هناك سبعون ألفًا من هذه الأمة يدخلهم الله ﷿ الجنة بلا حساب ولا عذاب، وقد بين النبي ﷺ أبرز الصفات التي ميزت هؤلاء لينالوا هذا الفضل العظيم، فذكر ﵊ أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
[ ١٧ / ١ ]
حديث حصين بن عبد الرحمن ودلالاته
[ ١٧ / ٢ ]
الرقية من العين والحمة وشرط الراقي
قال المصنف ﵀: [وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا.
ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت.
فقال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت.
قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديثٌ حدثناه الشعبي.
قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه.
فنظرت إلى سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ.
وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا.
وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم.
قال: أنت منهم.
ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال: سبقك بها عكاشة).
في الحديث فوائد كثيرة في الواقع، وفيه تحقيق التوحيد، وحصين بن عبد الرحمن من تلامذة سعيد بن جبير، وسعيد بن جبير من كبار التابعين وعلمائهم المشهورين الذين تتلمذوا على ابن عباس وتلقوا عنه التفسير والعلم في كتاب الله جل وعلا، ولهذا اشتهر بالتفسير سعيد بن جبير، ورواياته في التفسير كثيرة جدًا، وقد قتله الحجاج بن يوسف ظلمًا، وكان هو آخر من قتل الحجاج، وكان ﵀ مجاب الدعوة، فدعا وقال: اللهم لا تسلطه على مسلم بعدي، فهلك بعد قتله سعيدًا، والله جل وعلا يأخذ الظلمة أخذ عزيز مقتدر، وقد جاء في قصته معه أنه لما جيء به قال: ما اسمك؟ قال: اسمي سعيد.
قال: بل أنت شقي.
قال: أمي أعلم حين سمتني فصار بينه وبينه كلام، ولم يخف منه، ولما أراد قتله قال: دعني أصلي ركعتين.
فقال: صل.
فصلى وقال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا.
فقال: اصرفوه عن القبلة.
ولما صرفه استمر في صلاته، ثم انتهى وقال: لولا أن تقول إنك خائف من الموت لأطلتها، فاصنع ما شئت فقتله، وكان معروفًا بكونه مجاب الدعوة، حتى إنه مرة دعا على ديك كان يوقظه للصلاة، فكان يصيح آخر الليل، فإذا أذن هذا الديك قام وتهجد، وفي ليلة من الليالي لم يؤذن هذا الديك، فما شعر إلا بطلوع الصبح، عند ذلك قال: ما له قطع الله عنقه؟! فانقطعت عنقه، فلما رأته والدته قالت: يا بني: لا تدع على مسلم.
فـ سعيد كان في حلقة التعليم يعلم تلامذته، فقال لهم: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ والبارحة يقول أهل اللغة: هي اسم لليلة التي مضت، فإن كنت قبل زوال الشمس تقول: الليلة، وأما إذا زالت الشمس بعد الظهر تقول: البارحة؛ لأنها برحت ومضت، والكوكب الذي انقض معناه أنه سقط، وهو شهاب، وهو يذكر ذلك ليعلمهم علمًا بلغه عن رسول الله ﷺ، فقال حصين بن عبد الرحمن: أنا ثم إنه خشي أن يذم بأنه لما رآه كان يتهجد يصلي ويتعبد؛ لأن انقضاض الكوكب كان في وسط الليل، فلما خشي أن يذم بذلك نفى هذا، وقال: أما إني ما كنت في صلاة، ولكني لدغت.
يعني: أكرهت على السهر، ولم أسهر أتهجد وأتعبد وهذا يدلنا على بعد السلف عن الرياء والسمعة ومدح الإنسان بما ليس فيه، خلافًا لمن يقول: فعلت وفعلت، ويذكر الأشياء للناس ولو لم يكن إليها حاجة حتى يعلمهم بأنه عنده شيء من الصلاح، فهذا يدل على الفساد ولا يدل على الصلاح في الواقع؛ لأن المخلص المؤمن يحرص على ألا يظهر عمله للناس، بل يكون بينه وبين الله خشية أن يلحق العمل النقص؛ لأن النفس في الواقع جبلت على حب المدح والثناء، وجبلت على كونها تترفع على الناس وتترأس، ولهذا قال حصين بن عبد الرحمن: أما إني ما كنت في صلاة، ولكن لدغت.
عند ذلك سأله سعيد شيخه: ما صنعت؟ أي: حين لدغت ماذا فعلت؟ وهذا يدل على طلب العلاج، وأنه أمر مستقر عند السلف، فكانوا إذا حصل لهم مرض أو أمور تتطلب العلاج يبحثون عن الدواء ويتداوون كما سيأتي.
فقال: ارتقيت.
وفي رواية مسلم: (استرقيت) يعني: طلبت من يرقيني والرقية هي القراءة على المصاب حتى يزول الألم أو يخف، عند ذلك قال له شيخه سعيد: فما حملك على ذلك؟ وهذا فيه أن السلف لا يفعلون شيئًا إلا بدليل، وأنه إذا فُعل شيء يسألون الفاعل: ما دليلك؟ وما الذي جعلك تعمل هذا؟ وما مستندك؟ وأما قول: رأيت فلانًا أو رأيت الناس يفعلون هذا أو: كل الناس يفعلون هذا فهذا لا يجوز عندهم، ولا يسوغ عندهم أبدًا، فلا بد من الاستناد إلى دليل، والدليل يكون من قول الله جل وعلا، أو من قول رسوله ﷺ، لهذا قال حصين: حديث حدثناه الشعبي.
والشعبي أحد التابعين -أيضًا- الكبار الذين اشتهروا وعرفوا بكثرة الحفظ، حتى إنه يذكر عنه أنه قال: ما كتبت سوداء في بيضاء.
وكل ما كان يسمعه يحفظه، حتى إنه ذكر عنه أنه كان إذا ذهب إلى السوق يضع في أذنيه كرسفًا لئلا يدخل شيء من كلام الناس الذي لا يريده؛ لأنه ما سمع شيئًا إلا حفظه.
فقال له: وما حدثكم الشعبي؟ قال: حدثنا عن بريدة وهو - بريدة بن الحصيب صحابي مشهور ﵁- أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة).
فالظاهر أن هذا موقوف هنا، وهكذا في الصحيحين، ولكن هذا جاء في مسند الإمام أحمد وفي الترمذي وغيرهما مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وهو في مسند الإمام أحمد بسندٍ جيد، فقال: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، ومعنى قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمه) أن الرقية تكون من العين والحمة أشفى وأبلغ وأنجح من غيرها، وليس معنى ذلك أنه لا تجوز الرقية إلا من هذين المرضين، وإنما تكون في هذين الأمرين أنفع، والعين إصابة العائن بعينه، وهو الحاسد، والعين تقع من إنسان ولو لم يقصد؛ لأن كثيرًا من الناس تكون نفسه مجبولة على الحسد -نسأل الله العافية- والتطلع إلى ما عند الناس، ويخرج من نفسه شيء شبه السم متكيف مع وساوس الشيطان وإرادته، فيصيب صاحب النعمة، فمن أصابه شيء من ذلك يمرض وقد يموت، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (العين حق)، ويجب على الإنسان إذا كان مبتلى بشيء من ذلك ألا يحقق هذا، بل إذا حصل شيء من ذلك يبارك على من حصل له من ذلك، ويقول: اللهم بارك عليه فإنه تزول الإصابة بإذن الله، وقد ذكر العلماء الفقهاء أن الإنسان إذا عرف بإصابته بالعين وكان لا يمتنع من ذلك أنه يجب على ولي الأمر أن يسجنه حتى يموت؛ لأنه يؤذي الناس بذلك.
فالمقصود أن العين قد تكون عند بعض الناس أمرًا مستقرًا في قرارة نفسه، وكلما غبط إنسانًا أو رأى عنده نعمة قد يصيبه بإذن الله جل وعلا، والعجيب أنها لا تصيب العدو، وإنما تصيب من ليس عدوًا له، أما العدو فلا تصيبه، وقد قال الله جل وعلا في وصف الكفار: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١] أي: كادوا أن يصيبوك بأعينهم، ولكن الله جل وعلا يحفظ نبيه.
