واستغراقًا عاديًا في معاني الربوبية وفي الحقيقة الكونية، وإنما هو اشتغال بالربوبية بطريقة مخصوصة أودى بهم إلى أنواع من الضلالات، وأنواع من العقائد المنحرفة التي ستأتي معنا.
وقد أشار المؤلف إلى أن دعاة وحدة الوجود هم الذين يرون أن هذا الكون وحدة واحدة، خالق ومخلوق في وقت واحد، ولا يفرقون بين الله وبين خلقه، ولا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يفرقون بين الرازق والمرزوق، ولا بين الفاعل والمفعول، لا يفرقون بين هذا جميعًا، وإنما يجعلونها حقيقة واحدة، وأن الله ﷿ هو هذه الكائنات الموجودة التي نشاهدها ونراها ونحن جزء منها، ولهذا قال بعضهم: ما في الجبة إلا الله، يعني: هو الله، هذا هو مقتضى كلامه، وهذا هو المقصود.
ولهذا قال ابن عربي ا
[ ٣ / ٢ ]
مراتب شهود الحقيقة الكونية في الضلال
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مراتب شهود الحقيقة الكونية في الضلال، فيمكن أن نقرأ هذه المراتب مع حكم هذه المراتب، يعني: الذين شهدوا الحقيقة الكونية واستغرقوا فيها وانشغلوا بها بطريقة مخصوصة، وهي طريقة التصوف، وأشغلتهم عن الحقائق الشرعية، وهي توحيد الألوهية، ومعرفة معنى لا إله إلا الله، بل حرفوا معنى لا إله إلا الله، وجعلوها لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله، مع أن الحقيقة أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله ﷾؛ هؤلاء الذين اشتغلوا بشهود الربوبية وبشهود الحقيقة الكونية على مراتب في الضلال، سيأتي ذكر هؤلاء والتعليق عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية -وهي ربوبيته لكل شيء- ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال].
[ ٣ / ٣ ]
غلاة الصوفية الذين يحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة
قال المؤلف ﵀: [فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة].
يعني: يجعلون شهود الحقيقة الكونية مبررًا للاحتجاج المطلق بالقدر، فيرون أن ضلال هؤلاء وانحراف العصاة وكفر الكفار هم معذورون فيه؛ لأن هذا هو مقتضى إرادة الله ﷿، وأنه يجب عليهم أن يوافقوا مقتضى هذه الإرادة، وقد سبق أن بينا أن الله ﷿ خلق في هذا الكون أمورًا خيرة يحبها، وأمورًا شريرة يبغضها ويكرهها، وإنما خلق الله ﷿ هذه الأمور السيئة والشريرة امتحانًا للعباد واختبارًا لهم، فنحن في دار ابتلاء ولسنا في دار جزاء.
فهؤلاء جعلوا هذه الأمور السيئة مثل الذنوب والمعاصي ونحو ذلك من جنس المصائب، وأنه يجب على الإنسان أن يستسلم لها، وأن الإنسان إذا استسلم لها فإنه يكون معذورًا فيها، ولا شك أن هذا ضلال مبين.
قال: [وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]].
إذًا: المشركون يحاولون الاحتجاج لعقيدتهم، ويعتذرون عن هذا الشرك، ويبررون هذا الشرك، وأن هذا الشرك الذي يقومون به هو عين الصواب؛ لأنه لو كان هذا الأمر يريده الله فكيف يكون موجودًا؟ وأنه ما دام أنه وجد فمعنى هذا أنه حق، وأن معيار الصواب والخطأ والحق والباطل وجود الشيء، وهذا لا شك أنه باطل، فليس معيار الشيء في وجوده، فقد يوجد في الكون أمورٌ فاسدة وأمور باطلة وانحرافات وضلالات وأمور خطيرة على حياة الإنسان، فليس كل موجود معناه: أنه حق وأنه طيب وأنه خير.
فالسم موجود، فهل يحتسيه الإنسان؟ وأنواع الحيوانات المفترسة موجودة، فهل يعرض الإنسان نفسه لها؟ هذه في الأمور الطبيعية.
وفي الأمور الشرعية الكفر موجود فهل هذا كله حق؟ وهذه الأمور المتناقضة: من يعبد الشيطان ومن يعبد الأصنام ومن يلحد وينكر وجود الله ﷿، ومن يتدين بدين خرافي لا أصل له، هل كل هؤلاء على حق لأنها موجودة؟ إذًا: ليس معيار الصواب والخطأ: الوجود في حد ذاته، لكن هؤلاء جعلوا الوجود معيار الصواب والخطأ، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠].
إذًا: معنى كلامهم أنه لما عبدناهم دَلَّ على أن الله يحب هذا، وهذا لا شك أنه باطل، فإن الله ﷿ خلق أمورًا كثيرة، هي من الأمور السيئة، سواءً في الأمور الطبيعية مثل الأمور الضارة بالنسبة للإنسان، وأيضًا في الأمور الشرعية، مثل الكفر والذنوب والمعاصي، وإنما خلقها للابتلاء، ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل.
ولو كان الوجود هو معيار الصواب والخطأ فما هي الحكمة إذًا من إرسال الرسل؟ يتدين الإنسان بأي دين ويعتنق أي مذهب، فإذا وجد فهذا يدل على أنه صواب، هذا مقتضى قوله.
ولا شك أن هؤلاء عند التحقيق لا يثبتون على هذا القول، يعني: عند التحقيق والتمحيص لا يثبتون عليه؛ لأنك تجد الطوائف مختلفة، فكل طائفة تتهم الطائفة الأخرى بأن عقيدتها باطلة، وأن مذهبها باطل.
لماذا أنتم تعتقدون أن عقيدة هؤلاء باطلة مع أنها موجودة؟ لو شاء الله ما فعلوها.
إذًا: الفكرة نفسها هي عبارة عن هروب في المناظرة، عندما يكون الحق قد حصر الباطل، ولم يستطع الباطل الفرار، وكان الواجب أن يعرف أنه باطل، فيخرج من مثل هذه المخارج الضيقة الباطلة التي يعرف الإنسان بمجرد التفكير فيها أنها باطلة.
وابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية قسمها على قسمين: قسم تحدث فيه عن الصفات.
وقسم تحدث فيه عن القدر.
فعندما تحدث عن القدر قسم أهل الانحراف في القدر إلى ثلاثة أقسام: المجوسية، والإبليسية، والمشركية.
فهؤلاء الذين يحتجون بالقدر على أفعالهم وتصويب أعمالهم بأنها موجودة، هؤلاء هم الذين شابهوا المشركين في قولهم.
[ ٣ / ٤ ]
تناقض غلاة الصوفية الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يُقَرَّ كل آدمي على ما يفعل، فلا بد إذا ظلمه ظالم، أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ يسفك دماء الناس، ويستحل الفروج، ويهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قِوام للناس بها، أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله.
ويقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: إن القدر حجة].
وهذا واضح في غاية الوضوح، ولهذا فإن الحقيقة أن مسألة الاحتجاج المطلق بالقدر لا يقف على قاعدة علمية دقيقة يمكن أن يناظر ويناقش فيها، وإنما هي عبارة عن مخارج يهرب منها بعض الناس إذا ضُيِّقَ عليه وبُيِّنَ له الحق.
قال: [وأصحاب هذا القول -الذين يحتجون بالحقيقة الكونية- لا يُطَرِّدون هذا القول ولا يلتزمونه].
يعني: لا يلتزمون به بشكل دائم، وإنما يحتجون فقط، فإذا ذكرت لهم نماذج أخرى أو أمورًا أخرى تورطوا، ولهذا يقولون بقول يخالف الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم.
قال: [وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به].
يعني: إذا قلنا له: يجب عليك أن تطيع الله ﷾، قال: أنا حر، وإرادتي حرة أفعل ما أشاء وأترك ما أشاء، فلا يفعل الطاعة.
وإذا فعل المعصية قلنا: لماذا تفعل المعصية؟ قال: لو شاء الله ﷿ ما فعلتها، يعني: عند فعل الطاعة تصير قدريًا وحرًا، وعند المعصية تصبح جبريًا وتؤمن بإرادة الله المطلقة؟ لا شك أن هذا تناقض.
[ ٣ / ٥ ]
تقسيم غلاة الصوفية للناس في باب الأمر والنهي إلى عامة وخاصة
قال المؤلف ﵀: [ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلًا، وأثبت له صنعًا، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد.
وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات].
خلاصة قول هؤلاء أنهم يفرقون بين الناس، ويرون أن الناس على قسمين: قسم يسمونهم العامة، وقسم يسمونهم الخاصة.
ويرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا.
ويزعمون أن العامة هم الذين لاحظوا أن الأمر والنهي لازم لأفعالهم، يعني: لم تتمكن منهم شهود الحقيقة الكونية إلى درجة أنهم تسقط عنهم التكاليف الشرعية، وإنما العامة قوم يعرفون الحقيقة الكونية، لم يشهدوها إلى درجة اليقين، فيعرفون الحقيقة الكونية معرفة عامة، ويلاحظون أن الأمر والنهي متعلق بأفعالهم، وأنهم ملزمون بالأمر والنهي، وأن لهم صفات، وأن لهم أفعال يفعلونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم قالوا: هؤلاء العامة.
وهذا الوصف الذي يصفون به هؤلاء الناس -يعني: العامة- وصف انتقاص؛ فإن هؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة من التعبد والشهود لهذه الحقيقة الكونية إلى درجة أنه يشعر بأنه لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله، وليس هو فاعلًا في الحقيقة، وإنما هو محل لفعل الله، مثل الإناء عندما يكون محل للماء.
ومثل أي شيء يحرك كما يقولون في العصر الحاضر بالريمونت، يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًا، وإنما الله ﷿ هو الذي يحركه، وأن الإنسان لا إرادة له، وهو مسلوب الإرادة، يقولون: نحن توصلنا إلى هذه النتيجة من خلال شهود الحقيقة الكونية.
ويترتب على هذا القول أن الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعله، هو فعل الله، وأن العمل الذي يقوم به ليس عمله، هو عمل الله.
ويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تسقط عنه التكاليف لأنه لا فعل له، فالتكليف يكون عندما يكون للإنسان فعل، ويحاسب على هذا الفعل، لكن إذا كان ليس له فعل فكيف يحاسب؟ وكيف يكون الإنسان يجازى على عمله؟ هذا لا فعل له، وإنما الفعل الذي فيه هو فعل الله، وحينئذٍ تسقط عنه التكاليف، فلا يكون مطالبًا بالأوامر والنواهي، ولا يطالب بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحج ولا بالزكاة، ولا يطالب بترك الزنا، ولا يطالب بترك الشرك، ولا يطالب بترك الخمر، ولا يطالب بترك أي عمل من هذه الأعمال، فهو يعمل ما يشاء، لكن هذه ليست إرادته هي إرادة الله، وليس فعله هو فعل الله، فهو محل لإرادة الله ولفعله كما زعموا.
وهذا لا شك أنه قول في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي يفعلونها، هي فعل الله، فإذا كفر نسبوه إلى الله، وإذا زنى نسبوه إلى الله، وإذا شرب الخمر نسبوه إلى الله، وجردوا الإنسان من إرادته، مع أن هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعايشه، وهو أن له إرادة وله عمل وهو محاسب على إرادته وعمله.
ولهذا تلاحظون أن الصوفية من الجبرية، إذا سئلت: من الجبرية؟ يعني: الذين يرون أن العباد والناس مجبورون على أفعالهم؟ فالصوفية تعتبر من أكبر طوائف الجبرية، فالجبرية طوائف منهم الصوفية ومنهم الأشعرية، ولهذا عامة صوفية الأشعرية يتفقون علمًا وعملًا، فالجانب العلمي يغطيه المذهب الكلامي الذي يتبناه الأشاعرة.
والمذهب العملي يغطيه الجانب الصوفي الذي يركز على الجانب العملي، مع أنه في الحقيقة قد جرد الإنسان عن العمل.
إذًا: الخاصة هؤلاء لا يرون أن الناس كلهم يسقط عنهم التكليف، وإنما يرون الخاصة هم الذين يسقط عنهم التكليف.
وأما العامة يلزمون بالأمر والنهي حتى يشاهدوا الحقيقة الكونية.
والفرق بين الطائفة الأولى والثانية: أن الطائفة الأولى ترى أن الكل يسقط عنهم التكليف؛ لأنهم مجبورون على أفعالهم، وأنه لا أفعال حقيقة لهم.
والطائفة الثانية يجعلون الناس قسمين: قسم عامة وهم الغالب، هؤلاء لم يشهدوا الحقيقة الكونية، ويرون أنهم ملزمون بالأمر والنهي ويرون أن لهم صفات وأن لهم أفعالًا، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه النتائج الباطلة حسب زعمهم هي أنهم لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا تامًا.
والقسم الثاني: الخاصة، وهم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا تامًا، وهؤلاء لا صفات لهم ولا أفعال لهم ولا إرادة لهم، وإنما هي أفعال الله وصفات الله وإرادة الله، وأن هذه الأعمال التي يقومون بها ليس لهم أي شيء، فيها سواءً الخير أو الشر، وأنه يسقط عنهم التكاليف؛ لأن التكليف يكون لمن له إرادة، ولهذا شبَّة هؤلاء الإنسان الذي شهد الحقيقة الكونية حسب زعمهم بأنه خالٍ من
[ ٣ / ٦ ]
سبب ضلال غلاة الصوفية في باب الاحتجاج بالقدر على المعاصي
قال: [وسبب ذلك: أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه].
يقول: كيف العبد يؤمر بشيء يقدر عليه خلافه؟ يعني: الأوامر الشرعية عامة لكل البشر، والنواهي عامة أيضًا لكل البشر، وكل البشر مطالبون بالأوامر الشرعية ومطالبون بترك النواهي التي نهى عنها الله ﷿.
وأيضًا: الله ﷿ قدر لكل إنسان أجله ورزقه وشقي أو سعيد، وهذا من الغيب الذي لا يعلمه الإنسان، فالإنسان ليس مطالبًا بكشف قدره، فهذا غيب لا يعرفه.
فالشيء المطالب به الإنسان هو العمل، ولهذا جاء الأمر والنهي عامًا لكل البشر.
والمشكلة التي وقع فيها هؤلاء هي أنهم لم يستطيعوا فهم كيف أن الله يأمر البشر جميعًا بأوامر، مع أنَّ كثيرًا منهم قد كتب عليهم الشقاء، فيقولون: كيف يأمر هؤلاء بأوامر، مع أنه كتب عليهم الشقاء؟ نقول: بالنسبة للعبد ليس مطالبًا أن يكشف القدر؛ لأنه غيب، ولو أراد أن يكشف القدر فلن يستطيع.
وكونه يعمل المعاصي ويحتج لهذه المعاصي على أن قدره أنه شقي هذا احتجاج فاسد؛ لأنه ادعاء ومحاولة لكشف علم الغيب بطريقة غير صحيحة؛ ولأنه بإمكانه أن يترك هذه الذنوب وأن ينقلب ويصبح من الصالحين.
ونحن نعرف أعدادًا كبيرة جدًا من الناس كانوا كفارًا فأسلموا، أو كانوا عصاةً فتابوا، فهؤلاء لو احتجوا وبقوا على كفرهم وقالوا: نحن كفار هل يمكن أن يتحولوا؟ لا يمكن أن يتحولوا، سيبقى على كفره ويحتج بكفره، لكن تحوله هذا يدل على أن هناك إرادة حقيقية عند الإنسان في التحول.
فأنت بإمكانك أن تقوم وتصلي لله ﷿، وتبكي من خشية الله وتقرأ القرآن وتكثر وتصوم، وبإمكانك أن تذهب وتزني وتفعل الفواحش وتشرب الخمر، وكل هذا متعلق بإرادتك.
وعملك في حد ذاته ليس كشفًا للقدر، فالقدر غيب، فبالنسبة للعبد هو مطالب بالعمل؛ لأن القدر بالنسبة له غيب لا يمكن اكتشافه، فلهذا قال النبي ﷺ عندما ذكر القدر للصحابة رضوان الله عليهم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟) يعني: إذا كانت أقدارنا مكتوبة سابقًا فلماذا نعمل؟ (قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) لأنك لا تدري ما هو المكتوب لك، فيجب عليك أن تحسن الظن، وأن تشعر أن بإرادتك فعل الطاعة وحينئذٍ ستفعلها، فالمكتوب عليك سابقًا لا ينبغي أن تحدده بأنه مثلًا الشقاء وتعمل له، هذا خطأٌ كبير.
فأنت يجب عليك أن تعتقد أن هذا سر الله ﷿ لا يعلمه إلا هو، وبالنسبة لك أنت ملزم بالعمل.
[ ٣ / ٧ ]
تقدير الله ﷿ لمقادير العباد
علم الله ﷿ بأفعال العباد علم شامل، فالعباد مخلوقات لله، ونحن مخلوقات لله ﷿، وقبل أن يخلقنا هو يعلم ﷾ تفاصيل خلقنا، وهو يعلم أعمالنا قبل أن نوجد، وهو يعلم كذلك ما سنموت عليه من العمل، وهو يعلم ﷾ أيضًا المنقلب الذي يصير إليه الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، هذا العلم الذي يعلمه ﷾ هو لشمول علمه ﷾ بكل شيء.
وعندما خلق الخلق لم يظلم أحدًا، فالله ﷿ غير ظلام للعبيد، خلق فيهم إرادات وخلق عندهم قدرات، وخلقهم في وضع وفي حال يمكن له أن يطيع، ويمكن له أن يعصي، كما قال الله ﷿: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال المفسرون: طريق الخير وطريق الشر.
وجعل هناك أمورًا تهديه للخير، وجعل هناك أمورًا يمكن أن تدله على الباطل، لكن الأمور التي تهديه للخير أكثر، فجعل عنده الفطرة التي تجعله يشتاق إلى الخير ويحبه ويطمئن له، وجعل هناك ملكًا من الملائكة يدعوه إلى الخير، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (إن للشيطان لمة وللملك لمة، فلمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ولمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق).
وأنزل كتبًا تشرح للناس الحقيقة الشرعية التي يجب عليهم أن يستمروا عليها، وجعل لهم عقولًا يستطيعون أن يميزوا بها بين الصواب والخطأ والحق والباطل.
وأرسل إليهم رسلًا يهدونهم ويعلمونهم ويشرحون لهم هذه الحقائق الشرعية، وجعل لهؤلاء الرسل علامات تدل على نبوتهم، ففرق بينهم وبين الداعية الكاذب، وجعل لهم المعجزات، هذه عصا موسى تنقلب إلى حية، وهناك فرق كبير بين عصا موسى التي انقلبت إلى الحية وبين عصي السحرة، ولهذا عرف السحرة أن عمله ليس كعملهم، لا لأن العصيَّ مثل الحية التي انقلبت بالنسبة لعصا موسى، يعني: حية كبيرة جدًا، لكنها حية حقيقية تغيرت العصا من عصا طبيعية إلى حية حقيقية، بينما عصيهم هم إنما خدعوا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وهم يرونها عصًا والناس يرونها حيات، وهذا هو الخداع الذي يقوم به السحرة.
فالسحر لا يغير حقائق الأشياء، يعني: عندما يأتي إنسان ويضع شيئًا ويرفع المنديل عنه وتكون حمامة لا يعني: أن هذا الشيء حقيقة، مثلًا إبريق، هذا الإبريق تغير تمامًا، فتغيرت مكونات الإبريق وصارت مكونات حمامة وطار لا، وإنما هو خداع لأعين الناس، وهذا هو فن السحر.
لكن الشاهد هو أن هذا -يعني: السحر- لا يغير حقائق الأشياء، وهذا هو الذي دفع السحرة أن يؤمنوا مباشرة، فقد كانت مملكة فرعون من أعظم الممالك المتخصصة في السحر، وقد انتقى أجود السحرة وأحسنهم، وعندما رأوا المعجزة التي جاء بها موسى مباشرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] بل إنه هددهم بالقتل فأصروا على العمل الذي آمنوا به.
وهكذا في محمد ﷺ عندما انشق القمر نصفين، وعندما خرج الماء من بين أصابعه ﵊.
وهكذا عندما يكلمه الشجر والحجر، وأنواع متعددة في معجزات النبي ﷺ، منها: معجزات تتعلق بالأمور الحسية.
ومنها: معجزات تتعلق بالأمور العلمية.
ومنها: دلائل للنبوة على صدقه، وأنه لا يمكن أن يكذب.
الشاهد: أن هذه الأمور كلها أسباب تدعوه إلى الخير، كما أن هناك أسباب تدعوه إلى الشر مثل: وجود الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والشهوات المرغبة في الحرام والتي تزين الحرام، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] إلى آخر الآية.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (أن الله ﷿ خلق النار فأمر جبريل أن ينظر إليها، فقال: إنه لا يراها أحد من عبادك ويدخلها) فحفها بالشهوات، وحف الجنة بالمكاره.
والشاهد من هذا الكلام كله هو: أن العبد مطالب بالعمل، وهناك إرادة حقيقية عند العبد يشعر بها، ولهذا لا يمكن للإنسان أن يكتشف القدر إلا بعد حصول العمل، يعني: الآن هذا كتاب بين أيديكم، أنا بإمكاني أن أقوم وأمزق الكتاب كله وأرميه، هل هذا صعب من ناحية إرادية أو من ناحية عملية؟ فأخذ الكتاب باليد وتمزيق الكتاب ورميه هنا والتحرك بالرجلين ليس أمرًا صعبًا من الناحية العملية.
وممكن أن آخذ هذا الكتاب وأن أكمل هذا الدرس وأن أخرج والكتاب معي، كلها ممكنة وقبل أن أعمل أنا مختار اختيارًا تامًا، ولو انتهيت من العمل سواءً أنهيت الدرس أو مزقت الكتاب وخرجت، بعدما أنتهي من العمل أعلم أن الله ﷿ كتب هذا أو هذا، لكن قبل العمل لا يمكن أن تقول: إن الله ﷿ كتب عليك أن تمزق الكتاب وتخرج، يعني: كأنه جبرك، يعني: كأن هناك أحد يرفع يدك بدون إرادة منك أنت، ويأخذ الكتاب وأنت غير راغب، وهذه يدك تتحرك بدون إرادة منك وترمي الكتاب وتخرج، بل هذا أمر يشعر به الإنسان، وهو أمر فطري فيه،
[ ٣ / ٨ ]
القدر قد يكون سببًا في هداية الإنسان وقد يكون سببًا في غوايته
وبعض الناس يفكر ويقول: لماذا الله ﷿ ما هداني إلى الخير؟ نقول: الهداية مرتبطة بالعمل والغواية مرتبطة بالعمل، يعني: الذي يقوم بعمل صالح يسر الله له الهداية، والذي يقوم بأعمال سيئة يكون سببًا في الغواية.
والناس في هذه الدنيا في دار ابتلاء وفي دار امتحان، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على نفسه، ولهذا يتكلم الوعاظ كثيرًا والصالحون عن هذه القضية، ولهذا قضية مثل قضية القدر يمكن أن تكون سببًا في هداية الإنسان، ويمكن أن تكون سببًا في ضلال الإنسان.
يمكن أن يهتدي إنسان بسببها؛ لأنه يشعر بقيمة الإرادة التي أعطاه الله ﷿ إياها، مع إيمانه اليقيني بأن الله كتب الأشياء السابقة، لكن هو لا يستكشف الغيب لأنه لم يصل إليه، ولا يستكشف الغيب لأنه قطعًا لن يصل إليه، وحينئذٍ يدفعه هذا إلى العمل، ولهذا أهل السنة وسط في باب القدر بين الجبرية الذين يكذبون على أنفسهم، فالواقع أنك لست مجبورًا، فهم يقولون: إن الإنسان مثل الريشة في مهب الريح.
وبين المعتزلة الذين يقولون: نحن دعاة حرية الإرادة، والإنسان مختار اختيارًا مطلقًا، وأن الله لم يكتب شيئًا سابقًا.
وهذا تكذيب للنصوص الشرعية الواردة في الشرع والأخبار القطعية الواردة والمتواترة من حيث النقل ومن حيث المفهوم، فهل تكذب هذا كله من أجل أنك لم تستطع أن تفهم كيف أن لك إرادة، وأن الله كتب عليك سابقًا أمورًا تتعلق بشقائك أو سعادتك؟ هذا فهم فاسد.
ولهذا نحن أهل السنة نؤمن بإرادة الإنسان الحرة واختياره، وإمكانية اختياره مع كتابة الله ﷿ له، وأن هذه الإرادة من خلق الله، وهذا الفعل الذي ينتج عن الإرادة من خلق الله ﷾، وأن أفعال العبد مخلوقة لله ﷿؛ لأنه لا يمكن أن يكون في كون الله ﷿ أمر غير مخلوق.
وأحيانًا قد يكون الإيمان بالقدر بالمفهوم الصحيح سببًا في اندفاع الإنسان للعمل، وبناءِ النفس وبناءِ الأمة وبناءِ الحضارة بأكملها.
وأحيانًا يكون الفهم الفاسد في القدر سببًا في الخنوع والضعف والاستسلام المطلق، ولهذا من أعظم أسباب هزيمة الأمة في العصر الحاضر هو الفهم الفاسد للقدر، وهو الذي جعلها مستسلمة.
قديمًا كان الصحابة يقاتلون في المعارك دون خوف؛ لأنهم يعرفون أن أرواحهم بيد الله ليست بيد البشر، وأنك إن لم تمت في المعركة مت على فراشك كما قال خالد بن الوليد: مثل موتة البعير.
فالموت سيأتيك سيأتيك، ولا محاولة للتأخير أو التقديم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
فأنت لو اندفعت في صفوف الأعداء وقاتلت قد تجرح، وقد تتأذى، لكن إذا لم يقدر الله لك أن تموت فلن تموت، وإذا هربت وجلست في بيتك خوفًا من الموت وقدر الله لك أن تموت ستموت ولو في منامك، ولهذا كم من رجلٍ يأخذ الكأس ولا يستطيع أن يكمل شربها؛ لأن حياته انتهت، كما أن الذي يقاتل في المعركة ويضرب برصاصة في صدره ويموت انتهت حياته، والكل انتهت حياته.
جعله يبني نفسه، ويبني أمته، ويحقق المقصد الشرعي في العلم والعمل، والمقصد الشرعي في العلم هو معرفته بإرادة الله ﷿ المطلقة، وأن الله ﷿ كتب هذه الأمور سابقًا، وأنه عالم بشئون العباد جميعًا، والعمل بالقيام بما أمر الله ﷿ به في حياة الإنسان.
وأحيانًا يكون القدر إذا فهمه الإنسان فهمًا باطلًا سببًا في الخنوع والذلة، ولهذا لما انتشر هذا المذهب الرديء مذهب الجبرية -مذهب الصوفية- لما انتشر في الأمة وأصبحت تمارسه ممارسةً بشكل تشعر به أو لا تشعر به كان سببًا في استذلال العدو لهم، فلما دخل الاستعمار في القرن الماضي كانت بلاد المسلمين محتلة جميعًا مثل العراق الآن، نسأل الله ﷿ أن يخرج هؤلاء الكفار من العراق ومن فلسطين ومن أفغانستان ومن كل بلاد المسلمين.
هؤلاء كانوا يحتلون كل بلاد المسلمين، فكانت مصر محتلةً وليبيا محتلةً والجزائر محتلةً والمغرب الأقصى بما فيه تونس محتلة، وكانت العراق محتلة أيضًا، وسوريا محتلة، وفلسطين كلها محتلة، كان الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي أحيانًا يسيطر على هذه البلاد الإسلامية وكانوا تحت الاستعمار، ومع هذا لم تتكون فرق جهادية لمقاومة مثل هؤلاء.
وكان من أعظم الأسباب الذي جعل هؤلاء في حالة خنوع مع الضعف المادي الذي كان موجودًا، هو الجبرية، وهذا المذهب الرديء يشعرك أن هذا الأمر بقضاء الله وقدره، وأن سيطرة هؤلاء الكفار مكتوبة علينا، وأنه يجب عليك أن تلتزم بما هو مكتوب عليك، وأن تخنع وأن تضعف وأن تركن، بينما الواجب هو أن يركز الإنسان على العمل مع إيمانه بما هو مكتوب عليه.
نعم دخل الأعداء بلادنا، هذا قدر مكتوب علينا، لكن نحن نقاوم القدر بالقدر، أيضًا قدر الله ﷿ وأمرنا أن نقاوم العدو وأن نقاتلهم، وأن نجتهد في إخراجه من بلادنا، وأن نعتبر أن هذا من فروض الأعيان علينا.
وهكذا الحال في باب المنكرات مثلًا، أحيانًا ينتشر المنكر قليلًا قليلًا في منطقة من المناطق، وهذه مشكلة تنتشر بيننا نحن، ونحن من
[ ٣ / ٩ ]
بيان حكم غلاة الصوفية القائلين بسقوط التكاليف عنهم بحجة القدر وغيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون: إنه صار من الخاصة، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة!].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله].
يعني: من الملازمة، يعني: أن الأمر والنهي ملازمان للإنسان، ما دام أن له عقلًا وأنه بالغ؛ لأن هذا هو مناط التكليف.
قال: [ما دام عقله حاضرًا إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عُرِّفَهُ وبُيِّنَ له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل، وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم].
يعني: الزهاد المتقدمون، حتى من كان فيه بدع من أهل التصوف لم تكن عندهم مثل هذه المقالات، هذه مقالات شنيعة جدًا وهي مقالات كما قال عنها ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) قال: مثل هذا طي لبساط الشريعة.
يعني: كأن واحدًا يطوي الشريعة ويجعلها بجانبه، وأما هو فيشتغل كما يشاء، ولهذا تتفق كثير من الأفكار حتى مع اختلاف توجهات أصحابها.
ألا تلاحظون هذه الفكرة تتفق مع العلمانية؟ العلمانيون يقولون: الأمر والنهي المتعلق بالسياسة والاقتصاد هذا لا نعمل به، وإنما يكون العمل في خاصة النفس، وهؤلاء يقولون: الإسلام الأمر والنهي، طبعًا هؤلاء أشد، ومقالتهم أعنف في رد الإسلام.
قال: [وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له؛ لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك.
ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥].
وقد ذُكِرَ عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام، والعبادة التي لم يشرعها الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨] إلى آخر السورة].
هذا فيما يتعلق بتحليل الحرام، يعني: أن شرك المشركين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عبادة غير الله.
والقسم الثاني: تحليل الحرام وتحريم الحلال.
طبعًا كلا هذين القسمين يتعلق بعضهما بالآخر، لكن هذا تقسيم للأعمال التي يقومون بها.
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] يعني: يحجرون على بعض الأنعام ويحرمون بعض الأنعام دون أي دليل شرعي من الله ﷿ في تحريم مثل هذه المباحات.
قال: [وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُ
[ ٣ / ١٠ ]
الطريق الذي يوصل الإنسان إلى شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
فإن قيل: ما هو الطريق الذي يوصل الإنسان إلى شهود الحقيقة الكونية عندهم؟
الجواب
الطريق كما في قوله هو: السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك.
إذًا: الطريق يكون بالسلوك بأعمال يقوم بها، هذه الأعمال لا يشترط أن تكون عبادات، يعني: زيادة الإيمان عندنا تتم بالعمل الصالح، بالصلاة، بالصيام، بالزكاة، بالخوف من الله، بالبكاء من خشية الله، بقراءة القرآن، بالذكر، هكذا يزيد العمل الصالح.
أما هؤلاء الضُلال الخرافيون الصوفية؛ فإن شهود الحقيقة الكونية عندهم يكون بالسلوك وبأعمال معينة يقومون بها لا علاقة لها بالأمر والنهي، ولا علاقة لها بالشريعة.
وهي أعمال متنوعة كثيرة، فبعضهم أخذ بعض الرياضات الموجودة عند الهنود، يعني: ربما يجلس أحدهم في الشمس المحرقة على رأس البيت عريان ليس عليه ملابس حتى يسوَّد جلده، وحتى تصيبه الأمراض، وحتى يشرف على الهلاك، وحينئذٍ تحصل في نفسه إرادات وخواطر وأفكار، كثير منها تكون أوهامًا، وهذه الحالة فرصة مناسبة للشيطان أن يعبث بالإنسان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
يعني: الإنسان السوي الطبيعي الذي صفاته طبيعية وشخصيته طبيعية، وملتزم بأمر الله، ومبتعد عن ما نهى الله ﷿، مع هذا يأتيه الشيطان ويوسوس له ويضله ضلالًا مبينًا، فكيف بالإنسان الذي وصل لهذه الحالة المزرية؟ ووضعه ليس طبيعيًا، إنسان يجلس في الشمس حتى يحترق جلده، وبعضهم قد يقف على رأسه ويرفع رجليه الساعات الطويلة، إلى درجة أنه يدخله نوع من الهوس ونوع من الأمراض الهستيرية التي تحصل عند من يمارس مثل هذه الرياضات.
فهم يقومون بأعمال عبارة عن رياضات، وهذه الرياضات تؤثر في نفوسهم فتحصل عندهم إرادات نفسية، وتحصل عندهم أوهام، وتحصل عندهم خواطر معينة، هذه الإرادات وهذه الأوهام وهذه الخواطر يسمونها: شهود الحقيقة الكونية.
والحقيقة أنها توصل إلى الجنون، وعندما يقولون: إنه سقطت عنهم التكاليف قد يقول الإنسان: إنه فعلًا سقطت عنهم التكاليف، لكن من جهة أخرى، فهم يرون أن عملهم هذا عمل جليل أوصلهم إلى سقوط التكاليف عنهم.
نحن نقول: إن هذا العمل الذي يقومون به أوصلهم إلى الجنون، والمجنون لا تكليف عليه، إنسان يقف على رأسه الساعات الطويلة والليالي الطويلة وأحيانًا يرافقها جوع، ويرون أن الجوع يصفي النفس، وأن التخم والأكل مضر، وقد يكون هذا له جوانب صحيحة من حيث الأمور الطبيعية، فالإنسان إذا كان بطنه ضامرًا يكون أخف نفسًا من الإنسان الذي يكون ممتلئًا مثلًا.
فالإنسان إذا كان ممتلئًا لا يرتاح نفسيًا، لكن هم يبالغون في هذا الموضوع، فالواحد منهم يستمر يومين لا يأكل شيئًا ويذهب إلى المغارات ويعيش مع الوحوش، وبعضهم يذهب إلى القاذورات وقد يأكل من القمائم أكرمكم الله، وقد يأكل مأكولات وسخة، وبعضهم قد يأكل نوعية من النباتات المؤثرة في النفس، والنباتات هذه تؤثر، فهناك بعض من الأكل الذي يؤثر في نفسية الإنسان، ويجعله مكتئبًا، والنفس والجسد متماسكان لا انفصال بينهما.
ولهذا فإن البنج أصله شجرة، والحشيش أصلًا شجرة من الخشخاش، يأخذونه ويخرجون منه مادة يشربها ويتغير الرجل تمامًا، كان عاقلًا معك قبل نصف ساعة، فإذا هو مجنون بعد ذلك.
إذًا: قد يعتمدون على نوع من الأدوية يتعاطونه، إما شربًا أو أكلًا أو زيتًا يتمسحون به، ولهذا وجد من مثل هؤلاء من يمارس السحر، وأكثر من نشر السحر في البلاد الإسلامية هم الصوفية، يعني: نحن لم يأتنا كفار نشروا السحر في بلاد المسلمين، وإنما السحرة هم أئمة الصوفية، وأشهر كتاب في السحر هو كتاب: (شمس المعارف الكبرى) مؤلفه: أحمد بن علي البوني، ويرون أن هذا الرجل من الصالحين، وقد ترجم له يوسف بن إسماعيل النبهاني في (جامع كرامات الأولياء) وقال: كان البوني من الأولياء الصالحين، وكان من كراماته أنه مجاب الدعوة.
ولهذا توجد طائفة عندهم وهم الرفاعية يمارسون السحر عمليًا، ووجدت طائفة تجمع بين الرفاعية وبين التشيع يسمونها: البكداشية، هؤلاء سحرة تمامًا، يأخذ الإنسان السيف ويدخله في بطنه ويخرجه من ظهره، ويقول: هذه من كرامات الأولياء، وهذه من ولايتي عند الله ومحبتي، ومن هذه الرياضات: أن ينقلب الإنسان على رأسه أيامًا طويلة حتى يحبه الله، وبعد هذا العمل الذي يفعله يترك الصلاة ويترك الصيام ويترك العمل الصالح؛ لأن الله يحبه حسب ظنه، إلى درجة أنه يدخل السيف في بطنه ويخرجه من خلفه، وأن الله ﷿ أعطاه هذه الموهبة إكرامًا له، إكرامًا على الانتكاس على الرأس وترك الصلاة والصيام والزكاة وترك الأعمال الصالحة، ولهذا فإن هؤلاء من أضل الناس، ومن أجهل الناس.
وبعضهم قد يأكل الحشرات، وبعضهم قد يأكل أنواعًا غريبة، ومنهم من يشرب السم، وقد يفعلون ذلك في الأطفال، ومع الأسف تجد الفضائيات الآن تغطي بعض هذه الطوائف وتعرضها من باب التثقيف العام دون أن تبين حقيقة مثل هؤلاء، فقد رأيت برنامجًا في شريط فيديو جاء
[ ٣ / ١١ ]
الصوفية من أعظم أسباب تخلف الأمة الإسلامية
ولهذا فإن من أعظم أسباب تخلف الأمة الإسلامية: الصوفية، ومن أكبر الأسباب التي جعلت كثيرًا من المثقفين الآن يترك الالتزام بهذا الدين ويتجه للعلمانية، ويقول: خرافات المسلمين مثل خرافات النصارى، فإذا كان النصارى يقولون: الأب والابن وروح القدس إلهًا واحدًا، فعندنا أناس يأكلون حيوانات وعقارب ويقولون: هذه من ولاية الله، فأصبح هؤلاء فتنة، وسببًا في ضلال العلمانيين؛ لأنهم لا يعرفون من الإسلام إلا ما رأوه في مجتمعاته.
وبعض العلمانيين الآن يقولون: ماذا تريدون منا؟ الدين أي دين؟ أي دين تريدون منا أن نلتزمه؟ نجلس عند القبور التي بنيت عليها الأضرحة، وتأتي مجموعة تضع صناديق عند الأبواب، ويضعون فيها نذورًا ويسرقونها، ويتكلمون باسم الأولياء الموتى، وربما لا يكون هناك ولي أصلًا؟ هذا الدين الذي تريدون أن نرجع إليه ونترك التحديث ونترك الواقع المعاصر الآن؟ انظروا إلى ما وصلت إليه أمريكا الآن، وأصبحت عندها هذه الأسلحة والقدرة الهائلة، طبعًا هذا كلام، لكن عند الحقيقة نجد أن العلمانيين هؤلاء لا يركزون على التحديث التقني المعاصر، بل يركزون على الشهوات، وعلى إفساد المرأة، وفعل المحرمات، فهم أناس ليسوا جادين، وقد يوجد منهم جادون، لكن أكثر هؤلاء أناس أصحاب مصالح خاصة.
ويأخذون أسوأ ما في الحضارة الغربية ويريدون منا التطبيق، ويتركون كثيرًا من القضايا التقنية الموجودة الأخرى التي يمكن أن نستفيد منها.
على كل حال الخلاصة من هذا الكلام: أن الصوفية والتصوف من أكبر أسباب تخلف الأمة، ومن أكبر الأمور التي جعلت الأمة تتأخر في ميدان التحديث والتقنية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقًا، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة، وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم].
يعني: الجهمية الذين ينفون صفات الله، وينفون أسماء الله ﷿، هؤلاء في باب العلميات مثل هؤلاء في باب العمليات.
قال: [الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات].
يعني: الجميع انحرف عن الكتاب والسنة، وجعلوا لهم طواغيت كما سماها ابن القيم ﵀، جعلوا لهم طواغيت تصدهم عن نصوص الكتاب والسنة.
هؤلاء الصوفية جعلوا الكشف وشهود الحقيقة الكونية صادًا عن الكتاب والسنة، والجهمية والمعتزلة والأشعرية جعلوا العقل وما يسمونه بالحقائق العقلية يصدهم عن الكتاب والسنة.
والشيعة جعلوا أئمتهم كأنهم أرباب، اتخذوهم وعبدوهم من دون الله ﷿، فصدوهم عن الكتاب والسنة.
وهكذا المبتدعة أو أصحاب المذاهب المعاصرة جعلوا الاتجاه الغربي والذهاب مع الغربيين سببًا من أسباب الصد عن الكتاب والسنة.
فكلهم انحرفوا لبعدهم عن الكتاب والسنة.
قال: [ثم الكتاب والسنة، إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه].
يعني: يغيرون معاني الكتاب والسنة ويريدون تغيير اللفظة، لكن لا يستطيعون، جاء رجل من الجهمية إلى أبي عمرو بن العلاء وهو من القراء الكبار وقال له: اقرأ قول الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] اقرأ بالنصب يعني: (وكلم اللهَ) حتى يكون المتكلم هو موسى، لا يريد نسبة الكلام إلى الله، لأنهم يرون أن الله غير متكلم، ولا يتكلم سبحانه وتعالى عما يقولون.
فقال: أرأيت لو فعلت لك ما تريد ماذا تصنع بقول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ففي هذه الآية نسب الكلام إلى الرب مباشرة.
وأما تحريف المعاني فهي كثيرة، فمثلًا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالوا: استولى وملك.
و﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] قالوا: اليد النعمة، وهكذا.
قال: [وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتدبرونه ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله!! مع اعتقادهم لنقيض مدلوله.
وإذا حُقَّق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة، وجدت جهلياتٍ واعتقاداتٍ فاسدة].
يعني: عند التحقيق، عندما تأتي للأدلة العقلية التي جعلوها سببًا في تأويل النصوص الشرعية، تجد أنها ليست عقلية، بل فيها كثير من القضايا مصادرة عن العقل، وتجد أن كثيرًا من العقلاء يخالفون فيها، وتجد أن القضية ليست قضية مسلمة، ومع هذا يتكلمون باسم العقل، وكأن عندهم تصريحًا ألا يتكلم باسم العقل إلا هم، وكأنهم احتكروا العقل لأنفسهم، مع أن الحقيقة العملية من خلال النقاش العملي معهم ليس عندهم إلا أدلة ركبوها، وظنوا أنها عقلية، لكن في الحقيقة هي مخالفة للعقل.
ولهذا نحن عندنا يقين تام أن خالق العقل هو الله، ومنزل النقل هو الله، ولا يمكن أن يتعارضا؛ لأن مصدرهما واحد، فالذي خلق العقل هو الله، والذي أنزل الشرع هو الله، فكيف يجعلون بينهما تعارضًا؟ ﴿
[ ٣ / ١٢ ]
رسالة العبودية [٤]
أصل كل بدعة وضلالة تقديم القياس أو العقل على النص المنزل من عند الله ﷿، ولهذا خرجت الصوفية وغيرهم من الفرق الضالة عن الصواب، وضلوا وأضلوا غيرهم بقولهم: إن مرحلة اليقين هي: شهود الحقيقة الكونية، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، مع أنه معلوم أن الأنبياء وهم خير الخلق لم تسقط عنهم التكاليف، وسبب اعتقاد الصوفية الفاسد هو تقديم الضلالات على الكتاب والسنة.
