معنى الكرامة
وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات.
لما فرغ ﵀ مما يجب للرسول ﷺ، وما يجب لأصحابه، وما يجب لأهل بيته ﵃ انتقل إلى بيان الاعتقاد في كرامات الأولياء.
والكرامات: جمع كرامة، وهي الأمر الخارق للعادة الذي يجري خارقا للعادة، ويكون من الله - جل وعلا – لا دخل للبشر فيه، إن جرى على يد نبي فهو معجزة، مثل:
* تكثير الطعام القليل بين يدي النبي ﷺ، ونبع الماء من بين أصابعه، وأعظم من ذلك نزول القرآن، وهو المعجزة العظيمة للرسول ﷺ الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بسورة منه.
* عصا موسى، ويد موسى، والآيات التسع التي أعطاها الله لموسى ﵊.
* ما أعطي عيسى من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
فهذه معجزات، وما أعطيه نبينا ﷺ من المعجزات كثير جدا.
أما إن جرت الخارقة على يد عبد صالح وليس نبيا فهي كرامة من الله - جل وعلا – مثل الذي جرى لمريم لما كانت معتزلة في مكان ومتخذة حجابا دون الناس، ويأتيها رزقها وهي في مكانها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، يعني: المصلى الذي تصلي فيه، كلما دخل عليها زكريا مصلاها، وهو المحراب ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
ومثل الذي جرى لأصحاب الكهف من الكرامات؛ لأنهم مؤمنون، تبرأوا من دين المشركين، وخرجوا من البلد وأووا إلى غار
[ ١١١ ]
فرارا بدينهم، فالله ضرب عليهم النوم سنين طويلة حتى زادت شعورهم وأظفارهم، وهم يتقلبون من جنب إلى جنب، ومضت عليهم سنون كثيرة وهم لم يتغيروا، وهم في نومهم، هذا من كرامات الأولياء.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»، وهو كتاب نفيس جدا في هذا الباب.
أما إذا جرى الخارق على يد كافر أو على يد ساحر، فهذا ليس كرامة، وإنما هذا خارق شيطاني، فالساحر قد يطير في الهواء، ويمشي على الماء، ويدخل في النار ولا تحرقه، وهذا عمل شيطاني وليس بكرامة، وهو ابتلاء وامتحان.
فنحن نؤمن بكرامات الأولياء وأنها منحة من الله، قال أهل العلم: كرامات الأولياء معجزة للأنبياء. لأنهم ما حصلوا على هذه الكرامات إلا باتباعهم للأنبياء، فهي كرامة للأولياء ومعجزة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام، طرفان ووسط.
الطرف الأول: من ينكر الكرامات، وهم المعتزلة، ينكرون كرامات الأولياء، ويقولون: ليس هناك كرامات ولا خوارق؛ لأنهم يعتمدون على عقولهم ولا يعتمدون على الأدلة، فينكرون الكرامات.
الطرف الثاني: فريق غلا في إثبات الكرامات حتى عدوا مخاريق السحرة والكهنة والصوفية كرامات، وهي خوارق شيطانية وليست كرامات، هؤلاء غلوا في إثبات الكرامات حتى اعتقدوا أن كل شيء يخالف العادة فهو كرامة، ولو كان جرى على يد ساحر وكاهن
[ ١١٢ ]
ومشرك، فيقولون: هذه كرامة. ولذلك يعبدون القبور ويقولون: إن صاحبها حصل له كرامات وحصل له كذا وكذا، ويطلبون منه المدد، وهذا غلو في أصحاب الكرامات.
الثالث: أهل السنة والجماعة، فيتوسطون، يثبتون الكرامات الصحيحة، أما خوارق الشياطين وما يجري على يد الشياطين فهذه ليست كرامات، وإنما هي شيطنة وابتلاء وامتحان، فقد يطير الساحر في الهواء، ويمشي على الماء ويحصل له أشياء، ولكن هذا بفعل الشياطين، وقد يخبر عن أشياء غائبة؛ لأن الشياطين تخبره، إذا هو عبدهم وخضع لهم خدموه، ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فإذا تقرب الإنسي إلى الجن وخضع لهم خدموه، وهم يقدرون على ما لا يقدر عليه الإنس، فيظن الجاهل أن هذه كرامة، وهي ليست كرامة، وإنما هي شيطنة، فيجب التنبه لهذا في أمور، فالكرامات لا تنفى مطلقا ولا تثبت مطلقا، وإنما يفصل فيها فيكون الإنسان على بصيرة.
وقوله: «وما لهم من المكاشفات»، يعني: الفراسة، يعطي الله بعض المؤمنين فراسة، يتفرس فيها الأشياء، وتحصل كما تفرسها.
[ ١١٣ ]
الغلو في أصحاب الكرامات
إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
قوله: «لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا»، هذا احتراز من المؤلف ﵀، وهو رد على الذين يغلون في أصحاب الكرامات، ويعبدون الأولياء والصالحين من دون الله، ويقولون: لهم كرامات.
كما عليه القبوريون الذين يتقربون إلى الأموات، ويعتقدون في بعض الأحياء أنه وصل إلى درجة يستطيع فيها أن ينصرهم وأن يعطيهم أشياء لا يقدر عليها إلا الله، بناء على أن له كرامات، فيقولون: إن له كرامات وهذا دليل على أنه ينفع ويضر.
فالمؤلف ﵀ يرد على هؤلاء، وغالب ما عليه القبوريون مبني على هذا الوهم، الغلو في أصحاب الكرامات، فنحن نحب الصالحين، والذين تجري على أيديهم كرامات، نحبهم ونجلهم ونقتدي بهم، ولكن لا نعطيهم شيئا من العبادة كما يفعله الخرافيون.
قوله: «من حق الله تعالى»، وحق الله هو العبادة؛ كما قال ﷺ: «وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» .
وقوله: «ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله»؛ كإجراء الرزق وشفاء المريض وهبة الولد وغير ذلك، هذا لا يقدر عليه إلا الله، أما ما يقدرون عليه من أمور الدنيا فيطلب منهم إذا كانوا أحياء، حتى ولو كان ليس لهم كرامات، تطلب من الإنسان أن يساعدك بالمال؛ كأن يكون غنيا تطلب منه أن يقرضك أو يتصدق عليك، وإذا وقعت في
[ ١١٤ ]
كربة تطلب منه أن يساعدك في الخروج منها، وفي الحديث: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة»، فيستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، استغاث بموسى ﵇ ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من آل فرعون ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أغاث هذا الرجل المظلوم، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها، يستنجد بهم، فالاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه لا بأس بها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
أما الاستغاثة بالأموات فلا تجوز مطلقا؛ لأن الأموات لا يقدرون على شيء، لا الرسول ﷺ ولا غيره، هم في عالم وأنت في عالم آخر، فلا تطلب من الأموات شيئا بحجة أن لهم كرامات وأنهم يقدرون، هذا باطل، فالميت لا يطلب منه شيء ولو كان من أفضل الناس.
وكذلك الحي لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب منه شفاء المريض، أو إعطاء الولد، أو جلب الرزق له، فما يطلب من المخلوق شيء لا يقدر عليه إلا الله ﷾.
[ ١١٥ ]