فالرقية من هذا المرض -الحسد- نافعة جدًا، فمن أنفع علاج العين الرقية، وإذا كان الراقي من المؤمنين الموقنين الذين عندهم قوة في الإيمان وقوة التمسك بالحق ومدافعة الوساوس الشيطانية والنفوس الشريرة فإنه يبرأ بإذن الله.
وأما الحمة فالمقصود بالحمة ذوات السموم التي إذا أصابت ضربت بحمتها، والحمة هي إما العقرب -أي: إبرة العقرب تسمى حمة-، وكذلك ناب الحية، وكذلك إبرة الزنبور؛ لأنه يحدث بسببها الحمى والألم الشديد، فالرقية أيضًا من هذا النوع نافعة جدًا، بشرط أن يكون الراقي ممن يؤمن بآيات الله، وعنده قوة الإيمان وقوة مدافعة الشرور والنفوس الشريرة؛ لأن هذه تتعاون مع الشياطين، فالحمة وما أشبهها يستعين بها الشيطان، فإذا حصلت الرقية شفي بإذن الله.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ بعث سرية في أمر من أموره صلوات الله وسلامه عليه للجهاد في سبيل الله، وكانت السرية قليلة، فاستضافوا حيًا من العرب فلم يضيفوهم، فلدغ سيده هذا الحي لدغته حية، فسعوا له بكل ما يمكن فلم يفده شيء، فقال بعضهم لبعض: لو ذهبتم إلى أولئك الركب فلعل عندهم راقيًا.
فذهبوا إليهم فقالوا: هل فيكم من راقٍ؛ فإن سيدنا قد لدغ؟ فقال أبو سعيد الخدري ﵁: نعم.
ولكنكم لم تضيفونا، فلا أرقي إلا بجعل.
فاتفقوا على قطيع من الضأن، فأقبل يقرأ الفاتحة وينفث عليه، فانطلقت رجله وصار يمشي كأن لم يصب بشيء، ثم قال أبو سيعد لأصحابه: لا نقرب هذا القطيع بشيء، فلا نأكل منه ولا نشرب منه ولا ننتفع منه بشيء حتى نقدم على رسول الله ﷺ ونسأله عن ذلك، فما ندري هل هو حلال أم حرام فلما قدم عليه سأله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (وما يدريك أنها رقية؟) يعني الفاتحة.
فأمرهم أن يقتسموا فاقتسموا هذا الجعل، وجاء أيضًا في الحديث الآخر: (أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)، ويدخل في هذا الرقية، ولكن إذا كان الإنسان يرقي بآيات الله أو بأسمائه وأوصافه، وليس من الدجالين الذين يحتالون على أكل أموال الناس من كل سبيل، و
[ ١٧ / ٣ ]
حال الموحدين يوم القيامة
عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم).
وكل أمة يأتيها نبي من أنبياء الله تأتي يوم القيامة مع نبيها، ولكن الذي يأتي مع النبي هم المؤمنون فقط، أما الذين كفروا به فالكفار بعضهم مع بعض كلهم يجمعون ثم يلقون في جهنم من أولهم إلى آخرهم، ولكنهم يأتون أفواجًا، فكلما ألقي فيها فوج أو أمة لعنت أختها التي سبقتها، وقالت: أنتم الذين عملتم هذا العمل واقتدينا بكم في العمل.
ثم تلعن أولاهم أخراهم، وهكذا يصبحون متلاعنين قبل دخولهم جهنم، بخلاف أهل الجنة، فإنه ينزع ما في صدورهم من غل قبل دخول الجنة، ويدخلون الجنة إخوانًا متحابين متآلفين، وذلك أن الخير كله في الجنة، وأن الشر كله بحذافيره في النار في جهنم.
وعرض الأمم على النبي ﷺ يحتمل أن يكون يقظة وأنها مثلت له إذا أتت يوم القيامة كما مثلت له الجنة والنار في مسجد صلوات الله وسلامه عليه لما قام يصلي صلاة الكسوف، يقول: (لقد عرضت علي الجنة والنار دون هذا الحائط حتى خشيت أن تأتي عليكم، فقلت: يا رب! وأنا فيهم؟ وأما الجنة فإني هممت أن أتناول منها قطفًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ثم بدا لي ألا أفعل)، فهي مثلت له، ويجوز أن يكون التمثيل أمرًا حقيقيًا؛ لأنه شاهد النار وفيها من يعرفهم، وهو يقول: (مثلت لي الجنة والنار)، ويقول: (ورأيت فيها امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمش وجهها في النار)، وقال: (رأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار)؛ لأنه أول من غير دين إبراهيم، مع أنه يقول: مثلت.
فتمثيلها بمن فيها.
وكذلك يجوز أن يكون تمثيل رؤيته للأمم مع أنبيائها من هذا القبيل، مثلت له فصار يشاهدها كهيئتها وهي تعرض على الله جل وعلا يوم القيامة، والمؤمنون هم الذين يأتون للعرض على ربهم جل وعلا مع أنبيائهم.
ويجوز أن يكون ذلك رؤيا منام، كما جاء في الصحيحين أنه ذكر رؤيا عجيبة فيها مناظر وأشياء ذكرها، فرأى النار، ورأى الجنة، ورأى آدم، ورأى غير ذلك رؤية منام، ومنام الأنبياء وحي يجب العمل به وتطبيقه، وتثبت الأحكام به، فهو نوع من أنواع الوحي الذي يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه، وأي نوع كان فهو حق لا شك فيه، وصدق أتى من عند الله جل وعلا.
قال ﷺ: (فرأيت النبي ومعه الرهط) الرهط: هم العشرة فأقل، ما بين الثلاثة إلى العشرة، فإذا زادوا على ذلك فهم جماعة، فمعنى ذلك أنه رأى بعض الأنبياء ليس معه إلا هذا العدد القليل.
ثم قال: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان) يعني أنه يأتي إلى قومه فيدعوهم إلى الله جل وعلا بالوحي الذي أوحاه الله إليه فلا يتبعه إلا رجل أو رجلان.
وهذا عجيب، وأعجب منه قوله: (ورأيت النبي وليس معه أحد) يعني أنه يأتي إلى قومه فيدعوهم فيردون عليه دعوته كلهم، ولا يتبعه واحد منهم، وهذا دليل على أن أكثر الناس هالكون، وأن أكثر بني آدم في النار؛ لأنهم عصوا الرسل، ويدل على هذا نصوص كثيرة، منها ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينادي آدم فيقول: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)، فمن كل ألف لا يبقى إلا واحد فقط، فمن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون هم بعث النار يبعثون إليها، ويبقى واحد فقط، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام:١١٦]؛ لأنهم ضالون، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] في نصوص كثيرة تدل على ضلال الناس، فلهذا يجب على العبد أن يتعرف على الحق، ولا يغتر بالكثرة، فيتعرف على الحق مع من سيتبعه، ولا يغتر بأن الكثيرين خالفوا ذلك؛ فإن الحق عليه نور تطمئن إليه القلوب، وإذا عرفه الإنسان اطمأن إليه، أما قبل أن يعرفه فهو ينكره، ويتصور أن الحق مع الكثرة.
ثم يقول ﷺ: (ورفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي) السواد معناه أنه يرى أشخاصهم ولا يميز أعيانهم، وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه يعرف أمته لو كانوا من قرب، ولكنه ما ميز أعيانهم، ولهذا ظن أنهم أمته، وقد جاء في الصحيحين أن الرسول ﷺ لما أخبرهم أنه يقف عند الحوض يذود عنه من ليس من أمته قالوا: كيف تعرف أمتك؟ فأجابهم بأنه لو كان لإنسان خيل غر محجلة بين ظهراني خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى.
قال: (فإن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء).
ثم في هذا دليل واضح على فضل بني إسرائيل وفضل موسى، وعلى كثرتهم حتى ظن أنهم هم أمته، فقيل له: هذا موسى وقومه.