[ ٤ / ١ ]
أصل ضلال غلاة الصوفية الذين يشهدون الحقيقة الكونية دون الشرعية ويعطلون الأوامر والنواهي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام حول الذين يشهدون الحقيقة الكونية من أهل التصوف، وبيّنا ما في عقائدهم من الضلال والانحراف، واليوم نكمل إن شاء الله بقية هذا الموضوع بإذن الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله؛ فإن الذوق والوجد، ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته].
كل الضلالات والبدع والانحرافات أساسها: تقديم أصل من أصول الضلال على اتباع الكتاب والسنة، وأساس الحق: هو اتباع الكتاب والسنة، فأهل الكلام ضلوا عندما قدّموا العقل على النصوص الشرعية، والصوفية ضلوا عندما قدّموا الذوق والوجد والكشف على النصوص الشرعية.
والشيعة ضلوا عندما قدموا الإمام وقول الإمام على النصوص الشرعية، والمتعصبون من أهل المذاهب الذين يتبعون كلام الأئمة، حتى ولو خالفوا النصوص ضلوا أيضًا بسبب تقديمهم لقول الإمام على الكتاب والسنة، والهداية إنما تكون باتباع الكتاب والسنة، واتباع النص الشرعي من كلام الله ﷾، أو من كلام النبي ﷺ، والآيات والأحاديث الواردة في باب طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ.
واتباع ما جاء في القرآن واتباع ما جاء في كلام النبي ﷺ كثيرة جدًا، حتى إن بعض أهل العلم أوصلها إلى التسعين آية في هذا الباب.
[ ٤ / ٢ ]
تقديمهم للذوق والوجد على النص الشرعي
قال ﵀: [فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا).
وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه] مُراد الشيخ هنا: هو أن الصوفية قدموا أذواقهم على النص الشرعي، والحقيقة أن الذوق هو بحسبه؛ فأهل الإيمان من أهل العقيدة الصحيحة لهم ذوق خاص، لكن هذا الذوق يكون باتباع الكتاب والسنة، وفي الحديث: (من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) فله طعم وله حلاوة وله ذوق خاص، لكن هذا الذوق الوارد في الأحاديث الصحيحة ذوق في اتباع الكتاب والسنة.
وأما أهل البدع فلكل مبتدع ذوقه الخاص، فإذا كانت هذه الأذواق توضع كعقبات دون اتباع الكتاب والسنة فهذا هو الضلال المبين.
قال: [قيل لـ سفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] أو نحو هذا من الكلام.
فعباد الأصنام يحبون آلهتهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان؛ وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة].
يعني: الصوفية من الأمور التي ينمي الذوق عندهم: هو سماعهم للأناشيد والغناء، وتلذذهم بالأصوات الحسنة، وتعلقهم بهذا الأمر، مع أن هذا الأمر ليس من الأمور التي يبنى عليها مدح أو ذم، فجمال الصوت أو جمال الصورة ونحوها من الأمور الدنيوية لا يترتب عليها مدح في ذاتها، وإنما يكون المدح باتباع الكتاب والسنة.
ولهذا أشغلهم السماع، والتعبد بسماع الأصوات والتعلق بها عن سماع كتاب الله ﷿ وقراءته وتدبره فضلًا عن حفظ أحاديث النبي ﷺ والتفقه فيها.
وهناك كتاب لـ ابن القيم ﵀ كبير، اسمه السماع تحدث فيه عن هذه البدعة التي جاء بها الصوفية وهي: تلذذهم وتعلقهم بسماع الأصوات والطرب، والتعلق بالأغاني والأناشيد، وقد يستخدمون فيها الطبل، وقد يستخدمون فيها المزامير، وقد يكون الشخص المغني أو الشخص الذي يقوم بهذا الإنشاد فاسقًا، إلا أنهم يفضلونه ويعظمونه ويرون أنه مقدم عندهم.
إذًا: هؤلاء ابتعدوا كثيرًا عن الكتاب والسنة، سواءً في الوسيلة أو في الغاية أو في الذوق الناتج عن هذه الأعمال التي يقومون بها، فعباداتهم ليست كعبادات المسلمين المعروفة من الصلاة والصيام والتعلق بما عند الله ﷿، والتوكل على الله ومحبته، وإنما هي أصوات وطرب وغناء ورقص يتعبدون لله ﷿ بها، وهذا ابتداع ولا شك؛ ولهذا أوصلهم إلى هذه العقائد المضلة.
والغناء له جانبان: * جانب يقوم به أهل الفسق، وهذا الجانب الذي يقوم به أهل الفسق هو الغناء المعروف الذي يتحدث عن غزل النسوان والتعلق بهن ونحو ذلك، ويستخدمون فيه المعازف وآلات الطرب.
* وهناك نوع آخر من الغناء يقوم به الصوفية يتعبدون لله به، يجتمعون فيما يسمى بالحضرة، يرقصون ويطبلون ويغنون، وقد يصبح عند بعضهم شطح، فيتكلم بكلام لا يعقله، وقد يكون هذا الكلام فيه ردة وكفر، والعياذ بالله يتعبدون لله بهذه الطريقة، ويتركون العبادات الشرعية من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن وحفظ الحديث ودراسة العلم ونحو ذلك من الأعمال الفاضلة والطيبة.
قال: [فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده، وطاعته وطاعة رسوله! لا يكون متبعًا لدين شرعه الله أبدًا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)
[ ٤ / ٣ ]
مرتبة التاركين لما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة كالتوكل ونحوه
قال رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء طائفة أعلاهم عندهم قدرًا وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء، ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قًدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا ضلال مبين وغلط عظيم، فإن الله قدر الأشياء بأسبابها، كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما، كما قال النبي ﷺ: (إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلًا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون)، وكما قال النبي ﷺ لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فسييّسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيييّر لعمل أهل الشقاوة).
فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وفي قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] وقول شعيب ﵇: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]].
هذه الطائفة مختلفة عن الطائفة السابقة؛ فالطائفة السابقة لا تعمل شيئًا من الواجبات ولا تترك شيئًا من المحرمات، وإنما هم يسيرون حسب أهوائهم ويعتقدون أن هذا الهوى الذي يسيرون عليه، هو ما أراده الله ﷿ لهم، وهو ما أوجبه عليهم وهو مقتضى القدر الكوني، وهؤلاء جبرية كما سبق أن أشرنا إليه.
لكن هذه الطائفة مختلفة، هذه الطائفة مسلمة تأتي بالأمر وتترك النهي، يعني: تأتي بالفرائض وتترك المحرمات، لكن المشكلة التي وقعت عندهم وقعت في الأسباب، فهم يعتقدون أن التوكل على الله ﷿ يقتضي ترك الأسباب وأنك إذا كنت متوكلًا على الله ﷿، فإنك تترك هذه الأسباب، ولا تقوم بها؛ ولا شك أن هذا قول باطل، فهم متناقضون في هذا.
فالأسباب نوعان: أسباب طبيعية، وأسباب شرعية.
فالأسباب الشرعية هي: الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، فالإتيان بالواجبات وترك المحرمات من أسباب السعادة في الدنيا والفلاح ودخول الجنة في الآخرة، وهي سبب للبعد عن النار.
وهؤلاء جاءوا بالأسباب الشرعية، لكنهم يتركون الأسباب الطبيعية؛ ظنًا منهم أن هذا هو التوكل على الله ﷿، ولا شك أن هذا باطل، وأن هذا خطر كبير؛ فالتوكل لا يعارض العمل، ولهذا فإن الأحاديث التي استدل بها الشيخ يلاحظ أن الصحابة قالوا: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) فالعمل لا يتعارض مع القدر المكتوب؛ فالقدر المكتوب غيب لا يعلمه إلا الله ﷿، والمطالب به الإنسان في الدنيا هو العمل، فالله ﷿ أمره ليعمل ونهاه ليعمل، وفق ما أراد الله ﷿ من ترك المحرمات، فترك المحرم عمل كما أن فعل الواجب عمل.
ولهذا ربط الله ﷿ بين التوكل الذي هو: التفويض، وبين العبادة التي هي: العمل فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وهذا فيه إشارة عظيمة إلى أن التوكل الذي يفهمه هؤلاء ليس هو التوكل الشرعي.
فالتوكل الشرعي يقتضي التفويض لله ﷿ مع العمل؛ ولهذا قال: «فاعبده» ولو كان التوكل يقتضي ترك العمل لما اقترنت العبادة بالتوكل، ولكان التوكل معنى سلبيًا يدل على ترك جميع الأسباب الطبيعية، والأسباب الشرعية.
ولا شك أن الأسباب مخلوقة لله ﷿، وأنها لا تمضي ولا تتحقق في الواقع، إلا بعد مشيئة الله ﷿ وإرادته، فالسبب ليس خالقًا، وإنما هو وسيلة خلق الله ﷿ المخلوقات وتدبيرها، خلق الله ﷿ الزرع بالمطر، وجعل السكين سببًا في القتل، وجعل الماء سببًا في الري، وجعل الأكل سببًا في دفع الجوع، وجعل العمل الصالح سببًا في دخول الجنة، وجعل ترك المحرمات سببًا في البعد عن النار، وجعل فعل المحرمات سببًا في دخول النار، فهذه أسباب طبيعية وشرعية خلقها الله ﷿ في الكون، والواجب هو أن يأتمر الإنسان بأمر الله ﷿ فيها، فيبتعد عما نهاه عنها، ويفعل ما أمره بها، وإذا كانت هناك أسباب طبيعية، يدفع هذه الأسباب التي قد تضره بالأسباب الأخرى التي تنفعه، وقد سبق أن ذكرنا القاعدة النفيسة التي ذكرها الشيخ عبد القادر الجيلاني عندما قال: نحن ندفع قدر الله بقدر الله، وهذه من أعظم القواعد الشرعية في هذا الباب.
[ ٤ / ٤ ]
مرتبة التاركين للمستحبات دون الواجبات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك].
وهذه الطائفة الرابعة أحيانًا قد تترك المستحبات من الأعمال، ظنًا أن هذا من التوكل، لكن الواجبات تقوم بفعلها، فهذا نقص وفهم فاسد للتوكل ونقص في التعبد لله ﷿.
[ ٤ / ٥ ]
مرتبة المنشغلين عن العبادة بخوارق العادات
قال: [ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة، فيشتغل أحدهم بهذه الأمور عما أمر به من العبادة والشكر، ونحو ذلك؛ فهذه الأمور ونحوها كثيرًا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت.
كما قال الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.
وذلك أن السنة كما قال مالك ﵀: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق].
هذه الطائفة مختلفة عن الطوائف السابقة، وهذه الطوائف الخمس تشترك في مقسم واحد وهو شهود الحقيقة الكونية، أحيانًا يكون شهودهم للحقيقة الكونية يدفعه لترك العمل كله، أحيانًا بترك جزء من العمل، وأحيانًا يدفعه إلى فهم القدر بوجه غير صحيح، وأحيانًا يدفعه لترك المستحبات كما في الطائفة الرابعة، وأحيانًا شهود الحقيقة الكونية مع التعلق بشيء من الكرامات، كخرق عادة أو مكاشفة سواءً علمية أو عملية، يدفعه ذلك للانشغال بها عن العبادة الحقيقية؛ فأحيانًا الإنسان قد يوفقه الله ﷿ فيحصل له شيء من الكرامات، فبدلًا من أن يحمد الله ﷿، وأن يشكر الله ﷿ وأن يزيد في العمل الصالح، يشتغل بها ويتعلق قلبه بها، ويفكر فيها في كل وقت، ويجعلها ديدنًا له بشكل مستمر، فيترتب على هذا عند هذا الشخص أنه يهمل في الشكر والعبادة، وهذه إحدى مداخل إبليس، ولهذا ذكر ابن الجوزي ﵀ في (تلبيس إبليس) نماذج كثيرة من تلبيس الشيطان في كل أبواب الخير؛ فهناك تلبيس للشيطان في العلم، وهناك تلبيس للشيطان في العمل، وهناك تلبيس للشيطان في القراءة، وهناك تلبيس للشيطان في الدعوة، وهناك تلبيس للشيطان في كل باب من الأبواب، يأتي الشيطان ليضله في أصل الدين، فإذا لم يستطع أن يضله في باب من الأبواب الواجبة، فإذا لم يستطع يحاول أن ينقص ما عنده من العمل، فإذا لم يستطع يحاول أن يشغله بأمر من الأمور التافهة التي لا قيمة لها، فيشغله عن الأعمال الصالحة، كما حصل في حالة هؤلاء.
ولهذا لا نجاة ولا فلاح ولا راحة للإنسان، ولا طمأنينة ولا سعادة له، إلا باتباع كلام الله ﷿، وكلام رسوله ﷺ؛ فاتباع السنة هو النجاة.
ولهذا شبهها الإمام مالك بأنها سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق، وهذا التشبيه تشبيه بليغ، لأن سفينة نوح عندما جاء الطوفان عم الأرض، وقال لابنه: إنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ومن نجا هو من كان مع نوح في السفينة؛ وهكذا السنة، من دخل في السنة وعمل بما أمر الله ﷿ به، وأمر به الرسول ﷺ نجا من الهلاك، ومن ابتدع أيًا كانت بدعته كبيرةً أو صغيرة، فإنه في ضلال وهلاك.
[ ٤ / ٦ ]
حقيقة العبادة الشرعية وأركانها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد ولها أصلان.
* أحدهما: ألا يعبد إلا الله.
* الثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا يعبد بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]].
الأصلان موجودان في الآية في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وصف العمل بأنه صالح، وهو متابعة سنة النبي ﷺ، وهذا هو الأصل الثاني: ألا نعبده إلا بما أمر وشرع، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] هذا هو الأصل الأول ألا يعبد إلا الله.
قال: [وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]].
وأيضًا الأصلان في هذه الآية: «بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ»، «أَسْلَمَ وَجْهَهُ» هذا هو الأصل الأول، ألا يعبد إلا الله.
وقوله: «وَهُوَ مُحْسِنٌ» هذا هو الأصل الثاني، ألا يعبد إلا بما أمر وشرع، لأن إحسان العمل معناه: الإتيان به على الوصف الشرعي الذي أمر به النبي ﷺ.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
فالعمل الصالح: هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات: هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب واستجاب].
أما ما كان مخالفًا له فهذا يدل على أنه ليس على ما أمر به النبي ﷺ، يقول ﵊: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: مردود على صاحبه.
[ ٤ / ٧ ]
رد ما كان مخالفًا للكتاب والسنة من البدع والمعاصي
قال: [فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب، ولا في صحيح السنة فإنها -وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل- ليست مشروعةً، فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لا يجوز -كالفواحش والظلم- ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح].
إذًا: العمل الصالح هو ما كان موافقًا لسنة النبي ﷺ، ويخرج به أمران: * الأمر الأول: العمل السيئ الذي هو معصية، مثل الفواحش والسرقة ونحو ذلك.
* والثاني: الابتداع، وهو التعبد لله ﷿ على غير طريقة المرسلين.
قال: [وأما قوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١١٢] فهو إخلاص الدين لله وحده.
وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة].
يمكن مراجعة الأدلة التفصيلية في الكتب التي تحدثت عن البدع، مثل: كتاب الباعث في إنكار البدع، والحوادث لـ أبي شامة، وكتاب الحوادث والبدع للطرطوشي، وكتاب الاعتصام للشاطبي، وأيضًا يمكن أن يراجع شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وشرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) في جامع العلوم والحكم، فقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي كثيرًا من النصوص في الأصل الأول، وكذلك في الأصل الثاني.
[ ٤ / ٨ ]
توجيه عطف بعض الأعمال على العبادة مع أنها داخلة فيها
قال: [فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلًا في اسم العبادة، فلماذا عطف عليها غيرها، كقوله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وقوله لنبيه ﷺ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣] وكذلك قول غيره من الرسل قيل؟!].
هناك قاعدة في العطف ينبغي إدراكها وهو: أن العطف لا يقتضي التغاير دائمًا، وإنما أحيانًا يكون العطف يقتضي عطف الخاص على العام، لإبرازه وبيان مكانته، فالعمل من الإيمان، ومع ذلك يقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء:٥٧] وأيضًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] مع أن الصلاة الوسطى من الصلوات أيضًا، وتخصيص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها ومكانتها.
قال: [قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] والفحشاء من المنكر].
هذا من أنواع العطف العام على الخاص، وأحيانًا يكون العكس.
قال: [وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠] وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب، وكذلك قوله عن أنبياءه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ودعاؤهم رغبًا ورهبًا من الخيرات، وأمثال ذلك في القرآن كثير.
وهذا الباب يكون تارةً معْ كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصًا له بالذكر، لكونه مطلوبًا بالمعنى العام والمعنى الخاص.
وتارة دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران، فإذا أفرد عمَّ، وإذا قرن بغيره خص، كاسم الفقير والمسكين، لما أفرد أحدهما في مثل قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٣] وقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] صارا نوعين.
] إذًا العطف أحيانًا يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وأحيانًا لا يقتضي التغاير، إنما له دلالة أخرى، وقد ذكر الشيخ هنا نوعين من الدلالة: * النوع الأول: أن يكون الشيء معطوفًا على جزئه، أو معطوفًا الجزء على الذي هو جزء منه، سواءً من عطف الخاص على العام، أو من عطف العام على الخاص، لبيان أهميته ومكانته ومنزلته، والأمثلة السابقة تدل على هذا المعنى.
* والنوع الثاني: من أغراض العطف أن يكون الاسم أحيانًا يقتضي معنى عامًا، وأحيانًا يقتضي معنى خاصًا، فإذا أطلق اقتضى معنى عامًا، وإذا قيد اقتضى معنى خاصًا، وهذا كثير في الفقير والمسكين، وفي الإيمان والإسلام، وفي البر والعمل الصالح وفي غيرها.
قال: [وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب.
] هذا معنى آخر، وهو أنه أحيانًا يعطف الخاص على العام، ولا يكون أثناء هذا العطف داخلًا في المعنى العام، وإنما يكون مخصوصًا بمعنى يخصه حال العطف، فمثلًا: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» هنا يمكن أن يستدل بهذه الآية المرجئة الذين قالوا بأن الإيمان يقتضي التصديق، والعمل الصالح خارج عن الإيمان، فردّ عليهم أهل السنة بأحد وجهين: * الوجه الأول: أن يقال: إن العمل الصالح هنا جزء من الإيمان.
والعطف هنا لبيان أهمية العمل الصالح كما سبق في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] مع أن الفحشاء من المنكر.
* وقيل بأن الإيمان أحيانًا يطلق بمعنى عام يشمل العمل، وأحيانًا يطلق بمعنى خاص يقتضي إيمان القلب فقط، فيكون في هذه الآية: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» الإيمان يقتضي إيمان القلب فقط.
وهذا التوجيه أيضًا صحيح لا بأس به.
قال: [والتحقيق أن هذا ليس لازم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧].
وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة: تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وتارة لك
[ ٤ / ٩ ]
كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله مدة بقائه في الدنيا
قال: [إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية، ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل! فهو من أجهل الخلق، بل من أضلهم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨]].
هذه قاعدة في باب العبودية، وهو: أن العبودية ملازمة للإنسان منذ التكليف إلى الوفاة، وأن الإنسان مهما تقلب في الأعمال الصالحة، وفي التعبد لله ﷿، فإنه سيظل عبدًا لله حتى يموت، مهما وصل من الدرجات في العبادة، ولهذا يعتبر الصوفية من أبرز الناس عناية بمراتب التعبد وبدرجات التعبد ومقامات التعبد، وكما سبق أن الصوفية أنواع وليس نوعًا واحدًا.
منهم من جعل التعبد أمرًا سلبيًا يقتضي ترك التدين لله ﷿، ويقتضي الفساد في الأرض، وهؤلاء أمة ضالة منحرفة.
وهناك من الصوفية من اشتغل في العبادة لله ﷿، ولكن مع هذا الاشتغال شيء من الانحراف، سواءً في الوسائل أو في المقاصد، أو سواءً في الدلائل أو في المسائل، يقعون في شيء من الانحراف، ولهذا قد يجتهد بعضهم ويرتب مقامات متعددة للعبادة هي ليست بلازمة.
وهناك من أهل السنة من اجتهد في وضع مقامات للعبادة، بعضها من الأعمال الصالحة التي نص عليها في الكتاب والسنة، وبعضها من المنازل التي هي عبارة عن نتائج للأعمال الصالحة، وقد اختلف العلماء الذين كتبوا في السلوك في هذا الباب اختلافًا واسعًا وكبيرًا.
وهناك تحقيق رائع لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في كتابه التحفة الإعراقية، يقول فيه: إن ترتيب المنازل هي أعمال اجتهادية، وأحيانًا قد يرتب الإنسان بعض المنازل بحسب ما وصله من العلم أو العمل.
يعني: ما وصله من العلم عن الآخرين، أو ما وصله من العمل في نفسه، فيرتبها بطريقة اجتهادية، وبعضهم يأتي ويزيد، وبعضهم يقسم المنزلة الواحدة إلى منزلتين أو أكثر، وبعضهم يضم ثلاث منازل في منزلة واحدة، وهكذا فهي أمور اجتهادية كالزهد والورع والتعبد، أساسها عند أهل السنة ينشأ من تطبيق الأمر والنهي، يعني: إذا أراد الإنسان أن يصل إلى منزلة عالية في العبودية، وأن يصل إلى منزلة عالية في الإيمان؛ فإنه يبدأ بالأمر والنهي، يبدأ بفعل ما أمر الله به، وترك ما حرم الله ﷾، فكلما زاد ضبطًا لنفسه، وكلما ازداد في العمل الصالح، وكلما ابتعد عن المحرم، ارتفع في الإيمان أكثر وأكثر، حتى يصل إلى درجات قد لا يصلها كثير من الناس، وقد لا يثبت عند هذه الدرجة، بمجرد أن يقع في خلل، قد ينزل به عن هذا المستوى الذي وصل إليه.
إذًا: أساس العبودية، وأساس المقامات العالية في الإيمان: اتباع الأمر والنهي.
وأصل اتباع الأمر والنهي: هو العلم بالعبادات الشرعية، ومعرفة وصفها الشرعي ومعرفة كيف يقوم بهذه العبادة، وبناءً على هذا يجتهد في العمل، وحينئذٍ سيصل إلى مقامات عالية في هذا الباب.
والآيات القادمة كلها تجتمع في معنى واحد وهو: أن كمال المخلوق في التعبد لله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥].
وقال تعالى في المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]].
مع أن الأنبياء هم أعلى الناس تعبدًا لله ﷿.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِح
[ ٤ / ١٠ ]
التعبد لغير الله تعالى
ثم يتحدث المؤلف عن التعبد لغير لله ﷾، سواءً التعبد المطلق الذي يوصل إلى الشرك الأكبر مثل: عبادة غير الله ﷾، أو أن يكون بنوع من التعبد مثل: الذل، والافتقار، والحاجة إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال التي لا توصل إلى الشرك الأكبر، وإنما هي من نقص كمال التوحيد الواجب.
فالقدح في التوحيد نوعان، النوع الأول: قدح في أصل التوحيد، وذلك يكون بالكفر والشرك بالله المخرج عن دائرة الإسلام، والنوع الثاني قوادح في كمال التوحيد الواجب، ويكون ذلك بالشرك الأصغر، مثل التمائم التي لا يعتقد أصحابها فيها أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما يتعلق بها مع أنها ليست سببًا شرعيًا ولا طبيعيًا، وهذا يعتبر من الشرك، وهو من التعبد لغير الله ﷿، لكنه ليس تعبدًا مطلقًا تامًا، وهكذا الحال في الرقى التي لا يكون فيها استغاثة بغير الله ﷿، وإنما تكون بالكلمات المجملة والغريبة في المعنى، لكن ليس فيها استغاثة بغير الله، وهكذا الحال في مسألة الغلو في الصالحين، وكل قدح من القوادح في التوحيد وفي عبادة الله ﷿ فإنه لا يخلو من الحالتين السابقة: إما أن يكون قدحًا في أصل التوحيد، أو يكون قدحًا في كمال التوحيد، والقدح في كمال التوحيد أحيانًا يكون قدحًا في كمال التوحيد الواجب، ويكون فعله حينئذٍ من الشرك الأصغر أو من المحرم، أو قدحًا في كماله المستحب، كما هو الحال فيمن استرقى أو اكتوى أو خالف أحد الأوصاف الواردة في حديث السبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ذكر النبي ﷺ وصفهم بقوله: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، مع أن الاسترقاء والاكتواء ليس محرمًا، وإنما هو مكروه، وهكذا سؤال الخلق فيما لا يصل إلى المحرم؛ فهذا يعتبر من القدح في كمال التوحيد المستحب.
وأحيانًا قد يكون الإنسان عنده قدح في التعبد لله، مثل التعلق بما في أيدي الخلق، وعدم التوكل الحقيقي على الله ﷾، كالتعلق بالطبيب عندما يكون الإنسان مريضًا، أو التعلق بصاحب العمل إذا كان الإنسان موظفًا عنده، أو التعلق بالدنيا ومتاعها والخوف من الموت، والتشبث بهذه الدنيا والتعلق بها، والشعور بأن الآخرين يملكون شيئًا من رزقه الذي أعطاه الله ﷿ إياه، أو الخوف من الخلق الذي يمنعه من بعض الأعمال الصالحة، ويمنعه من الدعوة إلى الله، ويمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمنعه من الإصلاح، وهناك أشخاص يحصل عندهم الخوف من أولياء الشيطان ومن الظالمين، يوصله هذا الخوف أحيانًا إلى ترك كثير من الأعمال الصالحة، فيترك الدعوة، ويقول: إنه إذا دعا إلى الله ﷿ فإنه قد يكتب عنه! وقد يلحقه ضرر في عمله أو في ولده أو في نفسه! وأكثر هذا وهم، ولو ترتب على ذلك شيء من هذا الأمر، فإنه لا يجوز للإنسان أن يترك ما أوجبه الله ﷿ عليه، وفي إمكانه أن يؤدي هذا الواجب، وإنما يسقط عنه في حال عدم القدرة التامة في فعله، أما في حال إمكان القدرة عليه، لكن لوجود هاجس وخوف عند الإنسان، هذا ينطبق عليه قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
وهكذا الحال في التعلق بالمال والدنيا، جاء في الحديث: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).
قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) هل الإنسان يتعبد للدينار والدرهم عبادة كالصلاة الصيام ونحو ذلك؟ لا، وإنما يتعبد لها بالتعلق بالدنيا، وبالتعلق بالدرهم والدينار، وطلب ما في أيدي الناس، وقد يفعل المحرم لأجلها، وقد يترك الواجب لأجلها، هذا التعلق هو نوع من التعبد لغير الله ﷿، وإن كانت هذه الأنواع ليست في الحكم الشرعي بمنزلة واحدة، فالذي يتعبد بغير الله ويسجد للصنم أو يتعلق بالأولياء والأضرحة، أو يوالي أعداء الله ﷿ ويحبهم لدينهم، أو نحو ذلك من الأعمال التي قد توصل إلى الشرك الأكبر، هذا ليس مثل من يسترقي أو يكتوي، أو يقوم ببعض الأعمال التي تنقص عبادته، ويكون هناك جزء من التعبد عنده، مصروف لغير الله ﷿؛ فهذه في الحكم الشرعي ليست بمنزلة واحدة، لكن يجمعها جميعًا التعبد لغير الله ﷿، ولو بقدر بسيط.
ومن التعبد لغير الله: عشق الصور مثلًا أو إنسان يعشق امرأة جميلة مثلًا، أو يعشق غلامًا أمردَ يتعلق به، ويشغله هذا التعلق، وفي كل مكان يفكر فيه! ويجعله هو ديدنه حتى في وقت صلاته! أو في وقت أكله! أو في وقت نومه! وقد يصيبه والعياذ بالله من التعاسة والنكد والشقاء الشيء الكثير.
والحقيقة: أن أساس العبادة هو المحبة، وعدم المحبة حقيقتها التعلق.
ولهذا قال ابن تيمية ﵀ في غير هذا الكتاب: إن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى
[ ٤ / ١١ ]
رسالة العبودية [٥]
يتفاضل العباد بإيمانهم بالله ﷿ وتقواهم، وكلما عمل الإنسان صالحًا وصبر، ورضي بقضاء الله وقدره، وتوجه بعبوديته كاملة إلى الله ولم يسأل أحدًا من الخلق، ولم يحتج إليهم، زاد إيمانه وعلا قدره عند ربه سبحانه، فالتعلق بمحبة الله ﷿ والتوكل عليه يورث العبد الطمأنينة والاستقرار النفسي في حياته.
[ ٥ / ١ ]
قوادح في العبودية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: في الدرس الماضي انتهينا من الكلام حول الطوائف التي اشتغلت بشهود الحقيقة الكونية عن الحقيقة الشرعية، وما ترتب على هذا الشهود عندهم من عقائد تتفاوت ما بين الغلو المطلق، وما بين الاشتغال بما لا يعني ولا يفيد وبينهما درجات متفاوتة، ثم أكملنا الحديث حول الحقيقة الشرعية للعبودية، وأنها مبنية على أصلين: على ألا يعبد إلا الله، وعلى ألا يعبده إلا بما شرع الله ﷾.
فيتحقق بهذا الإخلاص والتوحيد، ويتحقق به أيضًا متابعة الرسول ﷺ، والأول: هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: هو تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ، وهناك قوادح تلحق بالعبودية، وهذه القوادح وهذا الخلل الذي يحصل في العبودية ليس على درجة واحدة، وإنما هو بشكل متنوع ومتفاوت، فمن القدح في العبودية ما يكون بعبادة غير الله ﷿، ويكون شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، مثل: الذبح لغير الله، والاستغاثة بغير الله، ومثل: التوكل على غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وهذه الأنواع من الشرك الأكبر يجمعها عبادة غير الله ﷾، وفي كل نوع من هذه الأنواع ضوابط دقيقة ينبغي على طالب العلم أن يتعلمها، وربما تذكر عادة في شرح كتاب التوحيد؛ لأنه اعتنى بها تفصيلًا، واعتنى بما يلحقها من الشرك الأكبر والأصغر تفصيلًا، فمثلًا: دعاء غير الله ﷾ إذا كان فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فإنه يكون شركًا أكبر.
أما إذا كان فيما يقدر عليه المخلوق، فهذا يأتي في السؤال الذي تحدث عنه ابن تيمية في هذا الكتاب بالذات العبودية، وأن الأصل في سؤال الناس هو: التحريم، إلا أنه أبيح للحاجة، ولهذا يستحب أهل العلم أن لا يسأل الإنسان إلا لحاجة، وأنه ينبغي له أن يؤدي العمل بنفسه، وهكذا كان الصحابة، كان إذا سقط سوط أحدهم فإنه ينزل ويأخذه ولا يقول لأحد: ناولنيه، وهذا لا يعني أن سؤال الخلق فيما يقدرون عليه محرم، بل إذا كان فيما يقدر عليه الإنسان فهو ليس بمحرم، لكن من دقائق العبودية أن الإنسان لا يسأل في ما يقدر عليه الخلق، وإنما يعتمد فيه على الله ﷿، ويبذل السبب الذي يكون أداؤه بنفسه.
فالضابط في دعاء غير الله، وفي الاستغاثة بغير الله هو: أن يكون فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: مغفرة الذنب، والرزق، ودخول الجنة، والعتق من النار، ونحو ذلك من أنواع الأعمال التي لا يقدر عليها إلا الله ﷾، فمن سألها غير الله ﷿، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وكذلك الحال في الذبح له ضابط، فليس كل أنواع الذبح يكون شركًا أكبر، فالذبح إذا كان للضيف، أو زاره زائر وذبح له من أجل أن يأكل فهذا ليس فيه شيء، إذا كان الإنسان يذكر اسم الله ﷿ على الذبيحة، لكن الذبح الذي يكون شركًا أكبر هو: الذبح الذي يفعله العبد للتعبد والتقرب لغير الله تعالى، فمثلًا لو أنه جاء إلى قبر ولي أو نبي، فذبح عنده بقصد التقرب لهذا النبي وهذا الولي، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وهكذا الحال في سائر أنواع العبادات، لها ضوابط دقيقة تحدد النوع الذي يكون عبادة من هذا العمل، والنوع الذي لا يكون عبادة، فالذي يكون عبادة يجب أن يصرف لله ﷿، والذي لا يكون من العبادات فإنه يجوز للإنسان أن يتعاون مع الخلق في ذلك، والأصل في ذلك قول الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
[ ٥ / ٢ ]
قوادح في العبودية لا تصل إلى الشرك الأكبر
وهناك قوادح في العبودية لكنها دقيقة لا تصل إلى الشرك الأكبر، فهي تنقص قدر العابد، لكنها لا تخرجه عن دائرة الإسلام، ويكون هذا غالبًا في تعلق القلب بغير الله ﷿ تعلقًا لا يوصله إلى الشرك الأكبر، فإذا صار وسيلة إلى الشرك الأكبر، صار من الشرك الأصغر، كما هو ضابط الشرك الأصغر عند العلماء، أو إذا كان العمل يوصل إلى الشرك الأكبر ووصف في الشرع بأنه شرك، ولم يصل إلى درجة الخروج من دائرة الإسلام، فإنه يعتبر شركًا أصغر.
أما ما كان دون ذلك من تعلقات القلب، كالتعلق بالطبيب أو بالوظيفة أو بالزوجة، أو بأي عرض من أعراض الدنيا، هذا التعلق لا يخلو من حالات، فإن رده عن طاعة الله ﷿، أو دفعه إلى معصية الله ﷿، فإن هذا من الشرك والعياذ بالله.
وإن لم يصل إلى ذلك وإنما هو تعلق قلبي وافتقار قلبي فهو بحسبه وبقدره، لكنه ينقص قدر صاحبه ولا يكون عنده تمام التوحيد، ولهذا في قصة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، منهم الذين لا يسترقون، ومعنى يسترقون يعني: يطلبون الرقية، فإن الألف والسين والتاء إذا جاءت تدل على الطلب، فمعنى استغفار: طلب المغفرة، واستغفر أي: طلب المغفرة، واستعان أي: طلب العون، واستغاث أي: طلب الغوث.
فالاسترقاء معناها: طلب الرقية، وإنما نقص قدر المسترقي عن درجة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؛ بسبب الحاجة التي تحصل عندما يطلب من غيره الرقية، خصوصًا في حالة المرض، فالإنسان في حالة المرض يكون تعلقه بالدواء، وتعلقه بمن يعتقد عنده دواء، بالذات إذا كان فيه أمر غيبي مثل: حالة القارئ فإنه ليس مثل العقاقير، أو العمليات التي تجرى، بل لها أسباب مادية ملاحظة.
أما بالنسبة للقراءة والرقية فإنها في الغالب تعتمد على أمر غيبي وهو: توفيق الله ﷿ واستجابته للدعاء، وكذلك الأمور الطبيعية والأسباب كما سبق أن ذكرنا فيها قاعدة، وهي أن الأسباب لا تؤثر في المسببات إلا بشروط، منها: أن يكون هذا السبب سببًا حقيقيًا سواءً كان طبيعيًا أو شرعيًا، ومنها أيضًا: أن يشاء الله ﷿ أن يؤثر هذا السبب، فإن لم يشأ الله ﷿ أن يؤثر هذا السبب، فإنه لا يكون له تأثير في هذه الحالة.
[ ٥ / ٣ ]
تفاضل الناس في باب العبودية لله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلًا عظيمًا وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان].
يعني: العبادة، والتوحيد يزيد وينقص، والناس يتفاضلون فيه وليسوا على نوع واحد، وهذا أمر مشاهد، فإن أهل العبادة ليسوا على نوع واحد، فمنهم من جاء بأصل التوحيد لكنه مفرط في الواجبات ويمارس المحرمات، فهذا يقال له: عبد الله بوجود أصل التوحيد عنده لكنه مفرط، وبعضهم قد يكون مقبلًا على الله ﷿، مجتهدًا في الذكر، مجتهدًا في الصلاة، مجتهدًا في الصدقة فيكون قد وصل إلى درجات عالية في العبادة وهذا أيضًا عابد لله.
وهكذا التوحيد، وهكذا الإيمان، فالتوحيد، والإيمان، والعبادة تزيد وتنقص وهذا أمر مقربه عند أهل السنة.
قال: [وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص، ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل].
وبالنسبة للعموم والخصوص الذي أشار إليه شيخنا يعني: يوجد من أهل العبادة من يكون لهم خصوصية في العبادة، كأن يكون إنسانًا عاميًا بعيدًا عن العلم الشرعي، بعيدًا عن التعبد والصدقة، يكتفي بالإتيان بالصلاة، وبعض الأركان، وقد يكون عنده ممارسة لبعض المعاصي، فهذا ليس مثل الشخص المجتهد في العبادة، الذي لا يفارق الصف الأول، والذي يكثر من دعاء الله، ويبكي من خشية الله، فالنوع الثاني خاص، والأول عام.
[ ٥ / ٤ ]
عبد الدينار والدرهم والدنيا ليس عبدًا لله
قال: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن منع سخط)، فسماه النبي ﷺ: عبد الدرهم، وعبد الدينار، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاءً وخبرًا، وهو قوله: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)].
قوله: (تعس)، هذا دعاء، (وانتكس)، هذا خبر.
قال: [والنقش: إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش ما يخرج به الشوكة، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي وإذا منع سخط، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨].
فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغيرهم، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو بصورة، ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط].
وهكذا تعلق الناس اليوم بالدنيا فتجد كثيرًا من الناس، إن أعطي مالًا رضي ومدح وأثنى، وإن منع من هذا المال سخط، وغضب.
وأصبح المحرك لكثير من الأشخاص هو المال، ولهذا في كثير من بلاد المسلمين مع الأسف انتشر ما يسمى: بمظاهرات الخبز، وهم قوم يتظاهرون في بلدان للمسلمين؛ بسبب ارتفاع وغلاء الخبز، ولهم حق في أنهم يعترضون على غلاء الخبز؛ لأن هذا من الظلم، لكن أحيانًا قد يكون البلد فيه عصيان كبير، وقد يصل إلى درجة الشرك، والحكم بغير ما أنزل الله، لكنهم لا يعترضون؛ لأن هذا ليس متعلقًا ببطونهم، وليس متعلقًا بالخبز الذي يأكلونه.
وهذا يدل على أن كثيرًا من الناس مع الأسف أصبح تعلقهم بالدنيا، إذا أعطي من هذه الدنيا رضي وفرح ومدح وأثنى، وإن لم يعط منها سخط وغضب، بينما الصحيح أن يكون المحرك الأساسي للإنسان هو: إرضاء الله ﷿، والذي يسخطه هو: معصية الله ﷿، حتى ولو كان يعطى من الدنيا الشيء الكثير.
يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء في قصة أحد ملوك الأندلس الجبابرة، وكان ملكًا عظيمًا وهو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، ذكر الذهبي في ترجمته: أنه كان رجلًا ظلومًا غشومًا جبارًا كان يخصي العبيد، ويتركهم عنده في بيته، وكان يأخذ من الأموال الشيء الكثير، وفي نفس الوقت كان قويًا على أهل الكفر، فعندما منعوا الجزية خرج لهم في معركة مشهورة سميت: سمورة، وجعلهم يدفعون الجزية وهم صاغرون أذلاء، والرجل كان قويًا، لكنه في الباطل وفي الحق، واتفق مجموعة من العلماء على عزله، وتولية ابن عمه.
وهذا فيه درس في خطورة الفتن، وأن الفتن تجر مصائب على الأمة، فقد اجتمع أكثر من مائة من العلماء، منهم: يحيى بن يحيى الليثي راوية الموطأ المشهور، ومنهم طالوت وهو عالم من أقران الشافعي، والأندلسي، ومنهم علماء مشهورون، اجتمعوا مع ابن عمه وقالوا له: إنك ترى ما في هذا الرجل من الظلم والعدوان، ونحن نريد عزله ومبايعتك، فخانهم هذا الرجل، وذهب إلى الحكم بن هشام وأخبره بذلك، فقال له: قبحك الله! إنك جئت من أجل سفك دمي أو سفك دمائهم، فقال: أرسل معي من تثق به، فأرسل معه رجلًا واجتمعوا في مكان واحد، فكتب في الكتاب الذي معه حتى انتهى الرق من كثرة الأسماء التي يكتبها من الأعيان والعلماء والفضلاء.
وقد كان في قرطبة في تلك الفترة أكثر من أربعة آلاف عالم كلهم يفتي، تخيلوا منطقة مثل قرطبة مدينة واحدة فيها أربعة آلاف عالم، وكل واحد منهم مفت يفتي الناس، وهذا دلالة على ازدهار العلم عندهم، فكيف بطلاب العلم وكيف بالصالحين وبالمحتسبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ أعداد كبيرة جدًا.
الشاهد: يقول الذهبي: لما أراد الله ﷿ فناءهم، حصلت هذه الفتنة، فأرسل أكثر من مائة ألف وقتلوا أعدادًا كبيرة جدًا من هؤلاء العلماء، وفر من فر، وكرهه العامة، وهاجوا عليه وقتل منهم قتلًا ذريعًا بالآلاف وشرد الآلاف، وأخرجوا من ديارهم، هذا مختصر القصة، يمكن أن تراجعوها في سير أعلام النبلاء، الشاهد في هذا الموضوع: هو أن طالوت أحد هؤلاء العلماء اختفى عند رجل يهودي من يهود الأندلس سنة كاملة، وبعد سنة جاء إلى أحد وزراء الحاكم يقال له: أبو بسام، فطلب منه أن يؤمنه عند هذا الحاكم، فذهب هذا الوزير إلى الحاكم وأخبره، وقال: عندي لك صيد سمين، قال: ما الأمر؟ قال: عندي طالوت، قال: ائتني به، فجاء به وهو مكبل، ووقف بين يدي الحاكم، وبدأ الحاكم يعد المنن وقال: ألم أعطك؟ ألم تتوف أمك وخرجت معك إلى القبر وعزيتك؟ ألم يحصل مني كذا؟ فلما أدرك الفقيه أنه لابد أن يكون صادقًا مع الله ﷿ قال له: لم يكن إحسان
[ ٥ / ٥ ]
الفرق بين من طلب رزقه من الله وبين من طلبه من مخلوق في باب العبودية
قال: [فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله، صار عبدًا لله فقيرًا إليه، وإذا طلبه من مخلوق، صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا إليه.
ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح، وفي السنن، والمسانيد كقوله ﷺ: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة من لحم)].
قال: [وقوله: (من سأل الناس وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا -أو خموشًا أو كدوشًا- في وجهه)، وقوله: (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع، أو فقر مدقع)، وهذا المعنى في الصحيح].
هذا الحديث ورد في قصة الأنصاري الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله قال: (ما عندك في بيتك؟ قال: حلس)، وذكر شيئًا آخر، قال: (ائت به)، فجاء به فباعه النبي ﷺ بدرهمين ثم أخذ الدرهمين وقال: (اشتر بواحد طعامًا، واشتر بالثاني فأسًا، وائتني به فجاءه، فقال: اذهب واحتطب وبع، فإن هذا خير لك)، ثم قال له النبي ﷺ: (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع، أو دم موجع، أو فقر مدقع).
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا صدقة لغني ولا لذي مرة سوي)، وذي المرة يعني: القوة، فإذا كان الإنسان قويًا، فعليه أن يشتغل وأن يبذل وأن يعمل، والفقر في حد ذاته ليس عيبًا، كما أن الغنى في حد ذاته ليس مدحًا، المدح والذم إنما يكون على الصفات الاختيارية التي يفعلها الإنسان باختياره، لكن الفقر والغنى هذه بأقدار الله ﷿.
فينبغي على الإنسان أن يبذل، وأن يسعى؛ لكي يرفع عن نفسه الحاجة إلى الخلق، لكن إذا صار مفتقرًا فعليه بالعفة، فإن العفة نوعان: عفة الفرج عن ما حرم الله، وعفة النفس عن سؤال الخلق.
وعليه أن يجتهد في هذا الأمر فإن هذا من أعظم مقامات العبودية.
[ ٥ / ٦ ]
الترفع عن سؤال الناس من كمال العبودية لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا المعنى في الصحيح.
وفيه أيضًا: (لئن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه)، وقال: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك).
فكره أخذه مع سؤال اللسان، واستشراف القلب، وقال في الحديث الصحيح: (من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر)].
يعني: الحقيقة أن التعلق بالدنيا يجعل الإنسان أسيرًا لها، ويجعل الإنسان محتجًا إليها ويجعله يبخل، لكن عندما يكون الإنسان في نفسه قناعة تامة، أن هذه الأموال أو الرئاسات أو أيًا من أعراض الدنيا إنما هي عبارة عن وسائل وليست غايات، فإنه سيبذل حينئذ ولن يندم على شيء يبذله، وسيعز نفسه ويبعد نفسه عن السؤال والحاجة، وسيكون هذا الشخص عزيزًا بالله ﷾، ومتعلق القلب بالله ﷾.
لكن عندما يتعلق قلبه بالمال تجد أنه ذليل لهذا المال، أحيانًا قد يمتنع الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بسبب أنه يخاف على وظيفته من الفصل مثلًا، أو بسبب أنه يخاف على نفسه السجن، فهو يعظم ذاته إلى درجة كبيرة جدًا.
والواجب أن يكون الإنسان متعلق القلب بالله ﷾، وأن يعلم أن هذه أرزاق تحصل للإنسان وقد تمتنع عنه، وكم من التجار الذين بلغوا الغاية في الغنى، وفي لحظة خسر كل ما يملك، وأصبح مدينًا، ويطالبه الناس بحقوقهم.
فمثل هذا الإنسان إذا كان متعلق القلب بالمال سينهار تمامًا، وسيكون في غاية الافتقار إلى الناس، بل سيتحطم غاية التحطم، لكن عندما يكون قلبه متعلقًا بالله ﷾، فإنه لن يحصل له مثل ذلك، وكم من الملوك الذين حكموا كان أمرهم مسموعًا، ونهيهم موطن التنفيذ؟ ومع ذلك تأتي دولة ظالمة أخرى، فتسقط حكومته ويصبح أسيرًا في أيديهم، أو يصبح شريدًا طريدًا، مع أنه كان في يوم من الأيام كل الناس تطيعه، فإذا كان الإنسان معلق القلب بهذه الدنيا سيحصل له من الأثر الكبير ما يجعله في غاية الضعف وفي غاية الذلة.
وانظروا مثلًا: إلى الأحداث التي حصلت قبل سنتين، عندما أغارت دولة ظالمة كافرة متجبرة وهي: أمريكا على دولة مسلمة وهي دولة: طالبان، فهذا الحدث فيه كثير من الدروس والعبر، فقد كانت هذه الحكومة الإسلامية الناشئة الصغيرة تعلم أن الحكم وكرسي الحكم ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو مقصود لتحقيق العبودية لله ﷿ في حياة الناس.
ولهذا عندما طالبوهم بغطرسة وعنجهية بعيدة عن العقل والعدل، وبعيدة عن الفكر السوي، وعندما طالبوهم بأمور لا يرضاها المسلم أبدًا رفضوها، فعندما هددوهم كان حاكمهم يستدل بقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وما زالت نظرتهم مستمرة بهذه الطريقة القوية، لم يترددوا حتى مع تفكك دولتهم ومع سقوطها؛ لأنها دولة ضعيفة مع دولة متكبرة قوية، لكن القوة ما زالت مستمرة؛ لأن هذا أمر قدره الله علينا من هذه الدولة الظالمة، ونحن نجاهدها في سبيل الله، حتى نخرجها بإذن الله ﷾، ومن يمت منا فهو شهيد عند الله ﷿، ومن يبق حيًا، فإنه يستمر في مجاهدة هذه الأمة الظالمة المتجبرة، فإما أن يتحقق النصر أو الشهادة.
إن هذا المستوى من العبودية لله ﷿، مستوى عال ومرتفع جدًا، وينبغي على الإنسان أن يربي نفسه على مثل هذه المستويات، فافترض يا أخي! أنك في يوم من الأيام خسرت كل ما تملك دفعة واحدة، خسرت وظيفتك، وخسرت أهلك إذ ماتوا جميعًا، فإذا كان واحد من الإخوة الأفغان خسر أكثر من ثمانية عشر من أهله حين سقطت قنبلة على بيته!! فمثل هذه الأحداث ينبغي للإنسان أن يكون عنده من الصبر ومن اليقين بالله، والتعلق بالآخرة، وبالله ﷿ ما يكون وقعها على نفسه بسيطًا، تخيل أنك خسرت كل شيء، فإن أصحاب النفوس الضعيفة، والذين لا إيمان لديهم قد يلجئون إلى الانتحار، أو يصابون بشيء من الجنون، لكن أهل الإيمان يعلمون أن هذا الأمر بقضاء الله وقدره، وأن هذا أمر مكتوب عليه قبل أن يخلقه الله ﷿، وأن عليه أن يصبر ويحتسب، وأن هذه الدنيا ليست هي كل شيء، وأن عليه أن يتعلق بالله ﷾، وحينئذ ستقع هذه المشكلة على نفسه وقعًا خفيفًا، ولن يكون لها الموقع الكبير في نفسه.
[ ٥ / ٧ ]
الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الذي هو من تمام العبودية لله
قال المؤلف ﵀: [وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا، وفي المسند أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئًا.
وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك: (أن النبي ﷺ بايعه في طائفة، وأسر إليهم كلمة خفية ألا يسألوا الناس شيئًا)، فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه.
وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، وقول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ومنه قول الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]، ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢].
والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ودفع ما يضره، وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فلا يسأل رزقه إلا من الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦].
والله تعالى ذكر في القرآن: الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، وقد قيل: إن الهجر الجميل هو: هجر بلا أذى، والصفح الجميل: صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل: صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه: إن طاوسًا كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أن أحمد حتى مات.
وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل، فإن يعقوب قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ في الفجر بسورة يونس، ويوسف، والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته، فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف].
الحقيقة أن هذه الأمور كما أنها متعلقة بالعبادة والتعلق بالله، والتوكل عليه والرضا بقضائه، إلا أن لها آثارًا نفسية كبيرة جدًا على الإنسان، فقد واجهنا أشخاصًا كثيرين في الحياة منهم من ربما تتغير أمزجته، وتتغير نفسيته بسبب حدث من الأحداث، وهناك أمور طبيعية قد تحصل للإنسان كالمرض النفسي، ولا تعني دائمًا أن هذا الإنسان سيئ، لكنها تعني: أن عبادته لله ناقصة.
والأمراض النفسية أحيانًا تكون مثل الأمراض الجسدية، فقد يبتلى الصالحون بالأمراض النفسية، كما يبتلون بالأمراض الطبيعية، مع أنه من الصالحين.
لكن يكون المرض النفسي فيه ملاحظة على الشخص عندما يكون الذي تسبب فيه، بأن يكون متعلقًا بالدنيا تعلقًا شديد جدًا، وحريصًا عليها حرصًا غير طبيعي، ومحبًا لها محبة شديدة للغاية، هذا مع نقصه في عبوديته لله ﷿، فهو أيضًا يتعرض لمخاطر نفسية كبيرة، عندما يفقد شيئًا منها، فقد يصاب بهوس، وقد يصاب بأمراض تشغله، وقد يصاب بأمور كبيرة.
[ ٥ / ٨ ]
الأمور التي تخفف وقع المصائب على أصحابها
ولهذا من أبلغ الأمور التي تجعل وقع المصائب على الإنسان خفيفة عدم التعلق بالدنيا تعلقًا كبيرًا، وأن يكون تعلقه الأساسي بالآخرة، ويكون استحضاره للآخرة دائمًا، وأنت تعلم أن هذه الدنيا محدودة الأجل، وأنه مهما طال بقاؤك فيها، فمصيرك إلى الموت.
الأمر الثاني: أن يكون الإنسان في محبته مقتصدًا فلا يبالغ فيها، حتى في المحبة الطبيعية كمحبة الأولاد، أحيانًا الإنسان يحب أولاده محبة غير طبيعية، ويزيد في المحبة بشكل عجيب جدًا، وبمجرد حصول أي مصيبة لولده لا يستطيع أن يتحمل لكن لما تكون محبته متزنة وهادئة يستطيع أن يمتص مثل هذه المشكلات.
أيضًا محبة الإنسان لزوجته ولأهله وعشيرته، ومحبة الإنسان لأهل وطنه ولوظيفته.
ولهذا قابلت شخصًا صار بينه وبين زوجته -مع محبته الشديدة لها- خلاف وطلقها، فلما أفتاهم الشيخ بأنها فارقته، وأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، أخذ يبكي بكاءً عجيبًا جدًا كالطفل، ولم يستطع أن يتحمل مثل هذه المشكلة؛ لأن كثيرًا من الناس في مسيرتهم في الحياة متخبطون لا يسيرون باتزان.
ولهذا جاء في الأثر: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما، فالاتزان في المحبة، وفي الكره، والاتزان في العواطف عمومًا يجعل الإنسان مستقرًا نفسيًا، وأقرب إلى الهدوء النفسي، وأقرب إلى الوضع الطبيعي في النفس، لكن المبالغات هي التي تحدث عند الإنسان كثيرًا من الأمراض، أذكر أن مرة من المرات -بعد أن انتهيت من أحد الدروس- جاءني طبيب نفسي، فذكر لي أشياء عجيبة جدًا من حالات الشباب الذين يأتونه، يقول: أكثرها تدور حول المحبة والعشق، يحب فتاة ويحصل بينهم خلاف فيهجرها أو تهجره، فيعيش في حياة ضنك تستمر سنوات، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة دراسته، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة أهله، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة وظيفته، وقد يحصل مصائب كثيرة بسبب مثل هذه المشكلات.
فالمجتمع مليء بالغرائب، وبالنسبة للناس الطبيعيين يرون أن هذا أمر غريب، لكن الواقع شيء مهول لا يتخيله الإنسان، ومن أسباب هذا المستوى الهزيل والضعيف في نفوس الشباب والفتيات والناس عمومًا، أننا أصبحنا مع الأسف أمة متلقية لما عند الآخرين، ولسنا أمة منتجة نتأمل في كتاب الله ﷿، وفي سنة النبي ﷺ، ونربي أنفسنا عليها، وكثير -مع الأسف- من العقليات والنفسيات اليوم صبغت بالطابع الغربي من خلال الإعلام، ومن خلال أجهزة الإفساد كالقنوات الفضائية.
وأثرها في الشعور الظاهري كالصور المثيرة للشهوات قد تثيره، لكن من الأشياء الباطنية التي تبقى مع تعدد هذه الأفلام أن تكون روح الحياة الغربية موجودة في قلبه، وروح الأفكار الغربية موجودة في عقله، فيعيش في مجتمعه على هذا الأساس.
وهنا تكون الخطورة، وهنا يكون الضياع، إذ يكون الإنسان جامعًا بين منهجين وطريقتين وحضارتين وثقافتين مختلفتين تمامًا، يعيش في بلد إسلامي فيه أهله يعلمونه القرآن والسنة، ولكنه في نفس الوقت قد حشا ضميره، وحشا نفسه، وحشا عقله بمثل هذه الأمور الخطيرة، فتحصل له تخبطات هائلة جدًا، لا يعلم مداها إلا الله ﷾.
[ ٥ / ٩ ]
من دعاء موسى ﵇ الذي يشتكي فيه إلى الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك].
تأملوا في هذا الدعاء العجيب: اللهم لك الحمد، هذا يتضمن الرضا، لما تقول: اللهم لك الحمد يعني: لك الثناء المطلق فإن ما أعطيتنا أكثر مما أخذت منا، وإليك المشتكى يعني: إذا اشتكيت من شيء أو احتجت إلى شيء لا أشتكي للمخلوق، بل أشتكي لله ﷿، وأنت المستعان يعني: إذا أردت أن أبذل عملًا من الأعمال، فأنا بجهدي وحدي ليس عندي قدرة، لكن استعين بالله ﷾، وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك، فهذا دعاء عظيم ومليء بالفوائد.
مدار هذه الفوائد جميعًا هو أن الإنسان في هذه الدنيا ليس له إلا الله ﷾، اللهم لا منجى منك إلا إليك، وليس لنا إلا الله ﷾ في الاستعانة وفي الشكوى وفي الحاجة وفي كل شيء.
[ ٥ / ١٠ ]
دعاء النبي ﷺ بعد رجوعه من الطائف وإظهاره الشكوى والافتقار إلى الله
عندما ذهب النبي ﷺ إلى الطائف والتقى بثقيف، ودعاهم إلى الله ﷿ وكفروا به، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه ﵊، رجع من الطائف وهو مليء قلبه بالأشجان والأحزان؛ لأن قومه رفضوا هذه الدعوة وهو يعلم أنها خير لهم.
فتأملوا النبي ﷺ، إذ لم يتحطم نفسيًا، ولم يحتج إلى أحد في الدنيا وإنما التجأ إلى الله في أن يوظفه في الحلال فإذا أعطي نعمة يرفع يديه إلى الله: اللهم لا تجعلها فتنة لي، واجعلها بابًا من أبواب الخير، ولا تجعلها فتنة، وإذا أصيب بالضراء يرفع يديه إلى الله، وتكون الصلة مع الله مستمرة، فأنت ترى كثيرًا من الناس صلتهم بالله ﷿ شبه مقطوعة، حتى في عبادته وفي الصلاة وفي غيرها يؤديها بشكل روتيني، وقد يفكر في أعماله الخارجية أكثر من تفكيره في صلاته.
يأتي يقف في الصف ويكبر، وينتهي ويسلم ويخرج، وهو لم يفكر أنه يدعو الله ﷿ من قلب صادق، بحاجة في نفسه يحتاجها، وبعض الناس يظن أنه جزء أساسي من العمرة أن يكون معه كتاب يقرأ منه، وهذا ليس صحيحًا أبدًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الدعاء الذي دعا به النبي ﷺ لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وفي بعض الروايات: (ولا حول ولا قوة إلا بك).
[ ٥ / ١١ ]
طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجاؤه له من كمال عبوديته له
قال: [وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته، ورجائه لقضاء حاجته، ودفع ضرورته، قويت عبوديته، وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره].
يعني: إذا استغنيت عن شخص حتى لو كان يملك نصف الكرة الأرضية تكن نظيره، أي: مثله؛ لأنك لا تحتاجه في شيء أبدًا، يعني: تخيل أن شخصًا يملك نصف الكرة الأرضية، وأنت ليس عندك شيء، لكنك مستغن عنه لا تريده، فإنك تكون مثله؛ لأنك لا تحتاج منه شيئًا، ولا تريد من دنياه شيئًا، ولا تريد مما عنده شيئًا، ولا تريد من مناصبه شيئًا، ولا تريد منه أي شيء.
قال: [وأفضل على من شئت تكن أميره].
يعني: إذا أفضلت على شخص تكون أنت أميرًا له، حتى لو كان هو أميرًا، يعني: على عدد كبير من الناس، ما دام أنت تفضي عليه وتعطيه فأنت أميره.
ولهذا تلاحظ أن العطاء أفضل من الأخذ بالنسبة للخلق، فينبغي للإنسان أن يكون عطاؤه أكثر من أخذه، أو أن يعطي ولا يأخذ، ويتعلق بالله ﷿ في أخذه، فإذا وصلت إلى ذلك بلغت درجة عالية جدًا في العبودية، وإذا أردت شيئًا التجأت إلى الله، وتأخذه من الله حتى ولو كان فيما في أيدي الناس، فإن المعطي هو الله إذا التجأت إليه.
قال: [واحتج إلى من شئت تكن أسيره].
أي: إذا احتجت إلى أحد تكون أسيرًا في يده.
قال: [فكذلك طمع العبد في ربه، ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله، والرجاء له، يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، بحيث يكون قلبه معتمدًا، إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه كمالكه، وملكه، وشيخه، ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت].
مالكه المقصود به: الحاكم، وشيخه المقصود به: العالم، ومخدومه المقصود به: الخادم الذي ينتفع به في أغراضه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨]، وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه، خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك.
وإن كان في الظاهر أميرًا لهم، مدبرًا لأمورهم، متصرفًا بهم].
يخبر ابن تيمية ﵀ أن الحاكم أحيانًا يكون عبدًا لمن يحكمه، وذلك لو أن خادمه غضب عليه وتركه، لبقي في حيرة لا يدري ماذا يعمل، وكالحاكم الذي يحتاج إلى جنوده الذين يقيمون له دولته.
فلو انصرفوا عنه أو صار عليه انقلاب فقد كل شيء بالنسبة لديه.
[ ٥ / ١٢ ]
العبودية الحقة هي عبودية القلب لا البدن
قال: [فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له].
مباحة له يعني: زوجته، أو أمته، وقد اختفت من قاموسنا الإماء الآن؛ بسبب ترك الجهاد، وسيطرة الكفار على بلاد المسلمين.
قال: [فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأته -ولو كانت مباحة له- يبقى قلبه أسيرًا لها، تتحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولاسيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور، الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر، لا يبالي ما دام قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص.
وأما إذا كان القلب -الذي هو ملك الجسم- رقيقًا، مستعبدًا، متيمًا لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب].
إذًا: الحرية الحقيقية هي حرية القلب، والعبودية الحقيقية هي عبودية القلب، والعالم الغربي الآن جاءنا بموضوع الحريات العامة.
والحقيقة أنهم يستعبدون الناس استعبادًا عجيبًا، جاء بفكرة الحريات العامة ويقول: الإنسان له حق في التعبير، وله حق في التعليم، وله حق في كذا له، وحق في كذا، له حق في الانتخاب واختيار الرئيس، مع أنه في الحقيقة كما يقول بعض المفكرين الغربيين أن الذي يتحكم الآن في مصير أمريكا -مع أن عددهم يصل إلى ثلاثمائة مليون تقريبًا أو أقل من هذا بقليل- هو واحد في المائة من الشعب الأمريكي فقط.
وأما البقية وهم أصحاب الشركات الكبرى فهم عبيد يستعبدونهم، يعني: الآن الرأس مالية الغربية هي عبودية بكل ما لكلمة عبودية من معنى، فهم يستعبدون العمال، ويمكن لشركة ضخمة كبيرة بحريتها أن تنقص مقدار الأجور حتى يصبح مقدار الأجر قليلًا جدًا، أو أن تمنعه من التأمينات أو تجعله على راتب مؤقت، وإذا لم يقبل العامل يمضي إلى سبيله، لكنه محتاج، فيستعبدون الناس استعبادًا عجيبًا جدًا، ولهذا انتشر في الغرب الذين يدعون إلى حقوق المرأة استعباد النساء، إلى درجة أنه تكونت عصابات في أوروبا الشرقية من أجل عملية بيع وشراء النساء للدعارة، يعني: شركات تمسك امرأة وتبيعها رقيقًا لشركة أخرى بمقدار كذا من أجل الدعارة، وتكون موظفة لفعل الفاحشة، ويتقاضى عليها أصحاب الشركة مبلغًا ويعطونها جزءًا بسيطًا منه.
والنظام العام الاسمي في البلد نفسه أنه يحق لها أن ترفض أن يبيعها أحد أو يشتريها، لكن لو رفضت تموت من الجوع.
ولهذا عشرات الذين ماتوا في العالم الغربي من الجوع لا دولة تعتني بهم في مجتمعهم، وفي قضاياهم، وفي الرعاية الاجتماعية بالنسبة لهم، ولهذا سميت: الرأس مالية المتوحشة، أو اللبرالية المتوحشة، فترضى الفتاة أنها تباع وتشترى، وتجد لقمة العيش، وتأتي بمبلغ بسيط لأمها وأبيها مضطرة؛ لأن الشركات الضخمة تهمها الأنانية، بل إن أحد الغربيين المفكرين الأمريكان ألف كتابًا سماه: (فضائل الأنانية)، يعني: ترجمته فضيلة الأنانية، يعني: كيف يمكن أن تكون الأنانية فضيلة من الفضائل؟ وكأن المقياس الأخلاقي انقلب.
ولهذا يستعبدون البشر باسم الحرية، مع أن الحرية الحقيقية هي: حرية القلب، وتعلقه بالله ﷾، وما هذه الدنيا إلا أداة بسيطة.
قال المؤلف ﵀: [وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله، وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك.
وأما من استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس].
[ ٥ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١٤ ]
كلمة حول استقبال شهر رمضان
السؤال
هل من كلمة توجيهية لطلبة العلم حول استقبال شهر رمضان؟
الجواب
لا شك يا إخواني! أن شهر رمضان من أفضل الأوقات التي ينبغي أن يستغلها الإنسان، ومن فاته شهر رمضان، ولم يستفد من هذا الشهر ويطبق هذا الكلام الذي نحن تحدثنا عنه، وقرأناه من كلام ابن تيمية في العبودية فهو محروم والعياذ بالله.
فينبغي أن نحرص في هذا الشهر على قراءة القرآن، وحفظه، ومراجعة الحفظ، بل إن بعض السلف كما ينقل عن مالك كان يترك قراءة الحديث، ويشتغل بقراءة القرآن، لكن نحن في زمن الناس فيه بحاجة إلى التعليم، وبحاجة إلى الدعوة والإصلاح، فلابد من مشاركة الناس، فهي فرصة عظيمة لهداية أعداد كبيرة جدًا من الناس إلى دين الله ﷿، وفرصة للتعبد، والتعلق بالله ﷾.
[ ٥ / ١٥ ]
لا أحد معصوم من الخطأ حتى الذين يدخلون الجنة بغير حساب
السؤال
هل مطلوب من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بدون عذاب ولا حساب أن يكونوا معصومين لا يعصون الله أبدًا؟ أم يكفي الأربعة الأمور المذكورة؟
الجواب
لا، ليس هناك معصوم، وإنما المطلوب أنهم يجتهدون في ضبط أنفسهم بالإتيان بالواجبات، وترك المحرمات، وترك المكروهات، والتعلق بالله ﷿.
وهذا لا يعني: أنه لا يقع أحد منهم في خطأ، لكن إذا وقع خطأ يباشر بالتوبة مباشرة، يعني: قد يقع الإنسان في خطأ، فإذا وقع في خطأ تاب، وكانت توبته توبة نصوحًا.
[ ٥ / ١٦ ]
موقع (طريق التوبة) على الإنترنت وبيان أهمية التوبة ووجوبها
السؤال
سمعنا عن موقع في شبكة الانترنت يسمى: طريق التوبة فما رأيكم في هذا الموقع؟
الجواب
هذا الموقع أنا اطلعت عليه، وهو موقع مفيد وممتاز، وأنا أنصح الإخوة بالمشاركة فيه، وفكرة الموقع الذي اسمه: طريق التوبة، فكرته: هو هداية الشباب والفتيات في العالم جميعًا إلى التوبة، والعودة إلى الله ﷿.
ونحن الحقيقة نعايش في الأمة رجعة صادقة وعودة صادقة إلى الله ﷿، وكثير والله من الشباب! هم بحاجة فقط إلى أن تدله على الطريق، إلى أن تبين له كيف يمكن أن يكون إنسانًا صالحًا، وبعضهم تكون عندهم مشكلات بحاجة إلى أن تحل له هذه المشكلات، وأبلغني الإخوة القائمين على هذا الموقع أنه أسلم على أيديهم رجل يهودي من اليمن، وأنه أسلم أيضًا على الموقع رجل نصراني من مصر.
وأنا أنصح الإخوة بالمشاركة في هذا الموقع بالكتابة، ومساعدة الإخوان، وتعريف الشباب بالذات بمواقع الانترنت المفيدة، فهناك مواقع للانترنت بإمكاننا أن نزورها، ونتفق معهم على أن يكون هذا الموقع الصفحة الرئيسة عندهم، أو على الأقل يوضع عنوان كبير بحيث أي شاب يأتي يجد عنوان هذا الموقع بين يديه؛ لأنه مع الأسف صارت الآن مقاهي الانترنت تستخدم للرذيلة، وصار بعض العمال يأتي ببكسيات مثلًا، ويفك للشباب المواقع الإباحية السيئة للنظر فيها والعياذ بالله.
وهذه أمور تذيب أخلاق الشباب، وتجعلهم مدنسين بالتعلق بالشهوات وغيرها، فضلًا عن كونها تغير كثيرًا من مواصفات المجتمع الإسلامي، فقبل سنوات لم يكن أحد يسأل -أكرمكم الله- عن إتيان المرأة في دبرها، والآن أعداد كبيرة من النساء والرجال يتصلون بنا يستفتون في هذا الموضوع، والسبب هو النظر في مثل هذه الأفلام، حتى تصبح أمرًا طبيعيًا عند هذا الشخص، أو عند هذه المرأة والعياذ بالله، مع أن فيها من الأمراض، وفيها من الأمور السيئة، وفيها من معصية الله ﷿، وفيها من الروائح الكريهة، وفيها من الأمور القبيحة ما تدفع الإنسان صاحب الفطرة السلمية إلى أن يبتعد عنها، والسبب: هو مثل هذه الأفلام التي تغير طبائع الناس، وتغير عقلياتهم وفطرهم والعياذ بالله.
ولهذا أنصح الإخوة بزيارة هذا الموقع وعنوانه: www.
tawbah.
com .
[ ٥ / ١٧ ]
قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها
السؤال
إذا حاول العبد أن يكون عبدًا لله خالصًا، وتاب من بعض التعلق بغير الله في السابق، فهل يقبله الله؟ وأن يكون من السبعين ألفًا؟
الجواب
نعم.
من الذي يرد الإنسان عن التوبة؟ والله ﷿ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وتقبل التوبة ما لم يغرغر الإنسان أو تطلع الشمس من مغربها، (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له).
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يتوب من كل ذنوبه.
[ ٥ / ١٨ ]
خروج الريح من نواقض الوضوء
السؤال
إذا خرج من المرء ريح وهو على وضوء هل يعيد؟
الجواب
إذا خرج ريح من الإنسان وهو متوضئ فإنه ينتقض وضوءه، وعليه أن يتوضأ مرة أخرى.
[ ٥ / ١٩ ]
سبب تخصيص ابن تيمية للصوفية بالذكر في رسالة العبودية دون سائر الفرق الضالة
السؤال
لماذا ذكر الشيخ ابن تيمية الصوفية من الطوائف الضالة، ولم يذكر بعض الطوائف الأخرى، وهل كانت الصوفية منتشرة في عهد ابن تيمية؟
الجواب
كانت الصوفية منتشرة انتشارًا كبيرًا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضًا غيرها من الفرق الضالة، وله كتب أخرى بالنسبة لطوائف المتكلمين، رد عليهم في كتاب (الإيمان)، و(درء التعارض)، وغيرها من الكتب.
[ ٥ / ٢٠ ]
رسالة العبودية [٦]
العبودية لغير الله ذل ومهانة لما سوى الله، أما عبودية الله فهي حرية لما سواه، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، ومن أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا من عبدوا غير الله، كمن عبد المال أو الجاه أو الصور والأشكال أو ما عدا ذلك، ومن أعظم الأسباب للتعلق بما سوى الله: هو إعراض القلب عن الله.
[ ٦ / ١ ]
حرية القلب وعبوديته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العبودية: [فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي ﷺ: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس).
وهذا -لعمر الله- إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة -امرأة أو صبي- فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب].
الحرية الحقيقية: هي حرية القلب من التعبد لغير الله ﷾، وإذا تصورنا حقيقة العبودية لله ﷾ عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بهذه العبودية لله ﷾ يكون حرًا مما سواه، فهو لا يذل إلا لله، ولا يخضع إلا لله، ولا يطيع إلا الله، ولا يلتزم إلا بما شرع الله ﷾، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحزن ولا يرضى ولا يفرح إلا بما أمر الله ﷾ به.
[ ٦ / ٢ ]
استطراد في بيان الحرية ومفهومها وبعض النظريات المخالفة فيها
وفي هذه الأزمان أصبحت كلمة الحرية من الكلمات الرائجة في كل مكان، بل إنه يقف وراء هذه الكلمة وهذا المصطلح مذهب غربي له دعاية إعلامية كبيرة جدًا وهو ما يسمى: بالمذهب الليبرالي.
[ ٦ / ٣ ]
الليبرالية ومفهوم الحرية
الليبرالية حقيقتها ومعناها: التحرر، وأساس الليبرالية الفلسفي هو الحرية، لكنهم فهموا الحرية بفهم غير صحيح، بينما الحقيقة أن المفهوم الصحيح للحرية هو ما في هذا الدين، فقد كان الغربيون يعيشون في مجتمع يستعبدهم فيه نوعان من الظلم: الملوك عن طريق النظام الإقطاعي الذي كان موجودًا في أوروبا، ورجال الدين الكنسي وهم النصارى الذين حرفوا الدين الذي أنزله الله ﷿ على عيسى، وجعلوا هذا الدين يدور حول أنفسهم ولمصالحهم الشخصية وليس هو دين الله ﷾ الذي أمر الله ﷾ به.
وهذا الوضع الاجتماعي الفاسد استمر حقبة طويلة جدًا في أوروبا، ثم حصلت تغيرات اجتماعية في أوروبا منها: الثورة الصناعية العصرية الموجودة الآن، وما تركب عليها من بروز طبقة في المجتمع الغربي تسمى: الطبقة الوسطى، وأحيانًا يعبرون عنها بالبرجوازيين، وهم أشخاص من أصحاب الأملاك والتجارات ورءوس الأموال أرادوا أن يحركوا هذه الأموال، وأن ينشطوا رأس المال، وأن تكون لهم مكاسب كبيرة من الناحية المادية، فهذه الظروف والتغيرات الاجتماعية ولدت ثورات في أوروبا، نتج عنها مذاهب فكرية معاصرة، ونتج عنها تحطيم النظام الإقطاعي، واختراع ما يسمى بالديمقراطية: وهو نظام سياسي يقوم على الحرية والتعبدية والانتخاب.
وترتب عليه أيضًا وجود مذاهب في الاقتصاد ومنها: مذهب الرأسمالية الذي معناه: الحرية الاقتصادية المفتوحة التي لا يحدها أحد، وترتب عليه أيضًا وجود مذهب غربي آخر وهو: الحرية في مجال الأدب وفي مجال النفس، وهكذا نتجت مذاهب غربية كبيرة أساسها الحرية وإثبات وجود الذات في مذهب يسمى: الوجودية.
ومذهب الوجودية: يقوم على إثبات وجود الإنسان لنفسه بالفعل الذي يقوم به، فهو يقوم بكل فعل، سواء كان هذا الفعل فعلًا تقره الشرائع أو لا تقره الشرائع، وسواء كان هذا الفعل الذي يقوم به فعلًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي، وسواء كان هذا الفعل مناسبًا أو غير مناسب، أهم شيء هو أن يثبت وجوده من خلال الفعل الذي يقوم به، ولهذا انتشرت عند الغربيين صيحات غريبة جدًا، وانتشر شذوذ في مجال الأخلاق، وفي مجال الفكر، وفي مجال الأدب، وفي مجال الرسم، وفي مجال الشعر، وفي المجال الفكري، والشاهد من هذا كله: هو أن الصورة الغربية المعاصرة الآن هي: الحرية، ومعناها: الانفلات المطلق، وأن الشخص يثبت ذاته وشخصه بإعطائه لنفسه الحرية المطلقة في باب من الأبواب، ولا يوجد أصلًا في الكون انفلات مطلق مائة بالمائة، لكن قد يوجد شخص يترك لنفسه الانفلات، ولا بد أن يكون لهذا الانفلات حدود، فلو أردت أن تجعل من نفسك طائرًا فإنك لن تقدر؛ لأن لك حدودًا بشرية أنت محدود من خلالها، ولو أردت أن تجعل من نفسك ملكًا وإمبراطورًا كبيرًا فلن تستطيع؛ لأن هناك عقبات تقف في وجهك ولا تجعلك تصل إلى ما تريد.
فهل يمكن تطبيق الحرية بالمفهوم الغربي أو لا يمكن تطبيقها؟ ومعنى الفكرة الغربية الحرية، هي: الانفلات المطلق، ولهذا وجدت نظريات غريبة جدًا منها: نظرية الجندر.
[ ٦ / ٤ ]
نظرية الجندر ومفهوم الحرية
ففكرة الجندر عند الغرب هي: أنهم أرادوا إثبات المساواة بين المرأة والرجل مساواة مطلقة، وأنه ليس هناك أي فرق بين الرجل والمرأة، فالرجل مثل المرأة مائة بالمائة، والمرأة مثل الرجل مائة بالمائة وليس هناك أي فرق بينهم، وأنكروا الفروق الحقيقية البدنية التي يسمونها: بيولوجية، والفروق النفسية التي يسمونها، سيكولوجية، والفروق بين المرأة والرجل هي: وجود أثداء عند المرأة، ووجود عضو تناسلي معين عند المرأة مختلف عن عضو الرجل، وهذه الفروق مثل الطول والقصر والنحافة والسمن واللون، فكما أنه لا يوجد فرق بيولوجي أو سيكولوجي بين الأبيض والأسود فكذلك ليس هناك فرق بين الرجل والمرأة، فالرجل مثل المرأة مائة بالمائة، والمرأة مثل الرجل مائة بالمائة، وحتى يؤكدوا هذا المفهوم قالوا: يجب أن نغير النوع الاجتماعي، يعني: هناك وضع معين للتفريق الاجتماعي بين الرجل والمرأة وهو النوع -أي: الذكورة والأنوثة- وهذا النوع -الذي هو سيكس- أرادوا تغييره وقالوا: ليس هناك نوع اجتماعي أصلًا، إنما هو نوع واحد وهو الإنسان، فقالوا: يجب أن نحذف هذا النوع -سيكس- ونجعل مكانه جندر، يعني: مساواة مطلقة بين المرأة والرجل.
وقد يستغرب الإنسان ويقول: لماذا جاءوا بهذه النظرية؟
و
الجواب
أنهم جاءوا بهذه النظرية وهدفها الأساسي اقتصادي محض؛ فهم يريدون أن يوظفوا المرأة في أي مجال، حتى ولو في حفر الأنفاق، أو في أصعب الأعمال وأشقها، وحتى لا تلزمهم النقابات ومنظمات العمل في تلك البلدان بأن هناك فرقًا بين المرأة والرجل، وأن المرأة لها حق إذا حملت، ولها حق الأمومة وحق الرضاع وحق تربية ولدها فترة من الفترات، فمن أجل هذا الأمر أرادوا أن يغيروا الفرق النوعي بين الرجل والمرأة من أجل أن يسووا بين المرأة والرجل في سوق العمل، فعندهم إذا مرض الرجل فإنه يأخذ إجازة من العمل أنه مريض، كذلك المرأة إذا حملت وفي التصنيف الطبي أن الحمل والولادة ليسا مرضًا، ولهذا لا يعتبره الغربيون أنه حالة من حالات المرض عندما تلد المرأة وإنما هو أمر طبيعي، ولهذا إذا توقفت المرأة بسبب الحمل فإنها لا تتقاضى أي مقابل لهذا التوقف، وإنما ينقص راتبها أو لا يكون لها أي مبلغ مالي في مثل هذه الفترة؛ لأنها هي التي توقفت بمحض إرادتها، فتبقى المرأة بين نارين: إما ألا تكون أسرة بالمرة حتى لا تحمل ولا يكون لها أولاد، حتى لا يكون عندها عبء أسري، وتعيش حياتها كلها بدون ولادة وإنجاب، وبهذا يكون القضاء على الأسرة أمر محتم، وإما أن تشتغل وتحاول الجمع بين العمل وبين الوضع الاجتماعي السيئ في سوق العمل وهذا هو الموجود الآن -مع الأسف- في الواقع الغربي، ويريده الكثيرون ممن ينادون بالتوسع في مجال عمل المرأة أن يحصل في بلادنا.
والكلام كثير الآن في الصحافة وفي الإعلام حول مسألة توسيع عمل المرأة، بل إن بعض الصحفيين يضعون تحقيقات وسؤالات ويقولون: ما المانع أن تكون المرأة جزارة؟ أو أن تكون ميكانيكية، فتفتح لها بنشرًا وتشتغل فيه وتغير الزيت والكفرات وغير ذلك؟ وما المانع أن تشتغل المرأة بأي عمل بدون حدود؟ وهم في الأخير يقولون: وفق الضوابط الشرعية حتى يقبل الناس مثل هذا الكلام، وهذا الكلام في غاية الخطورة.
والتوسع في مجال عمل المرأة هو البداية بل هو لب تحرير المرأة عند هؤلاء المستغربين الذين يريدون أن يحولوا مجتمعاتنا كالمجتمعات الغربية، وليس المجال هو مجال الحديث عن ما ترتب على هذه الأوضاع المأساوية في الغرب والإحصائيات الحائلة، والتي تبين فشل التوسع في عمل المرأة أو مجاله، لكن نحن نريد أن نربط هذا الموضوع بموضوع مفهوم الحرية عند الغربيين، والمشكلة أن العالم الغربي لم يكتف بمفهوم الحرية لشخصه، وإنما ألزم الأمم الأخرى بهذا المفهوم.
[ ٦ / ٥ ]
العولمة والحرية
العولمة قائمة على الحرية الاقتصادية، والعولمة: هي فكرة ومذهب هدفه إزاحة أي عقبة أمام انتقال رأس المال، فرأس المال ينتقل من هذا البلد إلى ذاك البلد بدون أي عوائق، سواء كانت عوائق أخلاقية أو عوائق الجمارك التي هي العوائق النظامية، أو أي عائق من العوائق، التي منها: ألا تقوم الدول بدعم القضايا الاجتماعية في بلادها، فيجب عليها حسب النظرة الغربية أن ترفع الإعانات التي تعطيها للمواد الضرورية مثل الأكل أو غيره من الأشياء الأساسية في حياة الإنسان، وأنه يجب على الدولة أن ترفع يدها عن الصحة وتكون للقطاع الخاص جميعًا، وألا تكون هناك مستشفيات تابعة للدولة تعالج الناس بالمجان، ويجب كذلك على الدولة أن ترفع أي نوع من أنواع الإعانات، وأن تكتفي الدولة على مشاريعها الخاصة فقط، وأما بقية الأمور فإنها تسلمها للقطاع الخاص، فهذه فكرة العولمة الأساسية.
فهل يمكن تطبيقها بالأسلوب الذي يريده الغربيون مائة بالمائة؟
الجواب
يستحيل أن تطبق بالصورة التي يريدها الغربيون مائة بالمائة؛ لأن هناك عقبات اجتماعية، فإذا كان الغرب لا يعرفون العيب، فنحن نعرف العيب، وإذا تركوا دينهم وأعرضوا عنه وأصبح همهم الأساسي هو المال، فهناك بلدان كثيرة جدًا عندها أديان ولو كان التزامها ضعيفًا، إلا أنه من المستحيل أن يرضوا بهذا، فمن يتصور أنه يمكن أن تفتح بارات للخمور ومحلات للدعارة في بلاد المسلمين؟ فلا يرضى بهذا أحد من أهل الإسلام، وإن كان أحيانًا قد يوجد ضغوط على البلاد الإسلامية لرفع الحواجز عن مثل هذه القضايا، والشاهد -يا إخواني! - هو أن الغربيين تحرروا فعلًا من الأديان وتحرروا من الأوضاع الاجتماعية، وتحرروا من كل شيء، فهل حصلوا على الحرية الحقيقية؟
الجواب
لا، فقد استعبدهم الشيطان، واستعبدتهم الآراء الغريبة، وأصبحوا فريسة كبيرة للشيطان يتلاعب بهم، وليس هناك حد فاصل أو منطقة فارغة، فإما أن تكون عابدًا لله ﷿ أو تكون عابدًا للشيطان، ويجب على المسلمين أن يطالبوا بالحرية الصحيحة المنضبطة التي تكون بعيدة عن قيود البشر، فتعبدنا لله ﷿ يكون بقدر الانفكاك من التعبد للمخلوقين، وأن نكون أحرارًا منهم، ولهذا تعلمون قصة ربعي بن عامر عندما جاء إلى كسرى أو أحد قوات كسرى في معركة القادسية فقال له: إن الله بعث إلينا رسولًا ليخرجنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
فالصحابة صاروا أحرارًا من عبادة العباد، وقد كان يستعبدهم هوى مطاع، أو حاكم ظالم، أو قبيلة تحكم أفرادها بأي أسلوب، كما قال الشاعر: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد يعني: أنا من جماعتي، فإذا أتوا برأي راشد فأنا معهم راشد، وإذا أتوا برأي ليس برشيد فأنا غاوٍ معهم، وكذلك الآصار والأسر الاجتماعي: كالأسر المذهبي.
ولهذا فإن أكثر الناس حرية هم الذين يتعبدون لله ﷿، فكلما تعبد الإنسان لله ﷾ كلما نال الراحة والسرور والطمأنينة والحرية من البشر، وكلما ترك التعبد لله ﷿ فهو بقدر هذا الترك للتعبد لله ﷿ يتعبد للشيطان وللهوى وللقبيلة، أو لأي وضع من الأوضاع التي يعيش فيها.