وهذا فيما يظهر خاص بموسى وبمن دعاهم واتبعوه، وأما بعد ذلك فقد غيروا وتفرقوا، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة -يعني فرق بني إسرائيل الذين هم اليهود والنصارى وفرق هذه الأمة- فقيل: من هم يا رسول الله -أي: الفرقة الواحدة الناجية من هي-؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه هو القدوة، وأصحابه هم الذين تلقوا الحق عنه وقبلوه تمام القبول، وبلغوه الأمة، وبلغوه إلى من بعدهم، فهم الواسطة بين الأمة وبين رسولها صلوات الله وسلامه عليه الذين نقلوا الدين غضًا طريًا كما أنزل على رسول الله ﷺ، وهم العدول باتفاق أهل الهدى؛ لأن الله عدلهم في كتابه، وما عدله الله وأثنى عليه وأخبر أنه رضي عنه يجب أن يعدل وأن يترضى عنه وأن يتبع وأن تعلم هدايته، وأما الذين يقدحون فيهم فهم في الواقع يقدحون في الشرع؛ لأن من قدح في الواسطة بيننا وبين رسوله فقد قدح بشرعنا، كما قال الإمام أبو زرعة: إنما يريدون أن يقدحوا في الشرع.
[ ١٧ / ٤ ]
صفات أهل التوحيد الذين لا حساب عليهم
قال: (فقيل لي: انظر إلى الأفق) الأفق: هو أن تنظر أمامك أو يمينك أو شمالك أو خلفك فترى السماء وصلت إلى الأرض، فهذا الذي تشاهده يسمى الأفق، وفي رواية: (قيل لي: أنظر إلى الأفق.
فنظرت فإذا وجوه الرجال قد سدت الأفق، ثم قيل لي: أنظر إلى الأفق الآخر.
فنظرت كذلك.
فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب).
إلى هنا نهض رسول ﷺ فدخل منزله، وبقي الصحابة يتساءلون لحرصهم على الخير عن هؤلاء السبعين ألفًا، ويسأل بعضهم بعضًا: من ترى منهم؟ فمنهم من قال: لعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ.
وهذا لأنهم علموا فضل الصحابة، وفضائلهم معلومة في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ، ولكن ليس هذا خاصًا بالصحابة.
وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام.
فيقولون: نحن كنا مشركين ووقع منا الشرك، أما أبناؤنا فقد ولدوا في الإسلام فلم يقع منهم شرك، فيجوز أن يكونوا هم، وذكروا أشياء، منها أنهم قالوا هم الشهداء.
وقد جاء هذا أيضًا، وهو أنهم قالوا: هم الشهداء.
وكل هذه لها أوجه من النظر والأدلة، عند ذلك خرج إليهم رسول الله ﷺ وهم يتناظرون ويتساءلون، وهذا دليل واضح على مشروعية المناظرة في مسائل العلم، وطلب المعاني التي يذكرها رسول الله ﷺ بألفاظه أو يذكرها الله جل وعلا، فخرج عليهم فأخبروه بما قالوا، وفيه أيضًا عرض المسائل التي يكون فيها خلاف على العالم والرجوع إليه في ذلك حتى يفصل في المسائل ويبين الحق فيتبع، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، ذكر أربع صفات لهم، وهي عامة: الأولى: أنهم لا يسترقون، يعني لا يطلبون من غيرهم الرقية إذا احتاجوا إليها من مرض أو غيره.
وهذا هو الشاهد الذي ساق سعيد بن جبير الحديث من أجله، ساقه ليستدل به على تلميذه الذي ارتقى لما لدغ، فقال: (هم الذين لا يسترقون).
[ ١٧ / ٥ ]
حكم الرقية
اختلف العلماء في حكم الرقية، فمنهم من كرهها لهذا الحديث وأشباهه، ومنهم من استحبها وقال: هي مستحبة.
وإذا كانت مستحبة فالإنسان يثاب عليها، ومنهم من فصل، ولكن مع هذا كله يجب أن تكون الرقية مأذونًا بها شرعًا، فتكون بآيات الله والأدعية التي يدعى بها الله جل وعلا بأسمائه وأوصافه، وقد قال السيوطي ﵀: أجمعوا على أن الرقية إذا اجتمع فيها ثلاثة شروط أنها جائزة: الشرط الأول: أن تكون باللغة العربية، وبما يعرفه الناس.
الثاني: ألا يكون فيها شيء ممنوع مما يكون شركًا أو وسيلة إلى الشرك.
الثالث: أن يكون معتمدًا على الله ولا يعتقد أنها تؤثر بنفسها، وإنما بإذن الله جل وعلا.
وسيأتي الكلام في الرقية، والصواب أن الرقية مستحبة إذا كان الإنسان يرقى نفسه، أو كانت رقية بلا طلب فلم يطلب من غيره أن يرقيه، وأما الذي يمنع من السبق إلى الجنة هو الاسترقاء، وهو طلب الرقية من الآخرين، وكونه يأتي إلى غيره ويسأله؛ لأن المسألة فيها افتقار القلب إلى غير الله جل وعلا، وهو نوع من الحاجة لغير الله، والحاجة قد تكون شركًا، والمسلم يجب أن يكون غنيًا عن الخلق كلهم لله جل وعلا، ويكون فقره إلى الله وحده، ويكون افتقاره إلى ربه وحده، أما الخلق فيستغني عنهم جميعًا حتى يكون عبدًا لله حقًا، فلا يؤخذ من قلبه ما يأخذه صاحب المنة والفضل عليه؛ لأن كما قيل: احتج إلى من شئت تكن فقيره أو أسيره، وأنعم على من شئت تكن أميره.
فقد جبلت القلوب على الميل والخضوع لمن أحسن إليها، فهذا في الواقع هو السبب في المنع من الاسترقاء، أما الرقية بنفسها فهي جائزة، بدليل أن الرسول ﷺ رقى ورقي، رقاه جبريل ﵇ ولكن بدون طلبه، وإنما عرض عليه عرضًا فقبل العرض، وهو صلوات الله وسلامه عليه رقى الحسن والحسين وغيرهما، والراقي محسن إلى غيره، والإحسان هو الطريق للسبق إلى الجنة، أما ما وقع في صحيح مسلم من هذا الحديث أنه قال: (لا يرقون ولا يسترقون) فقد حكم الحفاظ على كلمة (يرقون) أنها وهم من الراوي، وإنما الصواب: (يسترقون)؛ لأن الراقي محسن إلى غيره، والإحسان ما يكون مانعًا من السبق إلى الجنة، والعلة في ذلك هي ما ذكرنا فقط.
[ ١٧ / ٦ ]
المقصود بقوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة)
الحديث الذي ذكره حصين بن عبد الرحمن عن بريدة أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) فالعين المقصود بها إصابة الإنسان الحاسد غيره بعينه وهي حق، فالعين حق كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ، والرقية منها نافعة، والحمة معناها: ذوات الحموم.
أي: ذوات الإبر التي تضرب بإبرتها، كالعقرب ونحوها مما يحدث بسبب ذلك حمى وألم ومرض وشدة، فالرقية من هذا نافعة جدًا، سواءٌ أكانت عقربًا أم حية أم غيرها، ولكن ليس كل راق تنفع رقيته؛ لأنها تتوقف على الإيمان، وعلى قوة النفس والتوكل على الله، وتصديق خبر الله وخبر رسوله ﷺ واليقين بذلك، أما إذا كان الإنسان مترددًا أو شاكًا يقول: تنفع أو لا تنفع فغالبًا لا تنفع، فإذا كان مترددًا وشاكًا وليس عنده جزم فرقيته لا تنفع، ولهذا تفاوت الناس في الرقية من هذا القبيل تفاوتًا عظيمًا، فمنهم من يشفى بمجرد رقية شفاءً عاجلًا، كما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ.
وأما قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) فمعنى ذلك أنه لا رقية شافية ومجدية ونافعة أكثر منها في العين والحمة، وإلا فالرقية تنفع من جميع الأمراض، ولكن نفعها من هذين المرضين -العين والحمة- أنفع وأكثر من غيرهما، وذلك لأن هذه الأمور غالبًا تحدث بواسطة النفوس الشريرة، سواءٌ من الإنس أم من الجن؛ لأن الجن يشتركون مع الإنس، ويشتركون مع الدواب الخبيثة كالحية والعقرب، فإذا جاء الإيمان من نفس خيرة متأثرة بآيات الله وبالطمأنينة به فإنها تكون مضادة لهذه النفوس الخبيثة، فيحصل الشفاء بإذن الله، وكل شيء بأمر الله جل وعلا، والإنسان ليس عنده شيء، والأمر كله يعود إلى الله، ولكن للتفاوت بين الناس في قوة الإيمان والثقة بالله يحصل ذلك.
[ ١٧ / ٧ ]
التطير ومعناه
وقوله: (ولا يتطيرون) التطير: هو التشاؤم بالطيور.
وهو عادة قديمة من عادات الجاهلية، ومعلوم أن الطيور ليس عندها تصرف، ولكن يستدلون على الأمور المستقبلة بطيرانها وبأصواتها، وقد علمت طريقتهم بالتواتر، حتى إنهم كانوا إذا خرج أحدهم يريد سفرًا أو غزوًا أو طلب رزق فشاهد غرابًا فإنه يرجع ويقول الغراب: يدل على الغربة.
ويتشاءم بذلك، وإذا نعق صار الأمر أشد عندهم، فيقول: نعى إلي نفسي.
أو: نعاني إلى أهلي، والغراب ليس عنده شيء، وليس عنده من التصرف شيء، ولا يغير شيئًا، فهو شرك، إن أضيفت الأسباب إلى غير مسببها، وكذلك الحيوانات، فبعض الأشخاص يتشاءمون ويتطيرون بها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الطيرة شرك)، وسيأتي كلام في الطيرة في بابها إن شاء الله، فهذا أعظم من الذي قبله.
[ ١٧ / ٨ ]
الكي وحكمه
وقوله: (ولا يكتوون) الكي بالنار من الأدوية المشهورة عند العرب، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوصف الكي بأن فيه شفاءً، كما وصف العسل بأن فيه شفاءً، وجاء أن الشفاء في ثلاث: في لعقة عسل، ومشرط حجام، وكية بنار.
ولكن بعده قال: (ولا أحب الكي)، وفي رواية: (وأكره لأمتي الكي)، وجاء أنه صلوات الله وسلامه عليه أمر بكي بعض أصحابه، فدعا له طبيبًا فأمره بكيه، وجاء عن الصحابة عن بعضهم أنهم فعلوا ذلك، مثل أنس فإنه أخبر أنه فعل ذلك، وكذلك عمران بن الحصين كانت تسلم عليه الملائكة فاكتوى من بواسير كانت فيه فلم يرهم لما اكتوى، ثم ترك ذلك وتاب فعادت تسلم عليه.
فهذا يدلنا على جواز الكي وأنه جائز.
وقد ورد في حكم الكي أحاديث على أنواع: النوع الأول: أنه مكروه.
والحديث الذي معنا يدل على ذلك؛ لأنه قال: (ولا يكتوون)، وهو سبب من الأسباب التي سبقوا بها إلى الجنة.
كما أنه جاء أيضًا أن الرسول صرح بكراهته فقال: (ولا أحب الكي)، وقال: (وأكره لأمتي الكي).
النوع الثاني: الإذن به -أي: بالكي-، والإذن يدل على الجواز.
النوع الثالث: فعل الكي.
النوع الرابع: وصفه بأنه فيه شفاء، ولم يمنع منه وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها)، ولهذا لما سئل عن الخمر قال: (هي داء وليست بدواء، ولم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها).
وقد اختلف العلماء في التداوي به على مذاهب، فمنهم من أجاز ذلك وقال: تركه أفضل توكلًا على الله.
وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد وطوائف من العلماء، ومنهم من استحبه استحبابًا مأكدًا حتى دنا به من الوجوب، وهو المشهور عن الإمام الشافعي ﵀، وقال النووي ﵀: مذهب جمهور العلماء أنه مستحب ومنهم من جعله مستوي الطرفين، يعني: تركته أو فعلته فكلاهما سواء، والصواب أنه مستحب؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن أمورٍ يُتداوى بها فقال: (تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله)، وفي رواية: (تداووا؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له شفاء إلا داءً واحدًا وهو الهرم).
فإذًا التداوي جائز، ولا يكون ممنوعًا.
[ ١٧ / ٩ ]
التوكل وفعل الأسباب
الصفة الرابعة: أنهم على ربهم يتوكلون، وهذا هو الجامع لما سبق، فهذه هي الصفة التي جمعت ما سبق، كونهم يتركون الطلب من الناس وسؤال الرقية وغيرها، وكونهم لا يتطيرون، بل يعلمون يقينًا أنهم لا يصيبهم إلا ما قدره الله وقضاه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن الطيور والحيوانات وغيرها لا دخل لها في تدبير شيء وتغيير أمر من الأمور، وأنها مسخرة مدبرة، فهم يعتمدون على ربهم جل وعلا موقنين بأن ما كتب الله عليهم لا بد أن يقع، وما لم يكتبه فلن يأتي إليهم.
وكذلك كونهم لا يفعلون الأسباب المكروهة، والأسباب تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ومن هذه الثلاثة قسم وضع سببًا على حصول المطلوب -المسبب- ولا بد منه، ككون الإنسان يطلب العلم فيحصل له ذلك، فلو جلس في بيته بدون طلبه ما حصل له شيء، وكون الإنسان يتزوج ليحصل له الولد، وأن الإنسان متى جلس وقال: أتوكل على ربي فإذا قدر لي شيئًا سيأتي من الرزق ومن الولد ومن العلم ومن غير ذلك فهو إما أن يكون مجنونًا عقله ذاهب، أو يكون جاهلًا جهلًا مركبًا قد ترك الشرع وترك العقل؛ لأن الشرع جاء بفعل الأسباب والأمر بالأخذ بالسبب، ثم بعد ذلك التوكل على الله في حصول المطلوب بعد فعل السبب، فلهذا أمرنا جل وعلا أن نأخذ حذرنا من الكفار، وأن نعد لهم ما استطعنا من قوة، فإنه جل وعلا أخبرنا أنه يصل المؤمنين، وأنه مع المحسنين ومع المتقين، فلا بد من فعل الأسباب، وليس التوكل هو تعطيل السبب والإعراض عنه، بل هذا يسمى عجزًا، فترك الأسباب عجز وليس بتوكل، فالتوكل هو فعل الأسباب ثم الاعتماد على الله في حصول المقصود، أي أن الإنسان لا يعتمد على السبب ولا يعطله، فالاعتماد على السبب شرك، وتعطيله قدح في العقل والشرع، فلا بد أن يفعل الإنسان السبب ولا يعتمد عليه، بل يعتمد على ربه جل وعلا في حصول المطلوب، فهذه هي حقيقة التوكل، ولهذا قال الرسول ﷺ: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا).
يعني: تذهب في الصباح من أوكارها جائعة وترجع في المساء قد ملأت حواصلها فأثبت لها الغدو والرواح، فلم تجلس في أوكارها، بل لا بد أن تروح؛ لأن هذا هو السبب، والله جعل لكل شيء سببًا.
وليس معنى ذلك أن الأسباب تؤثر بطبائعها وذواتها، كلا فهذه حكمة الله، وإلا فلو شاء لعطل السبب، ولو شاء لأوجد مضادًا له يمنع من حصول المطلوب، وإنما المقصود أن هذه سنته جل وعلا في خلقه أن رتب المسببات على أسبابها، وأمر بفعل السبب والاعتماد عليه في حصول المطلوب، فهذه هي حقيقة التوكل، ولهذا ذكر الله جل وعلا في القرآن أشياء عجيبة خلاف ما تعاهد عليه الناس.