ولهذا نحن نطالب بالحرية التي هي بمعنى: التعلق المطلق بالله ﷿ وبشريعته، فكلما التزمنا بمحبة الله وبشريعته فنحن أحرار؛ لأننا لسنا عبيدًا للبشر، والمطلوب في الحرية ألا تكون عبدًا للمخلوق؛ لأنه إنسان مثلك، فليس له حق في أن يستعبدك، ولا يعني: أن الحرية ألا يطيع الإنسان غيره إذا كان في طاعته طاعة لله ﷿؛ لأن الله ﷿ أمر بطاعة الوالدين، فلا تكون هذه الطاعة عبودية إلا إذا أمراك بالمعصية وأطعتهما، والحاكم المسلم طاعته واجبة بأمر الله ﷿ وأمر الرسول ﷺ، وتكون عبودية للحاكم إذا تذلل الإنسان له وأطاعه في معصية الله ﷿، وهكذا الحال مع القبيلة، أو مع النفس، أو مع بقية البشر، فإذا استقام الوالدان واستقامت القبيلة واستقام الحاكم واستقام الوضع الاجتماعي الذي أنت فيه على طاعة الله فلك حرية ليس لها حدود بعد ذلك.
والذي دعا إلى التعليق في هذا الموضوع المهم الذي هو موضوع الحرية هو قول شيخ الإسلام الذي يعتبر قاعدة في هذا الباب عندما قال: فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب.
ومتى كان الإنسان حرًا في قلبه فإنه لا يمكن استعباده إذا كان حرًا لله ﷿، مهما حاول الآخرون والشيطان استعباده، ومهما حاولت أي أمة من الأمم استعباده فإنه لا يرضى بالعبودية؛ لأن الحرية الحقيقية حرية القلب، والقلب هو أساس عمل الإنسان، والجوارح ما هي إلا نتيجة لعمل القلب.
ولا يمكن أن يكون هناك عمل من أعمال الجوارح الاختيارية دون أن يكون له أساس في القلب، وهذه قاعدة أهل العلم المعروفة في علاقة الظاهر بالباطن، وفي علاقة القلب بالجوارح، وهي: أن العلاقة علاقة مطردة وتامة إلا في حالتين: في حالة النفاق، وفي حالة الإكراه، ففي حالة النفاق يظهر الإنسان شيئًا ويخفي شيئًا آخر، وفي حالة الإكراه يلزم في
[ ٦ / ٦ ]
أنواع العبودية لغير الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا، وأقلهم ثوابًا].
العبودية لغير الله ﷿ أنواع من حيث ماهيتها ونوعها، وأنواع من حيث حكمها الشرعي، فهناك عبودية للمال، وهناك عبودية للصور والأشكال، وهناك عبودية للشرف، وهناك عبودية لأمر غيبي يتخيل الإنسان أنه صحيح، فإذا كان لغير الله فهو خرافة.
فمن العبودية: العبودية للمال والشرف، قال ﷺ في الحديث المشهور: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أضر أو بأضر عليه من حرص الإنسان على المال والشرف لدينه)، وهذا الحديث صحيح، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة كاملة، وهو حديث عظيم جدًا يحمل مثالًا عظيمًا: وهو أن حرص الإنسان على الشرف والمال يفسد الدين كما يفسده الذئبان الجائعان اللذان أرسلا في غنم ليس لها راعٍ.
ومن خصائص الذئب: أنه لا يكتفي بما يريد، فإذا دخل في مكان مليء بالأغنام فإنه لا يكتفي بأن يقتل واحدة بل يقتلها كلها ثم بعد ذلك يأكل واحدة فقط ويمشي، ولهذا فإن أهل البادية يعرفون عن الذئب أنه مفسد، فهو يأكل الشيء الذي عنده ويقتل الباقي.
فالمقصود: أن حرص الإنسان على الشرف والمال يفسد دينه بأكمله كما يفسد الذئب هذه الأغنام، وإذا كان الإنسان حريصًا على المال والشرف فإن الحرص عليهما قد يصد عن سبيل الله وقد يدعو إلى الكفر.
وأنتم تعلمون قصة هرقل عظيم الروم لما أرسل إليه النبي ﷺ عمرًا بن أمية الضمري، وجيء له بالكتاب من رسول الله ﷺ، ثم بعد ذلك جمع أبا سفيان ومعه بعض العرب وسألهم عن النبي ﷺ، والحديث طويل عن ابن عباس في صحيح البخاري، فقد سألهم عن حاله، وعن نسبه، وعن المعارك التي بينه وبينهم، وعن حقيقة دعوته، وماذا يطالب به، وهل كان في آبائه من ملك، وبعدما انتهى من الأسئلة قال: والله إن صدقتم فيما قلتم إنه رسول الله، فإنه سيملك موضع قدمي هاتين، -وكان قصر هرقل في الأردن- ولو أنني خلصت إليه -يعني: وصلت إليه- لغسلت عن قدميه وشربت مرقتها، وهذا يدل على أنه عرف الدين، وقد كان عنده شيء من علم الكتاب، لكن منعه من الإسلام الشرف وحب الملك، فلو أن هرقل أسلم فإنه سيترك الدولة الرومانية التي يملكها بأكملها، وسيأتي إلى المدينة ويعيش صعلوكًا ليس معه درهم واحد، فهذه الموازنة التي حصلت في عقل هرقل، فقد كان يملك أوروبا بأكملها، وبلاد الشام عبارة عن مستعمرات، وكما أن أمريكا استعمرت أفغانستان والعراق فإن هرقل استعمر بلاد الشام.
والاستعمار اسم جميل لكنه في الحقيقة تدمير، فالأعداء يسمونه أسماء جميلة حتى تروج عند الناس.
فالشاهد: أنه جمع بطارقة الروم في دسكرة واحدة وأطل عليهم من شرفة وأغلق الأبواب وأخبرهم بخبر النبي ﷺ وقال: والله إنه رسول الله، ثم قال لهم: هل لكم في الفلاح والنجاح؟ فحاصوا كما تحوص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب، فلما يئس عدو الله من الإسلام قال: ردوهم علي فلما اجتمعوا بين يديه قال: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم، فبقي على شركه.
فالشرف أحيانًا قد يدعو الإنسان إلى الشرك، ويمنعه من الإسلام، وهكذا الحال في المال، فقد يصد عن سبيل الله في كثير من الأحيان.
[ ٦ / ٧ ]
عشق الصور عبادة لغير الله
فالشاهد: أن عشق الصور هو نموذج من نماذج التعبد لغير الله ﷾، وقد يكون شركًا أكبر إذا صرف العبادة لغير الله، أو استحوذت هذه المحبة على القلب بأكمله.
والمقصود بعشق الصور هو: عشق الأشكال الجميلة سواء النساء أو غيرها، فالإنسان ينظر إلى الصورة الجميلة فيتعلق قلبه بها فيحبها محبة روحية أكثر من كونها محبة جسدية، وقد يحب امرأة فيتعلق قلبه بها حتى لو لم يجامعها في يوم من الأيام، لكن قلبه يتعلق بها فتكون المحبة روحية، والروح تؤثر في الإنسان مثلما يؤثر الجسد، والروح تمرض مثلما يمرض الجسد، فقد يمرض جسده فلا يقوم من الفراش، وكذلك الروح قد تمرض فتؤثر على بدنه فيسقط طريحًا.
رفع لـ ابن عباس فتى أصبح عظمًا على جلد فقال: ما هذا؟ قيل له: من العشق، فكان ابن عباس يستعيذ بالله من العشق طوال ذلك اليوم؛ لأن الجمال والروح بينهما علاقة، وإذا لم يستطع الإنسان ضبط عواطفه، وتوجيه هذه العواطف لمحبة الله ﷿ والتعلق بالله ﷿ فإن هذه العواطف قد تفتك به وتهلكه والعياذ بالله، ولهذا فإن أحمد شوقي يقول: صوني جمالك عنا إننا بشر من التراب وهذا الحسن روحاني أو فابتغي فلكًا تأوينه ملكًا لم يتخذ شركًا في عالم فاني أي: يقصد الشاعر أن هذا الأشياء روحية تؤثر على الإنسان تأثيرًا كبيرًا، والإنسان مكون من روح وجسد.
والشاهد الذي يعنينا من هذا الكلام: هو أن العشق قد يصل إلى الشرك الأكبر، ولهذا فإن مجنون ليلى هام على وجهه فلم يستفق إلا وهو في صحراء قاحلة بدون أكل وشرب، فمات فيها.
ومعنى هام على وجهه أي: فقد إحساسه، كحاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحواسه الجسدية كلها، وأصبح يمشي دون أن يشعر بأي شعور، وهذا معناه: أن إرادة القلب انصرفت لغير الله بأكملها والعياذ بالله.
ولسنا في صدد الحكم على مجنون ليلى، لكن الشاهد: أن الإرادة إذا انصرفت كلها لغير الله ﷿ فإنه قد يقع في الشرك، قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]، ومن زينة الحياة الدنيا: النساء وغيرها ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها مستعبدًا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررًا عليه ممن فعل ذنبًا ثم يتوب منه، ويزول أثره من قلبه].
بل إن الذين كتبوا في هذا المجال قالوا: إذا حصل الجماع فقد ما في القلب، ولهذا قال النبي ﷺ: (ليس للمتحابين إلا الزواج).
فإذا أحب رجل فتاة فالأولى والأوجب له أن يتزوجها؛ لأنه إذا لم يتزوج منها وبقيت العلاقة بينهما فإن هذا يؤثر تأثيرًا سلبيًا في حياتهما بشكل كبير، فالزواج في أغلب الأحيان يقطع مشكلة العشق.
قال: [وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين].
قال الله ﷿: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فشبه السكرة بشرب المسكر، ووجه الشبه بينهما في غياب العقل تمامًا، ولهذا فإن كثيرًا من الشباب والفتيان يتصلون بالأطباء النفسيين، وبالمشايخ الشرعيين، أنهم يجدون عناء كثيرًا جدًا وشقاء كبيرًا في هذا الموضوع.
والتعبير السطحي لهذا الموضوع هو أنهم يرسمون قلبًا، ويرسمون سهمًا يخترق هذا القلب، ثم نقطًا من دم، ويكتبون: الحب عذاب، وهذا تعبير صحيح، وفعلًا الحب عذاب دنيوي، فإن صاحبه يشعر بالشقاء والهم والتعاسة والعناء بشكل كبير.
قال: [كما قيل: سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران وقيل: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في حين].
والفرق بينهما: أن السكران يسكر ساعتين أو خمس ساعات أو عشر ساعات، لكن سكران الهوى يسكر طول عمره.
[ ٦ / ٨ ]
من أعظم أسباب عشق الصور
قال: [ومن أعظم أسباب هذا البلاء: إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أطيب].
وكم فقد هؤلاء المساكين هذه المتعة وهذه اللذة بمحبة الله ﷿، وكم عاشوا في شقاء وتعاسة بهذا التعلق بالمخلوق، سواء كان تعلق جمال، أو تعلق دنيا، أو أي نوع من أنواع التعلق.
فالحقيقة أن كثيرًا من الناس لم يذق طعم محبة الله ﷿، وكما قال العلماء: كل من أحب شيئًا من المخلوقين عذب به إلا إذا أحب الله ﷾، فإنه يجد المتعة والسعادة والسرور، والتجربة تدل على ذلك فضلًا عن الدلائل الشرعية الكثيرة، ولهذا جاء في الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، والحلاوة: هي الطعم، سواء كان في اللسان، أو في غيره، فحلاوة العين بالمنظر الحسن، وحلاوة الأذن بالصوت الحسن، وحلاوة القلب بالراحة والطمأنينة والسعادة، قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار).
فالثلاثة العناصر كلها تدور حول الحب والبغض، وهذا يدل على أهمية مسألة الحب والبغض، وفي الحديث: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله)، والمحبة: هي الولاء وما يترتب عليها من عمل، وما يترتب على البغض من عمل هو البراء، ولهذا فالذين يحاولون تجهيل الناس بآيات الولاء والبراء ويحذفونها من المناهج يجب عليهم أن يخافوا الله ﷾، فإنها أساس في العقيدة، وتجهيل الناس في هذا الباب من أعظم الأمور الخطيرة على أديان الناس.
قال: [والإنسان لا يترك محبوبًا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر].
وقد شبه ابن القيم ﵀ هذا الموضوع بالإناء، وقال: إن الإناء بحسب ما وضع فيه، إذا وضعت فيه مادة فاسدة فإنه يكون ممتلئًا بها، فإذا وضعت فيه مادة صالحة بقدر هذه المادة الداخلة فإنها تخرج المادة الفاسدة، حتى إذا استكمل القلب، وأصبح مليئًا بالمادة الصالحة، خرجت المادة الفاسدة.
ولهذا فالقلوب ثلاثة أنواع: قلب ميت: وهو الممتلئ بالفساد.
وقلب صحيح: وهو الممتلئ بالصلاح.
وقلب مريض: وهو المخلوط.
فهناك مادتان: مادة فساد ومادة صلاح، والقلب المريض ليس ميتًا ولا صالحًا، وهذا هو قلب الفاسق.
[ ٦ / ٩ ]
الفطرة في كلام ابن تيمية
قال: [قال تعالى في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]؛ فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله ﷾، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة لله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع].
يقصد ابن تيمية بكلامه: الفطرة، فإن الله ﷿ يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
ويقول ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم قرأ أبو هريرة الآية السابقة في سورة الروم.
[ ٦ / ١٠ ]
معنى الفطرة
والفطرة: هي ميل القلب إلى الله، ومحبته له، وهذا أمر مخلوق فيه، ومعنى كلمة فطرة: خلقة؛ ولهذا قال ابن عباس: لم أكن أعلم ما معنى فاطر حتى سمعت رجلًا من العرب يقول: أنا فطرتها -أي: البئر- قبله، يعني: أنا ابتدأتها وأنشأتها قبله.
قال: [والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور، من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك].
هذا يدل على أهمية تزكية النفس وتصفيتها وتهذيبها من كل الأدران السيئة وتغذيتها وتقويتها وتنميتها بالإيمان والعمل الصالح.
وأهل السنة والجماعة كما أن لهم منهجًا راشدًا وصحيحًا ومبنيًا على الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات فهم كذلك لديهم منهج راشد وصحيح ومبني على الكتاب والسنة في مجال السلوك والتعبد والأخلاق والآداب، وقد مرت فترة طويلة على كثير من المنتسبين إلى السنة بسبب المؤلفات التي ألفت في العقيدة، وأن اتجاهها كان إلى مناقشة قضايا الأسماء والصفات، فظن كثير من المنتسبين إلى السنة أن محور العقيدة فقط الأسماء والصفات، بينما عقيدة أهل السنة والجماعة شاملة لكل حياة الإنسان، لأنها هي حقيقة الإسلام الصحيح مطابقة، فيشمل سلوك الإنسان، ويشمل سياسة الدنيا بهذا المنهج، ويشمل المال وتدبيره، وهكذا جميع حياة الإنسان.
[ ٦ / ١١ ]
من العبودية لغير الله طلب الرئاسة والعلو في الأرض
قال: [وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض؛ قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم].
لأن قوام ملكه وسيطرته هي بما عنده من الرئاسات، ولهذا فهو يحتاجهم، فإذا لم يرعهم ويعتني بهم خانوه في أحوج ما يكون محتاجًا إليهم، ولعله من العبرة القريبة التي حصلت عندما جاء هؤلاء المجرمون الأمريكان وحاربوا العراق، وكان رئيسهم الظالم المتجبر الذي ينشر على الناس الضلالة قد خانه جنوده وأتباعه في أحوج ما يكون إليهم، وسقط مثل أي ورقة تسقط من شجرة، ليس له أي ملك ولا سلطان ولا أي أمر ولا نهي، وهذا يدل على أن الإنسان الذي يتعلق قلبه بالآخرين والذي يكون محتاجًا إليهم حتى لو كان في الظاهر قويًا أو مسئولًا، أو لديه سلطان فهو في الحقيقة محتاج إليهم.
قال: [والتحقيق: أن كلاهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق؛ كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين -لهواه الذي استعبده واسترقه- مستعبد للآخر].
أي: أن الفاحشة هي حالة استمتاع من الطرفين، وكل واحد منهما محتاج إلى الآخر، وهكذا الحال في مسألة الرئاسة والعلو في الأرض.
[ ٦ / ١٢ ]
طالب المال عبد لغير الله
قال: [وهكذا أيضًا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده فيكون هلوعًا، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:٢٠ - ٢١]].
الكنيف هو: الحمام.
قال: [ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه به، فإذا تعلق قلبه به صار مستعبدًا له، وربما صار معتمدًا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط.
[ ٦ / ١٣ ]
العبد الحقيقي لله تعالى من اتصف بالحب والرضا والولاء لله ولأوليائه
قال: [وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)، وقال: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله).
وفي الصحيح عنه ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر فقد أحبهم لله لا لغيره، وقد قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فإن الرسول يأمر بما يحب الله، وينهى عما يبغضه الله، ويفعل ما يحبه الله، ويخبر بما يحب الله التصديق به، فمن كان محبًا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله، فيحبه الله].
[ ٦ / ١٤ ]
اتباع الرسول والجهاد علامتا أهل المحبة الذين هم عباد الله حقيقة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجعل الله لأهل المحبة علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله؛ وذلك لأن حقيقة الجهاد: الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، وفي دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان].
هذا هو المفهوم الشامل للجهاد؛ لأن الجهاد يكون بالمال، ويكون بالنفس، ويكون بالقول، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس! جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم).
فالجهاد بالمال يكون ببذله في الأعمال الصالحة، وبتجهيز الغزاة في سبيل الله، والجهاد بالنفس يكون بالقتال المباشر لأعداء الله، وأما الجهاد باللسان فيكون بتوضيح حقائق الشريعة والرد على الطاعنين فيها.
[ ٦ / ١٥ ]
أفضل أنواع الجهاد
وأفضل ذلك كله هو الجهاد باليد؛ لأن الجهاد باليد هو ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه تضحية بالروح والنفس، والأحاديث الكثيرة الواردة في فضل الجهاد وفي فضل الشهداء هي واردة في هذا المعنى؛ لأن التضحية بالنفس في سبيل الله من أعظم الأعمال الصالحة، ومن أعظم الكرم والجود، فإن الجود بالنفس أغلى غايات الجود كما هو معلوم، لكن يكون بالجهاد الصحيح؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم أو بعض الناس دخله شيء من الغلو في موضوع الجهاد، فأصبح يقاتل المسلمين ويعتبر ذلك من الجهاد، ولا شك أن هذا القتال ليس من الجهاد في شيء، فقتال المسلمين هو قتال فتنة لا قتال جهاد.
ولا يصح أبدًا إطلاق اسم غزوة أو معركة أو سرية أو نحو ذلك من الأسماء الشريفة في السير النبوية والتاريخ الإسلامي على قتال بين المسلمين.
وقد أجمع العلماء: على أن القتال الذي حصل في زمن الصحابة -مع أن طائفة منه على الحق وأخرى مخطئة- أنه لا يسمى جهادًا، وإنما الجهاد يكون في قتال أعداء الله من الكافرين، فجهاد الكافر الصريح عندما يعتدي على المسلم هذا هو الجهاد الصحيح، أما إذا كان الكافر لم يعتد على المسلم فإن فريضته هي الدعوة إلى الله، فليس في قتل الكافر في حد ذاته منقبة، فقتل الكافر في ذاته ليس مقصودًا للمسلمين ولأحكام الإسلام، وإنما إسلام الكافر هو المقصود، فإذا لم يمت ولم يسلم وقاتل المسلمين فإنه يقاتل، هذا هو الواجب الشرعي في هذا الأمر.
والحقيقة: أن هذه القضية ينبغي أن تفقه من كلام أهل العلم، والرجوع إلى أهل العلم المعتبرين في هذا الأمر، والبعد عن تلقف آراء الغلاة الذين لديهم شيء من الغلو في هذه المسائل، وأنصح كثيرًا من الشباب بعدم أخذ هذه الآراء من منتديات الإنترنت، فإن فيها الغثاء والتخليط الكثير، فينبغي للإنسان ألا يتخذها مصدرًا من المصادر، فإن فيها أناسًا كثيرين يكتبون، وأحيانًا قد تكون وراءهم جهات منحرفة يتقمصون شخصيات إسلامية فيتكلمون بالأسماء الشريفة، ويتكلمون بطريقة غير صحيحة، فلا يصح أن تكون منتديات الإنترنت مصدرًا لك، بل يكون مصدرك الصحيح هو الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وكلام أهل العلم المعتبرين وكتبهم.
[ ٦ / ١٦ ]
حقيقة محبة الله ورسوله
قال: [وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد.
بل قد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر!).
فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان.
ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادرًا عليها حصلها، وإن كان عاجزًا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل].
هذا تفسير وتحرير لإرادة الإنسان؛ لأن العمل الذي يكون في الظاهر يكون مبنيًا على الإرادة القلبية والقدرة على العمل، فيقول ابن تيمية ﵀: إن المحبة هي المحرك الأساسي لإرادة القلب، فإذا تحرك القلب فإن إرادته تكون جازمة، وبناء على هذا يكون العمل الذي يريد فعله إن كان في مقدوره فعله، وإن لم يكن في مقدوره ولا يستطيع فعله، يكون له أجر كأجر فاعله.
قال: [كما قال النبي ﷺ: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؛ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا).
وقال: (إن في المدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر)].
أي: أن العذر العائق من العمل هو الذي حبسهم، وأما إرادة القلب فهي موجودة، ولهذا فقد حصلوا على الأجر.
[ ٦ / ١٧ ]
حقيقة الجهاد
قال: [والجهاد: هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلًا على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه.
ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة، فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبين لغير الله مما يحتملون في حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله، إذ كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل].
هذا بيانٌ في أن الإنسان إذا أحب فإنه يضحي من أجل محبوبه، سواء كان المحبوب رئاسة أو صورة أو مالًا أو غير ذلك، وقد يتلف بسبب هذه التضحية، وهذا إذا كان المحبوب محبوبًا غير شرعي.
فإذا كان المحبوب شرعيًا فالتضحية من أجله لازمة، وهي علامة على صدق هذه المحبة وعلى وجودها وقوة الإرادة فيها، وقد يحتمل الإنسان المكاره والمشاق في سبيل الله ﷿، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الشهداء: حمزة، ورجل جاء إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله)، يعني: أنه صبر على القتل، والصبر على القتل ليس أمرًا هينًا ولا سهلًا.
وهذا يدل على علو محبة الله ﷿ في نفس المجاهد في سبيل الله، وفي نفس المحتسب والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهكذا الحال فيما يتعلق بالتعبد لله.
وعندما يكون الجو شديد البرودة، أو الماء باردًا وليس هناك سخانة تسخن بها الماء، وأراد الإنسان أن يتوضأ، فإذا لم يكن هناك محبة في قلبه لله ﷿ فإنه لا يستطيع أن يقوم من نومه ويضع الماء على جسده، لكن إذا قام من نومه وتوضأ بالماء البارد فإنه يدل على علو المحبة في قلبه لله ﷾.
قال: [ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبًا لله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقًا لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة].
أي: لابد للمحبة من أمرين: الأمر الأول: صحة المحبة وقوتها، والأمر الثاني: صحة الطريق إلى المحبوب.
وهذا أمر مهم؛ لأنه أحيانًا قد تجد أشخاصًا يضحون تضحيات بالغة وقد تكون بأنفسهم، لكن الطريق الذي ظنوا أنه يوصل إلى محبوبهم ﷿ لم يوفقوا فيه إلى الصواب.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يجمع بين أمرين: الأمر الأول: قوة المحبة لله، وهي تساوي الإخلاص في باب صحة العمل، والأمر الثاني: أن يكون الطريق الموصل إلى الله ﷿ طريقًا صحيحًا، وهو يساوي محبة الرسول ﷺ ومتابعته.
وهذا يدلنا على أهمية العلم، فالحماس والمحبة والتضحية والإرادة القوية مطلوبة، لكنها وحدها ليست كافية ولا بد فيها من علم، وهو بمثابة العقل المدبر لهذه الأمور، فلابد فيها من علم يضبط الإنسان حتى يقع على الطريق المستقيم الموصل الصحيح الذي لا اعوجاج فيه، وينبغي إدراك هذه القضية، وهذا من تنبيهه ﵀، وهو ربط لهذا الموضوع باتباع السنة، فإن المحبة تورث الحماس في القلب والتعلق بالله، وتورث قوة الإيمان في القلب، والاندفاع نحو الطاعة، لكن إذا لم يكن هناك طريق صحيح يسلكه فإنه يتخبط، فإذا تخبط ظن أنه في تخبطه هذا موافق لشرع الله ﷿.
والخوارج نموذج عجيب في أشخاص يملكون حماسًا قويًا، ويملكون اندفاعًا ويملكون شجاعة وقوة كما جاء في وصفهم في الحديث في خبر ابن عباس: بين وجوههم مثل ركب المعزاء من السجود.
ومع هذا قال النبي ﷺ فيهم: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وسماهم النبي ﷺ: كلاب النار، وقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وهذا يدل على خطورة الخوارج، وهي الفرقة الوحيدة التي جاءت فيها أحاديث صريحة وكثيرة من النبي ﷺ، فإنها ثبتت عن عشرة من الصحابة، كما قال الإمام أحمد، وهذا يدل على خطورة الغلو، وخطر الخوارج.
فالخوارج يكفرون أهل الإسلام، ويقاتلون المسلمين، ويدعون أهل الأوثان والكفار، ففي زمن علي بن أبي طالب جاءوا إلى عبد الله بن خباب بن الأرت، وهو تابعي جليل، وابن صحابي جليل، فأمروه بالالتزام بعقيدته، وسألوه عن رأيه في عثمان وعلي فقال بالحق فقتلوه، وبقروا بطن جاريته التي كانت معه وألقوها في النار، فهذا يدل على العنف والشدة في التعامل، مع أن القضية التي سألوا عنها لا تستحق كل هذه العقوبة، ولما رأوا رجلًا ذميًا عظموه وأجلوه ووقروه، فهؤلاء لا يكرهون أصحاب النبي صلى الله
[ ٦ / ١٨ ]
الأسئلة
[ ٦ / ١٩ ]
حكم القول بأن الإيمان حب من غير خوف
السؤال
ما صحة قول من يقول: إن الإيمان هو حب فقط من غير خوف؟
الجواب
هذا غير صحيح أبدًا، فالخوف من أعمال القلب، كما أن المحبة من أعمال القلب، ولهذا روى أبو نعيم في الحلية عن مكحول رحمه الله تعالى وهو من التابعين أنه قال: من عبد الله بالمحبة وحدها فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: من الخوارج- ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو السني.
فلا بد من عبادة الله ﷿ بهذه جميعًا، وكلها من أعمال القلب، فلا يصح أن يقول الإنسان: إنني أعبد الله بالحب فقط، فلابد من خوف الله ﷿، ولهذا جاء في وصف الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، أي: يدعونه رغبًا لوجود المحبة، ويدعونه رهبًا لوجود الخوف منه ﷾، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
[ ٦ / ٢٠ ]
كيفية تعلق القلب بالمال
السؤال
هناك مقولة عند أهل العلم: إن المال معلق بالقلب، والقلب معلق بالمال، فكيف أوفق بين هذا وبين حديث الرسول ﷺ؟
الجواب
تعلق القلب بالمال تعلق طبيعي، فالنفس تحب وجود المال، لكن المهم ألا يكون الإنسان عبدًا لهذا المال، وألا يكسبه بالطريق الحرام، وإنما يكسبه بالطريق المباح.
[ ٦ / ٢١ ]
ما ينبغي فعله على من لا يستطيع الزواج
السؤال
إذا لم يستطع الشاب الزواج وقام بشرب بعض أنواع الشاي الذي يعين على كبح شهوته، فهل في ذلك شيء؟
الجواب
أنا لا أعرف هذا النوع من الشاي الذي يتكلم عنه السائل، لكن أعرف حديث النبي ﷺ عندما قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
وأيضًا ينبغي على الشاب أن يبتعد عن المثيرات، والإنسان إذا اشتغل بشيء ينفعه في دينه ودنياه، وابتعد عن المثيرات مثل المجلات والأفلام والقنوات الفضائية فإن شهوته تضعف، أما إذا كان ينظر إلى هذه المثيرات بشكل مستمر فإن شهوته لن يضعفها الشاي ولا غير الشاي.
[ ٦ / ٢٢ ]
زوال محبة غير الله من القلب
السؤال
هل زوال أثر المعصية من القلب كما قال شيخ الإسلام: حتى تزول من القلب من الزنا وغيره؟
الجواب
الشهوة والمحبة لغير الله تزولان من القلب بمحبة الله والتعلق به ﷾، لكن الكلام في مسألة العشق، وأن الجماع يضعفه، هذا أمر طبيعي لا شرعي، والإنسان إذا كان قلبه معلقًا بغير الله -كفتاة مثلًا- ثم تزوجها زالت هذه المحبة في الغالب، ولا يعني هذا أنه يزني بها حتى يخف الذي في قلبه، فهذا ليس صحيحًا بل هو محرم، فالزنا جرمه عظيم، وفعل الفاحشة لن يعالج هذه المشكلة.
وهناك فرق بين من يزني بامرأة، ومن يتزوج بها، فالزنا يكون في فترة محدودة، لكن الزواج أمره مستمر، فإذا زنى بها مرة أخرى بعد شهر أو شهرين أو خمسة أشهر اشتاق إليها فرجع مرة أخرى، فيقع في كل مرة في الحرام بحجة أنه يريد أن يخفف ما في قلبه، فهذا أسلوب شيطاني، وهذا من تلاعب الشيطان بالإنسان.
والصحيح: أن يتعلق قلب الإنسان بالله، وأن يعتصم بالله، وأن يتوكل على الله، وأن يدعو الله ﷿، وأن يقطع الطمع في التعلق بالمخلوقين، فعلاج العشق قطع الطمع، والعاشق متعلق بالمعشوق لأن عنده طمع في القرب منه والالتقاء به، لكن إذا قطع هذه العلاقة، وقطع هذا الطمع والرغبة، ووضع في باله استحالة الالتقاء بالمعشوق مائة بالمائة، فهذا سينقص مما في نفسه خمسين في المائة، والبقية يكمله الزمان إذا استمر بإذن الله تعالى.
نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٦ / ٢٣ ]
رسالة العبودية [٧]
محبة الله تعالى نوع من أنواع العبودية لله تعالى، والذين آمنوا أشد الناس حبًا لله تعالى، ولابد لهذه المحبة من طريق صحيح يوصل إلى الغاية والهدف، وهو اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومحبة ما سوى الله محبة فاسدة، وكلما ازداد العبد حبًا لما سوى الله ازداد له عبودية وذلًا، وكلما ازداد حبًا لله تعالى ازداد حرية وشرفًا.
[ ٧ / ١ ]
محبة الله ﷿ وعبادته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: تحدثنا في الدرس الماضي عن محبة غير الله ﷾، وأنها نوع من العبودية، وقد تكون هذه العبودية عبودية تامة، وقد تكون عبودية جزئية، ويختلف الحكم بناءً على نوعية هذه العبودية.
وتحدثنا عن محبة غير الله ﷿، وقلنا: إن منها: محبة المال والشرف، ومحبة الصور وعشقها، ونحو ذلك.
واليوم نكمل بإذن الله تعالى بقية ما يتعلق بهذه المسائل ضمن هذا الكتاب العظيم الذي هو العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته (العبودية): [ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبًا لله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
معنى هذه الآية هو: أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من المشركين الذين اتخذوا مع الله ﷿ أندادًا يحبونهم كحب الله.
وقيل: المراد هو أن (الذين آمنوا أشد حبًا لله) من محبة هؤلاء لأندادهم.
وعلى كلا التقديرين؛ فإن المقصود: هو إثبات شدة المحبة لله ﷿ عند المؤمنين، وأنهم أشد حبًا لله ﷿ من هؤلاء المشركين، سواء لله ﷿ أو لمعبوداتهم.
[ ٧ / ٢ ]
ضلال من سلك في محبة الله طريقًا لا يحصل بها المطلوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم! قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقًا لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذا الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة].
المقصود بهذا: أن المحبة قد تكون محبة صحيحة مثل: محبة الله ﷿، أو محبة الرسول ﷺ، لكن المحب قد يسلك طريقًا ليست صحيحة ولا توصل إلى الغاية المطلوبة، فلا بد إذًا من صحة الوسيلة والغاية، وصحة الوسيلة: هي الطريق الذي يوصل إلى المحبوب، وصحة الغاية التي هي: المحبوب ذاته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل؟].
يعني: كيف إذا كانت المحبة فاسدة مثل محبة غير الله ﷿، والطريق غير موصل إلى هذه المحبة؟ فإنه يكون حينئذٍ فسادًا في الوسيلة، وفسادًا في الغاية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررًا، ولا تحصل لهم مطلوبًا، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه.
وإذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حبًا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه].
المفهوم الشرعي للحرية: هو التحرر من العبودية للبشر أو للمخلوقات عمومًا أيًا كانت، فليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، فإنه إذا فعل ما يشاء يكون عبدًا لهواه وللشيطان، لكن الصحيح: أن يكون عبدًا لله ﷾، فإنه كلما ازدادت محبته لله ازداد عبودية لله، وفي ذات الوقت ازدادت حريته من العبودية للمخلوقين.
[ ٧ / ٣ ]
افتقار القلب إلى الله تعالى وحاجته إلى عبادته وحبه والإنابة إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية].
إذًا: القلب محتاج إلى الله ﷿ مفتقر إليه، وافتقار القلب إلى الله ﷿ يكون من جهتين: الجهة الأولى: جهة تحقيق العبودية، وهي: أن يكون القلب عابدًا وخاضعًا ومحبًا لله ﷾، وهذه هي الغاية.
والجهة الثانية: من جهة الاستعانة والتوكل والاعتماد والاعتضاد، وهذه هي العلة الفاعلة، وهي: الوسيلة.
وتلاحظون أن الله ﷿ قرن في القرآن الكريم كثيرًا بين العبادة والتوكل، وبين العبادة والاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، والمقصود من الاقتران بين العبادة والاستعانة هو: أن يكون القلب متعلقًا بالله ﷿ من جهة الغاية ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه.
فمن جهة الغاية: أن يكون الله غايته، فلا يريد إلا الله، ولا يحب إلا الله، ولا يعظم إلا الله ﷾، ومن جهة الوسيلة: فلا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل ولا يعتمد ولا يرجو من المخلوقين شيئًا، وإنما يرجو ذلك من الله، فحينئذٍ يكون قد حقق العبادة من جهتين: من جهة الغاية، ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ، ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة].
هذا الكلام يعتبر قاعدة، وهو أن القلب لا يرتاح ولا يصلح ولا ينجو ولا يشعر بالطمأنينة إلا باعتماده على الله، فهذه القاعدة اكتشفها شيخ الإسلام ابن تيمية من جهتين: من جهة دلالة الشرع عليها، ومن جهة الفطرة التي هي الطبيعة الإنسانية، فمن الجهتين استطاع شيخ الإسلام أن يصل إلى هذه القاعدة، وهذه القاعدة مقررة عند أهل العلم سابقًا.
وهناك فصل في كتاب ابن القيم: (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) وهو كتاب مطبوع في مجلدين، ففي المجلد الأول: فصل في أن القلب لا راحة له ولا طمأنينة له ولا سكون ولا لذة إلا بمعرفة معبوده ومألوهه وهو الله ﷾، وقد حشد فيه كثيرًا من الأدلة على هذه القاعدة، فمن الأدلة الشرعية على هذه القاعدة قول الله ﷿: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ومنها أيضًا ما يمكن استخراجه من قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، فإنه إذا كان الإعراض فيه المعيشة الضنك، فإن الإقبال فيه المعيشة الطيبة.
ولهذا يقول الله ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، والمقصود بالحياة الطيبة أي: في الدنيا، وهذا غير الآخرة.
فهذه الدلائل الشرعية تدل على أن القلب لا سعادة له ولا طمأنينة له إلا بمحبة الله ﷿ والعبودية له، ومما يدل على ذلك: الفطرة، وهذا أمر معروف في طبيعة الإنسان، فإن الواقع يشهد بأنه لا راحة للنفس ولا طمأنينة لها إلا بالله ﷿، فإذا فقد الإنسان العبودية لله والمحبة لله ﷿ فإنه يدخله الهم والشقاء والتعاسة والانحراف عن منهج الله ﷿ بقدر بعده.
[ ٧ / ٤ ]
شقاء الإنسان وانحرافه بسبب بعده وتركه لمحبة الله وعبادته
ولهذا فإن العاصي يدخله من الشقاء أقل مما يدخل للكافر، والكافر الذي يؤمن بوجود الله ويؤمن بالأنبياء ويعظمهم لكنه مشرك في عبادة الله ﷿ يكون شقاءه أقل من الملحد، وهكذا كلما ازداد الإنسان إيغالًا في البعد عن الله كلما ازداد شقاءً وشذوذًا وانحرافًا.
ولهذا فالعالم الغربي اليوم لوحة واضحة لهذه القضية، والإنسان الذي يتأمل في حياة الغربيين اليوم يستطيع أن يستنتج منها هذه المعاني العظيمة، فقد وصلوا إلى مرحلة من الشذوذ والانحراف والبعد عن الله ﷿ وخلو القلب من التدين لله ﷾، وما ظهر في نظرياتهم الفكرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما ظهر في سلوكهم العملي.
وقد سمعت أن رجلًا يحاكم في ألمانيا بتهمة أكل لحوم البشر، وأن هذا الرجل كتب في الإنترنت: أي شخص عنده استعداد أن يؤكل فليراسلني، وبعد أسابيع اتصل به شخص وقال: أنا عندي استعداد لأن أؤكل، يعني: يكون طعامًا يؤكل، والاثنان كانا شاذين، فجاء إليه واقتاده إلى منزله، وارتبط هذا الشذوذ بالشذوذ الجنسي والعياذ بالله، فقام الآكل بقطع ذكر المأكول وشوهه ثم قتله وسجل هذا في الفيديو لمدة ساعة، ووزع لحمه على مجموعة أكياس ووضعها في الثلاجة، وفي كل فترة يأكل جزءًا منها، فأعجبه هذا الأمر فوضع أيضًا إعلانًا آخر في الإنترنت في خمسة مواقع أو ستة مواقع وجاءه خمسة أشخاص.
فهذه القصة غريبة حتى على المجتمع الغربي، وتدل على أن الإنسان كلما ازداد بعدًا عن الله ﷿ ازداد شذوذًا.
ولهذا فإن عبادة الشيطان التي ظهرت أول ما ظهرت عند الغربيين ثم انتقلت مع الأسف إلى بلاد المسلمين، وأصبح بعض أبناء المسلمين الذين درسوا شيئًا من القرآن يعبدون الشيطان، ويتعبدون بطريقة مخزية وغريبة وشاذة فيشربون دماء الكلاب، ويؤدون طقوسًا روحانية كما يسمونها، ويفعلون الفواحش بطرق شاذة ومنحرفة، والشاهد: أنه كلما ابتعد الإنسان عن الله ﷿ كلما ضل وانحرف وشعر بالشقاء والتعاسة.
إذًا: هذه القاعدة تثبتها الدلائل الشرعية ودلائل الطبيعة الإنسانية، والشواهد الموجودة في الواقع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك السرور والسكون إلا بالله، فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله؛ بحيث يكون هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول].
[ ٧ / ٥ ]
أقسام المحبة
المحبة تنقسم عند العلماء إلى قسمين: محبة التأله، وقد سبق أن أشرنا إليها، والمحبة الطبيعية، فمحبة التأله هي المحبة التي أشار إليها ابن تيمية وسماها: المحبة بالقصد الأول، وتسمى: محبة التأله، وهي تعلق القلب وإنابته ورجوعه وشغفه والتفكير الدائم فيه، فهذه لا تكون إلا لله ﷾، وهي محبة السر والمحبة الخاصة.
وهناك محبة طبيعية موجودة في طبيعة الإنسان، وهذه المحبة لا يلام عليها الإنسان، فهو يحب أباه وأمه وزوجته وأولاده، ويحب المال والنساء، ويحب الجمال، ويحب أمورًا كثيرة جدًا، فهذه المحبوبات الطبيعية لا تثريب على الإنسان فيها، بشرط أن تكون مرتبطة بمحبة الله ﷿، فإذا عصى أحد هذه المحبوبات الطبيعية فإنه لا يحبه ولا يقدمه على محبة الله ﷿، كما أن هنالك من المحبوبات ما يمكن أن تكتسب بطريقة شرعية، فهي محبة لله، وبطريقة غير شرعية مثل: المال، فلا يكتسب منه إلا ما كان بالطريقة الشرعية، وهكذا الحال في النساء والجاه والرئاسة والجمال ونحو ذلك.
وكل هذه الأشياء يجب أن تكون مرتبطة بمحبة الله ﷿، وهو الحب الأساسي في الإنسان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئًا لذاته إلا الله، فمتى لم يحصل له هذا، لم يكن قد حقق حقيقة: (لا إله إلا الله)، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك.
ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينًا بالله متوكلًا عليه مفتقرًا إليه في حصوله لم يحصل له، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين].
[ ٧ / ٦ ]
افتقار العبد عند أهل السنة وعند المتكلمين
هناك مسألة دقيقة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه وهي: الفرق في افتقار العبد بين عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة أهل لكلام.
فعقيدة أهل السنة والجماعة في افتقار العبد، خلاصتها: أن العبد مفتقر إلى الله ﷿ افتقارًا ذاتيًا من حيث أن الله ﷿ هو محبوبه بالقصد الأول، ومن حيث أنه لا رغبة ولا إنابة ولا خوف إلا من الله ﷾، وأن هذه المحبة موجودة في طبيعة الإنسان، وأنها موجودة في أساسه.
فالافتقار عند أهل السنة يسمى: الافتقار الذاتي، أي: أن العبد مفتقر من حيث ذاته إلى الله ﷾ من جهة وجوده، ومن جهة حاجته إليه في العبودية والاستعانة.
وأما أهل الكلام فعندهم: أن الإنسان أو المخلوقات عمومًا -ويسمونها: الحوادث- مفتقرة إلى الخالق والمبدع الأول، وأن هذا الافتقار ناشئ عن الحدوث، أي: ناشئ عن حدوثه وكونه محدثًا، وليس بمحدِث.