فقد ذكر عن موسى ﵇ أنه لما أدركه فرعون وقومه وقد حال البحر بينه وبين المضي قال له جل وعلا: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣] فوقف كأنه جبال، وأصبح قاع البحر يبسًا ليس فيه مدحضة ولا مزلة، قاع يابس، فسار فيه الناس، وما قيمة العصا؟ ومن ذلك أيضًا لما كان قومه في التيه بسبب عنادهم فاستسقى لقومه قال له جل وعلا: «اضرب بعصاك الحجر»، فانفجر من الحجر اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين معينة، وهو حجر يحمل باليد، فمن أين يخرج الماء؟! فليست الأسباب هي التي توجد المسببات، ولكن الله رتب وجودها على فعل هذا السبب، ومن ذلك كونه جل وعلا خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وهذا خلاف المتعاهد عليه والمعروف في خلق بني آدم، وكونه جل وعلا خلق زوج آدم من رجل بلا أنثى، فخلقت من قطعة من جسده أنثى كاملة الخلقة، كل هذا ليبين لنا جل وعلا تمام قدرته، وأنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، ولكنه يضع الأسباب التي صارت هي سنته بالأمر بفعلها ويختبر عباده هل يعبدون الله أو يعبدون الأسباب، وكثير منهم يعبد السبب، وكثير منهم يضيف الأمر إلى نفسه، فيقول: أنا ماهر في وجوه التجارة، وأعرف كيف أتصرف.
وهكذا يقول كثير من الناس، يعني أنه يضيف حصول ما يحصل له إلى نفسه، وينسى ربه الذي لو شاء لأعمى بصيرته وعطل كل سبب يفعله فلا يكون سببًا.
فالمقصود أن التوكل لا ينافي فعل الأسباب، بل يقتضيها، فيقتضي فعل السبب، ولكن الذي يفعل السبب يجب عليه ألا يعتمد على السبب، بل يعتمد على ربه جل وعلا.
فهذه الأوصاف الأربعة هي التي جعلت هؤلاء يسبقون إلى الجنة بلا حساب.
وقد جاء في أحاديث زيادة على السبعين ألفًا، مثل الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وصححه غيرهما أن مع كل ألف سبعين ألفًا، ومنها ما هو أكثر من ذلك، فجاء أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربنا جل وعلا، وهذا شيء عظيم جدًا، وجاء في حديث -وإن كان الضعيف لا ينبغي ذكره لأنه لا يعتمد عليه- أن السبعين ألفًا من مقبرة البقيع، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم لحرصهم على الخير كانوا يعلمون أن هذا بعمل وليس بدون عمل، ولهذا بحثوا عن الأسباب.
[ ١٧ / ١٠ ]
خلاصة صفات السبعين ألفًا
صفات الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب أربع: الأولى: أنهم لا يسترقون أي: لا يطلبون من يرقيهم.
وعرفنا أن معنى ذلك أن المحذور هو الطلب وليست الرقية، أما الرقية بنفسها فهي جائزة بل مستحبة، والرسول ﷺ كان يرقي نفسه وغيره، وقد رقاه جبريل، وسيأتي الكلام في الرقية إن شاء الله.
والصفة الثانية: أنهم لا يتطيرون.
والتطير نوع من الشرك، وذلك هو التشاؤم بأفعال الطيور وبأصواتها، بأن يستدلوا بأفعالها على ما سيقع لهم، وهذه أمور يلقيها الشيطان في نفوسهم، وهي وهمية لا حقيقة لها، ولكن قد يبتلى الإنسان بما يعتقده وكله فتنة وبلوى، والذي يتعلق بغير الله جل وعلا يوكل إلى ذلك الذي تعلق به، فهذا معناه أنهم لا يعملون شيئًا من الشرك فـ (لا يتطيرون): لا يعملون شيئًا من الشرك.
الصفة الثالثة: أنهم لا يكتوون.
والكي جائز في الجملة، وهو سبب، ولكنه من الأسباب المكروهة؛ لأن الأسباب التي يطلب بها حصول المسبب قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة: قسم منها ممنوع محرم، وهذا كل ما حرمه الله جل وعلا وإن كان سببًا لحصول منفعة ما، فمثلًا الخمر قد يقال: إنها سبب للصحة أو ما أشبه ذلك، فهذا ممنوع محرم، وكذلك التداوي بالأمور المحرمة لا يجوز.
والقسم الثاني: أسباب مكروهة، مثل كون الإنسان يكتسب الرزق بسبب مكروه مثل الحجامة وما أشبه ذلك مما ذكر في الحديث، ومثل ذلك الكي طلبًا للشفاء؛ فإنه قد يكون سببًا ولكنه سبب مكروه؛ لأن الرسول ﷺ كره الكي، وقد أخبر أن فيه الشفاء، ومع ذلك قال: (وأكره لأمتي الكي)، وفي رواية: (ولا أحب الكي)، فهذا لأن العلة -كما يقول بعض العلماء- فيه أن الألم فيه أمر محقق، وأما الشفاء فهو أمر مظنون، فاستعجل الأمر المحقق الذي هو الألم بشيء مظنون مما يدل على تشبثه بالدنيا وتمسكه بها ورغبته فيها، فهنا قال: إنه يكره.
وكذلك ما أشبهه، ولكن لا يدخل في هذا -مثلًا- إجراء العمليات التي قد علم أن الغالب عليها السلامة والشفاء، فإنها ليست من هذا الباب، بل هي من باب العلاج الذي سبق أن بعض العلماء يقول: إنه مستحب استحبابًا يداني به الوجوب.
الصفة الرابعة: أنهم على ربهم يتوكلون، وحقيقة التوكل: فعل السبب الذي أمر به والاعتماد على الله جل وعلا في حصول المطلوب المقصود.
وليس ترك الأسباب من التوكل في شيء، فترك الأسباب عجز في الإنسان وقدح في عقله، وكذلك هو قدح في الشرع؛ لأن الشرع أمر بفعل السبب، وأخبر الله جل وعلا أنه جعل لكل شيء سببًا، فيجب أن يفعل ذلك السبب، ولكن يجب أن يكون سببًا أباحه الله، ويجب ألا يكون الإنسان معتمدًا على السبب، وألا يضيف إليه الأمر الذي سيقع، بل يضيفه إلى الله، ويعتمد على الله في حصول ذلك، والتوكل من أفضل الأعمال وأجلها، أعني أعمال القلوب، ولهذا صارت هذه الخصلة الرابعة هي الجامعة لما سبق، تجمع ما سبق كله، فلتمام توكلهم لا يطلبون الرقية من أحد، والطلب في غير الرقية من باب أولى، فهم لا يطلبون شيئًا من أمور الدنيا، ولا يتطيرون؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما قدره الله لا بد من وقوعه، وأن الله قضى ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأن الطيور ليس عندها تصرف، وليس عندها نفع ولا ضر، ولا خير ولا شر، وإنما هي مسخرة مخلوقة كسائر العوالم التي خلقها الله جل وعلا لحكمة، فليس عندها مما يزعمه المشركون فيها.
وكذلك كونهم لا يكتوون، فيرضون بما قدر الله لهم، ولكن ليس معنى هذا أنهم يتركون العلاج؛ لأن العلاج قد جاء الأمر به في أحاديث رسول الله ﷺ، فقال: (تداووا عباد الله؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله إلا داءً واحدًا وهو الهرم)، فأمر بالتداوي وحث عليه، وهو صلوات الله وسلامه عليه كان يتداوى مما أصابه من السم ومن السحر ومن غير ذلك.
[ ١٧ / ١١ ]
استعمال المعاريض والتنافس على الآخرة
بعدما ذكر تلك الأمور قام رجل من الصحابة يقال له: عكاشة بن محصن الأسدي ممن سبق إلى الإسلام قديمًا، ومن المهاجرين الذين هجروا بلادهم وأموالهم وأقاربهم لله تعالى، وهاجر إلى الله والرسول ﷺ، وكان من الفوارس الشجعان، وكان أيضًا من أحسن الناس وجهًا، وشهد مع رسول الله ﷺ سائر المشاهد التي قاتل فيها، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد من ارتد من العرب، ومنهم بنو أسد، حيث زعموا أن واحدًا منهم نبي، وهو طليحة الأسدي، ادعى النبوة، فذهب الصحابة لقتالهم فهزمهم الله جل وعلا، وكان طليحة الأسدي شجاعًا مقدامًا معروفًا بالشجاعة والإقدام، فركب فرسه هاربًا فأدركه عكاشة فرجع إلى عكاشة وقتله، فقتل شهيدًا، ثم إن طليحة الأسدي تاب وأسلم، وذهب لقتال الفرس، وصارت له وقائع مشهورة ومواقف معلومة في الشجاعة والبسالة والإقدام على العدو، ثم إنه قتل في وقعة الحيرة.