والحقيقة: أن هذه المسألة مسألة فرعية من قضية جوهرية وأساسية عند علماء الكلام، وهي أنهم يرون أن وجود المخلوقات أساسها الحدوث، وأن علامات الحدوث كثيرة مثل: الحركة بعد السكون، ومثل: وجود تلبس الأعراض كالألوان والطعوم والروائح وغيرها، فيقولون: إن هذه الأشياء تدل على الحدوث، والحدوث افتقار، ولا يمكن أن يكون في المحدث شيء من هذه الأوصاف، فيرتبون على هذه القضية نفي صفات الله ﷾ وأفعاله، وأن الله ﷿ لا يمكن أن يفعل فعلًا؛ لأنه يستلزم منه أن تكون الحوادث قد حلت بذاته تعالى، وحينئذٍ يدل هذا على تشابه بينه وبين المحدثات والمخلوقات، وهذا لا شك أنه مذهب فاسد ومنحرف؛ لأن صفات الله ﷿ ثابتة في القرآن والسنة، منسوبة إلى الله ﷾، وفهم معانيها يعتمد على لغة العرب، ولا يصح أن تشبه وتماثل صفات الله ﷿ بصفات خلقه، وما يقولونه من القواعد الكلامية المخالفة للسنة، مثل قاعدة: حلول الحوادث بذات الله ﷿، فهي قاعدة عقلية مخالفة للنصوص، وفيها كثير من الخروق العقلية، وقد تحدث عنها شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا في (درء التعارض)، وفي (بيان تلبيس الجهمية)، فأحببت أن أشير إلى هذه المسألة عند هذا الكلام؛ لأنه أحيانًا في كتبه عندما يتحدث عن الافتقار يشير إلى الافتقار الذاتي الموجود عند أهل السنة، وافتقار الحدوث الذي يشير إليه أهل الكلام وما يرتبون عليه من العقائد المنحرفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه كان عبدًا لما أحبه، وعبدًا لما رجاه، بحسب حبه له، ورجائه إياه، وإذا لم يحب أحدًا لذاته إلا الله، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئًا إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهدًا أن الله هو الذي خلقها].
قوله: مُشاهِدًا، مأخوذة من الشهود، والشهود معناه: الحضور، يقال: فلان شاهد، يعني: حاضر، وعكسه الغياب، ومنه الغيب والشهادة، والأمور المشاهدة، أي: الموجودة، وهذا ما عبر عنها شيخ الإسلام، وقد يعبر عنها كثيرًا ابن القيم ﵀ في (مدارج السالكين) أو في (طريق الهجرتين)، ويتحدث عن شهود العبد لفعله، ومعناه: أن العبد منتبه لفعله، فإذا كان العبد منتبهًا لفعله حصل عنده نوع امتنان بهذا العمل، وهذا لا شك أنه نقص في عبودية الإنسان.
فكلمة (الشهود) معناها: الحضور، وشهود القلب معناه: حضور القلب، وشهود العمل معناه: حضور العمل في عقل وقلب العابد.
وقوله: كان مشاهدًا أي: منتبهًا ومقرًا ومعترفًا أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها، وهذه القضية حاضرة في ذهنه كحضور الشاهد.
[ ٧ / ٧ ]
فعل الأسباب وتعلقه بحب الله وعبادته لأنه خالقها ومسخرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهدًا أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها له، وأن كل من في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره وهو مفتقر إليه، كان قد حصل من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك].
الله ﷿ خلق الإنسان وخلق أسباب هذا الكون، وقد تحدثت عن قضية الأسباب في دروس سابقة، فالأسباب مخلوقة لله، وليست مؤثرة بذاتها، والله ﷿ خلق فيها عنصر التأثير، والارتباط بين السبب والمسبب ارتباط حقيقي وصحيح، لكنه لا ينفذ إلا بإرادة الله ﷾؛ لأنها مخلوقة له، وعندما يفعل الإنسان السبب، ويعتمد بقلبه على هذا السبب تنقص عبوديته وتضعف، لكن إذا فعل السبب وهو مشاهد بقلبه أن الله خالقه، وأن الله ﷿ هو الذي وراءه، وأنه لا يتم هذا السبب إلا بإرادة الله ﷿، فإنه حينئذٍ يحصل في قلبه من العبودية بقدر هذه المشاهدة، وبقدر اعتماده على الله ﷾.
والعمل الصالح كما تعلمون سبب لدخول الجنة، لكن أحيانًا قد لا يتحقق لوجود موانع تمنعه، كذلك الأدوية الموجودة الآن في الكون هي أسباب، وكذلك أي أمر من الأمور التي يحصلها الإنسان، فالنار سبب للتدفئة ولطهي اللحم والطعام، فهذه الأسباب لا يمكن أن تحصل بذاتها، وإنما لا بد من إرادة الله ﷿ التي وراءها، فإذا حصل أن العبد شاهد هذه القضية وتعلق قلبه بالله ﷿ وأنه لا يفعل السبب وهو معتمد عليه فإنه يحصل في قلبه من العبودية والإيمان بقدر هذا الشهود وهذا الحضور.
وإذ مرض الإنسان، وذهب إلى الطبيب، كانت حالته النفسية ضعيفة إلى درجة أنه يتعلق بالطبيب، فلو كان عنده من الإيمان والعبودية والتوكل على الله ﷿ ما اعتمد إلا على الله سبحانه، وهكذا الاعتماد على القوة، كأن تكون لديه قوة أيًا كانت هذه القوة، سواء كانت قوة ذاتية أو قوة مادية معينة، فإذا اعتمد على القوة خانته في أي لحظة من هذه اللحظات، واقرءوا التاريخ فإن فيه العجائب في هذه الباب، ولعل من أبرزهم: فرعون الذي قال لقومه -عندما انتقد موسى، وأراد أن يبرر لقومه أن كلام موسى غير صحيح- استدل بقوته فقال: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والمهين: هو الإنسان المحتقر المزدرى، أو الذي يكون من قبيلة مضطهدة، ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]؛ لأن موسى كانت فيه لثغة ولم يكن يفصح، فتغطرس فرعون وتكبر فأذله الله ﷾، وحطم ملكه على يد هذه الأمة الضعيفة بني إسرائيل، وعندما دخلوا في البحر دخل وراءهم فأغرقه الله ﷾، وبقي جسده آية بعد ذلك.
إذًا: الاعتماد لا يكون إلا على الله ﷾ حتى في الأسباب الحقيقية، وهذا نوع من أنواع العبودية يجب التنبه له.
[ ٧ / ٨ ]
أكمل الخلق وأفضلهم وأقربهم إلى الله هم أتمهم عبودية لله واستسلامًا له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرقها إلا الله؛ فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم: أتمهم عبودية لله من هذا الوجه.
وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو: أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر].
هذه القضية مهمة جدًا، لكن كثيرًا من الناس لا ينتبه لها، فإن حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم لله ﷿، فخبر الله يكون الإسلام به تصديقه، وأمر الله يكون الإسلام به الرضا به وتطبيقه، ونهي الله يكون الإسلام به القبول له، والانقياد له بالكف عن العمل.
فإذا وجد معترض على خبر الله، أو على أمره، أو نهيه، فهو زنديق كافر غير مسلم؛ لأن الاعتراض على الله ﷿ أو على شريعته، أو على خبره يعتبر من فعل الشيطان، عندما أمره الله ﷾ بالسجود لآدم فاعترض، ورفض أن يسجد وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فأمره الله ﷿ بالخروج منها، وبين أنه كافر، وأن من أطاعه فهو مثله.
وهناك فرق بين الاعتراض وعدم الفعل، يعني: الواجب تجاه أمر الله ﷿ شيئان: الشيء الأول: الرضا به وقبوله، واحترامه وتصديقه، والانقياد له.
فأما الرضا به وقبوله، فهو داخل في أصل الدين، فمن اعترض على أمر الله ورفضه وأباه، وهو يعرف أنه أمر الله ﷿ فهذا لا شك في كونه كافرًا خارجًا عن دائرة الإسلام.
والشيء الثاني: هو الفعل، فإنه لا يكفر الإنسان به إلا إذا كان هذا الفعل مكفرًا.
فأوامر الله ﷿ كثيرة، منها: أمر بالصلاة، وأمر بطاعة الوالدين، وأمر بصلاة الجماعة وأمر بالزكاة، وأمر بصلة الأرحام، والواجب تجاه هذه الأوامر هو: أولًا: الرضا بها من الله ﷿، وقبولها، والاستسلام لها، لأنها حقيقة من الله.
الأمر الثاني: هو فعلها.
أما الأول فهو من أصل الدين، فمن لم يرضَ بها كمثل من لم يرض بالصلاة فهذا كافر غير مسلم.
ومن أقر بأن الله أمر ببر الوالدين، لكنه عمليًا عاق لوالديه ولا يبرهما، فهو فاسق ليس بكافر، ويكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر، لكن إذا لم يرضَ به واعترض على أمر الله بطاعة الوالدين، وقال: إنهما مثل أي شخص آخر، وما استفاده منهما فليس بالضرورة طاعتهما، فهذا الاعتراض يعتبر كفرًا يخرج عن دائرة الإسلام والعياذ بالله.
فينبغي إدراك هذه القضية؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم يعترض على أحكام الله في باب الولاء والبراء، ومن يعترض على أحكام الله ﷿ في تكفير اليهود والنصارى، ومن يعترض على أحكام الله ﷿ في الرجم، وفي جلد الزاني غير المحصن، وفي إقامة حد الردة، ويقولون: هذه الصور بشعة، ويعترضون على تشريع تعدد الزوجات، ويقولون: هذا ظلم للمرأة، ويعترضون على حجاب المرأة، ويقولون: هذا اعتداء على حريتها الشخصية، فكل هذا الكلام يعتبر ردة مخرجة عن دائرة الإسلام.
وهناك فرق بين من يقول هذا الكلام فيكون مرتدًا، وبين من يعترف بالحكم الشرعي ويقر به، لكنه لا ينفذه، فإذا كان لم يؤد الصلاة فتركها، فلا شك أنه كفر بنص النبي ﷺ عندما قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، ومن لم ينفذ بر الوالدين يكون عاصيًا، وهكذا يختلف الحال من عمل إلى عمل آخر.
[ ٧ / ٩ ]
منافاة الكبر لحقيقة العبودية لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: (أن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلًا للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته)، فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار].
من تكبر عذبه الله ﷿ بالذل في الدنيا وفي الآخرة، وكم من الطواغيت والجبابرة الذي تكبروا وطغوا وبغوا أذلهم الله ﷿ في الدنيا، وعذبهم في الآخرة كما جاء في بعض الأحاديث أنهم يكونون مثل الذر يطأهم الناس، وفي هذا عبرة وعظة عجيبة جدًا، ولهذا فـ المعتمد بن عباد عندما سجن -بعد أن كان حاكمًا- ورأى بناته في الأسر، تأثر تأثرًا كبيرًا جدًا، وأنشد قصيدة مشهورة تعبر عن هذا الحال الذي هو فيه.
فالحقيقة أن كل من تكبر وطغى وبغى عذبه الله ﷿ في الدنيا أو في الآخرة.
[ ٧ / ١٠ ]
قاعدة: كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غيره ويذل له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحبًا في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفًا أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له].
هذه قاعدة مهمة جدًا، وتشبه القاعدة التي سبق أن أشرنا إليها، والدلائل الشرعية والطبيعية الإنسانية تشهد بها، وهي: كل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فهذه قاعدة من أهم القواعد في هذا الباب، فالإنسان لابد أن يكون عابدًا، ولا تتخيل أبدًا وجود إنسان خال من العبودية، ولهذا فالغربيون الذين جاءوا بدعوى الحرية والعتق من الأديان هم في الحقيقة هربوا من أديان معروفة وعبدوا الشيطان، وعبدوا النفس الأمارة بالسوء فلا يمكن للإنسان إلا أن يكون عابدًا.
والسبب في هذا، والمستند الحقيقي لهذا هو ما أشار إليه الشيخ عندما قال: فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فإن أفعال الإنسان التي تحصل لابد فيها من وجود إرادة قلبية، ومن وجود قدرة تنقل هذه الإرادة إلى العمل.
فالإرادة القلبية الموجودة في نفس الإنسان تقتضي وجود مراد، ولا يمكن أن تكون إرادة بدون متعلق يريده الإنسان، فإن كان متعلقه الله ﷿ كانت هذه العبودية لله ﷿، وإن كانت غير الله فإنه يكون عابدًا لهذا الغير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس ويتحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام)، فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائمًا، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدًا ذليلًا لذلك المراد المحبوب: إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابًا، وغير ذلك مما عبد من دون الله.
وإذا كان عبدًا لغير الله يكون مشركًا، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وكان مشركًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، إلى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، ومثل هذا في القرآن كثير.
وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك.
ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئًا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فكلما قوي إخلاص حبه ودينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك.
والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود، قال الله تعالى في النصارى: ﴿
[ ٧ / ١١ ]
أساس شرك اليهود والنصارى الكبر والجهل
أساس شرك النصارى: هو الضلال والجهل، فإن الجهل بالأحكام الشرعية يوصل إلى الضلال، ولهذا وصفهم الله ﷿ بأنهم من الضالين، وأصل شرك اليهود: الكبر والإعراض عن علم، فإعراض اليهود وترك التزامهم بدينهم سببه الكبر عن الخضوع للدين، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا الصراط يتصف بصفتين: اجتماع العلم والعمل، أو اجتماع العلم والإخلاص لله ﷿ ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، و(المغضوب عليهم): هم اليهود، وذلك أنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، بسبب إعراضهم عن الإخلاص لله مع وجود العلم لديهم.
(ولا الضالين): وهم النصارى، الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم بسبب الجهل، ففيهم حب للتعبد، وفيهم إرادة له لكنها ليست مبنية على علم، وإنما مبنية على جهل، ولهذا قال بعض السلف: من انحرف من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
ولهذا فكثيرًا ما يقارن شيخ الإسلام ﵀ بين ضلال الصوفية وضلال المتكلمين، فإن ضلال الصوفية سببه: إرادة التعبد، لكن على جهل، فضلوا وانحرفوا ففيهم شبه من هذه الزاوية بالنصارى، والمتكلمون كانوا أهل علم وجدل ومناقشة، فأصبح انحرافهم مثل انحراف اليهود الذين انحرفوا عن علم وكبر، بسبب الكبر الموجود في نفوسهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦].
ولما كان الكبر مستلزمًا للشرك، والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، قال نوح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى في حق إبراهيم ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى ﵇: ﴿يَا قَوُم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [يونس:٨٤ - ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]، وقال عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣].
فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات
[ ٧ / ١٢ ]
عبودية الله تنجي من آفة الكبر والجهل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه إلخ] فيه: تقرير لحقيقة أن عبودية الله ﷾، والتعلق به ينجي من آفتين: الآفة الأولى: هي آفة اليهود وهي الكبر.
والآفة الثانية: هي آفة النصارى وهي الشرك، وقد تحدث كثيرًا عن الكبر ثم عن الشرك الذي هو عبادة غير الله ﷾، والافتقار إلى غير الله ﷾.
والمخلوقات جميعًا عابدة لله ﷿ باعتبار أنها خاضعة له ﷾، بل إن لـ شيخ الإسلام ﵀ رسالة في مسألة (عبودية الكائنات) يقرر فيها أن هذه العبودية هي عبودية إرادية، أي: عبودية متعلقة بالإرادة، وله تحقيق طويل في هذا الموضوع، ثم تحدث عن الشرك وأنه أظلم الظلم الخ.
[ ٧ / ١٣ ]
الخلة وحقيقة العبودية
قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وقال تعالى عن الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٨٢].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟ وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إمامًا، وأعظم الظلم الشرك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، والأمة: هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به.
والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: (أن إبراهيم خير البرية)، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي ﷺ وهو خليل الله تعالى.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، وقال: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله -يعنى: نفسه-)، وقال: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)، وقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، وكل هذا في الصحيح، وفيه: أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته؛ فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته لله تعالى التي أصلها محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله، خلافًا للجهمية].
[ ٧ / ١٤ ]
أقسام محبة الله ﷿
محبة الله ﷿ تنقسم إلى قسمين: محبة الله ﷿ التي هي صفة من صفاته، وهذه ثابتة لله ﷾، ولا ينكرها إلا أهل التعطيل الذين يرون أن صفات الأفعال ليست ثابتة لله ﷾، وهؤلاء هم غلاظ الأكباد -والعياذ بالله- الذين لا يحبون ولا ينسبون المحبة لله تعالى.
إذًا: محبة الله ﷿ تكون على نوعين: محبة الله التي هي صفة من صفاته، ومحبة العبد لله، فالله ﷿ يُحِب ويُحَب، يعني: تنسب له المحبة على وجهين: على أنها فعل منه، وعلى أنها فعل نحوه، وهذه يثبتها أهل السنة والجماعة، فيرون أن الله ﷿ يحب بعض مخلوقاته، لما فيها من الخصائص الكريمة والأمور الفاضلة، مثل محبته للأنبياء والصالحين والعمل الصالح، ومحبته للصابرين ومحبته للمتطهرين ونحو ذلك، وأيضًا يحب، فتتعلق محبة القلب به ﷾، من جهة أن العبد يعظمه ﷾، ويتعلق قلبه به لكمال صفاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال صفاته ﷾ فهو كامل كمالًا مطلقًا، ولكمال إنعامه على العبيد، وهذه القضية يتحدث عنها ابن القيم كثيرًا في (الفوائد) وفي غيرها، وأن استحقاق الله ﷿ للعبودية ولمحبة العبد له هو لكمال ذاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال ذاته وصفاته، ولكمال إنعامه أيضًا.
أما الجهمية فيقولون: إن الله ﷿ لا يحب، وينفون هذه الصفة عن الله ﷿، كما أنهم ينفون أيضًا أن يحب ويقولون: إن المحبة لا تتعلق به، وأن العلاقة بين الخالق والمخلوق هي مثل علاقة المعاوضة بين بائع ومشتر مثلًا أو مثل أي علاقة من علاقات العوض -يعني: التغاير- ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن سنة المرسلين.
[ ٧ / ١٥ ]
حقيقة الرافضة وبيان إشراكهم بعبادة علي وغيره من البشر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وألا يعبدوا إلا إياه، ورد على أشباه المشركين.
وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق ﵁ حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكًا بعبادة علي وغيره من البشر].
الرافضة الذين يسمون الآن (الشيعة) أو (الإثنا عشرية) هؤلاء من أكفر الطوائف المنتسبة إلى ملة الإسلام، فعقائدهم مناقضة لعقائد المسلمين.
ومناقضة عقائد الرافضة لعقائد المسلمين واضحة في التعبد لغير الله ﷿، ولهذا أشار ابن تيمية ﵀ كثيرًا في بعض كتبه، أن الذين نشروا الشرك وعبادة غير الله ﷿ هم من هذه الأمة، ومن المنتسبين إليها، كالصوفية والرافضة، فهم يعتقدون العتبات المقدسة، ويأتون إلى هذه العتبات المقدسة ويحجون إليها ويطوفون بها ويذبحون عندها ويستغيثون بغير الله، وينذرون لغير الله ﷾، ويقررون ذلك في كتبهم، حتى إن أحد مؤلفيهم كتب كتابًا وسماه: (حج المشاهد) ولهذا يذكر المجلسي في (بحار الأنوار) وهو كتاب من كتب المتأخرين، لكنه جمع كتب المتقدمين جميعًا ورتبها وهو كتاب كبير يزيد على مائة مجلد، وأفرد جزءًا كاملًا يتعلق بالمزارات، فيه من ألوان الشرك ما لا يخطر لك على بال، ولهذا في أيام الاحتفالات التي يقيمونها في حسينياتهم يقومون بدعوة غير الله ﷿ ويستغيثون بـ علي بن أبي طالب ويعطونه جميع صفات الله ﷾، بل إنهم يقررون في مصنفاتهم أن الله ﷾ عندما خلق الكون أسنده إلى الأئمة ليقوموا بتدبيره، ولا شك أن هذا من أعظم الشرك في الربوبية.
ولهذا فيعتبر الرافضة من أهل الشرك والعياذ بالله، ولا يعني هذا أن كل من انتسب إليهم مشرك، فهناك فرق عند الحديث عن الفرق وعن المذاهب، ولابد أن نفرق بين حقيقة المذهب ودين المذهب، والأشخاص المنتسبين إليه، وليس كل أحد انتسب إلى مذهب من المذاهب يعتقد كل ما في هذا المذهب، وأحيانًا قد لا يعلم.
لكن أساس المذهب وعلماءه والقائمين عليه والحوزات العلمية ومن يكون متدينًا منهم، فإن هؤلاء لا شك أنهم يؤمنون بهذه العقائد الضالة، والمشكلة الكبيرة التي حصلت عند الروافض في العصر الحديث: هي أن مصنفاتهم التي كانت قديمًا موطن سرية وكان لا يتداولها إلا مجموعة من العلماء فيهم أصبحت متوفرة في كل مكان بسبب الطباعة، وبسبب الاتصالات الموجودة.
وأعظم كتاب منذ عشرة قرون ألف في الرد على الرافضة هو: (منهاج السنة النبوية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومع هذا فإنه لم يرجع إلى كتاب الكافي للكليني، مع أن كتاب الكافي للكليني قبل شيخ الإسلام تقريبًا بثلاثة قرون أو أربعة قرون، وهذا يدل على أن هذا الكتاب كان مستورًا، وأنه لم يظهر إلا في زمن الدولة الصفوية عندما بدأت المطابع، وانتشرت عقائدهم.
فالآن أصبحت عقيدة الرافضة ظاهرة متداولة، ولا يمكن أن يجعلوها سرًا، فهي عقيدة مكشوفة وواضحة، وهذا الأمر الأول الذي جعل القضية خطيرة في العصر الحديث.
القضية الثانية: هو أن منهج الرافضة العقدي الخطير الذي فيه شركيات حوله شيوخ الرافضة إلى مذهب شعبي، فيجتمع في الحسينيات عشرات بل آلاف، ويستمعون إلى القصائد والأدعية التي يقوم بها بعض الأشخاص، ويرددون بعض الكلمات التي تحصل فيها ما يسمى (باللطميات) عندهم، وهي من الشرك الواضح، ولا يمكن لأي شخص أن يحملها إلا على الشرك، فعندما يمدحون عليًا بن أبي طالب بأنه يعلم عدد الذرات، وأنه سبب الفضل على عدد من الأنبياء، وأنه وأنه، فهذا من أوضح الشرك، ولهذا فإن هؤلاء الذين يعرفون هذا الشرك لا يعذرون أبدًا من إنكاره.
ومن أوضح الأشياء عند الرافضة: سب الصحابة، فهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان، ويكفرون سائر أصحاب النبي ﷺ، فقبح الله هذا المنهج وهذا الدين الذي يكفرون به خلاصة أتباع نبيه.
والنصارى على شركهم وضلالهم وانحرافهم لم يوجد أحد منهم يكفر الحواريين أبدًا، وهؤلاء يكفرون خلص الصحابة رضوان الله عليهم، والنصوص الثابتة عن علي بن أبي طالب ﵁ في تفضيل أبي بكر وعمر بلغت مبلغ التواتر، ومع هذا يكفرون أبا بكر وعمر.
وأنتم سمعتم خبر الرجل الخبيث الذي في الكويت، الذي سجل على شريط تكفيره أبا بكر وعمر، وسبه لهما، وطعنه فيهما طعنًا قبيحًا، ولا شك أن هؤلاء -كما قال عنهم بعض السلف- ونقلها ابن تيمية في بداية (منهاج السنة) فقال: ما رأيت أحمق من الخشبية! لو كانوا من البهائم لكانوا حميرًا، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخمًا.
أي: أنهم أسوأ الأنواع، فأسوأ البهائم الحمير، والخنازير ما كانت موجودة عند العرب، وهي الآن من أسوأ البهائم،
[ ٧ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٧ / ١٧ ]
حكم الإقرار بالقوانين الوضعية
السؤال
هل الإقرار بالقوانين الوضعية واتخاذها منهجًا وشرعًا مع الإقرار بشرع الله ﷾ من القلب ولكن لم يتخذ ذلك فعلًا، هل يعد ذلك كفرًا مخرجًا عن الملة، أم هو فسوق؟
الجواب
حقيقة القوانين الوضعية أنها قواعد عامة تطبق، والأصل في تطبيقها على كل الناس، وهذه القواعد العامة تعتبر تشريعات، والتشريع حق لله ﷿ لا يجوز للإنسان أن يدعيه لنفسه، ولا أن يعارض الله ﷿ فيه، فمن شرع شريعة غير شريعة الله مناقضة لها، فهذا لا شك أنه كفر مخرج عن دائرة الإسلام.
والحقيقة: أن الجدل القائم حول مسألة الاستحلال أو عدم الاستحلال ليست واردة في القوانين الوضعية، فصيغ القوانين الوضعية استحلال صريح، وفيها: يجوز أن يعمل كذا وكذا، ولا يجوز أن يعمل كذا وكذا، فهي صريحة في الاستحلال، والأساس العلمي والعقدي في هذا الباب: هو أن القضايا التي توصف بأنها من الشرك الأكبر، والأدلة الشرعية تدل على أنها من الشرك الأكبر لا يصح أن يقال فيها: بأنه لابد أن يستحل؛ لأن الاستحلال شرط في المعاصي، والأصل فيها أنها لا تكفر، والمقصود بالذنوب والمعاصي: ما كان غير الشرك، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والربا، واللواط، وعقوق الوالدين، وترك صلة الأرحام، فهذه المعاصي غير مكفرة إلا إذا استحلها، أي: اعتقد أنها حلال، فإذا اعتقد أنها حلال فهذا معارض ومكذب لشريعة الله ﷿، فيكون الأمر باتفاق الأئمة، أما الأعمال الشركية التي تخرج من الملة فلا يصح أن يقال: إنه يشترط لها الاستحلال.
فلا يصح مثلًا أن يقال في عابد الصنم: لابد أن يستحل حتى يكفر، وعبادة الصنم في حد ذاتها شرك مخرج من الملة، وهكذا القول في مسألة الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، والتعبد لغير الله ﷿، وكل هذه لا يشترط فيها الاستحلال.
لكن هناك مشكلة تقع عند بعض طلاب العلم في مسألة الاستحلال، وأحيانًا تكون متعلقة بالمعين، وأحيانًا تكون مجردة عن المعين، وإذا بحثناها باعتبارها قضية عقدية مجردة عن المعينين نقول: الأعمال التي توصف بأنها شرك أكبر لا يشترط فيها الاستحلال، لكن إذا ربطت القضية بالمعينين فلا نقول: إنه يشترط فيها الاستحلال، فالمعين إذا تلبس بعمل كفري فإنه لا يكفر حتى توجد عنده الشروط، وتنتفي عنه الموانع.
فمسائل التكفير مسائل دقيقة، ومسائل تحتاج إلى علم، ولا يصح للإنسان أن يتساهل فيها، وأن يكفر، وأن يجتهد في هذه المسائل، وكثير من الناس مع الأسف ليس من أهل العلم، وليس مشتغلًا به، ومع هذا يشتغل بتكفير الناس بألفاظ مجملة، وبطرق غريبة، إلى درجة أنهم وصلوا إلى تكفير أهل العلم وأهل الفضل من المسلمين، ولا شك أن هذا خطير جدًا: فإن الإنسان إذا قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما -والعياذ بالله- فإنها إن لم تقع عليه رجعت على القائل، ثم إن الله ﷿ لم يطالبنا بالحكم على الناس وعلى الدول، هل هي كافرة أو ليست بكافرة؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الكفار، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ وتتبع الناس بالتكفير ليس من منهج الصحابة رضوان الله عليهم ولا غيرهم، لكن هناك قواعد تضبط هذه المسائل، والمفترض أن يكون طالب العلم بعيدًا عن الكلام فيما يتعلق بالمعينين؛ لأن قضايا المعينين حساسة، ويجب علينا أن نحافظ على قواعد أهل العلم في باب التكفير؛ لأن هذه القواعد ليست خاصة بجيلنا، بل هي قواعد عامة تشمل الجيل الذي قبلنا والذي قبله، وتشمل الجيل الذي نحن فيه، وتشمل الأجيال القادمة، لكن المعينين يموتون ويذهبون والدول تسقط وتأتي دول أخرى بدلها، والتصرفات تتغير والناس تتبدل آرائهم وأفكارهم، فلا نعلق قضايا الدين بالمعينين.
وعلى كل حال: فجملة هذه القضية أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم في هذه المسائل إلا بعلم وعدل، ولا يصح له أن يتكلم بالجهل.
وهناك صور وألوان من التصرفات الموجودة الآن في واقعنا مع الأسف، فيها كثير من الغلو والإجحاف على الناس، فبعض الشباب مع الأسف يواجهون رجال الأمن بالقتال، ولا يخافون الله ﷿ في أنهم يواجهون مسلمين، فهذا لا شك فيه أنه من الغلو والإسراف، ولا يمكن لمسلم يخاف الله ﷾ أن يستحل دم مسلم آخر ويقتله حتى لو كانت عنده شبهة، ولهذا فالإنسان يكون في مثل هذه الفتن -كما قال أهل العلم- خير ابني آدم، عندما قال أحدهما للآخر: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧]، فقال له الآخر: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]، فقتل المؤمن متعمدًا عذابه عظيم جدًا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] فالأمر ليس هينًا، بل يعتبر من كبائر الذنوب، فعندما تجد إنسانًا ملتزمًا ببعض الواجبات الشرعية وبالسنن، لكنه مفرط في باب عظيم وهو
[ ٧ / ١٨ ]
حكم من استهزأ بالدين
السؤال
هنالك بعض الصحفيين أو المثقفين الذين تكلموا بكلام خطير على أساس الدين، فما حكم ذلك؟!
الجواب
لا شك أن الكلام المناقض لأساس الدين كفر مخرج عن دائرة الإسلام، فمن استهزأ بالله، أو بالملائكة أو بالأنبياء، أو قال: الله والشيطان وجهان لعملة واحدة! أو قال أشياء من هذا القبيل، فهذا كفر مخرج عن دائرة الإسلام بدون أي شك؛ لأن اليهود والنصارى ربما يستحيون من أن يقولوا مثل هذا الكلام.
وأما اعتذار الآخرين بأن مثل هذا الكلام يقال في رواية، أو على شخص وهمي موجود في الخيال، فهذا ينقضه أن أصحاب هذه الروايات يصرحون بأنهم هم الذين يتبنون مثل هذه العقائد.
ومع الأسف فإن في البلاد الإسلامية اليوم الكثير من الأشخاص الذين يتبنون المناهج الغربية، فقد وجد ماركسيون يتبعون ماركس، وعلمانيون اتخذوا العلمانية منهجًا، ويرون ضرورة الفصل بين الدين والحياة، ويوجد أيضًا أشخاص حداثيون يتكلمون في الأدب، ويوجد الأشخاص الذين يعتبرون الإبداع هو الهجوم على المقدسات، ولا تكون مبدعًا إلا إذا أتيت بالغرائب، وبالهجوم على المقدسات وعلى الله، فمثلًا: الرجل الذي قال: كان الله رمادًا وهكذا، ثم إذا أحد ناقشه وقال: كيف تقول: كان الله رمادًا؟!! هذا كفر، قال: يا أخي! أنت تفهم خطأ، أنا ما أقصد بـ (الله) الذات الإلهية، أنا أقصد بكلمة (الله) رمزًا للطهر والعفاف والصلاح.
فهل الله رماد؟ وهل الصلاح أصبح رمادًا غير موجود؟ وهذا أشبه ما يكون بالتأويلات الباطنية، فهم يفسرون قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، فقالوا: المقصود بالبقرة: عائشة، فهذا أمر من الله ﷿ أن يذبحوا عائشة ﵂، لكن هذا أمر لم ينفذ، فهؤلاء لا شك أنهم كفار، وهذا العذر ليس عذرًا مقنعًا؛ لأنه لو جاء أحد وسبه مباشرة، فقال: يا أخي! لماذا تسبني؟ قال: أنا لا أسبك، أنا أسب الرمز الذي هو اسمك، فهذا لا يقبل أصلًا وعقلًا، وإلا لو كان هذا الكلام مقبولًا، فكل الخطابات تصبح رمزية العبودية، ومعناها: الحرية، وأي إنسان يستطيع التعامل بالأسلوب فهذا ليس له قواعد، وليس له شيء منضبط، فهؤلاء هم الزنادقة.
والزنادقة قديمًا كانت تعرف زندقتهم من خلال الكلام الذي يتكلمون به، والواجب هو جهاد هؤلاء، بالرد عليهم ومناصحتهم وشكواهم إلا ولاة الأمر، والاتصال بالمحاكم، والواجب تجاه الذي يعترض على قاعدة من قواعد الدين وهي الولاء والبراء: أن ننصحه ونذكره بالله، أو أن نتصل بأهل العلم، ونرفع عليه قضية إلى المحكمة، ونطالب بتطبيق الحد الشرعي عليه، أو أن يتوب عن هذا الكلام الذي تكلم به، بشرط: أن يكون الكلام واضحًا وصريحًا في الموضوع.
ويجب علينا أن نتصل أو نكتب إلى ولاة الأمر، للأخذ على يد هذا السفيه، فهذا هو التعامل الصحيح مع مثل هذه الحالات، والله ﷿ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم:٩]، وجهاد الكفار يكون بقتالهم في معارك مفتوحة معهم، ويكون في قدرة المسلمين أن يقاتلوا الكفار.
والحالة الثانية: جهاد المنافقين بالدعوة وبالإصلاح، وبكشف أباطيلهم وعقائدهم الضالة، وبالاحتساب عليهم عند ولاة الأمر وشكواهم في ذلك، هذا هو الصحيح في التعامل مع هذه القضية، وما يدور الآن في الإنترنت من كثرة الاغتيالات أو غيرها، فهذه كلها أفكار غلو مخالفة للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله ﷾؛ لأنه بهذه الطريقة سيضيع الحق مع الباطل، وبهذه الطريقة يكون هناك افتئات على القضايا العامة، والسياسات العامة التي تكون من سلطات ولي الأمر مما لا يصح للإنسان أن يقوم بها بنفسه، فلو أن إنسانًا رأى زانيًا فقام بجلده، فهذا غير صحيح، ولو رأى سارقًا فقطع يده، أو مرتدًا فقتله، فهذه كلها يسميها العلماء في كتب الفقه (الافتئات على ولي الأمر) أي: دخول الأفراد العاديين في مسئوليات تتعلق بهيئات موجهة من ولاة الأمر في هذا الموضوع، وكأنه نصب نفسه قاضيًا ثم منفذًا، ولو كانت القضية بهذا الأسلوب لما كان هناك قضاء جهة تنفيذ، ولاختلط الحابل بالنابل، فأي شخص يتهم شخصًا ثم يقوم بتنفيذ الحكم عليه باجتهاده فقد ضيع الحقوق بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، بل إن العلماء يقولون: لو أن شخصًا قتل أخاك فقتلته، فإن القاضي يحكم في هذه المسألة بألا تقتل، باعتبار أنك أخذت بدم أخيك، لكن يصح لولي الأمر أن يعاقبك بهذه المسألة باعتبار أنك افتأت على ولي الأمر وأقمت الحد عليه دون إذن منه، وهذا الذي يسمونه الآن في الاصطلاح بـ (الحق العام)، فيقسمون الحقوق إلى قسمين: حق عام، وحق خاص، والحق الخاص: هو المتعلق بك، والحق العام: يكون المسئول عليه الدولة وولاة الأمر، فلا يصح للإنسان أن يقوم بتقمص شخصية قاضٍ فيحكم، أو بتقمص شخصية ولي الأمر فيأمر وينهي في هذا الباب ويقوم بتنفيذ الحدود؛ لما يترتب على هذا من الفتنة الكبيرة والخطيرة، ولما يترتب ع
[ ٧ / ١٩ ]
رسالة العبودية [٨]
لقد بين الله تعالى في كتابه العزيز محبته لعباده المؤمنين العاملين، وخص بخلته من اصطفاه من عباده، وبين أن المحبة الصادقة له إنما تكون بالانقياد لأمره الشرعي ونهيه، والبعد عن مواطن معصيته وسخطه، منبهًا على أن أي محبة له غير مقترنة باتباع نبيه ﵌ فهي محبة كاذبة ظالمة.
[ ٨ / ١ ]
الخلة والمحبة واستلزامها لكمال العبودية لله تعالى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والخلة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه].
هذا المقطع متعلق بوصف الله لإبراهيم بهذه المنزلة العظيمة وهي: الخلة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
وأيضًا في حديث النبي ﷺ: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا).
والخلة معناها: المحبة، وهي درجة عالية من درجات المحبة، وهذا دليل على أن الله ﷿ يحب ويحب، فهو يحب عباده الصالحين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والتوابين، والذاكرين، وهو ﷾ أيضًا يحب، فهو ﷾ لكمال ذاته وصفاته وإنعامه على الخلق محبوب، وعلى قدر درجة محبة العبد تكون راحته وسعادته وعبوديته لله ﷾، فإن أساس العبودية: المحبة، كما سيأتي معنا بإذن الله تعالى.
فالله ﷿ يحب ويحب، وقد نفى عنه هذا الوصف المنحرفون في صفات الله تعالى وهم الجهمية، فإنهم نفوا أن يكون الله ﷿ يحب، كما نفوا أنه ﷾ يحب، وقالوا: إن الله ﷿ لا يحب؛ لأن المحبة من الأعراض، والأعراض تستلزم الحدود، والحدود منتفية عن الله ﷿، وهذه شبهة عقلية فاسدة جاءوا بها من أجل أن يلغوا دلالات النصوص الشرعية في هذا الباب.
وأيضًا قالوا: إن الله لا يحب، فلا تتعلق به محبة العبد، واعتبروا أن محبة العبد لا تتعلق إلا بالمحدثات، وهذا لا شك أنه باطل، ولهذا كان علماء السلف يسمون هؤلاء الجهمية: غلاظ الأكباد، يعني: ليس عندهم رقة، وليس عندهم تعلق بالله ﷿، وإلا فإن تعلق المحبة بالله ﷾ أمر يشعر به الإنسان في ذاته، ونفي هذه المحبة المتعلقة بالعبد لا شك أنها نفي لأمر طبيعي يشعر به الإنسان، ومن هنا يكون استنكار الإنسان لها أشد وأكبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان معبدًا للمحبوب، والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له ﷺ من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلًا].
يعني: الخلة هي رأس المحبة، وهي القمة في المحبة؛ ولهذا لا تقبل القسمة والاشتراك، بينما عموم المحبة يمكن أن تنقسم فيكون هناك أكثر من محبوب للشخص، أما محبة التأله التي فيها ذل وخضوع وانكسار فلا تكون إلا لله وحده لا شريك له.
[ ٨ / ٢ ]
بيان حب الصحابة لربهم وحب ربهم لهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بخلاف أصل الحب، فإنه ﷺ قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما).
(وسأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها)].
يعني: أبا بكر الصديق ﵁، فقبح الله الرافضة الذين يبغضون من يحبه رسول الله ﷺ، فرسول الله ﷺ يحب أبا بكر وهو من أفضل أصحابه، وهؤلاء يبغضون أبا بكر ويلعنونه ويطعنون فيه، فقبحهم الله ما أشد عصيانهم لرسول الله ﷺ! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـ علي ﵁: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وأمثال ذلك كثير].
أبو بكر وعلي بن أبي طالب وبقية أصحاب النبي ﷺ كان يحبهم النبي ﷺ وإن كانت تتفاوت درجات المحبة، فأعلى أصحابه محبة عنده هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذه هي مراتب الأفضلية بالنسبة لأصحاب النبي ﷺ، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فجعل الفتح الذي هو غزوة الحديبية مميزًا بين من أسلم قبلها ومن أسلم بعدها، ولهذا فالذين أسلموا من قبل هم الأفضل وهم الأكمل، لكن هذا لا يعني أن الذين جاءوا من بعد ليس لهم فضل، ولهذا قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥]، فهم من أهل الفضل والمكانة، ولهذا يوجد من الكتاب الجهلة والصحفيين الذين لا يعرفون من العلم إلا اسمه من يتجرأ على أصحاب النبي ﷺ، وبالذات على من يسمون بالطلقاء، والمقصود بالطلقاء: الصحابة الذين أسلموا عام الفتح، عندما دخل النبي ﷺ مكة، فيبغضون بعضهم، وقد يذمونهم وينتقدونهم، أو ينتقصون عمرًا بن العاص أو معاوية أو نحو ذلك، فكل هؤلاء من الضالين المنحرفين -والعياذ بالله- فإن أصحاب النبي ﷺ كلهم من أهل المحمدة، ومن أهل الفضل، ومن أهل المكانة العالية، أما من يتكلم عليهم فلا شك أنه: كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهن قرنه الوعل
[ ٨ / ٣ ]
الفرق بين المحبة والخلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر تعالى أنه (يحب المتقين) (ويحب المحسنين) و(يحب المقسطين) و(يحب التوابين) و(يحب المتطهرين) ويحب ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين، ومحبة المؤمنين له حتى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
أما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس: إن محمدًا حبيب الله، وإبراهيم خليل الله، وظن أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف، فإن محمدًا أيضًا خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وما يروى: أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها.
وقد قدمنا أن محبة الله تعالى: هي محبته ومحبة ما أحب، كما في الصحيحين: عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)].
هذه الآيات هي في سياق كون الله ﷿ يحب؛ لأنه أضاف المحبة إليه، فيحب يعني: الله ﷿، فهناك ضمير مستتر في الجملة يعود إلى الله ﷾.
وهناك محبة لله ولوازم لهذه المحبة، فمن لوازم محبة الله ﷿: محبة ما يحب، مثل: فرائض الله ﷿ التي أمر بها، فإنه لا يأمر شرعًا إلا بما يحب، ومن ذلك أيضًا: الأعيان التي يحبها الله كالصحابة والأنبياء قبل ذلك، وكالأماكن التي يحبها الله مثل: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وبلاد الشام عمومًا، ومثل: الأوقات التي يحبها الله ﷾، كمحبة الله لشهر رمضان أكثر من محبته لغيره من الشهور، ومحبته ﷾ للعشر الأوائل من ذي الحجة أكثر من محبته لغيرها وهكذا، فربك يخلق ما يشاء ويختار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبر النبي ﷺ: أن من كان فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئًا أو اشتهاه إذا حصل له به مراده، فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.
ومن قال: إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء فقد غلط في ذلك غلطًا بينًا، فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة، فإن الإنسان مثلًا يشتهي الطعام، فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة، فاللذة ليست هي الأكل، ولذلك يشتهي النظر إلى الشيء فإذا نظر إليه التذ به، واللذة تتبع النظر، ليست نفس النظر، وليست هي رؤية الشيء، بل تحصل عقيب رؤيته، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن، وأمثال ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن].
هذه قضية واضحة، فإن اللذة التي تتعلق بهذه الأعمال ليست هي مجرد إدراك الملائمة، وإنما هي قدر زائد على هذا الإدراك؛ لأن إدراك الملائمة هو الشعور به، لكن ما يحصل في القلب من ارتياح وانبساط وما يحصل فيه من مشاعر تتفاوت من شخص إلى شخص بناء على اللذة التي حصلها، فينبغي إدراك هذه القضية.
والضالون من أهل الكلام وغيرهم عندما يقولون: إن محبة الله ﷿ هي إرادة الثواب أو إرادة هذا العمل أو نحوه، يريدون بهذا الهروب من معنى المحبة وردها إلى الإرادة، لكن المحبة قدر زائد على مجرد الإرادة، وفي حالة العبد يكون هناك في المحبة لذة، وهي قدر زائد على مجرد الإدراك، فإن الإدراك أمر علمي قد يحصل بدون فرح ولا سرور، وقد يحصل بدون انبساط، وقد يحصل بدون أي علامة من علامات التفاعل مع هذا الأمر، فالإدراك معناه: العلم أو الإرادة، لكن القدر الزائد على الإدراك والقدر الزائد على العلم هذا هو ما يسميه الآن علماء النفس: بالعواطف، أو هو المشاعر التي تحصل للإنسان من فرح وحزن ولذة وسعادة ونحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها.
فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم.
وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
ودفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار.
فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله ﷺ يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله؛ وأحقهم بأن يحب ما يحب
[ ٨ / ٤ ]
حقيقة المحبة وموضعها من العبودية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء، أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها.
وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد].
هذا يروى عن مكحول.
رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عنه.
وبالنسبة لمسألة وجود المحبة في العبودية، وأنها تعتبر من أسس العبودية فهذا أمر متفق عليه عند أهل السنة، لكن أهل البدع خالفوا في هذه القضية وقالوا: إن المحبة ليست داخلة في العبودية، وفهموا أن العبودية هي مجرد إذلال وخضوع، ولهذا قالوا: بأن العبد عابد لله ﷿، أي: ذليل له، وأن المحبة قدر بعيد لا يستطيعها أي أحد، والحقيقة: أن المسلم أي مسلم لا بد أن يجتمع فيه الخضوع والذل مع المحبة كأصل من أصول الإسلام، ثم بعد ذلك يختلف الناس في ازديادهم في العبادة، فإذا زادت عبادته لله ﷿ زادت محبته له حتى يصل إلى مراتب عالية جدًا، ولهذا كان أعلى أهل الإيمان هو النبي ﷺ وإبراهيم الذي وصل إلى مرتبة الخلة التي هي أعلى المحبة، والسبب في نفي وجود المحبة في العبودية عند الصوفية وأهل الكلام: هو تعظيمهم لموضوع العبودية، وهو فرع عن مذهبهم في القدر الذي سبق أن أشرنا إليه، وقولهم بالجبر، وأن الإنسان خاضع لله ﷿ ذليل له اضطراريًا، وأن العبودية لله هي تحقيق مقتضى الخضوع الاضطراري التام الذي ليس معه اختيار بالنسبة للعبد، ولهذا فالعبودية عندهم تختلف من حيث معيتها عن العبودية عند أهل السنة، فالعبودية عندهم تقتضي مجرد الخضوع للإرادة الكونية، فإذا خضع للإرادة الكونية وخضع للأمر الكوني وللعبودية الكونية فإنه حينئذ يكون عابدًا، وهذا لا شك أنه خطأ كبير؛ لأن الإرادة الكونية العامة هي ما خلقه الله ﷿ في الكون ابتلاء للإنسان، وهو مطالب بمنازعة بعض ما خلقه الله، فالله ﷿ خلق الكفر ابتلاء، وخلق المعاصي والذنوب، وخلق الحر والبرد، وخلق أمورًا كثيرة مما يكرهه هو ومما يكرهه الإنسان، والحكمة في هذا الموضوع هي: الابتلاء، فيجب على الإنسان أن يدفع ما خلقه الله ﷿ من المكروهات بما أمر به من المحبوبات، فالله ﷿ خلق الكفر وأمر بالإيمان، فيدفع الكفر بالإيمان، والله ﷿ في الأمور الطبيعية خلق البرد وينبغي على الإنسان أن يدفعه بالابتعاد عن مواطنه، أو البحث عما يبعده عن مواطنه، وهكذا في سائر الأمور سواء الشرعية أو الطبيعية.
[ ٨ / ٥ ]
حكم الاكتفاء بالمحبة في العبودية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية].
يعني: كما أنه يوجد أشخاص أخرجوا المحبة من حقيقة العبودية يوجد أشخاص أيضًا حصروا المحبة في العبودية إلى درجة أنه كما قال الشيخ: أوصلهم إلى نوع الرعونة، وادعاء العشق، بل بعضهم يأتي بالأشعار والأبيات التي يذكرها الشعراء في معشوقاتهم من النساء ويجعلها بينه وبين الله ﷿، وقد يستخدم لفظ العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم وغير صحيح، فإن محبة الله ﷿ تختلف عن محبة المخلوقين، ولا شك أنه قد توصله هذه الدعوى إلى فقدان الخوف من الله ﷾، والأمن من مكره ﷾، ولهذا يقول العلماء: إن الخوف والرجاء كالجناحان للطائر.
فإن الانبساط في المحبة قد يوصل إلى الإرجاء، ولهذا جاءت المقالة التي تنقل عن رابعة العدوية أنها قالت: إنا لا نعبد الله خوفًا من ناره ولا طلبًا لجنته، وإنما نعبد الله ﷾ محبة فيه.
وهذا لا شك أنه خطأ وغير صحيح، فنحن نعبد الله ﷿ محبة فيه، وخوفًا من ناره، وطلبًا لجنته ورضوانه، ولهذا جاءت الأحاديث الصريحة والآيات القرآنية الواضحة التي تبين ثواب الأعمال، والترغيب في الجنة، والآيات الواضحة التي تبين الترهيب من النار، ولو لم يكن لهذا دور في العبودية لما كان هناك مبرر لذكرها، ولهذا ينقل عن رابعة أنها كانت إذا سمعت بعض الآيات الواردة في الجنة أو النار تقول: يدللوننا كأننا أطفال.
ولا شك أن هذا خطير إذا ثبت ذلك عنها، والله ﷿ يقول عن الرسل أنهم كانوا: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، فدعوة الرغب تقتضي وجود المحبة والرغبة فيما عند الله، ودعوة الرهبة تقتضي وجود الخوف منه، فلا بد من الاجتماع بين الخوف والرجاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة، حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله، ويدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين، أو يطلب من الله ما لا يصلح -بكل وجه- إلا لله، لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين فضلًا عمن هو دونهم.
وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه: ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وجردها الأمر والنهي الذي جاءوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله].
الشيخ هنا يتحدث عن حمق من يشتغل بالعبادة مع جهل فيه أوصله إلى نوع من الرعونة أو طلب غير الممكن، كأن يطلب بعض صفات الله ﷿ له ونحو ذلك، فإنه يوجد من الحمق في مجتمعات المسلمين اليوم شيء كثير وبالذات عند المنافقين، وخصوصًا الذي يكتبون في الصحافة هذه الأيام، فكثير -مع الأسف- ممن يكتب في الصحافة هذه الأيام هو من هذا الجنس والنوع، ولهذا يوجد بعض الكتاب اليوم يتكلم في الدين وهو ليس من أهله لا علمًا ولا اطلاعًا، فليس عنده علم شرعي يمكن أن يتكلم به، وليس عنده اطلاع يمكن أن يتكلم به، ومن أمثال هؤلاء رد الكاتب الجاهل أبي السمح على الشيخ صالح الفوزان، والحقيقة أنه ليس في مستوى الرد عليه، لكن الشيخ صالح أراد أن يزيل شبهة يمكن أن توجد عند العوام فبين أن قضايا الولاء والبراء ليس فيها أي تكفير غير من كفره الله ﷾، ومع هذا يأتي مثل هذا الأحمق ويرد على الشيخ ويذكر نماذج ليس فيها تكفير، منها مثلًا: أن الشيخ يحرم ابتداءهم بالسلام، فهل هذا فيه تكفير؟ بل هذا غاية ما فيه أنه يحرم ابتداؤهم بالسلام، وهذه أمور ليست جديدة، ومنها مثلًا: ويجب أن يضطروا إلى أضيق الطريق، وهذه هي الوثيقة العمرية التي كتبها في عهده لأهل الذمة، وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم وليست أمرًا بعيدًا، والحقيقة أن المشكلة التي نعاني منها في هذا الزمان هو ما ذكره النبي ﷺ من علامات آخر الزمان في قوله ﵊: (وينطق فيه الرويبضة)، فأنا لا أشك أبدًا أن هناك مجموعة كبيرة من الكتاب الذين يكتبون في الصحافة هم من الرويبضة، وهم التافهون الذين يتكلمون في الأمور العامة، فيأتي إنسان ويبطن في نفسه إرادة سيئة على مستوى بنات المسلمين في بلادنا مثلًا، فيأتون بمقترح مثل مقترح التربية الرياضية للبنات، وأن البنت ليست ممنوعة بأن تحرك يديها يمينًا وشمالًا، أو تتحرك أمامًا أو خلفًا، أو أن تجلس في بيتها وتتحرك قليلًا، لكن وجود مادة مستقلة لها أهداف معينة كوجود فريق نسائي رياضي يمثل بلادنا في المنتديات العالمية، وأن ينافس على كأس، أو وجود سابحات يظهرن بسراويل صغيرة، وسنتيانات يعرضن أجسادهن على الكاميرات العالمية، فهذا
[ ٨ / ٦ ]
الانقياد للمحب شرط في ثبوت المحبة الصادقة
قال المؤلف ﵀: [وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب، فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]].
يعني: كأنه عندما ادعى أنه محب لله ظن أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأن الحبيب يستحي من حبيبه ولا يعاقبه، فهذا فهم فاسد، وهو كفهم اليهود عندما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] يعني: إذا قيل لهم: لماذا تحرفون الكتاب؟ لماذا تعتدون؟ لماذا تفعلون الزنا؟ لماذا تقومون بأكل الربا؟ اعتذروا وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨]، فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين، ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة، بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.
فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغضه ويبغض منه ذلك، كما يحب عبده المؤمن ويحب منه ما يفعله من الخير، إذ أن حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه، وعدم تداويه منه لصحة مزاجه.
ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي كان فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، علم ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كان أرفع الناس مقامًا، فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفًا بمحابه ولا مريدًا لها بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جهلًا وظلمًا كان ذلك سبب بغض المحبوب له ونفوره عنه، بل سببًا لعقوبته.
وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعًا من الجهل بالدين].
كلمة (السالكين) كثيرًا ما يستخدمها شيخ الإسلام ﵀، ويقصد بها أحيانًا: المتعبدين عمومًا، وأحيانًا طوائف من الصوفية.
[ ٨ / ٧ ]
مظاهر الغلو في المحبة عند الصوفية
قال رحمه الله تعالى: [وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعًا من الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدًا فأنا منه بريء، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدًا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء.
فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار، والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار].
يعني: كأن النار في أيديهم، وكأن الله ﷿ أوكلهم ليخرجوا من شاءوا ويتركوا من شاءوا، وهذا الاعتقاد موجود عند طوائف من الصوفية، فهم يعتقدون أن الأولياء قادرون على إخراج من يشاءون من النار، ولهذا تجد تلاميذهم يطالبون الشيوخ بأنهم إن وجدوهم في النار أن يخرجوهم منها، ويعدهم الشيخ بذلك قائلًا: لن أتركك في النار، وكأن النار بيده يخرج من يشاء منها، ويدخل من يشاء الجنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد، وأمثال ذلك من الأقوال].
قوله: (حتى لا يدخلها أحد) يعني: حتى الكفار، وهذا شيء غريب وعقائد عجيبة جدًا عند الصوفية.
[ ٨ / ٨ ]
موقف العلماء مما ينسب لمشايخ الصوفية الصادقين
قال: [وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين وهي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم].
هذه مسألة مهمة جدًا، فأحيانًا تنسب لبعض الشيوخ المتزهدين الأوائل أمثال الجنيد وغيره أقوال لا تثبت عنهم، كما ينسب الشيعة إلى جعفر الصادق أقوالًا لا تثبت عنه، وذلك أن هذه الطوائف -الصوفية والشيعة بالذات- ينتسبون إلى أشخاص، فينسبون إليهم أقوالًا وفتاوى وأفكارًا، وهي ليست ثابتة عنهم، وإنما يكذبون عليهم، وقد مرت فترة من الفترات اشتهر فيها وضع الأحاديث النبوية، والأقوال المنسوبة لأمثال هؤلاء المعظمين عند هذه الطوائف، فـ عبد القادر الجيلاني عالم حنبلي من علماء أهل السنة، عندما تقرأ كلام الصوفية عنه تتعجب؛ إذ لا يمكن أبدًا أن يصدر مثل هذا الكلام عن عبد القادر الجيلاني، والسبب في هذا: هو الكذب عليه، فهم يكذبون عليه، وينقلون عنه ما لم يقله، وينسبون إليه ما لم يفعله، ولهذا لا بد من التحقق في كتب المتأخرين من الصوفية والشيعة؛ لكونها مليئة بالأكاذيب، سواء المنسوبة إلى الله، أو إلى النبي ﷺ، أو إلى بعض الأولياء والصالحين، فهم يشتغلون بهذه النسب، أما الشيعة فيعتقدون ذلك دينًا، وينقلون عن جعفر الصادق ما ليس صحيحًا عنه، ومن ذلك أنهم ينقلون عن أنه قال: التقية ديني ودين آبائي وأجدادي.
فينسبون شيئًا من العقائد ثم ينفونه في مكان آخر حتى يضللوا الناس، وحتى لا يستطيع أحد أن يحاكمهم، وهذه عقيدة مشهورة عندهم تسمى بالتقية، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية) يقول: دينهم الكذب، ويتعبدون بالكذب على الصالحين والأولياء والأئمة.
[ ٨ / ٩ ]
طرق العبودية بين السنة والصوفية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها].
السكر والغلبة والفناء: هذه مصطلحات خاصة عند الصوفية، فالسكر: هو حالة من حالات الانتعاش النفسي بعد الكشف أو الفناء، أما الفناء: فهو درجاته، وسيأتي الحديث عنه بشكل تفصيلي، فالصوفية لهم طريقة في التعبد غير طريقة أهل السنة، فطريقة أهل السنة أن التعبد مداره الأمر والنهي، فما أمر الله به عمل به، سواء أمر أيجاب أو استحباب، وما نهى الله ﷿ عنه انتهي عنه، فكلما ازداد عملك فيما أمر الله ﷿ به وابتعدت عما نهى الله ﷿ عنه كلما زادت مقامات الإيمان عندك، وهذا هو الإيمان وهذه هي العبودية، وله مقامات عالية وكثيرة، وذلك على قدر التزام الإنسان بدينه الذي هو فعل الأمر وترك النهي، فهذا هو طريق التعبد عندنا، ويكون هذا الطريق مع الإخلاص لله ﷾، واتباع سنة النبي ﷺ، وترك الابتداع، أما الصوفية فطريقتهم في التعبد مختلفة تمامًا، فهم يبدءون عن طريق الخلوة، فيقولون: إن أفضل طريقة: هي أن تجلس في خلوة تنقطع عن الناس فيها، وتنقطع عن قراءة القرآن، وطلب الحديث، وطلب العلم، هكذا نص عليها الغزالي في (إحياء علوم الدين) وتلتزم بورد معين، أي: ذكر معين، وهذا هو ذكر عادي جدًا، لكنه ليس من كلام النبي ﷺ، بل من كلام أحد شيوخ الصوفية، وأحيانًا يكون الذكر نفسه ممتلئًا بالخرافات أو بالبدع، فيردده مرتين، أو ثلاث مرات، أو عشرين ألفًا، وأحيانًا مئات الآلاف، وأحيانًا يردد اسمًا واحدًا مثل: الله الله الله الله الله آلاف المرات، أو: لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف، أو يأخذ سورة واحدة مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويرددها آلاف المرات مثلًا، فيستمر على هذه الحال حتى يأتيه الكشف، والكشف: هو حالة تحصل عند الإنسان تزيل أمامه حجب المعرفة، فتكون معرفته بالله أعظم، وأحيانًا يوجد منهم من يعتمد على بعض الرياضات المأخوذة عن الهنود، فيقوم برياضات مثل: الجوع، فيجلس عليه فترات طويلة، ولهذا عقد الغزالي فصلًا كاملًا في (إحياء علوم الدين) في فضل الجوع، والجوع له فضل إذا كان الإنسان صائمًا، أو قلل الأكل؛ لأن كثرة الأكل تفسد القلب، وهذا أمر متفق عليه، لكن هم يفضلون الجوع كوسيلة من وسائل الوصول إلى الكشف، وأحيانًا يقف الرجل على رأسه فترة طويلة، وأحيانًا ينزع ملابسه ويجلس في الهجير في الوقت الذي تشتد فيه الشمس أوقاتًا طويلة حتى يتأثر عقله، فيحصل عند بعضهم نوع من الأمراض النفسية ونوع من الهستيريا، وهم يسمون هذا: كشفًا، وحينئذ ما يأتي للإنسان من كشوف فهي عندهم يقين وصواب مائة بالمائة، ومن هنا يجد الشيطان فرصة لأن يدخل عليه، وأن يلعب ويعبث به، ولهذا فإن الشياطين أكثر ما عبثت بالصوفية، والصوفية هم أئمة السحر في العالم، وكل كتب السحر التي تباع الآن في العالم الإسلامي مؤلفوها هم من الصوفية الكبار، فشمس المعارف الكبرى مؤلفه محمد بن علي البومي ترجم له يوسف بن إسماعيل النبهاني في جامع كرامات الأولياء فقال: وكان مجاب الدعوة، وأسرار الحروف وما يتعلق بعبادة الكواكب وغيرها جاءت من الصوفية.
إذًا: فالخلاف بيننا وبين الصوفية خلاف جذري، وبعض الناس يتصور أن الخلاف بيننا وبين الصوفية هو خلاف في المولد مثلًا، أو أن الصوفية يذكرون الله كثيرًا ونحن لا نذكر الله كثيرًا، وهذا تسطيح للقضية، وتصوير لها بغير صورتها الحقيقية، فالصوفية منهج متكامل، وليس بالضرورة أن كل من يقول: أنا صوفي يتحقق فيه هذا الأمر، فالمدعون كثر، لكن المنهج الصوفي فيه غرائب وعجائب، ولهذا فإن أصحاب الطريقة الرفاعية يعتمدون ألوانًا من السحر مثل: أكل الحيات والعقارب، ومثل إدخال النار إلى الجوف وإخراجها، ومثل: إدخال السيف في العين وإخراجها من الخلف، وكلها مظاهر من مظاهر السحر، ولو ترجعون إلى كتب التراجم عند الصوفية تجدون العجائب، فتجدون من ينام مع الكلاب السنوات الطويلة، ومن يترك ملابسه عليه الأعوام المتعددة والمتكررة، ومن يجلس في الأماكن الوسخة والقذرة ويأكل منها، ويسمون هؤلاء: الملامية، يعني: الأشخاص الذي يعملون أعمالًا يلومهم عليها الناس حفاظًا على عدم انكشاف سرهم، وقد يكون قطبًا يدور عليه الكون، فهم يرون أن هذا الكون يدور على مجموعة أقطاب، قد يمشون بيننا ونحن لا ندري عنهم، ويقولون: إن الكون يدور على مجموعة من الأولياء، قد يكون هذا الولي جالسًا بجنب زبالة فتظن أنه مسكين فقير جاهل وهو يحرك الكون، ولهذا توجد عندهم مصطلحات مثل: الغوث، ولو رجعنا مثلًا لكتاب (الرسالة) للقشيري لوجدنا أنه يفسر الغوث: بأنه هو الذي يستغاث به، ويستمد منه عند الحوائج، وهذا هو حقيقة الشرك بالله رب العالمين.
وكما قلنا: لا يعني أن كل واحد يقول: أنا صوفي، توجد عنده الشركيات، بل قد يوجد شخص يقول: أنا صوفي، ويتبرأ من هذه الشركيات كلها، ف
[ ٨ / ١٠ ]
ضابط المحبة الصادقة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم، فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائنًا ما كان، ولهذا أنزل الله محبة يمتحن بها المحب فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]].
وهذا هو الضابط: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فليس هناك أحد يحب الله ﷿ أكثر من النبي ﷺ، ولهذا كان خليل الله، وهو حبيب الله، ومع هذا ما جمع الصحابة في حضرة واحدة، وقاموا يغنون ويرقصون حتى يغمى عليهم ويتكلمون بهذا الكلام وهذه الخرافات، وقد ذكر الشعراني في آخر طبقاته: إبراهيم العريان فقال: كان سيدي إبراهيم العريان يقف أمام الناس في المسجد ويخطب بهم وهو عريان، ليس عليه شيء، ويقول الناس: أنهم رأوه في أكثر من مكان في وقت واحد، وكان يستعيذ بالله من النبي ﷺ ويصلي على إبليس، ويخرج إلى الناس بعد أن يكون عريانًا بالسيف فيطردهم ويخرج الناس من المساجد، وهذه من كراماته ﵀، وأقول: إذا كانت هذه كراماته فما هي مشاكله؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يكون محبًا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسننه ﷺ، ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته].
بل بعضهم صار مثل النصارى إذا تزوج امرأة بكرًافلا يفض بكارتها إلا ولي من أولياء هؤلاء، فهم قد بلغوا أمورًا خطيرة جدًا، بل بلغوا إلى عبادة غير الله حقيقة، فالمشاهد ما انتشرت في بلاد المسلمين إلا عن طريق الصوفية، فتراهم يحيون المشاهد والقبور والمزارات، ويبنون على القبر حتى تظن أنه مسجد ويقولون عن القبر: هنا روضة ومطاف حول القبر، فحولوا القبور إلى مساجد وأماكن للعبادة، مع أن القبور ليست مكانًا للعبادة، بل هي مكان للدفن، ولهذا لم يكن في يوم من الأيام أحد يستطيع أن ينقل عن النبي ﷺ أنه حول البقيع إلى مساجد وأماكن ودورًا للعبادة، فهؤلاء العابثون غيروا كثيرًا من مواصفات المنهج الإسلامي.
[ ٨ / ١١ ]
الجهاد أساس محبة الله ورسوله وموقف الصوفية منه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به].
الصوفية هم من أكبر الطوائف المعارضة للجهاد، فهم لا يرون الجهاد أبدًا، ولهذا عندما انتشر التصوف في بلاد المسلمين أصابهم الذل والخور والانهزام إلى درجة أن المستعمرين استعمروا كثيرًا من البلاد الإسلامية بلا مقاومة، بل إن بعض شيوخ التصوف كان يقف مع المستعمرين ويأمرهم بالبقاء في بلاد المسلمين والجلوس فيها، وكان بعض المسلمين -مع الأسف- يأتي إلى قبور بعض الأولياء ويصيح عنده: يا نقشبند! أغثنا، يا نقشبند! المغول يريدون قتلنا، فيقتلونه على قبر نقشبند وهو يصيح عنده فلا ينفعه شيء ولا يقاوم عن نفسه، ولهذا لا توجد حركة من حركات الصوفية استخدمت أسلوب المقاومة إلا وكانت شاذة عند التصوف، وإنما أرادوا إنشاء مثل حالة المهدي الذي كان في السودان، فكما أنه يوجد من الأشخاص المنتسبين إلى السنة اليوم من يطالب المسلمين بالخضوع الكامل للكفار وعدم مقاومتهم وهذا مخالف للسنة، فكذلك يوجد من الصوفية وهم طوائف قليلة يطالبون بالمقاومة ضد الاستعمار، لكن الأصل في التصوف أنه ضد الجهاد الإسلامي وهذا أمر معروف تاريخيًا.
[ ٨ / ١٢ ]
علاقة المحبة بالأمر الكوني
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد ﷺ، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل، فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟! وسمعوا كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان، ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره].
لأن الأمور الموجودة منها: أمور تلائم، ومنها: أمور تنافر، وهناك أمور يمكن للإنسان محبتها، وأمور لا يمكن محبتها، ولهذا فإن الدعوى التي تقتضي الجبر المطلق والخضوع المطلق لكل من خلقه الله ﷿ دعوى باطلة من ناحية الشريعة، وباطلة من الناحية الواقعية، فمثلًا: لو جاءك شخص وقتلك فهل تحبه؟ هذا أمر غاية في البطلان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره، ولكن استفادوا بهذا الضلال من اتباع أهوائهم، ثم زاد انغماسًا في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، وكذبوا وضلوا؛ لأن محبة الله لا تكون إلا ببغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال.
وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات، أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله من غير هؤلاء الصوفية مثل هذه المقالة فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى: محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله، وهذا معنى صحيح، فإن من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة، وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبًا له، بل محبًا لما يبغضه].
[ ٨ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ٨ / ١٤ ]
التكفيريون وبيان خطرهم
السؤال
ما هي عقيدة التكفيريين؟ وما نصيحتك لمن ينتمون لهم؟
الجواب
التكفيريون كلمة غير منضبطة، والأولى هو استخدام أسلوب أو اصطلاح الخوارج، فإن الخوارج هم الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكل من كفر أحدًا لم يكفره الله ولم يكفره رسول الله ﷺ فهذا ضال منحرف، وأول فرقة انحرفت في باب التكفير في تاريخ المسلمين هم الخوارج، وكان انحرافهم هو أنهم يكفرون أصحاب المعاصي: الزاني، وشارب الخمر، وآكل الربا، والمغتاب ونحو ذلك، فيكفرونه ويخرجونه عن دائرة الإسلام، وهذا إسراف وعدوان، فإن أهل المعاصي وإن كان إيمانهم ناقصًا وهم من أهل الوعيد إلا أن أصل الإسلام باق معهم، أما تكفير من كفره الله ورسوله ﷺ فهذا هو المنهج والمعتقد الصحيح، ولهذا فبعض الناس يشغبون ويضعون غبارًا كثيرًا حول مسألة التكفير بدون توضيح، وهنا يكون الخطأ، فنحن مثلًا نكفر من يعبد القبور، والذين يطوفون حولها، ويستغيثون بالله، ونكفر من يأتي بالقوانين الوضعية وينحي شريعة الله ﷿، ونكفر الذي يستحل ويعتقد حل المعاصي، ونكفر من يسب الله أو رسول الله ﷺ ونكفر كل من كفره الله ﷿ في القرآن، لكن بعض الناس يشغب على أهل السنة، فإذا سمعنا مثلًا: أن كاتبًا أو أديبًا -وهو بعيد عن الأدب- يسب الله أو يسب الرسول ﷺ فقلنا: هذا كفر، شغبوا علينا وقالوا: أنتم تكفرون الناس؟ فنقول: هذا كافر ولا شك به، وإلا فلو كان الذي يسب الله أو يسب الرسول ﷺ ليس بكافر فلا يوجد كافر في الدنيا، بل إن النصارى وبعض اليهود يحترمون الله أشد من هؤلاء الذين يسبون الله والرسول ﷺ في روايتهم الأدبية وغيرها، فالأمر المحرم في باب التكفير هو الاعتداء والجور بتكفير أصحاب المعاصي، أو التساهل في التكفير، فمتى وجد للشخص عذر يمنع عنه التكفير فإنه لا يكفر؛ لأن الأصل هو بقاء الإسلام، فيدخل في النقد الذين عندهم غلو في التكفير حيث يكفرون من تلبس ببعض المكفرات مباشرة وهذا غير صحيح، بل الواجب هو التأني والتريث والدراسة وصدور هذا الأمر عن أهل العلم، خصوصًا في القضايا العامة، فالقضايا العامة لا يصح للشباب أن يجتهدوا من عند أنفسهم؛ لأن هذا يدعو إلى التفرق مع الزمن، لكن يصدرون عن أهل العلم المعتبرين الثقات من أهل السنة والجماعة، وهم كثير -ولله الحمد- في بلادهم، وهذه من نعمة الله ﷾، حيث جعل العقيدة السلفية الصحيحة التي ندرسها في المساجد هي التي ينشرها شيوخنا وعلماؤنا الرسميون وغير الرسميين ممن لهم وظائف دينية مثل: هيئة كبار العلماء، أو أساتذة الجامعات، أو غيرهم من الشيوخ الذين لهم جهد في إصلاح العقيدة في الناس، فالمقصود: هو أن القضايا العامة لا يصح لأحد أن يشذ فيها وإنما يصدر فيها عن أهل العلم؛ حتى تكون مسيرة الدعوة إلى الله ومسيرة الإصلاح ومسيرة الشباب الصالحين مسيرة منضبطة، تمشي في طريقها الصحيح.
إذًا: ينبغي عند مسائل التكفير الانتباه إلى قضيتين أساسيتين: القضية الأولى: الحذر من الأشخاص الذين يكفرون أصحاب الذنوب، وهؤلاء هم الخوارج.
والأمر الثاني: هو إدراك أن قضايا التكفير حساسة ودقيقة وغامضة ينبغي للإنسان أن يدرسها، وفي القضايا العامة ينبغي أن يصدر فيها عن أهل العلم.
[ ٨ / ١٥ ]
حكم لزوم عدد معين في العبادات
السؤال
قال لي زميل في العمل: إنه يردد آية من القرآن الكريم عدة مرات قليلة قبل النوم، فعندما يستيقظ يجد أن قلبه كان يذكر الله وهو نائم، وأنه وصل إلى درجة من الإيمان عالية نوعًا ما، فهل هذا من التصوف؟
الجواب
هذه ليست معروفة في السنة، بل السنة إذا أوى الإنسان إلى فراشه أن يذكر الله ﷿ بالذكر الوارد، وفيه مجموعة من الآيات، مثل: آية الكرسي والمعوذات وبعض الأدعية الصحيحة، هذا هو الوارد فيما يتعلق بأذكار النوم، أما قراءة آية وترديدها بطريقة معينة والتزامها فهذا لم يرد في سنة النبي ﷺ، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يبتعد عن الأمور التي قد توصله إلى الابتداع.
[ ٨ / ١٦ ]
الطريق إلى محبة الله
السؤال
كيف أصل إلى محبة الله ﷻ؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى أن الطريق إلى الوصول إلى محبة الله واضح وهو التزام ما أمر الله به، ويدخل في هذا الواجبات والمستحبات، والبعد عن كل ما نهى الله ﷾ عنه، فإذا انضبط في أداء الواجبات، سواء واجبات الأعمال في الظاهر، أو واجبات القلب كالتوكل على الله، والاعتماد عليه والإنابة إليه والتدبر للقرآن، والصيام، والإكثار من ذكر الله، وقراءة القرآن، وحضور القلب، والخشوع في الصلاة، والإنفاق في البر والخير على الفقراء واليتامى والمساكين ونحوهم، وبر الوالدين، والنصح للزوجة، والتعامل معها بالمنهج النبوي، وضبط المال بحيث يأتيك من حلال وتصرفه في الحلال، حتى تصبح حياتك كلها حياة شرعية صحيحة، فتبتعد عن الحرام، وتحافظ على جوارحك، حينئذ ينمو الإيمان في قلبك مثل البذرة، وكلما ازداد التزامك كلما ازدادت هذه البذرة في قلبك حتى تصبح شجرة الإيمان قوية في قلبك، وحينئذ تحصل على محبة الله ﷿.
[ ٨ / ١٧ ]
زوال الرخص في الأعمال إذا زالت الحاجة إليها
السؤال
أنا رجل أعمل في شركة، ودرست في مدرسة فقدموني ساعة قبل العمل لأجل المدرسة، ثم تركت المدرسة، ولا زلت مقدمًا ساعة قبل الدوام، فماذا ترى؟
الجواب
الأولى أنه إذا انتهى المبرر الذي من أجله قدمت هذه الساعة فعليك أن ترجع إلى صاحب القرار المعني في هذا الأمر وتخبره بأنك تركت الدراسة، فإن أبقاك على ما أنت عليه بدون أن يكون هناك ضرر على العمل فلا مانع، وإن كان هناك ضرر على العمل فإنه يجب أن ترجع إلى ما كنت عليه سابقًا.
[ ٨ / ١٨ ]
عموم أحكام الشريعة لجميع الناس
السؤال
بعض الأشخاص يقولون: إن التخويف والترغيب والآيات والأحاديث الواردة في ذلك هي للعامة، وأما الخاصة وأصحاب المراتب العالية فهم الذين يعبدون الله بالمحبة فقط؟
الجواب
هذا الكلام غير صحيح، فإن الآيات الواردة في القرآن آيات جاءت عامة لكل الناس، فتشمل الخاصة والعامة وكل أحد، فهذه الفكرة غير صحيحة، والعبادة بالمحبة وحدها توصل إلى الضلال والانحراف، والصحيح هو أن يعبد الإنسان الله ﷿ بالخوف والرجاء والمحبة.
[ ٨ / ١٩ ]
الفرق بين الكرسي والعرش
السؤال
ما هو الفرق بين الكرسي والعرش؟
الجواب
العرش: هو الذي استوى عليه الله ﷾ كما قال ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وأما الكرسي فهو الوارد في الآية المشهورة آية الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد جاء عن ابن عباس: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب ﷾.
[ ٨ / ٢٠ ]
حقيقة الحب الطبيعي
السؤال
ما حكم الإسلام فيمن يحب زوجته حبًا يدرك معه أنه مقصر في حب الله والعبودية التامة له؟ وكيف يتخلص العبد من هذا الأسر لغير الله حتى تتحقق العبودية؟
الجواب
محبة الزوجة لا مانع منها إلا إذا وصل إلى درجة يطيعها فيما حرم الله ﷾، أو يتعلق قلبه بها فيشغله ذلك عن عبادة الله ﷿ وذكره وشكره، وينسيه ما يجب عليه من العبادة، حينئذ يجب عليه أن يجتهد في أداء الأمر واجتناب النهي، وأن يخفف من هذه المحبة التي قد يكون عواقبها النهائية سيئة بالنسبة له.
[ ٨ / ٢١ ]
توحيد الألوهية أساس التوحيد
السؤال
ذكرتم أن العبودية تعتبر أساس التوحيد، وتوحيد الله سبحانه مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله جل وعلا، والأمر الثاني: ربوبية الله، الأمر الثالث: إثبات الأسماء والصفات، وهذه الثلاثة حقيقة التوحيد التي لا يتم الإيمان إلا بها فما معنى هذه العبارة؟
الجواب
أساس التوحيد: هو توحيد الألوهية، فإذا وجد توحيد الألوهية وهو توحيد العبودية أيضًا فسيوجد معه قطعًا وفي ضمنه توحيد الربوبية؛ إذ يستحيل أن يوجد إنسان منكر لوجود الله ويعبده في نفس الوقت، فتوحيد الألوهية وهو العبودية لله يشمل توحيد الربوبية بالتضمن، ويدخل فيه أيضًا توحيد الأسماء والصفات، فإن العبودية لا تكون تامة إلا بالإيمان بأسماء الله وصفاته، فالعبودية وتوحيد الألوهية شامل لهذه جميعًا، فلو وجد شخص يقول: أنا مؤمن إيمانًا تامًا بتوحيد الألوهية إلا أني لا أؤمن بتوحيد الربوبية فسنقول له: أنت تكذب في ادعائك توحيد الألوهية؛ إذ كيف تعبد الله وأنت منكر له؟ فهذا غير ممكن، وهكذا الحال لو قال: أنا مؤمن بتوحيد الألوهية إيمانًا تامًا إلا أني غير مؤمن بالأسماء والصفات، فنقول: يستحيل ذلك؛ لأن توحيد الألوهية حقيقته: الالتزام بأمر الله وعبادة الله، وقد أمرك الله بالإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فأنت إذا أطعته كنت موحدًا، وإن لم تطعه فلست بموحد، فدعواك بأن عندك توحيد الألوهية دعوى غير صحيحة.
[ ٨ / ٢٢ ]
شروط كون العمل عبادة
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن العبادة في معناها الشرعي تشمل أمران: الأمر الأول: هو الذل والخضوع، والأمر الثاني: هو المحبة، فالذل بغير محبة لا يسمى عبادة، وعليه فهل ينفى الشرك عمن كان هذا حاله؟
الجواب
هذه المسألة سبق أن أشرنا إليها، وقلنا: إن العبادة لا بد فيها من أمرين: الذل والخضوع والمحبة، فإذا وجد ذل وخضوع بدون محبة فلا يعتبر العمل عبادة، ولهذا فإن من قال: بأن المحكومين بغير الشريعة يعبدون حكامهم مع وجود الكراهة لهذه القوانين الوضعية ونحوها فقوله غير صحيح، وهذا منه غلو وإسراف؛ لأن حقيقة العبادة وأركانها لم تتحقق في عملهم، فهم أذلوهم بالقوة لكن ليست هناك محبة، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ في ذكر آخر الزمان قال: (إلا من رضي وتابع)، والرضا والمتابعة تستلزم المحبة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٨ / ٢٣ ]
رسالة العبودية [٩]
لقد أمر الله عباده المؤمنين بحبه، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، وحسن التوكل عليه، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية، ونهاهم عن الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر، كما أنه حثهم على عمل الخير بشرط أن يكون خالصًا لوجهه، ونابعًا من هدي نبيه محمد ﵌، وما لم يكن كذلك فهو مردود غير مقبول، فبهذا الأمر والنهي أخذ أقوام فأفلحوا، وتركه أقوام فخابوا وخسروا، وعمل ببعضه أقوام فضلوا وأضلوا.
[ ٩ / ١ ]
شروط المحبة الصادقة لله تعالى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاتباع هذه الشريعة، والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي محبة الله ناظرًا إلى عموم ربوبيته، أو متبعًا لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله تعالى، بل قد تكون دعوى هؤلاء شرًا من دعوى اليهود والنصارى؛ لما فيه من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرًا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم].
لأن اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه مع أنهم في الحقيقة لم يمتثلوا هذه المحبة وينقادوا للمحبوب قولًا وعملًا، وكذلك الذين ادعوا أنهم يحبون الله ﷿ وهم يبتدعون البدع المضلة، والتي يتصورون أنها تقربهم إلى الله ﷾، فهؤلاء بهم شبه من اليهود في دعواهم أنهم أحباب الله ﷿، مع أنهم في الحقيقة هم من غضب الله ﷿ عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر الله ﷾.
فدعوى المحبة مجرد ادعاء لا يكفي، بل لا بد أن يكون معه اتباع لسنة النبي ﷺ، وانقياد في القول والعمل لما أمر به المحبوب فعلًا، ولما نهى عنه المحبوب تركًا، أما من تنكب الصراط، وأصبح يأتي ما نهى الله ﷾ عنه، ويترك ما أمر الله ﷾ به، فدعواه المحبة دعوى زائفة لا حقيقة لها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي التوراة والإنجيل من الترغيب من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس، ففي الإنجيل أعظم وصايا المسيح: أن تحب الله بكل قلبك، وعقلك، ونفسك، والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه، بل اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محبًا لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم، كما في الحديث الصحيح القدسي عن الله تعالى أنه قال: (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هروله)].
ليس المقصود بالمحبة هنا المحبة القلبية العاطفية المجردة، وإن كانت محبة الله ﷿ محبة قلبية عاطفية مقصودة في محبة الله ﷾، يعني: أن يكون قلبه مشتاقًا إلى الله ﷿، ويتمنى لقاءه، ويفرح بذكره، كل ذلك مطلوب شرعًا، لكن لا بد أن ينضاف إليه اتباع سنة النبي ﷺ، فقد يكون العبد أحيانًا محبًا محبة قلبية مجردة، لكنه في سلوكه وعمله بعيد عن المواصفات الحقيقة للمحب من حيث اتباع النبي ﷺ، ولهذا ابتلى الله ﷾ الذي يدعون محبته باتباع الرسول ﷺ كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
[ ٩ / ٢ ]
إثبات صفة المحبة لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين المحسنين والصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) الحديث].
يعني: الله ﷿ يُحَب ويُحِب، فيحبه العبد، وهو يحب عباده الصالحين، والمتطهرين، والمجاهدين، وهكذا من الأوصاف التي أخبر الله ﷿ بمحبته لأهلها، فهو ﷾ يتصف بصفة المحبة، فهو يحِب، كما أنه يحَب، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ وذلك لكماله في صفاته العظيمة والجليلة؛ ولكمال إنعامه على العبد.
والذين أنكروا المحبة من الفرق الضالة أنكروها من الطرفين، فقالوا: الله ﷿ لا يُحِب ولا يُحَب، وإنما المحبة هي إرادة الثواب فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة؛ ولهذا سماهم السلف غلاظ الأكباد؛ لأنهم لا يحبون الله ﷿.
وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله ﷿ يفسرون المحبة بتفسير آلي وجبري وهو: موافقة قدر الله ﷾ حتى ولو كان القدر سيئًا، فإن الله ﷿ قدر مقادير كثيرة في الكون، منها مقادير حسنة بالنسبة للإنسان، مثل الإيمان، والعمل الصالح، وراحة الإنسان وطمأنينته، ومنها مقادير سيئة بالنسبة للإنسان؛ لأن الله ﷿ لا ينسب إليه فعل الشر، لكن الأمر بالنسبة للعبد يكون سيئًا.
وهذه المقادير يجب أن يدفعها العبد عن نفسه، فيدفع الحر بالتبرد، ويدفع البرد بأن يتدفأ، ويدفع الجوع بالأكل، ويدفع العدو بالمقاومة والجهاد، ويدفع المعصية بالطاعة، ويدفع وسوسة الشيطان بالاستعاذة، ويدفع الكسل بالجد والنشاط، وهكذا كل أمر من الأمور المذمومة التي قدر الله ﷿ وجودها في الكون ابتلاءً منه ﷾ لعبده، يجب أن يدفعها بالأمور الممدوحة.
فالله ﷿ كتب الكفر وجعله مقدرًا في الحياة، لكن أمر العبد بأن يبتعد عن الكفر، وأن يتقي الله ﷾، وأن يكون مخلص التوحيد له ﷾.
[ ٩ / ٣ ]
مفهوم العبودية الصحيح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخًا في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصومًا، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم دينًا، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينًا، ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع.
وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقًا لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب].
كلام الشيخ السابق يدل على أهمية العبودية، وأن العبودية لها مفهوم شامل يشمل الحياة بأكملها، وهذا المفهوم هو الذي جهله كثير من أبناء المسلمين في هذه الأيام، فهم يظنون أن التعبد لله ﷿ هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله ﷿ هو الخضوع لأمر الله في كل الحياة، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فهذا المفهوم يعتبر مفهومًا مركزيًا ومهمًا خصوصًا في هذا الوقت، وفي الواقع المعاصر الذي نعيشه اليوم، فإن جهل كثير من الناس بمفهوم العبودية الشامل لله ﷾ جعلهم يبتدعون ويسنون أنظمة للحياة ليس فيها أي شيء يتعلق بقضايا الإسلام أو التعبد لله ﷿، ونحن في كل يوم نقرأ في الصحافة المحلية والعالمية، ونسمع من الأخبار كلامًا مخالفًا كل المخالفة لهذا المفهوم العظيم للعبودية، وهو شمولية العبودية لله ﷿، وأن يكون الإنسان عبدًا لله ﷿ في كل مكان.
ولقد كنت أقرأ تصريحًا لوزير تعليم عربي يقول: نحن لسنا ملزمين ببناء التعليم على أساس الإسلام، هكذا يصرح بهذا اللفظ وبدون أي مزايدة عليه في كلامه، يقول: نحن لسنا ملزمين بأن نبني نظم التعليم أو قضايا التعليم والتربية على أسس الإسلام، فمثل هذا يفهم الإسلام فهمًا خاطئًا، إذ يفهم أن الإسلام هو مجرد شعائر تعبدية يؤديها الإنسان فقط، وأنه إذا انتهت هذه الشعائر التعبدية انتهى الإسلام بها، وأما بقية الحياة فإنها تبنى بطرق أخرى مختلفة، ولهذا أيضًا فإنهم في كل باب من الأبواب يجتهدون في أن يبنوا هذه الأشياء على غير أصول الإسلام.