فـ عكاشة قام طالبًا من النبي ﷺ الشفاعة بأن يدعو الله له أن يجعله من السبعين ألفًا، ففي رواية قال: (أنت منهم)، وفي رواية: (اللهم اجعله منهم)، وجاء في رواية في الصحيح: (أأنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم)، وهذه تحمل على أنه بعدما طلب من الرسول ﷺ الدعاء استفسر مرة أخرى: هل أجيبت دعوته؟ فأخبره أن: نعم.
ثم بعدما قال عكاشة ذلك قام رجل آخر وقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال: سبقك بها عكاشة)، وهذا من باب المعاريض التي لا تجرح أحدًا، ويظهر أنه صلوات الله وسلامه عليه خشي أن يتتابع الناس في ذلك، فربما يقوم من ليس أهلًا لأن يكون منهم، وكونه يقول: أنت لست منهم قد يكون فيه سوء للإنسان الذي يواجه بهذا، والرسول ﷺ يكره مقابلة الناس بما يكرهون، فهذا يدلنا على حسن أدبه صلوات الله وسلامه عليه وتربيته، فقال: (سبقك بها عكاشة)، عند ذلك أحجم الناس كلهم، وصار هذا سدًا لباب الطلب، وليس الأمر كما يقول بعضهم: إن هذا الذي قام منافق.
فهذا بعيد جدًا؛ لأن المنافق ما يكون في قلبه دافع يدفعه لأن يطلب أن يجعل منهم، بل هو لا يؤمن بذلك، بل يكره هذا، فهذا بعيد جدًا، بل هو باطل؛ لأن هذا الذي قام لا بد أن يكون عنده دافع قلبي ورجاء يدفعه إلى أن يسأل رسول الله ﷺ بأن يسأل الله، ولكن العلة هي ما ذكرنا -والله أعلم- أنها خشية التتابع في ذلك، فسد الباب بقوله: (سبقك بها عكاشة)، فصار جوابًا لا يخدش شعور أحد، ويكفي في منع الإقدام والطلب من كل واحد، وهذا من حكمته صلوات الله وسلامه عليه.
والشاهد في هذا الحديث قوله في هؤلاء السبعين ألفًا: (لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، وهذا يدلنا على أن الإنسان ينبغي له أن يطلب الفضل والأمور العالية وإن كان غيرها جائزًا، فإن سعيدًا ﵀ لما أخبره حصين أنه استرقى لحديث بلغه في ذلك قال له: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
يعني: أحسن من عمل بما علم، ولكن هناك شيء أفضل مما صنعت، فينبغي لك أن تبحث عن الأفضل وتترك المفضول وهذا من باب التسابق في درجات الآخرة، وهي التي في الواقع ينبغي أن يتسابق فيها ويتنافس فيها لا أمور الدنيا، فإن أمور الدنيا؛ إما أن تذهب وتترك الإنسان أو الإنسان يذهب ويتركها، ولا بد من واحدٍ من هذين الأمرين ومن هاتين الخصلتين، والأمر يذهب كأن لم يكن، بخلاف الشيء الباقي الأبدي، ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالتنافس في الدرجات، فقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون﴾ [المطففين:٢٦] يعني: كل واحد ينافس الآخر في أن يكون أقدم منه وأرفع درجة في العمل الصالح، ويجتهد في العمل الصالح وفي طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله ﷺ.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هكذا أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرًا ومطولًا، ومسلم واللفظ له، والترمذي والنسائي.
قوله: [عن حصين بن عبد الرحمن] هو السلمي أبو الهذيل الكوفي، ثقة، مات سنة ست وثلاثين ومائة وله ثلاث وتسعون سنة، وسعيد بن جبير هو الإمام الفقيه، من جملة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة وأبي موسى مرسلة، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين.
وقوله: (انقض) هي بالقاف والضاد المعجمة، أي: سقط.
والبارحة: هي أقرب ليلة مضت.
قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة.
وبعد الزوال: رأيت البارحة.
وكذا قال غيره، وهي مشتقة من (برح) إذا زال.
وقوله: (أما إني لم أكن في صلاة) قال في مغني اللبيب: (أما) بالفتح والتخفيف على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة (ألا)، فإذا وقعت (أنَّ) بعدها كسرت.
الوجه الثاني: أن تكون بمعنى (حقًا) أو (أحق) وقال آخرون: هي كلمتان: الهمزة للاستفهام و(ما) اسم بمعنى: (شيء)، أي: ذلك الشيء حق، فالمعنى: أحقٌ هذا؟ وهو الصواب، و(ما) نصب على الظرفية، وهذه تفتح أن بعدها.
انتهى.
والأنسب هنا هو الوجه الأول.
والقائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رآه وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على فضل السلف وحرصهم على الإخلاص وبعدهم عن الرياء والتزين بما ليس فيهم.
وقوله: (ولكني لدغت) بضم أوله وكسر ثانيه، قال أهل اللغة: يقال لدغته العقرب وذوات السموم: إذا أصابته بسمها، وذلك بأن تأبره بشوكتها.
وقوله: (قلت: ارتقيت) لفظ مسلم: (استرقيت) أي: طلبت من يرقيني.
وقوله: (فما حملك على ذلك؟) فيه طلب الحجة على صحة المذهب.
وقوله: (حديث حدثناه الشعبي) اسمه عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر، وهو من ثقاة التابعين وفقائهم، مات سنة ثلاث ومائة.
وقوله: (عن بريدة) بضم أوله وفتح ثانيه، تصغير بردة (ابن الحصيب) -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- ابن الحارث الاسلمي، صحابي شهير، مات سنة ثلاث وستين، قاله ابن سعد.
وقوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، وقد رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعًا، قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات.
والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه.
والحمة -بضم المهملة وتخفيف الميم-: سم العقرب وشبهها قال الخطابي: ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وقد رقى النبي ﷺ ورقي].
قد رقى النبي ﷺ الحسن والحسين ﵄، ورقاه جبريل، ودل هذا على جواز الرقية، وأنها جائزة، وأما الذي ينهى عنه ويكره فليس من نوعه، بل هو مكروه فقط، فهو من باب الكمال، وهو كون الإنسان يطلب من الإنسان، وليس هذا خاصًا بالرقية، بل كل طلب يطلبه الإنسان من الآخر مكروه، وذلك لأن الطلب فيه ذل وفيه افتقار للقلب، وقلب العبد الذي يعبد الله حقًا عبادة كاملة يجب أن يكون خالصًا لله ليس لأحد فيه شيء، ولهذا لما اتخذ الله جل وعلا إبراهيم خليلًا وجاءه الولد فأحبه صار له شعبة من حب قلبه، فأراد الله أن يبتليه لينظر هل يكون لهذا الولد اشتراك في الحب الذي هو خالص لله جل وعلا؟ فأمره بذبحه، فأقدم على ذبحه غير مبال، حين ذلك بين أن حبه خالص لله، وليس معنى هذا أنه لم يتبين لله تعالى وتقدس، ولكن المقصود أن يبرز ويظهر للناس وللمبتلى نفسه، وإلا فالله عالم بكل شيء لا يخفى عليه شيء، ولهذا قد كتب الله جل وعلا كل ما يقع من الناس، وعلمه قبل وجودهم، ولا يمكن أن يقع شيء على خلاف علمه، ومع ذلك لا يؤاخذهم بعلمه، بل لا بد من كتابة الأعمال، فالملائكة تكتب أعمالهم، ولا بد أن يسألوا يوم القيامة، كل واحد يسأله الله جل وعلا عن عمله، عملت يوم كذا كذا وكذا فهل تنكر؟ وربما ينكر الإنسان، فإن أنكر جاءت الشهود من كل مكان، تشهد عليه أعضاؤه والأرض وكل شيء، فالأرض تشهد أنه عمل كذا وكذا وتنطق، وأعضاؤه كذلك تنطق.