فإذا جاءوا مثلًا إلى باب السياحة قالوا: لسنا ملزمين بأن نبني السياحة على الإسلام، فكل ما يجمع الناس، ويستخرج أموالهم من جيوبهم حتى تدخل في صندوق السياحة فإنه مباح عندهم حتى لو اضطروا لفتح مسارح، ومراقص، ودور للخمر، ومحلات للبغاء، وغير ذلك من الأمور التي اتفقت الشرائع جميعًا على تحريمها ونبذها وخطورتها على الإنسان.
وبهذا ندرك الخطورة الكبيرة لانتقاص العبودية، فهذا الكتاب قد يقرأه شخص فيظن أنه كتاب عادي، بينما هو كتاب لو صيغ بألفاظ عصرية لوجدت أنه يرد على كل ما هو موجود اليوم في بلاد المسلمين من مظاهر مخالفة للأصول العقدية ومنها العبودية.
ولهذا فإننا عندما نقرأ العلم وندرسه لا بد أن نربط ما ندرسه بواقعنا المعاصر، وأن يكون ربطنا ربطًا صحيحًا، ومبنيًا على قاعدة علمية صحيحة، وبمنهجية صحيحة بعيدة عن الغلو والتعسف، وبعيدة عن الإرجاء والتساهل.
وبالنسبة لما ذكره الشيخ من أن كل عمل أريد به غير الله ﷿، أو كان على غير شريعة النبي ﷺ فليس من الدين، وليس من العبادة، فهذا الأصل دائمًا يكرره، وهو أصل شريف عظيم، يجب على طالب العلم أن يحفظه، بل إنه يجب على العامة جميعًا أن يدركوه، وأن يعرفوا أبعاده، وهو كثيرًا ما يكرره الواعظون، والمصلحون، والخطباء، وهو أن العبادة لا تكون صحيحة إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، إخلاص النية لله ﷿، فأي عمل من الأعمال لا يكون خالصًا لوجه الله لا يكون مقبولًا، نسأل الله ﷿ أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه.
والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل على سنة النبي ﷺ، فأي عمل من الأعمال لا يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسل
[ ٩ / ٤ ]
شروط قبول العمل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]].
قوله تعالى: ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، هو شرط المتابعة؛ لأن العمل لا يكون صالحًا إلا إذا كان على سنة النبي ﷺ، فالبدعة ليست صالحة، بل هي عمل فاسد، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، يدل على الإخلاص.
قال: [فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]].
قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة:١١٢]، يدل على الإخلاص، والإخلاص: هو إسلام الوجه، وإسلام الوجه يعني: الاستسلام لله والانقياد له.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، الإحسان مثل قوله: «صالحًا» في الآية الأخرى، فلا يكون الإنسان محسنًا في عمل من الأعمال إلا إذا جاء على طريقة من شرع هذا العمل، وهو الرسول ﷺ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)].
هذا يدل على أهمية لزوم المتابعة.
قال: [وقال ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)].
هذا الحديث يعتبر أصلًا في باب النية، والنية نوعان: نية ينوي صاحب النية بها العمل لله ﷿، وهذا هو المتعلق بكلامنا هنا.
ونية تميز العبادات بعضها عن بعض، أو تميز العبادات عن العادات.
قال: [وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين].
هو أصل الدين؛ لأن الإخلاص مأخوذ من شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة مأخوذة من شهادة أن محمدًا رسول الله.
قال: [وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه.
والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث: (وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)].
قضايا الشرك حساسة وخطيرة، ولهذا فإن الإنسان قد يكون مسلمًا في الظاهر، لكنه غير مسلم عند الله ﷿، ومن هنا تكون الخطورة، وقد يكون مسلمًا، لكن لوجود بعض الشركيات عنده ينقص عنه إسلامه كثيرًا، ولعل من العجب أن بعض كتّاب الصحافة ممن أغراه الحقد على أهل الإيمان ينتقد وجود جهود دعوية في بلاد المسلمين ويقول: هل نحن في بلاد هندوس حتى نحتاج إلى دعوة إسلامية في بلاد المسلمين؟ أم هل نحن يهود أو نصارى؟ وكأن الدعوة لا توجه إلا للهندوس واليهود والنصارى، مع أن الدعوة توجه لكل أحد، حتى للصالح التقي؛ وذلك لإصلاح نفسه وإتمامها.
[ ٩ / ٥ ]
وجوب الحذر من الشهوة الخفية التي تقدح في العبودية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر قال أبو بكر: يا رسول الله! كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).
وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وكثيرًا ما يخالط النفوس الجاهلة من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له، كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية.
وقيل لـ أبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة.
وعن كعب بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فبين ﷺ أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدم عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا راهبًا كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه، أو حصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء].
يعني: لا يكون العابد لله ﷿، والمحب له إلا بين الخوف والرجاء؛ ولهذا قال بعض السلف: الخوف والرجاء كالجناحين للطائر، ويقول مكحول فيما رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح قال: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو المسلم السني.
[ ٩ / ٦ ]
وجوب إخلاص العبودية لله تعالى
قال: [كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧].
وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلبًا وإرادةً وحبًا مطلقًا، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًا.
وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.
وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله.
ومن لم يكن محبًا مخلصًا لله، عبدًا له، فقد صار قلبه معبدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلًا خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه].
بل إن شيخ الإسلام في هذا الكتاب أو في غيره قرر أنه حتى الحاكم الذي يكون له جنود، ويكون له أتباع يطيعونه، إلا أنه محتاج إليهم، مفتقر إليهم، بسبب أن انتظام ملكه وسطوته لا تتم إلا بهم، ولهذا فهو محتاج إليهم، مفتقر إليهم، كما أنهم محتاجون إليه، مفتقرون إليه؛ ولهذا يجب على العبد دائمًا أن تكون حاجته عند الله، وطلبه من الله، وتعلقه بالله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يحب إلا الله، ولا يتعلق قلبه إلا بالله، فإن العباد لا يملكون شيئًا، والذي يملك في الحقيقة هو الله ﷾.
ورزق العبد في كل باب من الأبواب المتكفل بها هو الله ﷾؛ ولهذا ينبغي على العبد دائمًا أن يبتعد عن الحرص فيما في أيدي الناس، وأن يكون قلبه معلقًا بالله ﷾؛ ولهذا جاء في بعض كلام بعض الحكماء أنه قال: أذل الحرص أعناق الرجال يعني: قد يوجد بعض الرجال الأعزاء الذين لا ينتبهون لهذه القضية، يذلهم الحرص، فتجد أنه لحرصه على الدنيا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحرصه على الدنيا يترك الطاعة، ولحرصه على الدنيا يترك كل ما فيه خير في صلاح دينه ودنياه، مع أنه في الحقيقة لا يملك دنيا هذا الإنسان إلا الله ﷾؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس).
ولهذا لو تأملنا في واقع الحياة فسنجد أن الناس لا يحبون الذي يحتاج إليهم ويتعلق بهم، حتى ولو داهنهم، لكن المستغني عنهم تجد أن تعظيم الناس للزاهد فيما في أيديهم، والمستغني عنهم أكبر وأعظم.
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الأول في الفتاوى إلى حكمه لطيفة يقول: (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واترك من شئت تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره)، فأنت إذا احتجت إلى أي أحد من المخلوقين تكون أسيرًا له، لكن يجب على الإنسان أن يعلق حاجته بالله ﷾، وأن يجتهد في التعامل مع الخلق بالأسلوب الحسن، ويقدم طاعة الله ﷿ على كل شيء.
[ ٩ / ٧ ]
الإخلاص في العبادة طريق الحنفاء أتباع الأنبياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب إن لم يكن حنيفًا مقبلًا على الله معرضًا عما سواه كان مشركًا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢].
وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين، أهل محبة الله وعبادته، وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين، المتبعين أهواءهم.
قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢ - ٧٣].
وقال في فرعون وقومه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤١ - ٤٢]، ولهذا يصير أتباع فرعون أولًا إلى أن لا يميزون بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا].
الله ﷿ له إرادتان: الإرادة الأولى: هي الإرادة الشرعية، والإرادة الثانية: هي الإرادة القدرية، فالإرادة الشرعية: هو ما أمر الله ﷿ به، والإرادة القدرية: هو ما خلقه الله ﷾، فالإرادة الشرعية كلها محبوبة لله ﷿، يدخل فيها الإسلام، والإيمان، والعمل الصالح بكل أنواعه وألوانه، وأما الإرادة الكونية فليست كلها مما يحبه الله، فما خلقه الله ﷿ ليس نوعًا واحدًا، بل منه ما يحبه الله مثل: الصالحين، والمساجد، والأعمال الصالحة ونحو ذلك، فهذا مما يحبه الله ﷾، ومنها ما لا يحبه الله مثل: إبليس، والكفار، والأعمال السيئة، والقتل، والظلم، والبغي، والعدوان على الخلق، إلى غير ذلك من الأمور التي يبغضها الله ﷿ مع أنه خلقها في الدنيا، فإن كل شيء في هذه الدنيا عائد إلى الله ﷾ من حيث الخلق، فالله خالق كل شيء ﷾، وإنما خلق الله ﷿ هذه الأمور المكروهة والسيئة؛ للابتلاء، فهذه هي الحكمة.
فكثير من الناس لا يفرقون بين ما شرعه الله ﷿ من الطاعة، وما يحبه ﷾، وما أمر به، وبين ما خلقه ﷾ من الأمور المكروهة بالنسبة لهم، فيجعلون هذا مثل هذا، ويخلطون بينها، فتجد أن بعضهم يعتذر عن كثير من الأمور المحرمة التي يمارسها بكون الله ﷿ خلقها وأنها مقتضى إرادته، وهذا هو معنى قول الشيخ: ولهذا يصير أتباع فرعون، يعني: هؤلاء الضالين الجبرية، سواء جبرية الصوفية، أو جبرية الجهمية، قال: ولهذا يصير أتباع فرعون أولًا إلى أن لا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه، فلا يميزون بين الصلاة وبين الزنا، مع أن الصلاة أمر الله بها، والزنا حرمه الله ﷾، فلا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه وبينما قدره وقضاه، فهم يقولون: إن كل ما قدره الله وقضاه من الأمور الكونية محبوبة لله ولا بد، وهذا فهم فاسد وباطل، وهذا هو الذي حصل عند جبرية الصوفية والجهمية، ولهذا توصلوا في نهاية الأمر إلى أن لا حلال ولا حرام، بل الكل حلال، بل توصلوا في نهاية الأمر كما حصل عند أصحاب وحدة الوجود إلى أن الكون كله وحده واحدة وهو ذات الخالق ﷾، فالكون خالق ومخلوق، وليس هناك تمييز وفارق بين المخلوق والخالق، وهذا لا شك أنه ظلم وعدوان، وكفر مبين، ومخالف لكل شرائع الأنبياء والمرسلين.
[ ٩ / ٨ ]
الفرق بين أتباع الأنبياء وأتباع فرعون في نظرتهم للعبودية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول محققوهم: الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية].
يعني: هؤلاء يقسمون الناس إلى قسمين: أهل الشريعة، وأهل الحقيقة، فيقولون: أهل الشريعة هم هؤلاء الذين يشهدون الصلاة جماعة، ويقومون بأعمال الإسلام، يعني: الذين انضبطوا في حدود الشريعة.
وأما أهل الحقيقة: فهم الذين ليس في قاموسهم شيء عن الطاعة والمعصية، بل الكل هو مراد لله ﷾، والكل محبوب له ﷾.
قال: [وهذا التحقيق هو مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق، وأنكروا تكليمه لعبده موسى، وما أرسله به من الأمر والنهي].
ولهذا ادعى فرعون الإلوهية والربوبية فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]؛ لأنه مخلوق، فمعنى كلام هؤلاء الظلمة: أن فرعون كان محقًا فيما قاله، ولا شك أن هذا من الكفر المبين.
قال: [وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق ازدادت محبته لله، وعبوديته له، وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره، ومحبة غيره، وطاعة غيره، وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه، والخليل يقول: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى].
يعني: قد يأخذون بعض كلام الزهاد، وبعض كلام من يسمونهم بالعارفين، ويستخرجون منه أمورًا تخالف كلام المرسلين، بل تخالف فطر الناس أجمعين؛ ولهذا فعلوا كما فعلت النصارى عندما استخرجوا من كلام الحواريين ما يظنون أنه يدعم مذهبهم في أن الأب والابن وروح القدس إله واحد وهو مذهب التثليث، فلا شك أن هؤلاء خطيرون، ولهذا فهم من الزنادقة، وليس كل الصوفية يقولون ذلك، بل يوجد من الصوفية من يكون عنده بدع ومعاص لا تصل إلى هذه الدرجة، ويوجد منهم من يكون عنده شيء من الشرك الأصغر، ويوجد منهم من يكون عنده من الشرك الأكبر مع إقراره بالنبوة وبالإلهية لله ﷿ في الجملة، ويوجد منهم من هو أشد من ذلك، وأما أعلاهم في الزندقة فهم هؤلاء، وهم أتباع الحلول والاتحاد، وأصحاب وحدة الوجود.
[ ٩ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٩ / ١٠ ]
معنى قول النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)
السؤال
يقول بعض الناس: إن الشريعة يكون تطبيقها في العبادة، أما أمور الدنيا فهي متروكة للناس، ويستدلون بقول النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟
الجواب
هذا لم يفهم معنى قول النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فقوله: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: الأمور الاعتيادية، سواء في الزراعة، أو في الصناعة، أو في تركيب الأمور الاجتماعية، ولهذا لم ينكر أحد من المسلمين المباني الجديدة، ولم ينكر أحد من المسلمين استخدام الصناعات الحديثة، والمركوبات من السيارات والطيارات، أو الأدوات الجديدة في القتال مثلًا.
وإنما يجب على المسلم أن يستفيد من كل ما هو جديد، ومفيد للأمة الإسلامية، بل هو من عمارة الأرض، فقول النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أن الإنسان في زراعته وصناعته وأموره الشخصية هو أعلم بها، وليس المقصود به أنكم تبنون حياتكم بأكملها على غير الدين، وتحصرون الدين في أعمال صغيرة.
فالشريعة جاءت بتنظيم حياة الإنسان في كل مجال، فجاءت بتنظيم حياة الإنسان في مجال الأسرة، كالطلاق والنكاح، والإرث، وجاءت بتنظيم حياة الإنسان في المال، فهناك بيوع مباحة، وبيوع محرمة، وجاءت أيضًا في تنظيم شئون الإنسان فيما يتعلق بالخصومات، والمضاربات، والمقاتلة، والاختلاف في العقار، والاختلاف في الحقوق المالية وغير ذلك، فالشريعة جاءت بما يصلح الإنسان في هذا المجال، وهناك فيما يتعلق بدنيا الناس مقاصد عامة للشريعة جاءت بضبطها، مثل حفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ الدين.
ولهذا فإن أي شيء جديد يأتينا يجب أن نزنه بميزان الشرع، فالفكرة العلمانية التي نتكلم عليها وننتقدها ليست هي في قبول الأمور الدنيوية التي تكون عند الأمم الأخرى مثل: الأسلحة، أو المركوبات، أو غير ذلك من المصنوعات، فهذه لا يخالف فيها أحد من المسلمين، فضلًا عن علمائهم، لكن العلمانيون لا يريدون هذا، بل يريدون أن يحصروا الإسلام كله في شرائع تعبديه، وأما بقية الحياة فيريدون أن يخترعوا لها قانونًا مدنيًا عقليًا.
فمجال الخصومات مثلًا يريدون أن يشرعوا له ضوابط من تلقاء أنفسهم مع أن دين الله ﷿ وضح الأحكام المتعلقة بخصومات الناس، وهكذا الديات، وهكذا كل شئون الحياة الأخرى، ولهذا فالقضاة اليوم يحكمون بشريعة الله ﷿ في شئون الناس فيما يتعلق بالعقار مثلًا واختلاف الناس فيه، أو المديونيات، أو ما يتعلق بالأموال في البيع والشراء ونحو ذلك، والعلاقة مع الأمم الأخرى والتي تسمى اليوم: العلاقات الدولية.
ولهذا قسم الإسلام الأمم الأخرى إلى أقسام: أمة محاربة، وأمة بيننا وبينها عهد، وأهل الذمة: وهم الذين يدخلون على الذين يكونون في بلاد المسلمين من الكفار من أهل البلاد الأصلية، فكل هؤلاء لهم أحكام.
أما العلمانيون فإنهم يقولون: يجب أن نجعل الشريعة في مجال الشعائر التعبدية فقط، ونأخذ على فكرهم مثالًا: فالمرأة اليوم تركيز العلمانيون عليها تركيز كبير جدًا، فالعلمانيون يقولون: لماذا تمنعون المرأة من المشاركة في أي عمل من الأعمال الفنية؟ فلماذا تمنعون المرأة من الرقص؟ ولماذا تمنعون المرأة من التبرج والسفور؟ ولماذا تمنعون المرأة من حريتها فيما يتعلق بالتصرف بجسدها كما تشاء؟ فيمكن أن تبيع عرضها بمبلغ مالي، ويصيحون: أعطوا النساء حقوقهن، والعلمانيون يختلفون من بلد إلى بلد، فبعض البلاد لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا الكلام، وهكذا حال المنافقين، إذ المنافقون لا يستطيعون أن يصرحوا بكل ما يعتقدونه في وقت واحد، لكن هذا مقتضى دعواهم، وهذا معنى دعواهم، ولهذا ليس الخلاف بيننا وبين هؤلاء في مسألة هل نأخذ من الكفار أسلحة أم لا؟ أو هل نستفيد من الكفار في بعض القضايا الطبية أم لا؟ بل نحن نتفق بأننا نستفيد من كل صاحب صنعة في الدنيا، يهوديًا كان أو نصرانيًا؛ لأن هذه الأمور ليس فيها أي مشكلة وضرر على ديننا، وهذه هي حياة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا.
فلا مانع من ابتعاث أي شخص إلى هناك للتعلم، أو يستفيد من أي شخص، بل أهم شيء هو ألا يكون ابتعاثه سببًا في رجوعه إلى بلاد المسلمين ليطالب بتطبيق النموذج الغربي في بلاد المسلمين.
وهذا مثال آخر: النظام الاقتصادي، فالآن النظم الاقتصادية المشهورة في العالم تنقسم إلى نظامين مشهورين: النظام الأول: نظام الرأسمالي، والنظام الثاني: النظام الاشتراكي.
أما النظام الرأسمالي، فيعتمد على ما يسمونه باقتصاد السوق، واقتصاد السوق هو تعبير عن النظام الرأسمالي، ومعنى اقتصاد السوق: أن ترفع الدولة يدها عن الأسواق، فتترك الناس يبيعون ويشترون كما يشتهون دون أي تدخل أو تنظيم لهذه الأسواق، فهذا هو مختصر الرأسمالية؛ ولهذا ألف بعض فلاسفتهم الكبار كتبًا في استحسان الربا، مع أن الربا محرم حتى عند النصارى، والسبب في ذلك هو أنه يرى أن من حق المستثمر الذي عنده مال ألا يدفع قرضًا إلا بمقابل عليه،
[ ٩ / ١١ ]
مجمل مسائل كتاب العبودية
السؤال
هل ضم شيخ الإسلام في كتابه العبودية جميع أنواع العبادات؟
الجواب
الشيخ في هذا الكتاب يتكلم عن العبادة من حيث مفهومها، فإن كل عبادة من العبادات مثل: الخوف، والرجاء، والإنابة، والمحبة، والتوكل ونحو ذلك، كل عبادة من هذه العبادات، لها فروعها، وأقسامها، وصورها، وأنواعها، وتعلقها بجوارح الإنسان، فليس المقصود هو استعراض أنواع العبادات في هذا الكتاب، وإنما المقصود: معرفة حقيقة العبادة بشكل عام.
[ ٩ / ١٢ ]
كيفية التعامل مع الكفار في محيط العمل
السؤال
أعمل في شركة، ومدير الشركة كافر أمريكي، وأنا أقابله كل يوم، فيقوم بتحيتي ومصافحتي، فماذا يجب علي نحوه؟ وكيف أتعامل معه؟
الجواب
تعامل معه بالأسلوب الطيب والحسن، وبالأخلاق الحسنة، وادعه إلى الإسلام، وهذا لا يعني أنك لا تبغضه فيما عنده من الكفر، فإن هذا الشخص معاد لله ﷾، فليس هناك تلازم بين التعامل بحسن الخلق، وبين المحبة القلبية، فأنت يمكن أن تتعامل مع هذا الشخص بأدب، وبحسن خلق، وإذا قابلك وابتسم في وجهك فابتسم في وجهه ابتغاء دعوته إلى الله ﷾، وأن تتعامل معه تعاملًا طيبًا لطيفًا؛ لإعطاء قدوة حسنة ونموذج حسن عن أهل الإسلام.
لكن في نفس الوقت هذا الشخص الذي حاد الله ﷿، ولم يؤمن بنوة محمد ﷺ، ولم يؤمن بهذا الدين الذي يقول الله ﷿ فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، هذا الشخص لا شك أنك تبغضه؛ لهذا العمل الذي عنده، وهذا يمكن أن يحصل في وقت واحد، بل أحيانًا يمكن أن يوجد في الشخص الواحد بغض من جهة، ومحبة من جهة، فالمسلم الفاسق مثلًا، كمن يرتكب المعاصي، أو يشرب خمر، أو يزني، تبغض هذه الأعمال عنده، وتبغضه لأجلها، لكن البغض هنا ليس بغضًا كليًا، وإنما هو بغض جزي، وأنت تحب هذا الشخص من جهة أخرى، وهو أنه مسلم، فبقاء أصل الإسلام فيه يجعلك تحبه، وهكذا الحال فيما يتعلق بمثل هذه الأحوال.
وهناك مسألة مهمة جدًا وهي مسألة الدماء المعصومة، فنحن تكلمنا عن مسألة المحبة، والتعامل الحسن، وأن التعامل الحسن لا يلزم منه المحبة، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فالمصاحبة بالمعروف تقتضي الرفق واللين، لكن لا يلزم من هذا المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين، إذ المذموم شرعًا هو المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين.
فيجب على المسلم أن يكون دائمًا في تعامله مع الخلق عمومًا طيب الأخلاق، حسن الخلق، فلم يكن النبي ﷺ طعانًا، ولا لعانًا، ولا فاحشًا بذيئًا، حتى ولو كان مع الكفار، ولهذا حتى الكفار في المعركة لو أسرنا أحدًا منهم فإنا نتعامل معه بآداب عالية جدًا، ومع ذلك هو عدونا، لكن لا يعني وجود العداوة البذاءة في الخلق أبدًا، فالمسلم من أفضل الناس خلقًا، وكان النبي ﷺ من أحسن الناس خلقًا، ويكفي الشخص أن يقرأ قصة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كان ابن عم النبي ﷺ، وكان حبيبه قبل أن تأتيه الدعوة، فلما بعث النبي ﷺ كان أول من كفر به، وكذبه، وكان شاعرًا، وكان أبو سفيان بن الحارث -وهو أبي سفيان صخر بن حارث - يذمه في الشعر ويثلبه، فلما جاء النبي ﷺ من المدينة لفتح مكة، أمر النبي ﷺ بقتل سبعة أو ستة، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، منهم ابن الزبعري وابن خطل ومنهم جاريتين كانتا تغنيان في ذم النبي ﷺ، فجاء أبو سفيان ولقي النبي ﷺ قبل أن يدخل مكة، مع أن دمه قد أهدره النبي ﷺ؛ لسبه وذمه وشتمه، فلما التقى به وجه لوجه، اعتذر إلى النبي ﷺ فلم يسيء النبي ﷺ إليه بأكثر من الإعراض عنه، حيث أشاح بوجه عنه، مع أنه ذمه، وسبه، وكفر به، وطعنه في دينه، وطعنه في نبوته، ولهذا فإن وجود الكفر لا يقتضي سوء الخلق، إذ بعض الناس يفهم ما جاء في الشروط العمرية ومنها: ردوهم إلى أضيق الطريق فهمًا خاطئًا؛ لأن هذه هي شروط لـ عمر بن الخطاب عملها على أهل الذمة، يعني: ليست لكل الكفار، وأهل الذمة: هم المواطنون في بلاد المسلمين، كوجود: نصارى أو يهود في بلادنا مثلًا، فهؤلاء يسمون أهل ذمة، وأهل الذمة هؤلاء يجب على الدولة أن تحميهم من القتل، وتحميهم من الأذى بكل أنواعه، وإذا كان بعضهم فقيرًا فتعينه بشرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، والجزية هذه إذا كان أحدهم فقيرًا قد تخفف عليه، إذ هي بحسب الحال، فمثل هؤلاء ذكر عمر لهم شروطًا معينة؛ حتى يشعرهم عمر بأن ضريبة الكفر هي الذلة؛ وأيضًا تطبيقًا لحديث النبي ﷺ: (الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه)، فكان منها ردهم إلى أضيق الطريق، لكن هذا لا يعني أنه مع كل كافر.
فينبغي إدراك مسألة مهمة جدًا وهي أن الكافر ليس حلال الدم دائمًا؛ لأن الكفار أنواع، وليس حلال الدم منهم إلا الكافر الحربي المقاتل.
فنحن نعيش في هذا الوقت أزمة وعي وفهم بين طائفتين من الناس، طائفة تقول: يجب قتال الكفار، والتعامل معهم بأقوى أسلوب، وتعمم هذا على كل الكفار، حتى غير المقاتلين، وحتى الأشخاص
[ ٩ / ١٣ ]
رسالة العبودية [١٠]
لقد كثرت المصطلحات عند المتأخرين كثرة كبيرة، وأغلبها أراد بها أصحابها التلبس بالحق للوصول إلى الباطل، تحقيقًا لأهوائهم المريضة، وعقولهم السقيمة، وأكثر من جاء بهذه المصطلحات هم أهل البدع المحدثة، الذين أرادوا التلبيس على أهل المنهج الحق، ومن هذه المصطلحات مصطلح (الفناء) وقد بين شيخ الإسلام هنا هذا المصطلح، وحقيقته وأقسامه، وما يجوز منه وما لا يجوز.
[ ١٠ / ١ ]
مصطلح الفناء والمقصود به
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: فنكمل ما تبقى من هذا الدرس وهو شرح كتاب العبودية لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، المتوفى في سنة (٧٢٨هـ)، وفي الدرس الماضي توقفنا على رأس موضوع الفناء، وسنكمل إن شاء الله ما يتعلق بموضوع الفناء في هذا اللقاء.
والفناء: اصطلاح صوفي، وهو متعلق بالتعبد ونتيجته عند الصوفية، ونتيجة التعبد عندما يشتغل به الإنسان -حسب فهمهم وطريقتهم- أن يصل إلى مرحلة الفناء.
والمقصود بالفناء: الغيبة، أي: أن يغيب عقل الإنسان الخارجي وحسه الظاهري الذي يستشعر به من حوله، فلا تكون عنده قدرة على استشعار ما حوله من الأشخاص والأماكن والأحوال التي حوله.
[ ١٠ / ٢ ]
الشريعة والحقيقة والفرق بينهما عند الصوفية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: اسم الفناء].
وبدأ بالمثال على قضية الفرق بين الحقيقة والشريعة فإن الشريعة -كما هو معلوم- ما أمر الله ﷾ به، وما نهى عنه، والالتزام بالشريعة، فجاء الصوفيون وقالوا: إن هناك قدرًا زائدًا وقضية أهم وهي الالتزام بالحقيقة، والحقيقة المقصود بها عندهم هي: التعبد بطريقة معينة للوصول إلى نتائج محددة ومعينة، مخالفة للأحكام الشرعية الظاهرة، ولهذا يقولون: إذا تعارضت الحقيقة والشريعة فإننا نقدم الحقيقة؛ لأن الحقيقة يقينية والشريعة نقلت بالظن.
وهذا فهم فاسد لأحكام الله ﷾، فإن الأنبياء بعثهم الله ﷿ بأوامر وأرسلهم إلى الناس، وطالب الأنبياء بأن يشرحوا هذه الأوامر للناس، وقام الأنبياء بذلك، فما أتى به الصوفيون من كون الإنسان يمكن له أن يترك الشريعة لوجود الحقيقة، أو يترك الأحكام، أو تلغى ظواهر النصوص الشرعية من أجل الحقيقة فاسد وباطل، وإلغاء للشريعة، وكما قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): حقيقته طي لبساط الشريعة، وهذا يشبه قول الباطنية: بأن النصوص لها ظاهر وباطن، ثم يفسرون الباطن بالطريقة التي يرونها.
[ ١٠ / ٣ ]
أنواع الفناء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مثال: اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع: نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين].
[ ١٠ / ٤ ]
بيان أن الفناء ليس مذمومًا كله
فليس الفناء كله مذموم، وإن كان الاصطلاح أصلًا اصطلاحًا صوفيًا، ولكن كون الإنسان يغيب عمن حوله هذا في حد ذاته ليس مذمومًا؛ لأنه قد يستغرق الإنسان في التعبد إلى درجة أنه لا يشعر بمن حوله، وهذا الاستغراق في التعبد وفق ما أمر الله ﷾ به وعلى طريقة النبي ﷺ في العبادة ليس فيه إشكال، وهذا مثل: قصة عروة بن الزبير عندما قطعت وبترت رجله وهو يصلي، فهذا نوع من الأنواع، وهو أن يستغرق في التعبد إلى درجة لا يشعر فيها بما حوله، ويروى عن بعض الصالحين: أنه سقط الجدار من خلفه، فلما قضى صلاته قيل له: كاد الجدار أن يقتلك، فأخبرهم بأنه لم يشعر بكون الجدار سقط.
وهذا أمر عادي وليس فيه تثريب إذا جاء الإنسان في تعبده بما يوافق شريعة الله ﷿، وأوامر الله ﷾، وليس فيه خطأ، ولكن الخطأ هو عندما ينطلق الإنسان من بدعة ويصل إلى نتيجة فاسدة، مثل: أن يعرف الفناء بأنه: اختفاء عن الأمور الظاهرية لاندماجه بها، وأن هذه هي حقيقة الألوهية، كما يقول دعاة وحدة الوجود.
[ ١٠ / ٥ ]
النوع الأول: الفناء عن إرادة ما سوى الله
قال المؤلف ﵀: [فأما الأول: فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه].
وهذا الفناء مطلوب، فالفناء عن إرادة ما سوى الله يعني: أن يترك إرادة ما سوى الله، فلا يحب إلا الله، ولا يتعبد إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتعلق إلا به، ولا يريد إلا الله ﷾، فهذا هو حقيقة التوحيد.
قال المؤلف ﵀: [فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب غيره.
وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال: أريد ألا أريد إلا ما يريد، أي: المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية].
وهنا قضية مهمة وهي: أن أصحاب التصوف المتأخرين الذين وصل بهم التصوف إلى درجة الزندقة -والعياذ بالله- يعتمدون على بعض العبارات المنقولة عن بعض الزهاد والعباد الأوائل، ثم يؤولونها ويحرفون معناها إلى معنى يهوونه، مثل أبي يزيد البسطامي، وقد يوجد عند بعض المتأخرين كذب على هؤلاء الأئمة، فقد ينسبون للجنيد أو لـ أبي يزيد أقوالًا لم يقولوها ولم تثبت عنهم، علمًا أنه قد يوجد في بعض عبارات هؤلاء الفضلاء من العباد ما يكون فيه مخالفة للسنة فيرد، ولكن المتأخرين يوظفون هذه النصوص بطريقة غير سليمة وغير صحيحة، مثاله: قول أبي يزيد: أريد ألا أريد إلا ما يريد.
يعني: هو يتمنى ألا تتعلق إرادته إلا بما يريد الله ﷿، فكأنه يقول: أريد أن أصل إلى ألا أريد إلا ما يريده الله ﷾.
[ ١٠ / ٦ ]
بيان أن هذا النوع من الفناء هو حقيقة التوحيد
قال المؤلف ﵀: [وكمال العبد ألا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهذا معنى قولهم في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد، وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره].
وهذا أمر واضح، يعني: إذا كان الإنسان لا يريد إلا ما أراد الله ﷿، ولا تتعلق نفسه إلا بما يريد الله خوفًا ورجاء ومحبة وإنابة فإنه يكون قد حقق التوحيد، وهذا هو حقيقة التوحيد، فسواء سمي فناء أو لم يسم فناء، فهذا هو التوحيد الخالص.
[ ١٠ / ٧ ]
بيان الطريقة الصحيحة للتعامل مع ألفاظ وعبارات المتأخرين
وهنا قاعدة مهمة جدًا، وهي: أن الألفاظ والعبارات التي عند المتأخرين يجب ألا ينكرها الإنسان جملة ولا يقبلها جملة، وإنما يستفصل عنها، فإذا كانت العبارة صحيحة في المعنى وتوصل إلى معنى صحيح فإنه يقبلها، وإن كانت تشتمل على معنيين: معنى صحيح ومعنى باطل فإنه يقبل الصحيح ويرد الباطل، ويعترض على هذه العبارة التي لبست الحق بالباطل، وإن كانت تدل على معنى باطل فإنه يردها، وإن كان الأصل الشرعي هو أن التعبير يكون بالألفاظ الواردة في النصوص الشرعية، كمؤمن وفاسق وشرك وكفر ونفاق، ونحو ذلك من العبارات.
[ ١٠ / ٨ ]
النوع الثاني: الفناء عن شهود السوى
قال المؤلف ﵀: [وأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين].
والشهود معناه: المشاهدة، والسوى المقصود به: سوى الله، فمعنى الفناء عن شهود السوى: أن يفنى الإنسان عن مشاهدة غير الله، فلا يشاهد غير الله، يعني: لا يستحضر في قلبه ولا يشاهد في قلبه إلا الله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠]، قالوا: فارغًا من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهذا كثيرًا ما يعرض لمن فقمه أمر من الأمور، إما حب وإما خوف وإما رجاء، يبقى قلبه منصرفًا عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه].
وهذا أمر قد يكون في طبائع الأشياء وطبائع الناس، والإنسان عندما يفاجأ بخبر أو بأمر من الأمور قد يصدم لمدة معينة، يختلف الناس فيها، فقد تطول عند بعض الناس، وتقصر عند آخرين، ويكون مندهشًا منذهلًا، وقد لا يشعر بما حوله، وبعض الناس عندما يواجه بخبر صعب قد يبحث عن طاقيته وهي على رأسه، وقد يبحث عن قلمه وهو في جيبه، وقد يبحث عن حذائه وهو في رجليه، ومع هذا لا يشعر به، فهذا أمر طبيعي، فمثل هؤلاء عندما يجتهدون في التعبد فقد يصلون إلى مرحلة اندهاش وعدم شعور بأي شيء من حولهم إلا بالله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره].
والمقصود قوله: فإنه يغيب بموجوده يعني: بالشيء الذي وجده، عن وجوده يعني: عن وجود نفسه وما حوله، وبمشهوده يعني: الذي شاهده واستغرق قلبه به، ومذكوره يعني: الذي يذكره ويتعلق قلبه به، وبمعروفه يعني: الذي يستغرق في معرفته.
[ ١٠ / ٩ ]
ضلال الصوفية في الفناء عن شهود السوى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من لم يكن، وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى.
والمراد: فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها، وإذا قوي هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه.
كما يذكر: أن رجلًا ألقى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني.
وهذا الموضع زل فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد، وإن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما].
يعني: أن هذا النوع درجات، وليس درجة واحدة، فبعض الناس قد يستغرق في ذكر الله وفي التفكر في الله ﷾ إلى درجة أن يغيب بالله ﷿ أو بموجوده عن وجوده هو، وقد يزيد هذا الفناء إلى درجة أنه لا يشعر بما حوله، وقد يزيد إلى درجة أنه لا يفهم شيئًا مما حوله، وقد يكلمه الناس فلا يعيهم، وقد يحركون بعض أجزائه فلا يتحرك، كأنه مغشي عليه، أو كأنه مصروع، أو مريض، وهذه لا تحصل للكاملين، وإنما تحصل للناقصين ضعاف النفوس، فقد يكون صاحب هذه الحال إذا لم توجد عنده عقائد باطلة طيبًا في نفسه، ومن شدة ذكره وتعلقه بربه وتفكيره في صفاته وفي أسمائه قد يغيب عما حوله، وهذا الذكر والفكر والتعلق قد حصل لأئمة وسادات الأولياء، مثل: الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ، ومع ذلك لم يرد مثلًا أن أحدًا منهم إذا تقدم للصلاة وصلى سقط مغشيًا عليه، بينما ورد هذا عن بعض المتأخرين ممن جاء بعد الصحابة، فكانوا من شدة تعلقهم بالله وخوفهم منه ورغبتهم فيما عنده جاءوا إلى الصلاة وكبروا ربما لا يستطيعون أن يتمالكوا شيئًا من أعصابهم، فيسقطون مغشيًا عليهم، وهذه كلها أخبار صحيحة، وربما يتلى على بعضهم الآية أو يذكر له الحديث عن النبي ﷺ فيتأمل فيه فيسقط مغشيًا عليه، وهذه الحال ليست عيبًا في مثل هذا الشخص من ناحية دينه، فقد يكون تدينه قويًا، وقد تكون معرفته بربه صحيحة، وليس من أهل البدع ولا علاقة له بها، ولكنها ترجع إلى النفسيات، وإلى قوة الشخصية، فبعض الناس لديه من قوة الشخصية ما لو استغرق وعرف فلا يؤثر ذلك على نفسه، ومن الناس من يكون ضعيفًا.
وهذه الحال انتشرت عند المتأخرين من بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم، مع أن الصحابة أفضل وأعرف بالله منهم، وأشد خوفًا من الله وتوكلًا عليه منهم، وأشد جهادًا منهم، وكانوا في كل باب من أبواب التعبد أشد منهم في التعبد لله ﷿، ومع ذلك كانت نفوس الصحابة نفوسًا قوية، تتحمل مثل هذه الأمور، فلا تؤثر على أعصابهم، بينما المتأخرين كان في نفوسهم ضعف، وهذا وارد في الناس، فمثلًا: النساء لسن في قوة التحمل مثل الرجال، وكذلك الرجال يختلفون، فبعض الناس تكون قوة تحمله النفسية ضعيفة، وبعض الناس يكون عنده قوة تحمل، حتى أنه قد تأتيه القضايا الكبيرة والعظيمة فلا تؤثر فيه، في حين أن بعض الناس قد تأتيه القضايا الصغيرة البسيطة فتقلب كيانه بأكمله، فبعض الناس قد يمرض ابنه فيتغير شعوره، وقد يضعف، وقد يسقط مغشيًا عليه، وبعض الناس ربما يؤتى له بابنه مقتولًا فلا يتأثر تأثرًا كبيرًا، فهذه راجعة إلى الأمور الشخصية أكثر من رجوعها إلى الأمور الدينية، فينبغي إدراك هذه القضية، فمثلًا: الأحنف بن قيس كان محتبيًا فجيء له بابنه مقتولًا قتله ابن عمه، وقد أمسكوه وأتوا به معهم، وكان الأحنف محتبيًا فما فك الحبوة التي كانت تربط جسده، وقال: أطلقوه، إنما هي بضعة منك قطعتها -يكلم ابن عمه- أعطوا أمه -يعني: زوجته- مائة من الإبل، فإنها غريبة، وأكمل حديثه، فهذه النفوس ليست عادية، وإنما هي نفوس عظيمة وكبيرة، وتدل على علو في الهمة، وعلى صفات شخصية قوية غير عادية.
وهذه المظاهر الغريبة التي قد تحصل عند البعض قد يفسرها المتأخرون بأنها هي نفسها: وحدة الوجود، وهي: التعلق بالمخلوق، والاتصال التام بين الخالق والمخلوق إلى درجة أنهما شيء واحد، وقد قال ابن تيمية ﵀ عن هذا: وهذا غلط، وهو صادق بأن هذا غلط، فليس الخالق مثل المخلوق، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
قال المؤلف ﵀: [وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد به شيء أصلًا].
لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهو الأحد الصمد، الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل لا يمكن أن يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدت حقيقة كل منهما، وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا].
أي: إلا إذا تغيرت حقيقة كل واحد منهما، فمثلًا: الذين يقولون: بأنه اتحد العبد في الله فمعنى هذا أنه يلزمهم أن العبد تغيرت حقيقته فصار شيئًا آخر، وأن الله تغيرت
[ ١٠ / ١٠ ]
بيان أن كثرة الكرامات للشخص لا تدل على فضله على غيره
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ في (الفرقان) وفي غيره: أن المتأخرين كثرت عندهم الكرامات أكثر من المتقدمين؛ لأن هذه الكرامات كانت عبارة عن تشجيع لهم؛ لأنهم أقل منزلة من المتقدمين الذين كانوا يتعبدون لله ﷿ على الغيب، بينما المتأخرون لضعف قدرتهم عن قدرة أولئك صارت الكرامات عبارة عن تشجيع لهم، فكثرة الكرامات عند بعض المتأخرين ليست دليلًا على أنه أفضل من غيره، بل هي علامة على أنه أقل من غيره.
[ ١٠ / ١١ ]
النوع الثالث: وحدة الوجود
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناء فهو: أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق].
وهذا هو الكفر المبين، وهو عقيدة أصحاب وحدة الوجود، فهم يشهدون أنه لا موجود إلا الله ﷾، ويفسرون لا إله إلا الله بمعنى: لا موجود إلا الله ﷾، وأنه ليس هناك مخلوقات، وإنما هو خالق يأتي في صور متعددة، ومن هذه الصور: صورة بني الإنسان، وصورة بقية الكائنات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد وهذا يبرأ منه المشايخ المستقيمون على هدي الكتاب والسنة، كالصحابة والأئمة المهتدين، فإنهم إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو: لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك فمرادهم بذلك: ما أرى ربًا غيره، ولا خالقًا غيره ولا مدبرًا غيره، ولا إلهًا غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفًا منه أو رجاء له، فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب، فمن أحب شيئًا أو رجاه أو خافه التفت إليه، وإذا لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم يقصد القلب أن يلتفت إليه، ولا أن ينظر إليه، ولا أن يراه، وإن رآه اتفاقًا رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطًا ونحوه، مما ليس في قلبه تعلق به.
والمشايخ الصالحون -﵃- يذكرون شيئًا من تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله، بحيث لا يكون العبد ملتفتًا إلى غير الله، ولا ناظرًا إلى ما سواه، لا حبًا له، ولا خوفًا منه، ولا رجاء له، بل يكون القلب فارغًا من المخلوقات، خاليًا منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع، وبالحق يبصر، وبالحق يبطش، وبالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله، فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق الموجد بمعرفة الأنبياء والمرسلين، وبحقيقتهم وتوحيدهم.