والمقصود أن الله جل وعلا من كمال عدله وحبه للعذر وأن يعذر الناس لا يأخذ بمقتضى علمه، بل لا بد من العمل الظاهر البارز الذي يشاهد ويسجل، فهذا كله يدل على كمال عدل الله جل وعلا.
[ ١٧ / ١٢ ]
العمل بالعلم
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن، بخلاف من يعمل بجهل أو لا يعمل بما يعلم، فإنه مسيء آثم وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم].
هذا في الواقع أمر جليل، وهو كون الإنسان إذا ما علم يأثم ويجب عليه أن يعلم، أي: بالأمور التي يقدم عليها ويعملها، فيجب أن يكون على علم، فإنه إن لم يكن على علم فإما أن يقع في بدع وانحرافات فيضل في نفسه ويضل غيره، وإما أن يقصر ويترك الواجب عليه الذي وجب عليه، وكلا الأمرين مضر، ويترتب عليه إثم، فإذًا العلم أولًا ثم العمل ثانيًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل الاستغفار والعمل، فدل هذا على وجوب العلم، ومعنى ذلك أن كل إنسان لزمه عمل من الأعمال يجب عليه أن يعرف حكم الله فيه، سواءٌ أكان العمل مما يخص نفسه، أم كان يتعدى إلى غيره كالمعاملات والعقود، وسواءٌ أكانت عقود أنكحة، أم عقود بيع أم غيرها؛ لأنه يوشك أن يقع في محرم وهو لا يدري إذا كان لا يعلم، فإذا أقدم على علم فإنه يسلم بإذن الله إذا كان متقيًا، أما إذا كان غير متق فيجوز أن يتعمد المخالفة، وهذا أعظم أيضًا، أعظم من الجاهل؛ لأنه ربما عفي عن الجاهل ما لا يعفى عن العالم.
فالواجب على الإنسان أن يقوم بما أوجب الله عليه، وقد جاء أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، والمقصود بقوله: (فريضة) الشيء الذي يلزمه، وليس كل علم، فالشيء الذي يلزمه مثلًا يلزمه أن يعرف كيف يتطهر للصلاة، ويلزمه أن يعرف كيف يصلي، ولو وقع في سهو كيف يصنع، وما الذي يعمله في صلاته، ويلزمه أن يعرف كيف يؤدي زكاة ماله إذا كان عنده مال، ويلزمه أن يعرف كيف يصوم، وكيف يحج، وقبل هذا كله يلزمه أن يعرف كيف يعبد الله، وكذلك يتعرف على رسوله ﷺ المعرفة التي تثبت في القلب، ويكون موقنًا بأنه رسول من الله، وهذا لا يكون إلا بعلم وبآياته التي جاء بها التي تدل يقينًا على أنه رسول من عند الله جل وعلا، أما إذا كان يسير على ما يفعله الناس، ويصنع كما يصنعون فهذا في الواقع مسلم في الظاهر، ولكنه يخشى عليه أن يفتن عن دينه، ويخشى عليه أن يقع في المخالفات، ويخشى عليه في قبره أيضًا أنه إذا سئل قال: رأيت الناس يصنعون شيئًا فصنعته.
كما ورد في الحديث.
فالأمور التي يجب على العبد العلم بها هي التي يزاولها وتلزمه، أما الأمور التي ليس له بها صلة فما يلزمه أن يعلمها، كما إذا لم تكن له صلة بالبيع والشراء، وإنما يلزمه الشيء الذي يعمله في الصلاة وفي الطهارة والصوم والحج ونحو ذلك.
[ ١٧ / ١٣ ]
عمق فهم السلف في توافق النصوص
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ، دعا له فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فكان كذلك، مات بالطائف سنة ثمان وستين.
قال المصنف ﵀: وفيه عمق علم السلف؛ لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا) فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني].
ما قاله الرسول ﷺ لا يضرب بعضه بعضًا، ولا يناقض بعضه بعضًا؛ لأنه كله وحي، ولكن فهوم الناس قد تختلف، وقد يبدو للإنسان أن هذا معارض للنص الآخر وما أشبه ذلك، فإذا بدا له ذلك فليتهم رأيه ونظره وفهمه، وليعلم أن قول رسول الله ﷺ كله حق، وكذلك قول الله جل وعلا.
وهنا يقول: إن فيه عمق علم السلف.
يعني أن علمهم علم محيط بالأشياء والأحكام الدقيقة، فلما ذكر له الحديث علم أنه لا يخالف الحديث الذي سيذكره، ولكن الدرجات تختلف، فهذا في الأمر الجائز المباح الذي ليس محرمًا، وهذا في الأمر الفاضل الذي يكون من صدق السابقين، وهو يطلب منه أن يكون مع السابقين.
[ ١٧ / ١٤ ]
عرض الأمم على النبي ﷺ ومتى كان
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (عرضت علي الأمم)، وفي الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء.
قال الحافظ ﵀: فإن كان ذلك محفوظًا كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء وأنه وقع بالمدينة أيضًا.
قلت وفي هذا نظر].
نعم هذا فيه نظر، بل هذا غير صحيح، فالإسراء لم يقع إلا في مكة فقط، وبعضهم قال: إنه وقع ثلاث مرات.
والاختلاف فيه بين علماء في أمور: الأمر الأول: التعدد، فاختلفوا في تعدده، والصواب أنه لم يتعدد، وإنما وقع مرة واحدة في مكة، وفرضت فيه الصلاة مرة واحدة ولم تفرض مرتين ولا ثلاثًا.
الأمر الثاني: من حيث ما حصل للنبي ﷺ، فهل كان بروحه وجسده معًاَ، أو كان بروحه دون جسده؟ والصواب أنه بروحه وجسده يقظة غير منام، فأسري به يقظًا غير نائم، وفرض عليه ما فرض، ولم يذكر من الفرائض التي فرضت عليه إلا الصلاة فقط، وفرضت عليه أول ما فرضت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فلم يزل يطلب ربه جل وعلا التخفيف بمشورة موسى ﵇ إلى أن صارت خمسًا.
أما قوله الحافظ: (إذا ثبت هذا دل على تعدده وأنه وقع في المدينة) فليس كذلك، حتى لو ثبت ما يدل على ذلك، وهذا الذي وقع فيه النظر، أي أنه يجوز أن النبي ﷺ حدث عن ليلة الإسراء التي وقعت في مكة وفي المدينة، وما المانع من ذلك؟ وليس فيه -أيضًا- دلالة تدل على أن هذا وقع في المدينة، وهذا كما يقول ابن القيم ﵀: ضعاف النظر ضعاف الفقه والحديث إذا جاءت ألفاظ مختلفة لحديث لجأوا إلى التعدد، وهذا كثير جدًا، والواجب أن الإنسان يبحث عن الحق، وإذا تبين له علم أن بعض الألفاظ قد يتصرف فيها الرواة، وبعضها لا تخالف ما قاله سابقًا، وهذا منه، ولا يلزم أن يكون ذلك في الإسراء، وهذا الحديث الذي ذكره عن الترمذي أنه كان في ليلة الإسراء إذا ثبت فمعنى ذلك أنها عرضت عليه الأمم ليلة أسري به وهو في مكة، وحدث بهذا في المدينة، وكان كثيرًا ما يحدث بأنه رأى ليلة أسري به كذا وكذا، وكثيرًا ما جاءت الأحاديث عن ذلك، وبعضها في المدينة، ولو قلنا مثلما يقول الحافظ ﵀ لكثر التعدد، وهذا غير وارد.
[ ١٧ / ١٥ ]
ما ينافي التوكل من الرقية وحكم الاكتواء
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (رأيت النبي ومعه الرهط) الذي في صحيح مسلم: (الرهيط) بالتصغير لا غير، وهم الجماعة دون العشرة، قاله النووي.
وقوله: (والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) فيه الرد على من احتج بالكثرة.