وأما النوع الثالث وهو: الفناء في الموجود فهو تحقيق آل فرعون، ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم.
وهذا النوع الذي عليه أتباع الأنبياء فهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.
وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول: أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد].
فهناك بعض العبارات عند بعض المشايخ من العباد والزهاد والصالحين التي قد تفسر على غير وجهها الصحيح، وكلام الشيخ كله الآن منصب على هذه القضية، وعلى ما ينقل عن بعض الشيوخ أنه قال: ما أرى غير الله، أو قال: لا أنظر إلى غير الله، فقوله: لا يرى غير الله، ليس مقصوده بأنه لا يرى بعينيه إلا الله، فيكون معنى كلامه: أن المخلوقات هي الله، وإنما المقصود بقوله: لا أرى غير الله، يعني: لا أرى ولا أفكر ولا أعمل شيئًا إلا بالله ﷾، وهذا هو معنى ما جاء في حديث النبي ﷺ: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها).
فالمقصود: أنه تكون كل حركاته لله وبالله، وليس للمخلوق فيها شيء، فأتى المتأخرون من أصحاب وحدة الوجود الضالين الملحدين وقالوا: إن معنى قوله: ما أرى غير الله: أن كل المخلوقات هي الله، ولهذا جاء عند بعضهم: ما في الجبة إلا الله، والجبة هي: اللباس فكأنه يدعي الألوهية لنفسه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول: أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد، إما فساد العقل وإما فساد الاعتقاد، فهو متردد بين الجنون والإلحاد.
وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا، وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، وإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسموات؛ لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع، ويدخل في ذلك من العبارات المتلفة نظير ما دخل في الفناء، فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها، متشتتًا ناظرًا إليها متعلقًا بها، إما محبة وإما خوفًا وإما رجاء، فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له].
يقصد شيخ الإسلام ﵀: أن مثل المصطلحات: الجمع والفرق والفناء، ونحو
[ ١٠ / ١٢ ]
مصطلح الجمع والفرق عند الصوفية
ومثلها: الجمع والفرق، فإن الجمع والفرق من المصطلحات التي حصلت عند بعض المتأخرين، وأصبحت من مصطلحات صوفية، وأصبح يرددها البعض بمعنى صحيح، والبعض بمعنى فاسد، فقد يقصد البعض بالجمع: اجتماع القلب على الله ﷾، وعلى ذكره وشكره وعبادته، والفرق: كثرة المشاهدات التي يراها في الواقع، وليس بينهما تعارض ولا تناقض، وقد يأتي شخص آخر فيفسر الجمع بأنه: حقيقة التعبد، وهو: اعتقاد أن المخلوقات هي الله ﷾، وأن الفرق هو: عبارة عن أجزاء من ذاته، ولهذا عندما قيل للتلمساني وهو من فلاسفة الصوفية المتأخرين: كيف تفسر الكثرة الموجودة في المخلوقات، وأنت تقول: أنها هي عين ذات الله ﷿؟ قال: ألا ترون موج البحر ما أكثره، مع أنه لا يمكن أن يسمى شيئًا غير البحر؟ ففسرها بهذا التفسير، وهذا هو مقصود بعض المتأخرين، فقد يكون المعنى الذي يراد بالجمع والفرق والوحدة والكثرة معنى صحيح، وقد يكون معنى باطل، فينبغي للإنسان التنبه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته لربه، وخوفه من ربه، ورجاؤه لربه، واستعانته بربه، وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعًا على الحق، معرضًا عن الخلق نظرًا وقصدًا، وهو نظير النوع الثاني من الفناء.
ولكن بعد ذلك الفرق الثاني وهو: أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله، مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله ﷾، وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها، فيكون مع اجتماع قلبه على الله -إخلاصًا له ومحبة وخوفًا ورجاء واستعانة وتوكلًا على الله، وموالاة فيه، ومعاداة فيه، وأمثال ذلك- ناظرًا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزًا بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها، مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته في حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتًا لألوهية رب العالمين، رب الأرض والسموات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقًا في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرًا له عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبًا لله، معظمًا له، عابدًا له، راجيًا له، خائفًا منه، مواليًا فيه، معاديًا فيه، مستعينًا به، متوكلًا عليه، ممتنعًا عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك، مما هو من خصائص إلهية الله ﷾.
وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحدًا لله].
[ ١٠ / ١٣ ]
العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية
والعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والألوهية تتضمن توحيد الربوبية، فكل من وحد الله في إلهيته فإن هذا يتضمن توحيده لله ﷿ في كونه رب كل شيء، وأنه ﷿ خالق كل شيء، ومدبر كل شيء؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله ﷿ دون أن يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ومن جاء بالربوبية فإنه يلزمه أن يأتي بالألوهية، وقد يأتي بها كحال المسلمين، وقد لا يأتي بها كحال الكافرين؛ لأن الكفار كثير منهم يعرف أن الله ﷿ هو خالق كل شيء ومدبر كل شيء، إلا أنه لا يلتزم بعبادة الله ﷿ والتأله له، بل تأله لغيره، مع أنه لازم له في الحقيقة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك يبين أن أفضل الذكر: لا إله إلا الله، كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا، وغيرهما، مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله).
وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبد الله بن كثير أن النبي ﷺ قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)].
[ ١٠ / ١٤ ]
الأسئلة
[ ١٠ / ١٥ ]
هل يكون النبي في حالة فناء عند نزول الوحي عليه
السؤال
هل كان النبي ﷺ عندما يوحى إليه يكون في حالة الفناء؟
الجواب
كلمة الفناء هي اصطلاح، وليست كلمة شرعية، فالفناء نفسها لم ترد في القرآن ولا في السنة، وإنما هي كلمة اصطلاحية حصلت عند بعض المتأخرين، فأراد الشيخ أن يشير إليها ويفصلها، وأن يميز بين المعنى الحق الذي يمكن أن يوجد في هذه الكلمة وبين المعنى الباطل الذي لا يصح، وأما النبي ﷺ فإنه إذا أوحي إليه كما جاء في الحديث: (أنه كان يجد ثقلًا فيه، وكان يعرق، وتعلوه الرحضاء، فربما يتفصد جبينه عرقًا في الليلة الباردة الشاتية).
وذكر زيد بن ثابت في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، بأنه أوحي إلى النبي ﷺ وفخذه كانت تحت فخذ النبي ﷺ، قال: فكادت ترض يعني: كادت تنكسر من شدتها، وربما جاءه الوحي ﵊ وهو على جمله وهو قائم فيبرك، وهذا لا يسمى فناء، ولكنه كان يجد منه شدة لا يتحملها إلا مثله.
[ ١٠ / ١٦ ]
الموقف من دعاة الصوفية المعاصرين
السؤال
ما هو موقفنا من رءوس الصوفية والمجددين لهم في هذا الزمان؟
الجواب
الصوفية أنواع، وليسوا نوعًا واحدًا، ولكن المتأخرين منهم جمعوا السوء من أطرافه، ومن الأمثلة على ذلك الجفري الذي يأتي في الإعلام وفي الفضائيات كثيرًا، فهذا الرجل سمعنا له تسجيلات خطيرة جدًا على العقيدة، يستحل فيها كثيرًا من المحرمات، ويكذب فيها على أهل السنة كذبًا واضحًا وبينًا، وقد يكون لديه أسلوب جميل في العرض والمناقشة، ولكن الأسلوب الجميل ليس كافيًا في صحة العقيدة، فينبغي للإنسان أن يدرك هذه القضية.
[ ١٠ / ١٧ ]
الفرق بين قسوة القلب وقوة الشخصية
السؤال
الشخص الذي لا يتأثر بما حوله، كموت أحد أقاربه، هل هذا من قسوة القلب أم قوة الشخصية؟
الجواب
إذا لم يتأثر بالمرة فلا شك أن هذا قسوة، وقوة الشخصية لا تعني عدم التأثر، بل قد يتأثر صاحبها، وقد يبكي، والأقوياء يبكون، وقد بكى النبي ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإن على فراقك يا إبراهيم! لمحزونون)، فالإنسان قد يبكي ويتأثر ويحزن، وقوة الشخصية هو ألا يصل إلى درجة أنه إذا أخبر بموت والده مثلًا أن يموت أو يغشى عليه، أو تصيبه جلطة مثلًا، فلا شك أن هذا ضعف، ولكن هذا لا يعني أنه لا يتأثر أو لا يبكي أو لا يحزن، فهذا كله أمر طبيعي، وهو من فطرة الإنسان، فقوة الشخصية غير القسوة، فالقسوة هي: أن يتعامل الإنسان مع القضايا التي تثير الإنسان العادي بأسلوب جامد ولا يتفاعل معها، يعني: قد يسمع آيات مؤثرة ولا تبكيه، وقد يحصل له حادث مثلًا ولا يتأثر منه، وقد يموت له قريب وزميل فلا يتأثر، فهذه قسوة وليست قوة، ولكن القوة هي: أن يتمالك الإنسان نفسه، فلا يقول إلا ما يرضي الله ﷾ وقديمًا كانت النساء إذا مات ميت لهن حثين على رءوسهن التراب، ومزقن ملابسهن، وصحن وأكثرن الصياح، وعلا صوتهن بالصياح بطريقة غير صحيحة، وهذه هي النياحة التي نهى عنها النبي ﷺ، وأمر الإنسان بضبط نفسه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٠ / ١٨ ]
رسالة العبودية [١١]
تزعم الصوفية أن ذكر العامة هو ما ورد في الكتاب والسنة من الأذكار، وذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر وهذا ضلال وانحراف، وللصوفية بدع عظيمة في باب ذكر الله، وكذلك باب الدعاء والاستغاثة والتوسل، وغير ذلك، فتراهم يدعون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوسلون بالموتى من الأنبياء والملائكة والصالحين، فينبغي الحذر مما هم واقعون فيه من بدع وغير ذلك مما يخالف أحكام الإسلام، وجماع الدين يتمثل في أصلين مهمين: ألا نعبد إلا الله، وألا نعبده سبحانه إلا بما شرع.
[ ١١ / ١ ]
انحراف الصوفية في الذكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فسنكمل إن شاء الله بقية هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن زعم أن هذا ذكر العامة، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر، فهم ضالون غالطون].
يعني: أن أهل التصوف لهم بدع عظيمة في باب ذكر الله تعالى، فهم يوردون كلمة (العامة) في مورد الانتقاص والاحتقار، يقولون: إن ذكر العامة هي الأذكار الواردة في كتب السنة المعروفة، فيدخل في هذا مثلًا الأذكار الواردة في كتاب (الأذكار) للنووي و(الوابل الصيب في الكلم الطيب) لـ ابن القيم، والأذكار الواردة في الأحاديث النبوية، يعتبرون ذلك كله من أذكار العامة، ويرون أنه لا ميزة للإنسان عندما يذكر الله ﷿ بهذه الأذكار، ثم يقولون: إن الذكر الذي هو ذكر الخاصة هو ذكر الله ﷿ بالاسم المفرد، المقصود بهذا أن يذكروا الله تعالى بترديد اسم من أسمائه مثل: الله الله الله الله وهكذا، أو لطيف لطيف لطيف لطيف، أو سميع سميع، أو عليم عليم عليم عليم، وتكرير ذلك آلاف المرات، علمًا أن هذا لم يرد عن النبي ﷺ، بل هو بدعة ابتدعوها هم من تلقاء أنفسهم، استحسنوها وظنوا أنها حسنة وأنها مفيدة ومؤثرة.
وقالوا: إن ذكر خاصة الخاصة الذين هم أخص من الخاصة، والذين هم علية القوم عندهم هو ذكر الله ﷿ بالاسم المضمر، وهو قولهم: هو هو هو بالأسماء المضمرة، فيرددون هذه الكلمة التي هي: هو هو هو، ويقولون: إن الذكر أفضل من الأذكار الواردة في كتب السنة، مثل: أذكار الصباح وأذكار المساء، وقول الإنسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
مائة مرة، وهكذا.
أولًا: إن كل هذا لا شك أنه مخالف لسنة النبي ﷺ، فالنبي ﷺ لم يشرع لأصحابه أن يذكروا الله تعالى بالاسم المفرد: الله الله الله، أو بالاسم المضمر: هو هو هو.
فهذه من البدع، والنبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
ويقول: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).
ويقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
فهذه من البدع المحدثة.
ثانيًا: أنه لا قيمة لذكر لا معنى له، فعندما يقال: الله الله الله الله الله، أو هو هو هو، ما هو المعنى؟ ليس هناك معنى محدد من هذه العبارات.
فكلمة الله الله الله هي اسم مفرد مبتدأ لا خبر له، فإن كان المقصود التعريف، يعني هو الله فهذا ليس من الذكر، بل هو من التعريف بالمعرف، وتعريف المعرف لا فائدة منه؛ ولهذا ليس هناك ما يزكي النفوس بالأذكار التي يأتون بها، مثل: الاسم المفرد أو الاسم المضمر، هذا فضلًا عن الأوراد البدعية التي يأتون بها مثل: أوراد الشاذلي، أو مجربات الدسوقي، أو غيرها من المجربات والأوراد التي يأتون بها ويبتدعون فيها، ويستغيثون فيها بغير الله ﷿، وقد يأتون فيها بكلمات لا معنى لها ولا قيمة لها.
هذا فضلًا عن الرقى التي هي من جنس الأدعية التي يبتدعون فيها الغرائب، مثل: مخاطبة النجوم، أو بعض الرسومات السحرية، أو نحوها وكل هذا من البدع المحدثة والعياذ بالله.
[ ١١ / ٢ ]
أدلة من يجعلون الذكر بالاسم المفرد ذكر الخاصة والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]].
يعني: أخذوا من قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١] أن الله أمر أن يقول الإنسان: الله.
نقول: هذا استدلال في غير سياقه؛ لأن الآية لها سبق، يعني: هناك استفهام سابق، والجواب عليه هو الله، وهو جواب على سؤال وليس ذكرًا، أيضًا ليس فيه ترديد، وليس فيه تكرار، ليس فيه قل: الله الله الله الله الله كما يفعلون هم.
فهو استدلال لا قيمة له، وهكذا يستدل دائمًا أهل البدع، فهم يأتون بالنصوص الشرعية ويوظفونها في غير سياقها.
ونحن لو لاحظنا أحد العوام يأخذ من كلام مخلوق من المخلوقين بعض الجمل ويوظفها في غير سياقها، لاتهمناه بالعته والسفه والسخف والحمق، يعني: لو أن إنسانًا مزح على إنسان وقال له كلمة، ثم وظفها شخص آخر في غير سياقها، لقال الناس: هذا مجنون.
فمثلًا: لو أن شخصًا تكلم مع شخص آخر ومزح معه بأي مزحة في اسمه أو في شخصه، ثم في يوم من الأيام اختصما فجاء هذا الشخص أمام الذين يصلحون بينهما وقال: هذا في يوم من الأيام قال لي كذا وكذا، ويأتي بالكلام الذي في المزاح ويجعله في سياق الجد، لتكلم عليه الناس وذموه وعابوه، وقالوا: إنه يفهم الأمور على غير وجهها، فكيف بكلام الله ﷿ يعمل به هكذا؟! قال: [واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١] من أبين غلط هؤلاء، فإن الاسم (الله) مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١].
أي: الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالاسم (الله) مبتدأ، وخبره قد دل عليه الاستفهام، كما في نظائر ذلك؛ تقول: من جاره؟ فيقول: زيد.
وأما الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا، فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهي ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة، ولا حالًا نافعًا، وإنما يعطيه تصورًا مطلقًا لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات.
فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه، وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره.
وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد، وأنواع من الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى فيها بصاحبها].
يعني: هذه الكلمة تذكر عن بعض الشيوخ أنه كان لا يقول: لا إله إلا الله، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: أخشى أن أقول: لا إله ثم أموت، فإذا مت أكون قد أتيت بالنفي ولم آت بالإثبات، فيأتي بكلمة (هو).
ولاشك أن جهل؛ لأن الإنسان لو افترضنا أنه قال: لا إله ثم مات لا يعاقب شرعًا؛ لأن هناك مانع من الموانع غير داخل في إرادته منعه من إتمام الجملة فكيف يترك ما أمر به الله وما أمر به رسول الله ﷺ من الذكر الذي يزكي النفوس ويطيب القلوب إلى كلمات لا معنى لها، مثل: هو هو هو ونحو ذلك علمًا أن عندنا من العلم الضروري ما يدل على أن النبي ﷺ لم يشرع ذلك لأصحابه، ولم يعلم أصحابه ذلك.
[فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به؛ إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بتلقين الميت: (لا إله إلا الله).
وقال: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة).
ولو كان ما ذكره محذورًا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتًا غير محمود، بل كان يلقن ما اختار من ذكر الاسم المفرد.
والذكر بالاسم المضمر أو المفرد أبعد عن السنة، وأدخل في البدعة، وأقرب إلى ضلال الشيطان؛ فإن من قال: يا هو! يا هو! أو: هو هو ونحو ذلك، لم يكن الضمير عائدًا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل].
يعني: ليس بالضرورة أنه إذا قال: يا هو! أنه يتصور الله ﷿، فقد يرد في قلبه شيء، وقد يأتي الشيطان ويوسوس إليه بشيء، وحينئذ يتغير خاطره ويتجه إلى شيء آخر غير الله ﷿.
[ ١١ / ٣ ]
ابن عربي الصوفي وكتابه الهو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد صنف صاحب (الفصوص) كتابًا سماه: كتاب (الهو)].
المقصود بصاحب الفصوص: هو ابن عربي الطائي، وهو من زعماء الإلحاد، وكتابه اسمه (فصوص الحكم) ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رد عليه مفصل في المجلد الثاني من الفتاوى اسمه (الرد الأقوم على فصوص الحكم).
ومن أبرز الكتب التي تبين إلحاد ابن عربي هو هذا الكتاب (فصوص الحكم).
وهو ليس بالسهل فهو رجل فيلسوف كبير، وعالم كبير من حيث المعلومات والذكاء والقدرة على صياغة العبارة والشعر العميق، لكن ذلك كله وظفه في الإلحاد والعياذ بالله، وجاء بفلسفة يكفي أن يتصورها الإنسان ليعلم بطلانها.
فهو يقول: هذا العالم الكبير ليس له إله خارج عنه، بحيث يكون هناك خالق ويكون هذا الكون مخلوقًا، وإنما يعتقد أن هذا الكون هو الإله، وأن الجزئيات الموجودة في الكون أجزاء من الإله، فنحن من الإله والكفار من الإله، والسماء من الإله، والأرض من الإله، والبحار من الإله، وكل شيء يعتبر عنده من الإله.
بل إنه صرح كما نقلنا ذلك شعرًا عنه أنه يقول: كل كلامي في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه.
فيدخل في هذا نباح الكلاب، ونهيق الحمير، وكلام الملحدين، ونحو ذلك من الأمور السيئة.
وهو نفسه القائل: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟! إن قلت عبد فذاك رب وإن قلت رب أنى يكلف؟ يعني: كيف يكلف؟! وله كتاب اسمه: (الهو) كما أشار إليه شيخ الإسلام.
[ ١١ / ٤ ]
من أدلة الصوفية في ذكرهم بالاسم المضمر: (وما يعلم تأويله إلا الله) والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو (الهو).
وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئًا من ذلك: لو كان هذا كما قلته لكُتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة].
انظروا إلى العبث بكتاب الله، جاء إلى الآية «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» الكلمة (تأويله) مكتملة.
ففصل بين كلمة (تأويل) والضمير المتصل بها وقرأها: وما يعلم تأويل هو إلا الله، يعني: ما يعلم تأويل تفسير كلمة (هو) إلا الله، مع أن المكتوب في القرآن «تَأْوِيلَهُ» متصلة، ولو كان المقصود كما زعمه لكانت الآية هكذا: وما يعلم تأويل هو إلا الله، لكنه كاذب.
هذا مثل رجل ادعى النبوة، وسمى نفسه (لا) فلما قيل له: لماذا سميت نفسك (لا)؟ قال: لأن النبي ﷺ يقول: (لا نبي بعدي) هكذا فسرها.
الحديث: (لا نبي بعدي) (لا) نافية للجنس، و(نبي) اسمها منصوب.
فهذا جاء وقال: (لا نبي بعدي) يعني: كأن النبي ﷺ يقول: سيأتي نبي بعدي اسمه (لا) فاتبعوه.
فبعض الناس يتلاعب بكتاب الله ﷿ وبكلام النبي ﷺ.
كذلك رجل اسمه (بيان) ادعى النبوة، وقال: نبوتي مكتوبة في كتاب الله، يقول الله ﷿: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨].
فالله ﷿ يتكلم عن القرآن بقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨] وهذا يقول: (هذا بيان) يعني: أنا بيان للناس، يعني: رسول.
فهؤلاء ويتلاعبون بالقرآن وبالسنة بهذه الطريقة، وهذا من العبث، لكن تصوروا أن هذا العبث قد يؤمن به أشخاص كثيرون مع الأسف من الجهال، ومع الأسف أن هذه الأمة تراجعت كثيرًا عن دينها الصحيح، إلى درجة أنه يمكن لأي كاهن أو كاذب أو دجال أو محتال أن يتلاعب بها ويضحك بها.
ولهذا تروج بضاعة الذين يتكلمون عن المغيبات كثيرًا عند هذه الأمة، سواء على مستوى السحرة أو الكهنة، أو على مستوى أصحاب المذاهب المعاصرة الذين يزينون للناس الباطل، ويزعمون أن هذا هو رمز الحضارة، وأن هذا هو رمز التقدم، وأنه من ترك مثل هذا فهو رجعي متخلف، يريد أن نعيش في السنين المتأخرة، وأنه لا يمكن لنا أن نتقدم في بلادنا حتى يكون عندنا طابور من النساء الراقصات، وطابور من النساء الممثلات، وطابور من الشباب الذين يشبهون مايكل جاكسون وهكذا نخرج طوابير من السفهة والحمقى والمغفلين والمغنين، ثم بعد ذلك أعلى أكتاف هؤلاء وغيرهم سنصنع الطائرات، وسنصنع القنابل النووية، وسنصنع كل ما تحتاجه الإنسانية؟!! فانظروا العبث في التفكير، لكن مع هذا يوجد من يصدقهم من الناس.
كما قال الأول: لكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يومًا لها سوق.
يعني: لا تتصور أن الأشياء الكاسدة والساقطة لا سوق لها، لها سوق وهناك أناس كثيرون يقبلون مثل هذه السواقط.
فتخيلوا إذا كانت الأمور الساقطة الحقيرة الواضحة البطلان لها من يقبلها، فكيف بعد هذا نقول: إنه يجوز للإنسان أن يتكلم برأيه حتى ولو كان ملحدًا باسم حرية الرأي؟! بعض الناس اليوم ينادي بحرية الرأي، ويطالب أن تكون حرية الرأي مفتوحة بدون ضوابط شرعية، أو إذا وضعوا الضوابط الشرعية تصبح كليشة مثل الكليشات المعهودة، يعني: أن أي شيء يفعلونه يكون وفق الشريعة الإسلامية حتى لو كان مناقضًا لها من أساسها.
فأقول: من الأمور الأساسية التي ينبغي أن ندركها أن حفظ أديان الخلق مقصد من المقاصد الشرعية، يجب على العلماء أن يحققوا هذا المقصد برد الباطل، ويجب على ولاة الأمر أن يحققوا هذا المقصد بمنع كل من يقدح في دين الله ﷿ في الصحافة أو في غيرها.
ويجب على عموم المسلمين أن يحتسبوا على أهل المنكرات، حتى لا يضيعوا على الخلق أديانهم، وإضاعة الخلق والدين أحيانًا يكون بالإفساد العقدي، وأحيانًا يكون بالإفساد السلوكي والأخلاقي.
فتضييع الدين يكون بنشر الإلحاد مثلًا في الناس، أو المذاهب الفكرية المنحرفة، أو العقائد الفاسدة، مثل: عقائد الرافضة، أو عقائد الصوفية، أو غيرها من العقائد المنحرفة.
وتضييع الدين أيضًا يكون عن طريق الأخلاق، بفتح مجال الفساد والانحراف في كل مكان، فإذا فتح مكان من الأمكنة الجديدة تجد أن مجال الفساد فيها واسع وكبير.
فهذا رجل يحسن الغناء تراه يجمع مجموعة من الشباب ويدربهم على الغناء معه، ويضعون لهذه المجموعة اسمًا من الأسماء.
وهذا شخص ينظم معرضًا من المعارض فيأتي بنساء ليبعن فيه، حتى يصبح هناك اختلاط، وهذا فساد في الأخلاق، وتأثير على أديان الناس؛ ولهذا مثل هذه الصور يجب أن تمنع، وأن يحتسب عليها.
[ ١١ / ٥ ]
من أدلتهم على الذكر بالاسم المفرد: (قل الله ثم ذرهم) والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم كثيرًا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: (الله) بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام:٩١]، ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد، وهذا غلط باتفاق أهل العلم؛ فإن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١]، معناه: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وهو جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]].
يعني: بعض الناس فهم أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١] خاص بالنبي ﷺ، وأنه يجوز للنبي ﷺ أن يقول: الله الله الله وهكذا، لكن الناس الآخرون لا يجوز لهم ذلك، وهذا فهم غير صحيح؛ فإن الآية لم ترد لا للنبي ﷺ ولا لغيره أن يكرر الكلمة، وإنما جاءت في جواب سؤال، فتوظيفها في غير سياقها لا يصح.
قال: [أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، رد بذلك قول من قال من المكذبين لرسول الله: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، فقال: ﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام:٩١]، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١] أنزله، ثم ذر هؤلاء المكذبين في خوضهم يلعبون.
ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو: أن العرب يحكون بالقول ما كان كلامًا، ولا يحكون به ما كان قولًا، فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية، ولهذا يكسرون (إن) إذا جاءت بعد القول، فالقول لا يحكى به اسم، والله تعالى لا يأمر أحدًا بذكر اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين ذكرًا باسم المفرد المجرد.
والاسم المجرد لا يفيد شيئًا من الإيمان باتفاق أهل الإسلام، ولا يؤمر به في شيء من العبادات، ولا في شيء من المخاطبات.
ونظير من اقتصر على الاسم المفرد: ما يذكر أن بعض الأعراب مر على مؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم، فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟].
يعني: قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فجعل كلمة (رسول) هنا وصفًا لمحمد وليس خبرًا، لكن لو قال: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، يصبح المعنى مختلفًا تمامًا، يصبح أنه يشهد أن محمدًا العلم المعروف رسولُ لله ﷿.
ولهذا لا يتم الأذان لو قال الإنسان: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، لابد أن يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حتى يكون المعنى واضحًا.
[ ١١ / ٦ ]
المقصود بالأمر بذكر اسم الله في النصوص الشرعية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما في القرآن من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨].
وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١].
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥].
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤].
ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفردًا.
بل في السنن: (أنه لما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال ﷺ: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: اجعلوها في سجودكم).
فشرع لهم أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى].
يعني: لم يفهم أحد أنه يقول: (الله) في الركوع، أو (الله) في السجود فقط.
ويستدل بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة:٧٤] يعني: بالجملة كاملة.
قال: [وفي الصحيح: (أنه كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى).
وهذا هو معنى قوله: (اجعلوها في ركوعكم وسجودكم) باتفاق المسلمين.
فتسبيح اسم ربه الأعلى، وذكر اسم ربه ونحو ذلك، هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع - هن من القرآن-: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه، ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر).
وفي الموطأ وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).
وفي سنن ابن ماجة وغيره عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله).
ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء، وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١].
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤].
إنما هو قول: باسم الله، وهذا جملة تامة، إما اسمية على أظهر قولي النحاة، أو فعلية، والتقدير: ذبحي باسم الله، أو: أذبح باسم الله.
وكذلك قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقديره: قراءتي باسم الله، أو أقرأ باسم الله، ومن الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي باسم الله، أو: ابتدأت باسم الله].
هذا كلام دقيق، فإنه إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: بحسب ما ذكر فيه هذا اللفظ، فبسم الله الرحمن الرحيم أؤلف مثلًا، أو بسم الله الرحمن الرحيم أقول وأتكلم، أو بسم الله الرحمن الرحيم مثلًا يبدأ أمر من الأمور.
فيكون تقدير الفعل المضمر بحسب المناسبة، هذا هو الأدق وهذا هو الأحسن.
قال: [والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول باسم الله، ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وفي قوله: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١]، وفي قول النبي ﷺ: (من كان ذبح قبل الصلاة، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله).
ومن هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
فالمراد أن يقول: باسم الله، ليس المراد أن يذكر الاسم مجردًا.
وكذلك قوله في الحديث الصحيح لـ عدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل).
وكذلك قوله ﷺ: (إذا دخل الرجل منزله، فذكر اسم الله عند دخوله وعند خروجه وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء).
وأمثال ذلك كثير].
يعني: أن الأدلة التي أشار إليها شيخ الإسلام مما يحتمل أن يستدلوا بها ثلاثة: الدليل الأول: آية الأنعام ا
[ ١١ / ٧ ]
المقصود بذكر الله تزكية النفوس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام، لا اسم مفرد، لا مظهر ولا مضمر].
يعني: أن الهدف من الذكر هو تزكية النفس والقرب من الله ﷾، فعندما يكون الدعاء أو الذكر بكلمات لا معنى لها كيف يحصل هذا المقصود؟ لا يمكن أن يحصل هذا المقصود.
فهذا المقصود الذي هو تزكية النفس والإيمان والتقوى التي تكون في نفس الإنسان لا تتحصل إلا بكلام تام واضح المعنى بين، وأما ما عدا ذلك فلا يصلح أن يكون ذكرًا؛ ولهذا الاسم المفرد ليس له معنى، وما لا معنى له لا يصح أن يكون ذكرًا، ولا أن يكون مزكيًا للنفوس.
والرقى الشرعية لها مجموعة من الشروط: الشرط الأول: أن تكون بالكلام الشرعي الذي لا يوجد فيه أي شرك.
الشرط الثاني: أن تكون هذه الرقية باللغة العربية.
وقال العلماء في تعليل هذا الشرط: إنه لا بد أن تكون الرقية باللغة العربية؛ لأنه إذا كانت بلغة أجنبية فإنها مظنة ألا يكون لها معنى ظاهر، فتكون حينئذ وسيلة من الوسائل التي قد توصل إلى الشرك، وإن كان الصحيح أنه يجوز أن تكون بغير اللغة العربية؛ إذا كانت مفهومة ومعناها ظاهرًا.
الشرط الثالث: ألا يوجد فيها شيء من الشركيات، وألا تكون رقية سحرية، يعني: مرتبطة باستغاثات بالجن وبغيره.
ولهذا شرط أهل العلم الأساسي في الرقية: أن تكون بكلام واضح بين المعنى، ليس فيه دعاء لغير الله، ولا استغاثة بغير الله ﷾، بحيث يكون معناها مفيدًا ومؤثرًا.
[ ١١ / ٨ ]
المقصود بالكلمة في النصوص الشرعية واللغة العربية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو الذي يسمى في اللغة: كلمة، كقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وقوله: (أفضل كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)].
يعني: الكلمة في لغة العرب: تطلق على الجملة المفيدة، وتطلق على الكلام، ولهذا يقولون: فلان عنده كلمة، وربما يتكلم لمدة نصف ساعة، فيصبح كلامًا وليست كلمة واحدة.
والكلمة في اصطلاح النحويين: هي جزء من المعنى.
قال: [ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥].
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]].
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهي قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦] وهي جملة كاملة.
[ ١١ / ٩ ]
المقصود بالحرف في لغة العرب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (الكلمة) في الكتاب والسنة، بل وسائر كلام العرب، فإنما يراد به الجملة التامة، كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم، فيقولون: هذا حرف غريب، أي لفظ الاسم غريب].
يعني: الحرف في لغة العرب لا يستخدم به الجزء من الكلمة المفردة.
فمثلًا: كلمة (محمد) في اصطلاح النحويين، الميم لوحده يعتبرونه حرفًا، والحاء حرفًا، والميم حرفًا، والدال حرفًا، لكن هناك فرق بين حروف المباني وبين أسمائها، ينبغي الاهتمام بهذا.
يعني هناك فرق بين كلمة ما، حا، دا، مثلًا، وبين كلمة ميم، حاء، دال.
فالأول: لا معنى له، والثاني: اسم، فالميم اسم.
يعني: إذا جئت تصنفها تجد أنها اسم، ولهذا يختلط عند كثير من الناس كلمة حرف في لغة العرب، وبين حرف في اصطلاح النحويين.
فأصبحت الكلمات مثل: محمد تقسم إلى حروف، يقال لك: فيها أربعة حروف، هذه تسمى حرفًا اصطلاحًا فقط، وإلا ما، حا، لا تسمى حرفًا، ليس لها معنى، لكن اسمها الذي يميزها اسم، مثل: ميم حاء دال لام.
انظروا لام، تلاحظوا أن كلمة (ميم) مشتملة على ثلاثة أحرف بالنسبة للاصطلاح النحوي، كلمة ميم، على الما واليا والما، لكن ما، يا، لا معنى لها.
ولهذا تجد أن كثيرًا من أهل العلم يتحدثون عن الحروف فيقسمون الحروف إلى قسمين: حروف المباني، وحروف المعاني، هذا في الاصطلاح النحوي.
وحروف المباني: هي هذه التي أشرت إليها، التي تسمى بالأسماء، ميم وياء وميم، مع أن اسمها اسم، لكن وجودها في الكلمة لا يطلق عليه اسم.
وحروف المعاني: مثل: الباء أحيانًا يكون لها معنى، ونحو ذلك مما يكون له معنى: وله دلالة مؤثرة تدل في السياق على معنى معين، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فهنا تدل على الإلصاق ولهذا لو مسح الإنسان رأسه من فوق طاقيته، لا يعتبر مسحًا حتى يرفع هذه الطاقية ويلصق يده.
هذه تسمى حروف المعاني، وهي التي ينبغي للإنسان أن يجتهد في دراستها وفهمها، وهناك كتب كثيرة يعني مثل: كتاب الرماني (الجنى الداني في حروف المعاني) وكتاب (مغني اللبيب) مثلًا لـ ابن هشام الأنصاري، ففيه قسم خاص في آخر الكتاب عن هذه الحروف ذات المعنى وذات الدلالة.
وهذه الحروف لها أهمية كبيرة بالنسبة للفقيه والمستنبط عندما يقرأ كلام الله، أو يقرأ كلام النبي ﷺ، لها أهمية في فهمه للآية أو للحديث، وأحيانًا يكون فيها خلاف فقهي يبنى عليها.
يعني: مثلًا في قول الله ﷿: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] هل المرفق يدخل في الغسل؟ أو لا يدخل في الغسل؟ اختلفوا في حرف (إلى) وهو من حروف الجر المعروفة، هل تأتي بمعنى انتهاء الغاية، فاختلفوا هل انتهاء الغاية داخل فيها أو ليس بداخل فيها؟ بحيث إنه يجب غسل المرفق أو لا يجب غسله.
وبناء على هذا يكون للحرف دلالته.
وشيخ الإسلام ﵀ يريد أن يقرر أن الحرف مثل الكلمة، كما أن الكلمة في اصطلاح النحويين صارت بمعنى الجزء من الجملة، وهذا ليس مرادًا في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ، وإنما هو اصطلاح خاص الهدف منه التعليم، وكذلك الحرف معناه العام في اللغة الاسم، ولهذا الحديث المشهور: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) يعني: كثير منا يفهم أن الإنسان إذا قرأ مثلًا: (ذلك) أن له بالذال عشر حسنات وبالألف عشر، وباللام عشر، وبالكاف عشر، وهذا غير صحيح، والصحيح أن (ذلك) تعتبر حرفًا واحدًا.
فمثلًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، ثلاثة حروف: (محمد) حرف، و(رسول) حرف، ولفظ الجلالة (الله) حرف.
وأما توزيعها باعتبارها أربعة حروف فهذا غير صحيح؛ لأن الحرف الذي قال عنه ﷺ في قوله: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) مقصوده بالحروف التي هي الأسماء، وليس مقصوده بالحروف التي عند النحاة هي جزء من تركيبة الكلمة، لا ليس هذا المقصود، هذا اصطلاح خاص.
ولهذا يا إخواني! أحيانًا عند طلبة العلم قد تختلط الاصطلاحات الخاصة بالمعاني الشرعية اللغوية العامة، فيسقطونها عليها.
وبعض الناس مثلًا أشكل عليه حديث النبي ﷺ: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم).
قال: هذا واجب، يعني: واجب باصطلاح الأصوليين، الذي هو الأمر اللازم المتحتم، الذي يترتب على تركه العقاب، وهذا غير صحيح؛ لأنه ورد في حديث جابر بن سمرة أنه قال: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
وهذا مبني على صحة الحديث، هل الحديث صحيح أو فيه انقطاع بين الحسن وجابر بن سمرة؟ لكن خلاصة القول أنه لا يصح إسقاط المصطلحات المتأخرة النحوية والأصولية والحديثية على الألفاظ الشرعية القديمة التي كانت قبلها.
يعني: لو نظر شخص إلى م
[ ١١ / ١٠ ]
اصطلاح النحاة على أن لفظ الحرف يختص بما جاء لمعنى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وكل من هذه الأقسام يسمى حرفًا، لكن خاصة الثالث: أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وسمى حروف الهجاء باسم الحرف، وهي أسماء.
ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)].
يعني: هناك فرق -يا إخوان- بين (الم) وألم.
(ألم) كلمة واحدة، ولكن ألف لام ميم ثلاث كلمات، مع أنهما في الصورة والشكل واحد (الم) (ألم)، هذه كلمة، وهذه ثلاث كلمات، فينبغي إدراك هذه المسألة.
قال: [وقد سأل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد؟ فقالوا: زاي، فقال: جئتم بالاسم وإنما الحرف (ز)].
الشيخ: لاحظتم كيف؟ ز من زيد، والياء والدال هذه لا معنى لها، هي جزء من كلمة: (زيد)، تركبت فأصبحت زيدًا، لكن إذا قلنا: زاي اسم، ياء اسم، دال اسم.
ولهذا تلاحظون أن زاي مشتملة على الزاي والألف والياء.
قال: [ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف، يسمى: كلمة، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل، كحروف الجر ونحوها.
وأما ألفاظ حروف الهجاء، فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف.
ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاد أنه هكذا في لغة العرب.
ومنهم من يجعل لفظ (الكلمة) في اللغة لفظًا مشتركًا بين الاسم مثلًا وبين الجملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ (الكلمة) إلا الجملة التامة].
يعني كأن شيخ الإسلام ﵀ يقول: لم يرد في لغة العرب أن تسمى اللفظة الواحدة (كلمة) إلا في اصطلاح النحويين المتأخرين.
قال: [والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه، وهو ذكره بجملة تامة، وهو المسمى بـ (الكلام)، والواحد منه بـ (الكلمة)؛ وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، والقرب إلى الله ومعرفته، ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية، والمقاصد السامية.
وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلًا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين.
بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع].
[ ١١ / ١١ ]
جماع الدين أصلان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.
وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله.
ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه.
وفي الثانية: أن محمدًا ﷺ هو رسول مبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره].
هذان الأصلان دائمًا يكررهما شيخ الإسلام عندما يتحدث عن البدع، ودائمًا يربطهما بالشهادتين، بهذه الطريقة.
قال: [وقد بين ﷺ لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة.
قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢].
كما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه، ونتأسى به، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله وللرسول، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وجعل التوكل على الله وحده بقوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] ولم يقل: ورسوله؛ كما قال في وصف الصحابة ﵃ في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: حسبك وحسب المؤمنين، كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
ثم قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
فجعل الإيتاء لله وللرسول، وقدم ذكر الفضل لله؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين.
وقال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الرغبة إلى الله وحده، كما في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
وقال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع.
فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣].
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، وأمثال ذلك.
فالرسل أمروا بعبادته وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه وطاعته، والطاعة لهم، فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح بن مريم.
فجعلوا يرغبون إليهم، ويتوكلون عليهم، ويسألونهم، مع معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم؛ وهدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه، فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه ورجوه وخافوه، وسألوه ورغبوا إليه، وفوضوا أمورهم إليه، وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله، وعزروهم، ووقروهم، وأحبوهم، ووالوهم، واتبعوهم، واقتفوا آثارهم، واهتدوا بمنارهم.
وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين.
فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا، ويميتنا عليه، وسائر إخواننا المسلمين.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] بهذا يكون قد انتهينا من هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀.
المتوفى في القرن الثامن الهجري في سنة (٧٢٨هـ).
وهذا الكتاب كما سبق أن أشرنا، أنه جواب على سؤا
[ ١١ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ١١ / ١٣ ]
الفرق بين ابن عربي الطائي وابن العربي المالكي
السؤال
ما هو الفرق بين ابن عربي صاحب الفصوص وبين ابن العربي المالكي؟
الجواب
ابن عربي بدون (أل) التعريف، هو ابن عربي الطائي وهو رجل صوفي مشهور له كتاب (فصوص الحكم) وله كتاب (الفتوحات الربانية)، وهو من الملاحدة الذين يدعون إلى وحدة الوجود.
وأما ابن العربي بالألف واللام، بـ (أل) التعريف فهو ابن العربي المالكي عالم من علماء الأندلس، له كثير من الكتب منها: (تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي) وله كتب أخرى مثل: (قانون التأويل) وغيره.
وله كتاب (القبس في شرح الموطأ للإمام مالك) وهو عالم معروف ومختلف عن ابن عربي تمامًا، وليس مثله.
[ ١١ / ١٤ ]
تقدير الفعل في (باسم الله)
السؤال
هل يقدر الفعل في باسم الله مقدمًا أو مؤخرًا؟
الجواب
لا، الصحيح أنه يجوز أن يكون تقدير الفعل مؤخرًا، ويصح أن يكون مقدمًا.
لكن بعضهم يستحسن أن يكون التقدير مؤخرًا؛ لشرف اسم الله ﷿، يعني: باسم الله قراءتي باسم الله كتابتي، أو باسم الله أكتب، أو باسم الله أقرأ؛ لأن هذا فيه فائدة وهو تقديم اسم الله ﷿.
فالمقصود: هو أنه لابد من وجود متعلق للجار والمجرور، والمتعلق لابد أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل دائمًا الأفعال، بينما الأسماء لا تعمل إلا بشروط وقيود.
الأمر الثاني: هو في مسألة التقديم والتأخير، ويبدو لي أن التأخير أفضل، من حيث أن تقديم اسم الله أولى من تقديم الفعل.
[ ١١ / ١٥ ]
حكم الذكر الجماعي بصوت واحد
السؤال
ما حكم الذكر الجماعي بصوت واحد؟
الجواب
الذكر الجماعي بصوت واحد ليس من السنة، بل هو من البدع المحدثة.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١١ / ١٦ ]