وقوله: (إذ رفع لي سواد عظيم) المراد هنا الشخص الذي يرى من بعيد.
وقوله: (فظننت أنهم أمتي) لأن الأشخاص التي ترى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة، وفي صحيح مسلم: (ولكن انظر إلى الأفق)، ولم يذكره المصنف، فلعله سقط من الأصل الذي نقل الحديث منه، والله أعلم.
وقوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) أي: موسى بن عمران كليم الرحمن.
وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل.
وقوله: (فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذا أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أي: لتحقيقهم التوحيد.
وفي رواية ابن فضيل: (ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفًا).
وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين أنهم (تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر).
وروى الإمام أحمد والبيهقي في حديث أبي هريرة ﵁: (فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا) قال الحافظ: وسنده جيد.
وقوله: (ثم نهض) أي: قام.
وقوله: (فخاض الناس في أولئك) (خاض) بالخاء والضاد المعجمتين، وفي هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه الاستفادة وبيان الحق، وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، وفيه حرصهم على الخير، ذكره المصنف.
وقوله: (فقال: (هم الذين لا يسترقون» هكذا ثبت في الصحيحين، وهو كذلك في حديث ابن مسعود في مسند أحمد، وفي رواية لـ مسلم: (ولا يرقون) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ: (ولا يرقون)، وقد قال النبي ﷺ وقد سئل عن الرقى: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه)، وقال: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا).
قال: وأيضًا فقد رقى جبريل النبي ﷺ، ورقى النبي ﷺ أصحابه.
قال: والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن.
وقال: وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم.
وكذا قال ابن القيم رحمهما الله.
وقوله: (ولا يكتوون) أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم استسلامًا للقضاء وتلذذًا بالبلاء.
قلت: والظاهر أن قوله: (لا يكتوون) أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم ذلك باختيارهم، أما الكي في نفسه فجائز، كما في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع له عرقًا وكواه) وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه كُوي من ذات الجنب والنبي ﷺ حي، وروى الترمذي وغيره عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا: (الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى عن الكي)، وفي لفظ: (وما أحب أن أكتوي).
قال ابن القيم ﵀: قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله.
والثاني: عدم محبته والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه.
ولا تعارض بينها بحمد الله؛ فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي فعلى سبيل الاختيار والكراهة].
مراد ابن القيم أن النهي عنه إنما هو من باب التنزيه، يعني: مكروه تنزيهًا.
وأما قوله: وعدم محبته له يدل على المنع منه فغير صواب؛ إذ عدم محبته لا يدل على المنع منه، وإنما هو لا يحبه ولا يمنعه، فهو مثلما قال في الضب: (لا آكله ولا أحرمه) لما سئل عنه، وفي حديث آخر: (ليس بأرض قومي فأجدني أكرهه)، فالمقصود أنه قال: (لا آكله ولا أحرمه)، فهذا لا يدل على أنه مكروه أو أنه ممنوع، بل هو كرهه، والكي مثله، فكرهه وقال: (وما أحب أن أكتوي)، أو: (أنهى أمتي عن الكي)، وقد علم أنه أذن فيه فدل على أنه جائز، ولكنه -مثلما قلنا- سبب من الأسباب المكروهة، إذا تركه الإنسان فهو من باب التنزه والترفع عن الأمور الجائزة التي غيرها أفضل منها، وإذا فعله الإنسان فلا لوم عليه؛ فإنه جائز، ولا يكون آثمًا؛ لأنه مباح.
[ ١٧ / ١٦ ]
مباشرة الأسباب، وحكمها مع التوكل
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا يتطيرون) أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الطيرة وما يتعلق بها في بابها.
وقوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال، وهو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يكمل كل مقام شريف من المحبة والرجاء والخوف والرضا به ربًا وإلهًا والرضاء بقضائه.
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا؛ فإن مباشرة الأسباب -في الجملة- أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه.
وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجاتهم إليها توكلًا على الله تعالى، كالاكتواء والاسترقاء، فتركهم له لكونه سببًا مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث -فيما يظنه سببًا لشفائه- بخيط العنكبوت.
وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله).
وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ قال: (نعم -يا عباد الله- تداووا؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، غير داءٍ واحد.
قالوا: وما هو؟ قال: الهرم) رواه أحمد.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل؛ فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا.
وقد اختلف العلماء في التداوي: هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب، أو واجب، فالمشهور عن أحمد الأول؛ لهذا الحديث وما في معناه، والمشهور عند الشافعية الثاني، حتى ذكر النووي في شرح مسلم أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف واختاره الوزير أبو المظفر، قال: ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد، حتى يداني به الوجوب.
قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه؛ فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه.
وقال شيخ الإسلام: ليس بواجب عند جمهور الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد].
عند الذين يقولون: إن التداوي واجب لو أن الإنسان ترك التداوي لكان آثمًا؛ لأنه ترك ما يجب عليه، أما الذين يقولون إنه مستحب فإنه إذا تداوى أثيب على ذلك، وإن لم يتداو لم يثب على هذا، فيثاب على الدواء، ولكن إذا كان عنده التوكل فالثواب يكون على التوكل من باب آخر، وأما عند الأولين كما ذكر أنه مذهب أحمد فتركه عندهم يكون أفضل، فإذا تركه يكون مأجورًا؛ لأنه ترك مكروهًا، والمكروه يثاب على تركه تدينًا لله جل وعلا، كما أن المستحب يثاب على فعله ابتغاء وجه الله، أما ما ذكره عن مذهب الإمام مالك فكلاهما سواء، فلا ثواب ولا عقاب، تداويت أم لم تتداو.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (فقام عكاشة بن محصن) هو بضم العين وتشديد الكاف، -ومحصن- بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن حرثان -بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة- الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، كان من السابقين إلى الإسلام ومن أشجع الرجال، هاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها، واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد بيد طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك، وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص، واستشهد في وقعة الجسر المشهورة] طليحة الأسدي هو من أسد بن خزيمة الذين عكاشة منهم، وهذه القبيلة الآن لا يوجد منها أحد، نزحت في وقت فتوح الشام والعراق إلى تلك البلاد، فتفرقت، فلا يعلم منها أحد اليوم، واستشهد طليحة في وقعة الجسر، وقيل: وقعة الحيرة.
وكلتاهما قريبتان.
[ ١٧ / ١٧ ]
فضيلة عكاشة، وحسن رد النبي ﷺ
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: فقال يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم قال: (أنت منهم)، وللبخاري في رواية: فقال: (اللهم اجعله منهم) وفيه طلب الدعاء من الفاضل.
وقوله: (ثم قام رجل آخر) ذكره مبهمًا، ولا حاجة بنا إلى البحث عن اسمه.
وقوله: فقال: (سبقك بها عكاشة) قال القرطبي: لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجبه؛ إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرًا فيتسلسل الأمر، فسد الباب بقوله ذلك.
انتهى].
الأولى أن لا يقال: ليس عند الثاني ما عند عكاشة من الأحوال التي تقتضي أن يكون من السابقين ولكن الظاهر قوله الأخير، وهو أن الرسول ﷺ منع من ذلك لئلا يتتابع الناس، فكل واحد سيطلب؛ لأن كل واحد يحب ذلك -بلا شك- من الصحابة، فلما قال هذا القول امتنعوا كلهم وأحجموا عن ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه ﷺ].
المعاريض هي أن يعرض بالشيء ولا يصرح به، كما قال هنا: (سبقك بها عكاشة) يعني بذلك أنه لن يدعو له، فما قال: لا أدعو لك.
أو: لا أسأل لك.
بل قال: (سبقك بها عكاشة)، فهذا تعريض بالمنع من الدعاء له، وهكذا ينبغي للإنسان أن يستعمل المعاريض في الأمور التي لو واجه بها الغير لأثرت في شعوره، فيستعمل المعاريض التي يحصل بها المقصود ويحصل بها حسن الأدب، وكذلك القول اللين الذي لا يكون داعيًا ودافعًا إلى النفرة.
[ ١٧ / ١٨ ]